قبل أكثر من ثلاثة عقود، جلست أمام صحفي جاء يسألني عن موقف نُسب إليّ: لماذا تعارض إنشاء الفضائية الفلسطينية؟
كنت يومها مديرًا للبرامج والإنتاج في التلفزيون الفلسطيني، وكان بثه ما يزال أرضيًا.
قلت له، بما معناه: أنا لا أعارض الفضائية الفلسطينية. لكن إذا كنا سننشئ قناة جديدة لمجرد أن نضيف رقمًا آخر إلى عدد الفضائيات العربية، فلا حاجة لنا بها.
أما إذا كنا نريد شاشة تكون للشعب الفلسطيني؛ يرى الفلسطيني نفسه فيها، حياته وثقافته ووعيه وطموحاته، نضاله ومقاومته للاحتلال بكل أشكالها، ويراه فيها الفلسطيني في الوطن والشتات، ونحمل من خلالها صورته وصوته إلى شعوب أمتنا العربية، عمقنا الطبيعي، وإلى العالم، فعندها أقول: نعم، نريد هذه الفضائية.
مرت السنوات، وتغيرت الشاشة، لكن السؤال عاد إليّ هذه الأيام بصورة أخرى:
هل نحتاج حزبًا فلسطينيًا جديدًا؟
وجوابي، من حيث المبدأ، لا يختلف كثيرًا.
إذا كان المطلوب إضافة اسم جديد إلى أسماء الأحزاب، وشعار جديد إلى الشعارات، وقيادة جديدة إلى قائمة القيادات، فلا أعتقد أن أزمتنا هي نقص في عدد الأحزاب.
أما إذا كانت هناك قوة سياسية جديدة تولد من حاجة حقيقية في المجتمع الفلسطيني، وتقدم ما لم تعد القوى القائمة قادرة على تقديمه، وتفتح مساحة لمن لم يعد يجد نفسه في المرايا السياسية القديمة، فأهلًا بها.
بل ربما نحن في أمسّ الحاجة إليها.
من «فتح» إلى «مسار جديد»
أعاد هذا السؤال إلى ذهني مقال للدكتور عادل الغول، رئيس مركز للدراسات الأمنية في باريس، أعلن فيه مشاركته في تأسيس حزب «مسار جديد».
الغول يروي مساره بوضوح: كان من كوادر حركة فتح، ثم عمل في التيار الإصلاحي الذي يعتبره جزءًا من الحالة الفتحاوية، وقرر اليوم خوض تجربة سياسية جديدة.
وأكثر ما توقف عنده بصري في مقاله لم يكن انتقاله من مكان سياسي إلى آخر، بل جملة كتبها:
«أنا لا أترك تاريخي، لكنني لا أريد أن أكون أسيرًا له».
هذه الجملة أكبر من صاحبها.
لأنها تلامس سؤالًا يواجه اليوم كثيرًا من الفلسطينيين: هل الانتماء إلى التاريخ يعني البقاء الأبدي في الأطر التي صنعها ذلك التاريخ؟
أنا شخصيًا لا أرى تأسيس حزب فلسطيني جديد خطيئة، ولا أعتبر الخروج من تنظيم تاريخي خيانة لتاريخه. فالفصيل، في النهاية، أداة للعمل الوطني، وليس الوطن نفسه.
بل إن الحالة السياسية الفلسطينية، بعد عقود من الجمود وتحجر أجزاء من القوى التاريخية، تحتاج إلى الهواء.
لكن الهواء وحده لا يبني بيتًا.
والاسم الجديد لا يصنع بالضرورة سياسة جديدة.
ماذا نعرف عن «مسار جديد»؟
المعلومات المنشورة حتى الآن تشير إلى أن «مسار جديد» قوة سياسية فلسطينية حديثة يتصدرها المقدسي سامر سنجلاوي، وتقدم نفسها باعتبارها حزبًا ليبراليًا ديمقراطيًا يدعو إلى الانتخابات الحرة، وتجديد القيادة والمؤسسات، وحل الدولتين وفق القانون الدولي، وإتاحة المجال أمام قيادات فلسطينية شابة خارج هيمنة التنظيمات التقليدية.
والحزب لا يخفي طموحه الانتخابي. فقد تحدث سنجلاوي عن الانتخابات المقبلة بوصفها فرصة لظهور قيادة فلسطينية جديدة، وانتقد غياب قانون للأحزاب يضمن تكافؤ الفرص، كما تحدث عن استدعاء أجهزة أمنية لعدد من قادة الحركة في الضفة للتحقيق.
حتى هنا، نحن أمام حق طبيعي لأي فلسطيني: أن يؤسس حزبًا، ويطرح برنامجه، ويطلب ثقة الناس.
لكن هنا تبدأ أسئلتي.
الحزب ليس اسمه
قبل أن أقرر إن كان «مسار جديد» يمثل فعلًا مسارًا جديدًا، أريد أن أقرأ أوراقه.
أريد البيان السياسي للحزب.
وأريد نظامه الأساسي.
وأريد أهدافه وبرنامجه التفصيلي.
من يختار قيادته؟ وكيف؟
كم مدة ولاية رئيس الحزب؟
هل هناك مؤتمر عام؟ وهل تنتخب الهيئات القيادية من القاعدة إلى القمة؟
من هم المؤسسون؟
من أين يأتي التمويل؟ وهل ستنشر ميزانية الحزب ومصادر تمويله أمام الناس؟
ثم تأتي الأسئلة الأثقل.
ما موقف الحزب من منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها؟
ما موقفه من الاحتلال والاستيطان والقدس؟
ومن اللاجئين وحق العودة؟
ومن الأسرى؟
ومن المقاومة بأشكالها المختلفة؟
ومن المحكمة الجنائية الدولية والمقاطعة وأدوات الضغط الدولي؟
وما رؤيته لغزة بعد الحرب، وللوحدة السياسية والجغرافية بين غزة والضفة والقدس؟
وما برنامجه للاقتصاد والتعليم والصحة والحريات والعدالة الاجتماعية؟
هذه ليست أسئلة موجهة إلى «مسار جديد» لإحراجه.
هذه أسئلة يجب أن نوجهها إلى كل حزب وقائمة وتحالف يطلب صوت المواطن الفلسطيني.
وهناك أسئلة تحتاج إلى إجابات أوضح
ثمة ما يدفع إلى المزيد من التدقيق.
ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقبل الإعلان الواسع عن «مسار جديد»، نشر غيرشون باسكن نصًا قال إنه البرنامج السياسي لحزب فلسطيني جديد سيشارك في انتخابات 2026. والنص يتحدث عن الديمقراطية الليبرالية، والفصل بين السلطات، وحل الدولتين، ويرفض العنف كأداة سياسية، ويجعل الحوار والإقناع والدبلوماسية طريقًا لتحقيق الأهداف الوطنية. وبعد ذلك ظهر باسكن نفسه متحدثًا بالاسم عن «مسار جديد» وعن سامر سنجلاوي وأهمية هذه التجربة.
وسنجلاوي نفسه تحدث في مؤتمر عُقد في القدس في حزيران/يونيو الماضي عن نزع سلاح حماس تدريجيًا بأيدٍ فلسطينية، وعن الانتقال من الصراع إلى الشراكة مع إسرائيل، واعتبر دمج إسرائيل في المنطقة مصلحة فلسطينية وإقليمية.
من حقه أن يحمل هذه الرؤية.
ومن حق الحزب أن يتبناها إن كانت رؤيته.
لكن من حقي كمواطن فلسطيني أن أعرفها كاملة، وأن أناقشها، وأن أسأل عن المقابل السياسي والوطني لها.
والأهم أن أقرأها في وثيقة فلسطينية رسمية صادرة عن الحزب نفسه، لا أن أتعرف إلى أجزاء منها عبر ما يكتبه أو يقوله الآخرون عنه.
لأن الحزب الذي يريد صوت الفلسطيني يجب أن يتحدث أولًا إلى الفلسطيني.
من يمثل الحزب؟
لكن لدي سؤال ربما يسبق كل الأسئلة السابقة:
أي جزء من المجتمع الفلسطيني يريد «مسار جديد» أن يعبر عنه؟
لا أريد إجابة تقول: «الشعب الفلسطيني».
كل الأحزاب تقول ذلك.
أريد أن أعرف أين الشباب في صياغة برنامجه، لا في صوره فقط.
أين المرأة في قيادته وصناعة قراره؟
أين العامل والفلاح والمهني والمثقف ورجل الأعمال؟
أين العامل والفلاح والمثقف ورجل الأعمال؟
أين المخيم؟
أين غزة؟
أين القدس؟
أين الفلسطيني في الشتات؟
وهل الحزب نتاج حاجة تحركت من داخل المجتمع حتى صنعت إطارها السياسي، أم أن مجموعة من الشخصيات صنعت إطارًا سياسيًا ثم بدأت تبحث له عن مجتمع؟
الفارق بين الاثنين كبير.
فالحزب الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصنع شعبًا على مقاس برنامجه.
المجتمع هو الذي يمنحه سبب وجوده.
الجديد ليس عمرًا
ربما لهذا لا يغريني كثيرًا وصف أي حزب بأنه «جديد».
فقد يكون الحزب عمره ستة أشهر، بينما عقله السياسي عمره خمسون عامًا.
وقد يكون تنظيم تأسس قبل ستين عامًا قادرًا، إذا امتلك الشجاعة، على أن يجدد نفسه وفكره وقيادته وأدواته.
الجديد ليس تاريخ شهادة الميلاد.
الجديد هو ما تضيفه.
وهنا أعود إلى تلك الشاشة القديمة.
لم تكن حاجتنا يومها إلى فضائية أخرى.
كانت حاجتنا إلى فضائية أخرى في معناها ودورها؛ شاشة يستطيع الفلسطيني أن يرى نفسه فيها.
واليوم لا أعتقد أن حاجتنا هي إلى حزب آخر لمجرد زيادة عدد الأحزاب.
حاجتنا إلى سياسة يستطيع الفلسطيني أن يرى نفسه فيها.
وهنا فقط يصبح «مسار جديد» — أو أي قوة سياسية جديدة — إضافة تستحق الترحيب.
أما إذا تغيرت اللافتة وبقيت السياسة القديمة، فإننا لم نفتح طريقًا جديدًا.
لقد غيرنا اسم الشارع فقط.
والآن… دوركم
قبل أن تغادروا هذا المقال، لدي طلب.
هذه المرة لا تكتبوا لي: «مقال جميل».
ولا: «أبدعت».
ولا: «سلم قلمك».
اكتبوا عنكم أنتم.
لو وقف غدًا أمامك حزب فلسطيني جديد وقال لك: أعطني صوتك، ماذا ستطلب منه أولًا؟
برنامجه؟ قيادته؟ مصادر تمويله؟ موقفه من الاحتلال والمقاومة؟ رؤيته لمنظمة التحرير؟ برنامجه الاقتصادي والاجتماعي؟ أم لديك سؤال لم أسأله أنا؟
اكتبه.
جملة واحدة تكفي، ومن لديه رؤية أوسع فليكتبها.
لأنني أريد أن أقرأكم كما تقرؤونني، وأن يقرأ بعضنا بعضًا.
وربما تمنحنا آراؤكم مجتمعة نافذة نرى منها شيئًا أهم: كيف يفكر المجتمع الفلسطيني عشية الانتخابات؟
هل سننتظر الأحزاب حتى تختار مرشحيها في الغرف المغلقة، ثم تستدعينا يوم الاقتراع لنمنح أحدهم صوتنا؟
أم نريد أن نشارك قبل الصندوق؛ في مساءلة الأحزاب، وفي صناعة الخيارات، وفي تحديد المعايير، وفي اختيار من يستحق أصلًا أن يقف أمامنا طالبًا ثقتنا؟
هناك فرق كبير بين الحالتين.
في الأولى نحن أصوات انتخابية.
وفي الثانية نحن مجتمع يصنع الشرعية.
لذلك لا أريد رأيكم في المقال.
أريد رأيكم في الطريق.
يحيى بركات
18/82026
كنت يومها مديرًا للبرامج والإنتاج في التلفزيون الفلسطيني، وكان بثه ما يزال أرضيًا.
قلت له، بما معناه: أنا لا أعارض الفضائية الفلسطينية. لكن إذا كنا سننشئ قناة جديدة لمجرد أن نضيف رقمًا آخر إلى عدد الفضائيات العربية، فلا حاجة لنا بها.
أما إذا كنا نريد شاشة تكون للشعب الفلسطيني؛ يرى الفلسطيني نفسه فيها، حياته وثقافته ووعيه وطموحاته، نضاله ومقاومته للاحتلال بكل أشكالها، ويراه فيها الفلسطيني في الوطن والشتات، ونحمل من خلالها صورته وصوته إلى شعوب أمتنا العربية، عمقنا الطبيعي، وإلى العالم، فعندها أقول: نعم، نريد هذه الفضائية.
مرت السنوات، وتغيرت الشاشة، لكن السؤال عاد إليّ هذه الأيام بصورة أخرى:
هل نحتاج حزبًا فلسطينيًا جديدًا؟
وجوابي، من حيث المبدأ، لا يختلف كثيرًا.
إذا كان المطلوب إضافة اسم جديد إلى أسماء الأحزاب، وشعار جديد إلى الشعارات، وقيادة جديدة إلى قائمة القيادات، فلا أعتقد أن أزمتنا هي نقص في عدد الأحزاب.
أما إذا كانت هناك قوة سياسية جديدة تولد من حاجة حقيقية في المجتمع الفلسطيني، وتقدم ما لم تعد القوى القائمة قادرة على تقديمه، وتفتح مساحة لمن لم يعد يجد نفسه في المرايا السياسية القديمة، فأهلًا بها.
بل ربما نحن في أمسّ الحاجة إليها.
من «فتح» إلى «مسار جديد»
أعاد هذا السؤال إلى ذهني مقال للدكتور عادل الغول، رئيس مركز للدراسات الأمنية في باريس، أعلن فيه مشاركته في تأسيس حزب «مسار جديد».
الغول يروي مساره بوضوح: كان من كوادر حركة فتح، ثم عمل في التيار الإصلاحي الذي يعتبره جزءًا من الحالة الفتحاوية، وقرر اليوم خوض تجربة سياسية جديدة.
وأكثر ما توقف عنده بصري في مقاله لم يكن انتقاله من مكان سياسي إلى آخر، بل جملة كتبها:
«أنا لا أترك تاريخي، لكنني لا أريد أن أكون أسيرًا له».
هذه الجملة أكبر من صاحبها.
لأنها تلامس سؤالًا يواجه اليوم كثيرًا من الفلسطينيين: هل الانتماء إلى التاريخ يعني البقاء الأبدي في الأطر التي صنعها ذلك التاريخ؟
أنا شخصيًا لا أرى تأسيس حزب فلسطيني جديد خطيئة، ولا أعتبر الخروج من تنظيم تاريخي خيانة لتاريخه. فالفصيل، في النهاية، أداة للعمل الوطني، وليس الوطن نفسه.
بل إن الحالة السياسية الفلسطينية، بعد عقود من الجمود وتحجر أجزاء من القوى التاريخية، تحتاج إلى الهواء.
لكن الهواء وحده لا يبني بيتًا.
والاسم الجديد لا يصنع بالضرورة سياسة جديدة.
ماذا نعرف عن «مسار جديد»؟
المعلومات المنشورة حتى الآن تشير إلى أن «مسار جديد» قوة سياسية فلسطينية حديثة يتصدرها المقدسي سامر سنجلاوي، وتقدم نفسها باعتبارها حزبًا ليبراليًا ديمقراطيًا يدعو إلى الانتخابات الحرة، وتجديد القيادة والمؤسسات، وحل الدولتين وفق القانون الدولي، وإتاحة المجال أمام قيادات فلسطينية شابة خارج هيمنة التنظيمات التقليدية.
والحزب لا يخفي طموحه الانتخابي. فقد تحدث سنجلاوي عن الانتخابات المقبلة بوصفها فرصة لظهور قيادة فلسطينية جديدة، وانتقد غياب قانون للأحزاب يضمن تكافؤ الفرص، كما تحدث عن استدعاء أجهزة أمنية لعدد من قادة الحركة في الضفة للتحقيق.
حتى هنا، نحن أمام حق طبيعي لأي فلسطيني: أن يؤسس حزبًا، ويطرح برنامجه، ويطلب ثقة الناس.
لكن هنا تبدأ أسئلتي.
الحزب ليس اسمه
قبل أن أقرر إن كان «مسار جديد» يمثل فعلًا مسارًا جديدًا، أريد أن أقرأ أوراقه.
أريد البيان السياسي للحزب.
وأريد نظامه الأساسي.
وأريد أهدافه وبرنامجه التفصيلي.
من يختار قيادته؟ وكيف؟
كم مدة ولاية رئيس الحزب؟
هل هناك مؤتمر عام؟ وهل تنتخب الهيئات القيادية من القاعدة إلى القمة؟
من هم المؤسسون؟
من أين يأتي التمويل؟ وهل ستنشر ميزانية الحزب ومصادر تمويله أمام الناس؟
ثم تأتي الأسئلة الأثقل.
ما موقف الحزب من منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها؟
ما موقفه من الاحتلال والاستيطان والقدس؟
ومن اللاجئين وحق العودة؟
ومن الأسرى؟
ومن المقاومة بأشكالها المختلفة؟
ومن المحكمة الجنائية الدولية والمقاطعة وأدوات الضغط الدولي؟
وما رؤيته لغزة بعد الحرب، وللوحدة السياسية والجغرافية بين غزة والضفة والقدس؟
وما برنامجه للاقتصاد والتعليم والصحة والحريات والعدالة الاجتماعية؟
هذه ليست أسئلة موجهة إلى «مسار جديد» لإحراجه.
هذه أسئلة يجب أن نوجهها إلى كل حزب وقائمة وتحالف يطلب صوت المواطن الفلسطيني.
وهناك أسئلة تحتاج إلى إجابات أوضح
ثمة ما يدفع إلى المزيد من التدقيق.
ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقبل الإعلان الواسع عن «مسار جديد»، نشر غيرشون باسكن نصًا قال إنه البرنامج السياسي لحزب فلسطيني جديد سيشارك في انتخابات 2026. والنص يتحدث عن الديمقراطية الليبرالية، والفصل بين السلطات، وحل الدولتين، ويرفض العنف كأداة سياسية، ويجعل الحوار والإقناع والدبلوماسية طريقًا لتحقيق الأهداف الوطنية. وبعد ذلك ظهر باسكن نفسه متحدثًا بالاسم عن «مسار جديد» وعن سامر سنجلاوي وأهمية هذه التجربة.
وسنجلاوي نفسه تحدث في مؤتمر عُقد في القدس في حزيران/يونيو الماضي عن نزع سلاح حماس تدريجيًا بأيدٍ فلسطينية، وعن الانتقال من الصراع إلى الشراكة مع إسرائيل، واعتبر دمج إسرائيل في المنطقة مصلحة فلسطينية وإقليمية.
من حقه أن يحمل هذه الرؤية.
ومن حق الحزب أن يتبناها إن كانت رؤيته.
لكن من حقي كمواطن فلسطيني أن أعرفها كاملة، وأن أناقشها، وأن أسأل عن المقابل السياسي والوطني لها.
والأهم أن أقرأها في وثيقة فلسطينية رسمية صادرة عن الحزب نفسه، لا أن أتعرف إلى أجزاء منها عبر ما يكتبه أو يقوله الآخرون عنه.
لأن الحزب الذي يريد صوت الفلسطيني يجب أن يتحدث أولًا إلى الفلسطيني.
من يمثل الحزب؟
لكن لدي سؤال ربما يسبق كل الأسئلة السابقة:
أي جزء من المجتمع الفلسطيني يريد «مسار جديد» أن يعبر عنه؟
لا أريد إجابة تقول: «الشعب الفلسطيني».
كل الأحزاب تقول ذلك.
أريد أن أعرف أين الشباب في صياغة برنامجه، لا في صوره فقط.
أين المرأة في قيادته وصناعة قراره؟
أين العامل والفلاح والمهني والمثقف ورجل الأعمال؟
أين العامل والفلاح والمثقف ورجل الأعمال؟
أين المخيم؟
أين غزة؟
أين القدس؟
أين الفلسطيني في الشتات؟
وهل الحزب نتاج حاجة تحركت من داخل المجتمع حتى صنعت إطارها السياسي، أم أن مجموعة من الشخصيات صنعت إطارًا سياسيًا ثم بدأت تبحث له عن مجتمع؟
الفارق بين الاثنين كبير.
فالحزب الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصنع شعبًا على مقاس برنامجه.
المجتمع هو الذي يمنحه سبب وجوده.
الجديد ليس عمرًا
ربما لهذا لا يغريني كثيرًا وصف أي حزب بأنه «جديد».
فقد يكون الحزب عمره ستة أشهر، بينما عقله السياسي عمره خمسون عامًا.
وقد يكون تنظيم تأسس قبل ستين عامًا قادرًا، إذا امتلك الشجاعة، على أن يجدد نفسه وفكره وقيادته وأدواته.
الجديد ليس تاريخ شهادة الميلاد.
الجديد هو ما تضيفه.
وهنا أعود إلى تلك الشاشة القديمة.
لم تكن حاجتنا يومها إلى فضائية أخرى.
كانت حاجتنا إلى فضائية أخرى في معناها ودورها؛ شاشة يستطيع الفلسطيني أن يرى نفسه فيها.
واليوم لا أعتقد أن حاجتنا هي إلى حزب آخر لمجرد زيادة عدد الأحزاب.
حاجتنا إلى سياسة يستطيع الفلسطيني أن يرى نفسه فيها.
وهنا فقط يصبح «مسار جديد» — أو أي قوة سياسية جديدة — إضافة تستحق الترحيب.
أما إذا تغيرت اللافتة وبقيت السياسة القديمة، فإننا لم نفتح طريقًا جديدًا.
لقد غيرنا اسم الشارع فقط.
والآن… دوركم
قبل أن تغادروا هذا المقال، لدي طلب.
هذه المرة لا تكتبوا لي: «مقال جميل».
ولا: «أبدعت».
ولا: «سلم قلمك».
اكتبوا عنكم أنتم.
لو وقف غدًا أمامك حزب فلسطيني جديد وقال لك: أعطني صوتك، ماذا ستطلب منه أولًا؟
برنامجه؟ قيادته؟ مصادر تمويله؟ موقفه من الاحتلال والمقاومة؟ رؤيته لمنظمة التحرير؟ برنامجه الاقتصادي والاجتماعي؟ أم لديك سؤال لم أسأله أنا؟
اكتبه.
جملة واحدة تكفي، ومن لديه رؤية أوسع فليكتبها.
لأنني أريد أن أقرأكم كما تقرؤونني، وأن يقرأ بعضنا بعضًا.
وربما تمنحنا آراؤكم مجتمعة نافذة نرى منها شيئًا أهم: كيف يفكر المجتمع الفلسطيني عشية الانتخابات؟
هل سننتظر الأحزاب حتى تختار مرشحيها في الغرف المغلقة، ثم تستدعينا يوم الاقتراع لنمنح أحدهم صوتنا؟
أم نريد أن نشارك قبل الصندوق؛ في مساءلة الأحزاب، وفي صناعة الخيارات، وفي تحديد المعايير، وفي اختيار من يستحق أصلًا أن يقف أمامنا طالبًا ثقتنا؟
هناك فرق كبير بين الحالتين.
في الأولى نحن أصوات انتخابية.
وفي الثانية نحن مجتمع يصنع الشرعية.
لذلك لا أريد رأيكم في المقال.
أريد رأيكم في الطريق.
يحيى بركات
18/82026