سعيد حجي - القصر الكبير المنكوب... مدينة كاملة تستيقظ على وقع الماء الثقيل

لقد رأينا الجميع يهرع إلى القصر الكبير المنكوب، رأينا مدينة كاملة تستيقظ على وقع الماء الثقيل، على رائحة الطين، على صمت الأزقة حين تصبح السماء أثقل من قدرة الأرض على الاحتمال. رأينا الجيش يصل كجسد منضبط وسط الفوضى، رأينا الدرك، رأينا الأمن، رأينا القوات المساعدة، رأينا الوقاية المدنية وهي تقتحم الخطر بصدور مفتوحة، رأينا متطوعين مدنيين يحملون ما تيسر من إنسانيتهم على أكتافهم، رأينا حتى الكلاب المدربة يُنزل بها في المنطقة ...


1770284839374.png


رأينا كل شيء يتحرك، كل شيء يشتغل، كل شيء يشتعل بالواجب، إلا أولئك الذين يفترض أن يكونوا الواجهة السياسية للبلاد. رئيس الحكومة والوزراء والبرلمانيون… غيابهم كان أفصح من أي خطاب. هؤلاء الذين لو تعلق الأمر بمهرجان خطابي، أو منصة حزبية، أو لقاء تواصلي تتلألأ فيه الكاميرات، لكانوا قد حضروا بلا تردد، بربطات عنق مستقيمة، بأحذية لامعة، بابتسامات جاهزة، بحركات مدروسة، لأن السياسة عندهم تتحول في تلك اللحظة إلى مسرح رمزي لتلميع الصورة، إلى صناعة بصرية للشرعية....
أما حين يتعلق الأمر بالأوحال، بالدموع، بالمحن، بالبرد الذي يعضّ أجساد الأطفال، بالبيوت التي تبتلعها السيول، بالنساء اللواتي ينتظرن خبرا عن غائب ، بالرجال الذين يحملون على أكتافهم أثقال العجز… فهم يتابعون الوضع من خلف الشاشات، من خلف مكاتبهم الدافئة، من خلف المسافة التي تفصل السلطة عن الألم...
في كل الدول التي تحترم مواطنيها، أول من يصل إلى السكان المنكوبين هم السياسيون، الوزراء، المسؤولون، لأن السلطة هناك ليست زينة بروتوكولية، بل التزام أخلاقي، حضور جسدي، تماس مباشر مع الناس، نوع من العقد الاجتماعي الذي يُختبر في لحظات الشدة. أما عندنا، فآخر من يصل هو السياسي، ينتظر حتى تهدأ العاصفة، حتى تجف الأرض، حتى يعود كل شيء إلى حدوده الممكنة، ثم يذهب ليلتقط صورتين أو ثلاث، يضعها في أرشيف حملاته القادمة، ثم يرحل كما جاء، عابرا فوق الجرح....

1770285035338.png


لنقل لهؤلاء بوضوح: حينما صوت عليكم الناس، حينما وضعوا ثقتهم فيكم، فعلوا ذلك من أجل مثل هذه الظروف. فعلوا ذلك لأن السياسة معناها أن تكون في الصف الأول حين تتكسر الحياة. إن لم يجدوكم إلى جانبهم وقت الشدة، فلا حاجة لهم بكم في يوم الرخاء، لأن الشرعية التي لا تمر عبر الألم شرعية ورقية، والتمثيل الذي لا ينزل إلى الطين تمثيل فارغ....
ومن هذا المنبر تحية للمؤسسات العسكرية والشبه العسكرية، للجيش، للدرك، للأمن، للقوات المساعدة، للوقاية المدنية، وللمتطوعين المدنيين الذين أثبتوا أن الإنسان أعمق من المناصب، وأن الواجب أصدق من الشعارات....
أما السياسيون الذين لا يعرفون هذه المناطق إلا في مواسم الحملات الانتخابية، فليذهبوا إلى الجحيم… لأنهم اختزلوا الوطن في منصة، واختزلوا الشعب في أصوات، واختزلوا الألم في خبر ...
وفي العمق، هذه ليست حادثة محلية، إنها مرآة لبنية كاملة من الاغتراب السياسي، حيث تتحول السلطة إلى قشرة، إلى طقس بروتوكولي، إلى تمثيل فوقي منفصل عن الجسد الاجتماعي. هنا تظهر الأزمة كأزمة معنى، كأزمة حضور، كأزمة أخلاق عمومية. تصبح السياسة نوعا من الفراغ الأنطولوجي، يصبح المسؤول كائنا يعيش داخل فقاعة رمزية، داخل برج من الخطابات، بعيدا عن التراب الذي يصنع حقيقة الناس....
تمر في الذاكرة جملة لغابرييل غارسيا ماركيز، كأنها تخرج من رواية عن مدن تغرق في النسيان: "ما يحدث لا يموت… إنه ينتظر فقط أن يُروى". وما حدث في القصر الكبير سيبقى يُروى، لأن الشعوب لا تنسى لحظة تُترك فيها وحدها، لأن الطين حين يلتصق بالأقدام يلتصق أيضا بالوعي، لأن المحنة تكشف جوهر الأشياء...

1770285103055.png

هناك، في نهاية المشهد، يتضح أن الكارثة ليست في الفيضان وحده، هي كذلك في المسافة الباردة بين السياسي والمنتخب ، في تصدع العقد الأخلاقي، في تحول الدولة إلى جهاز تقني بلا روح، في انكسار الثقة كقيمة مؤسسة، في سؤال الفلسفة السياسية القديم: من يمثل من؟ ومن يحضر حين يغيب كل شيء؟ ومن يبقى إن بقي الإنسان وحيدا أمام مصيره؟



1770284935056.png

1770284977558.png

تعليقات

كل التحية للأديب الفنان السي سعيد حجي
وتحية عالية لكل أفراد الجيش والأمن والمواطنين المغاربة الذين أبانوا عن روح الوطنية والتضحية في كل المواقف الصعبة..
وكل التضامن مع ضحايا الفيضانات
 
أعلى