أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - الصّراع والانتصار في رواية "باولا"

تقوم رواية "باولا" للروائيّة التشيليّة "إيزابيل الليندي" على ثيمة الصّراع بكلّ تجلياتها وصولاً إلى الانتصار والتحرّر من عبوديّة الإكراهات،وهناك عدّة مستويات لهذا الصراع؛1-فهناك الصّراع مع الموت؛فإيزابيل تكتب هذه السّيرة وهي إلى جانب ابنتها الرّاقدة في غيبوبة لإيمانها بأنّ ما ترويه على ابنتها سوف يعصمها من أن تكون تائهة عندما تستيقظ،وهي المهدّدة بأن تخسر جزءاً من ذاكرتها عندنا تستيقظ،وهي في الوقت نفسه تجعل من هذه السّيرة أداة تنتصر بها على الموت الذي يهدّد بأن يخطف ابنتها في أيّ لحظة،وتؤمن لهما امتداداً في الحياة والأمل والتمسّك بالحياة عبر استعراض سيرة حياة تعجّ بالانتصار للحياة على الموت.
وهذا الصّراع يصبح القاسم المشترك بين كلّ تفاصيل حياة إيزابيل بما فيها من كفاح؛فهي تسترجع على نفسها وعلى ابنتها الراقدة في الصّمت كلّ تفاصيل مرضها ومن ثم دخولها في غيبوبة الموت،وتحشو تلك التفاصيل بسيرة حياتها الشّخصيّة.
2- الصّراع مع الظّروف العائليّة إذ منذ طفولتها وجدت نفسها في مهبّ الضّياع والفقر والتّرحال برفقة أمّها وأخوتها بسبب اختفاء والدها،وعندئذٍ وجدت نفسها عالقة في بيت جدّها الذيّ يعج بالأقارب غريبي الأطوار والطّرق التربوّية الغريبة القائمة على التخبّط،وتعذيب الأطفال بحجّة أنّ هذه التّجارب القاسية تزيد من قدرتهم على احتمال صعوبات الحياة,
3- الصّراع ،مروراً بحياة تضجّ بالفوضى والتّرحال والانعطافات الكبيرة انتهاء برحيل ابنتها إلى العالم الآخر بعد رحلة صراع طويلة مع الغيبوبة.
4- الصّراع مع الاختلاف الحضاريّ في المجتمعات المختلفة التي اضطرّت إيزابيل للعيش فيها لفترات من حياتها،بما فيها ذلك من ضرورة للتكيّف بأسرع وقت مع هذه المجتمعات،ولعلّ تجربتها في التكيّف مع المجتمع العربيّ في لبنان إبّان طفولتها كانت من أصعب هذه التّجارب بسبب الاختلافات الحضاريّة الكبيرة بين شعبه وشعبها.
5- الصّراع مع ظروف بلادها السّياسيّة التي أجبرتها على أن تعيش في خارج بلادها أكثر من مرّة،وملأت نفسها بالعذاب إلى حدّ أنّها وصفت فترة إقامتها في المنفى الاختياريّ في فنزويلا بالـ"الوضاعة".
6- الصّراع مع القرار الذي كان يجب أن تتخذه دائماً في حياتها لتسير في مشروعها الإنسانيّ والإبداعيّ والوظيفيّ،وهو صراع كان يتطلّب منها الكثير من الشّجاعة والقوة والتماسك والتّضحيات،ولكنّها كانت في كلّ مرّة تبدو راضية وسعيدة بقرارها،وكان قرارها بأن تستسلم لفكرة رحيل ابنتها هو القرار الأصعب في حلقات صراعاتها،ولكنّها في نهاية" باولا" تقتنع بأنّ الموت هو الخيار الأمثل لابنتها،وتكفّ عن التمسّك ببقائها في الحياة،وتطلب من روح جدّتها أن تأخذها إليها" تعالي يا غراني،تعالي وخذي حفيدتك".
الانتصار والتحرّر بفعل الكتابة:
تعلن إيزابيل الليندي أنّها تتنصر بالكتابة على الرّعب الذي يملأها من مرض ابنتها"إنّي أندفع لكتابة هذه الصّفحات يحدوني أمل-لاعقلاني- بالتغلّب على رعبي"،جازمة بثقة أنّ هذه الكتابة سوف تساعد ابنتها باولا المريضة على الشّفاء،والخروج من غيبوبتها.وهي كذلك وسيلتها من أجل الحديث معها في ظلّ تعذّر الحديث الطّبيعي معها،ولذلك هي تكتب لها إلى حين استيقاظها.
وهي تنجح في ذلك نجاحاً حقيقيّاً،وتنتصر بالكتابة على عام كامل من الحزن والإخفاق ومرض ابنتها،بل وتجعله طريقها من أجل عدم الوقوع في إسار الخيالات والأمنيات المستحيلة،وأخيراً تجعله طريقها لتقبّل فكرة موت ابنتها في نهاية الأمر،وتخطّ في نهاية سيرتها وداعها لابنتها بقولها"وداعاً يا باولا المرأة،وأهلاً يا باولا الرّوح".
وإيزابيل ترى إنّ الكتابة عملية استبطان كبرى،وإنّها سفر في أكثر تعرّجات اللاوعي غموضاً،وبالتالي هي انتصار على كلّ مناحي الجهل والضّعف.
كذلك تشكّل الكتابة عندها محاولة دائمة من أجل الوصول إلى إجابات لكلّ الأسئلة التي تنمو داخلها دون توقّف،فضلاً عن دعمها نفسيّاً لتجاوز فاجعة الكوارث والمصائب التي تحيط بوطنها تشيلي في كثير من الأحيان.وذلك تمثيل لأطروحة أنّ الإبداع أو الخلق الفنّي يساعد الإنسان على مزيد من الوعي الذاتي والاجتماعي والنّفسيّ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى