كانت قراءتي الأولى لفرانز كافكا مثيرة للخيبة. كنت قد سمعت عنه الكثير وقرأت بأنه أديب كبير، رائد في السرد الحديث، سابقٌ على السوريالية وأدب اللامعقول والعبث، وعلى صمويل بيكيت وسيلين والرواية الجديدة. بل أنه سياسيٌ أيضاً صوّر لنا محنة الإنسان في ظل النظام الرأسمالي، بحسب القراءة اليسارية، ونكبة الفرد تحت نير النظام الشمولي الشيوعي، بحسب قُراء اليمين.
فأين كل ذلك؟ سألت نفسي وأنا أقرأ قصصه الطويلة بعض الشيء فبدت أشبه بتقارير رسمية شأن التقارير التي كانت يكتبها كافكا الموظف في شركة تأمين. أما نصوصه القصيرة فبدت أشبه بإستكشات لقصص لم تُكتب كاملة بعد.
لاحقاً فقط وبعد قراءة "المسخ" و"المحاكمة" و"القلعة"، أعماله الأتمّ، أمست الصورة أوضح عندي. لئن جاز تلخيص أعمال كافكا بخلاصة واحدة فهي استحالة بلوغ أجوبة حاسمة إلى حدّ أن الأسئلة المطروحة تبدو من قبيل الهزل والعبث والسخرية، وكافكا نفسه يبدو أقرب إلى كاتبٍ كوميدي.
في رواية "المحاكمة" يقلب كافكا المعادلة التقليدية رأساً على عقب وبدلاً من مفتش الأمن يبحث عن المذنبٍ أو المتهم نجد المتهم يبحث عن المفتش في سياق متاهة لا مخرج له منها. في رواية "القلعة" اللغة هي مصدر المتاهة، متاهة إساءة الفهم مثيرة للضحك تصل إلى حدِّ التهريج كما في أفلام تشارلي شابلن وبسطر كيتون.
كان كافكا تلميذ دستويفسكي في معاني التردد والحيرة والتناقض والقلق الوجودي، كما تتجلي في روايات الكاتب الروسي الكبير خاصة "رسائل من تحت الأرض" و"الجريمة والعقاب" و"الأخوة كارامازوف". ولكن كافكا مضى خطوات أبعد من معلمه. فلم يكتفِ بالتعبير عن الأمر من خلال المضمون وإنما في الإسلوب أيضاً
النص عند كافكا ليس نصاً أدبياً بالمعنى المتعارف عليه، على الأقل حتى العهد الذي كان يعيش فيه. إنه لا يخضع لشروط مسبقة أو حتى خطة كتابة ما. هناك نزعة إرتجالية واضحة وبارزة أحياناً أو على الأقل يبدو وكأنه يكتب ما يُمليه عليه شخصٌ غير أديب بالمعنى الحرفي للكلمة. كافكا نفسه لا يعرف إلى أين سيمضي السرد وعلى أي وجه سيكون. قد يبدأ النص جديَّ النبرة بل ومأسويا، ولكن فجاة ينحو نحو الهزل والسخرية والعبث وقد يعود في النهاية الى النبرة الجادة الحزينة. وقد تبدأ القصة من نصفها وتنتهي نهاية غير تامة.
ينطوي نصُّ كافكا على إستهزاء بصنعة الأدب إلى حد أنه قد يتخلي عن أي حق بالإنتماء الى حقل الكتابة الأدبية. ولعل في هذا ما يفسّر حقيقة موقفه المحيّر في النهاية حينما أودع مخطوطات أعماله لدى صديقة ماكس برود وأوصاه بأن يحرقها. فإذا لم يشأ كافكا أن تُنشر أعماله بعد موته، لماذا أودعها عند صديقه أصلاً؟ ولماذا لم يحرقها هو بنفسه؟ ربما لأنه آمن بأنها ليست أدباً، أو أنها مضادة للأدب، ولن تجد ناشراً يلمسها. أو لعله كان يأمل أن يخالفه ماكس برود، أو أي قارئ آخر يتسنى له قراءتها، الرأي ويرى بأنها رغم إخلالها بشروط الكتابة الأدبية المعهودة إلا أنها لا تعدم شروطها الخاصة التي تجعلها نصوصاً أدبية من نوعٍ مختلف تماماً.
.
[كتاب "فرانز كافكا- شاعر العار والذنب"]
فأين كل ذلك؟ سألت نفسي وأنا أقرأ قصصه الطويلة بعض الشيء فبدت أشبه بتقارير رسمية شأن التقارير التي كانت يكتبها كافكا الموظف في شركة تأمين. أما نصوصه القصيرة فبدت أشبه بإستكشات لقصص لم تُكتب كاملة بعد.
لاحقاً فقط وبعد قراءة "المسخ" و"المحاكمة" و"القلعة"، أعماله الأتمّ، أمست الصورة أوضح عندي. لئن جاز تلخيص أعمال كافكا بخلاصة واحدة فهي استحالة بلوغ أجوبة حاسمة إلى حدّ أن الأسئلة المطروحة تبدو من قبيل الهزل والعبث والسخرية، وكافكا نفسه يبدو أقرب إلى كاتبٍ كوميدي.
في رواية "المحاكمة" يقلب كافكا المعادلة التقليدية رأساً على عقب وبدلاً من مفتش الأمن يبحث عن المذنبٍ أو المتهم نجد المتهم يبحث عن المفتش في سياق متاهة لا مخرج له منها. في رواية "القلعة" اللغة هي مصدر المتاهة، متاهة إساءة الفهم مثيرة للضحك تصل إلى حدِّ التهريج كما في أفلام تشارلي شابلن وبسطر كيتون.
كان كافكا تلميذ دستويفسكي في معاني التردد والحيرة والتناقض والقلق الوجودي، كما تتجلي في روايات الكاتب الروسي الكبير خاصة "رسائل من تحت الأرض" و"الجريمة والعقاب" و"الأخوة كارامازوف". ولكن كافكا مضى خطوات أبعد من معلمه. فلم يكتفِ بالتعبير عن الأمر من خلال المضمون وإنما في الإسلوب أيضاً
النص عند كافكا ليس نصاً أدبياً بالمعنى المتعارف عليه، على الأقل حتى العهد الذي كان يعيش فيه. إنه لا يخضع لشروط مسبقة أو حتى خطة كتابة ما. هناك نزعة إرتجالية واضحة وبارزة أحياناً أو على الأقل يبدو وكأنه يكتب ما يُمليه عليه شخصٌ غير أديب بالمعنى الحرفي للكلمة. كافكا نفسه لا يعرف إلى أين سيمضي السرد وعلى أي وجه سيكون. قد يبدأ النص جديَّ النبرة بل ومأسويا، ولكن فجاة ينحو نحو الهزل والسخرية والعبث وقد يعود في النهاية الى النبرة الجادة الحزينة. وقد تبدأ القصة من نصفها وتنتهي نهاية غير تامة.
ينطوي نصُّ كافكا على إستهزاء بصنعة الأدب إلى حد أنه قد يتخلي عن أي حق بالإنتماء الى حقل الكتابة الأدبية. ولعل في هذا ما يفسّر حقيقة موقفه المحيّر في النهاية حينما أودع مخطوطات أعماله لدى صديقة ماكس برود وأوصاه بأن يحرقها. فإذا لم يشأ كافكا أن تُنشر أعماله بعد موته، لماذا أودعها عند صديقه أصلاً؟ ولماذا لم يحرقها هو بنفسه؟ ربما لأنه آمن بأنها ليست أدباً، أو أنها مضادة للأدب، ولن تجد ناشراً يلمسها. أو لعله كان يأمل أن يخالفه ماكس برود، أو أي قارئ آخر يتسنى له قراءتها، الرأي ويرى بأنها رغم إخلالها بشروط الكتابة الأدبية المعهودة إلا أنها لا تعدم شروطها الخاصة التي تجعلها نصوصاً أدبية من نوعٍ مختلف تماماً.
.
[كتاب "فرانز كافكا- شاعر العار والذنب"]