حين يصبح السؤال أصعب من الإجابة..
قراءة في دعوة الدكتورة غانية ملحيس إلى حوار فلسطيني وعربي حول شروط التغيير – الجزء الأول
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
ثمة أسئلة لا نطرحها لأننا نجهل الإجابة عنها، بل لأننا نخشى ما قد يحدث إذا اعترفنا بأننا نعرفها. أسئلة تعيش بيننا سنوات طويلة، تجلس معنا إلى طاولات الاجتماعات، وترافقنا في المنافي والمخيمات، وتدخل بيوتنا مع نشرات الأخبار، ثم تنام إلى جوار أحلامنا المؤجلة، حتى نكاد نعتادها كما نعتاد جرحًا قديمًا لم يلتئم.
وفي لحظة من عمر الشعوب، تصبح الأسئلة أثقل من قدرتها على تأجيل الإجابات.
من هذه المسافة قرأت دعوة الدكتورة غانية ملحيس إلى حوار فلسطيني وعربي حول شروط التغيير، التي نشرتها في الرابع عشر من تشرين الأول 2026، انطلاقًا من ورقتها «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل».
لم أقرأها بوصفها محاولة أخرى لتفسير ما جرى في السابع من أكتوبر، ولا بيانًا سياسيًا يضاف إلى أرشيف طويل من البيانات التي نكتبها ثم نطويها، بل وجدتها أقرب إلى يد تمتد نحو مرآة غطاها غبار السنوات، تحاول أن تمسح عنها ما تراكم، لا لكي نرى وجوه الآخرين، بل لكي نرى وجوهنا نحن.
فليس أصعب على الإنسان من أن يكتشف أن العالم الذي أمضى عمره يحاول تغييره قد بدأ يتغير، بينما بقي هو أسير الأدوات التي اعتاد استخدامها، واللغة التي اعتاد ترديدها، والأبواب التي اعتاد طرقها دون أن تُفتح.
لقد أعادت حرب غزة فلسطين إلى قلب الضمير العالمي. خرجت أجيال إلى الشوارع لم تكن قد ولدت يوم خرج الفلسطينيون من بيروت، ولم تعش الانتفاضة الأولى، ولم تعرف أوسلو إلا من كتب التاريخ. حملت هذه الأجيال العلم الفلسطيني، ورفعت صور الأطفال، وواجهت إدارات جامعاتها وحكوماتها، واكتشفت أن وراء الأخبار التي كانت تمر أمامها حكاية شعب لم يتوقف عن المطالبة بحقه في الحياة.
في جامعات بعيدة، كان طالب ينام داخل خيمة تضامنًا مع غزة، بينما كانت عائلة في غزة تبحث عن خيمة تنام داخلها. وفي مدينة أوروبية، كانت فتاة ترفع لافتة تطالب بوقف الحرب، بينما كانت فتاة فلسطينية في العمر نفسه تبحث بين الأنقاض عن كتبها المدرسية.
بين الخيمتين مسافة جغرافية هائلة، لكن بينهما أيضًا سؤال عن معنى التضامن، وحدوده، وقدرته على تغيير الواقع.
لقد تغير شيء عميق في وعي قطاعات واسعة من العالم. تصدعت صور قديمة، وبدأت الرواية الفلسطينية تستعيد مساحات حُرمت منها طويلًا. لكن الطائرات لم تتوقف لأن الشوارع امتلأت، ولم تتراجع الجرافات عن الأرض لمجرد أن الحقيقة أصبحت أكثر وضوحًا، ولم يتحول التعاطف الإنساني تلقائيًا إلى قدرة فلسطينية على تقرير المصير.
وهنا، في تقديري، تبدأ غانية من المكان الذي ينبغي أن نبدأ منه.
فهي لا تسأل فقط ماذا فعل الطوفان بالعالم، وإنما ماذا ينبغي أن نفعل نحن بما كشفه الطوفان في أنفسنا، وفي مؤسساتنا، وفي علاقتنا بالمجتمع الذي نزعم جميعًا أننا نمثله.
إنها لا تنكر التحولات التي حدثت، لكنها ترفض أن نكتفي بالوقوف أمامها كما يقف المسافر أمام نافذة قطار، يراقب المشاهد تتغير، بينما يظل جالسًا في مكانه.
والسؤال الذي يطل من بين كلماتها ليس عن أهمية الحدث وحده، بل عن قدرتنا على تحويله إلى بداية مختلفة.
لقد أمضى الفلسطينيون عقودًا طويلة وهم ينتقلون من محطة إلى أخرى. من النكبة إلى المخيم، ومن المخيم إلى الثورة، ومن الثورة إلى المنافي، ومن بيروت إلى تونس، ومن الانتفاضة إلى أوسلو، ومن حلم الدولة إلى واقع السلطة، ومن وحدة القضية إلى انقسام الجغرافيا والمؤسسات والقرار.
في كل محطة كانت هناك تضحيات، ووعود، وخطابات عن المستقبل. وكان هناك دائمًا شعب يواصل السير، حتى حين كان الطريق يتغير تحت قدميه.
لكن السؤال الذي ظل يرافق الرحلة، وإن اختلفت صيغته، هو: من يملك القرار، ومن يدفع ثمنه، ومن يملك حق مراجعة أصحابه؟
حين تتحدث غانية عن الانتقال من التشخيص إلى التأسيس، فإنها تقترب من هذا السؤال دون أن تحصره في شخص أو تنظيم أو مؤسسة.
فنحن لا نعاني نقصًا في تشخيص أزماتنا. نعرف الانقسام، ونعرف الفساد والمحسوبية، ونعرف تآكل المؤسسات وتراجع الثقة العامة، ونعرف كيف أصبحت بعض مواقع المسؤولية أقرب إلى مقاعد دائمة منها إلى تكليف مؤقت يمنحه المجتمع ويستطيع استرداده.
نعرف الكثير، وربما أكثر مما نحتاج إليه لكي ندرك حجم الأزمة.
لكن المعرفة لم تتحول بالضرورة إلى قدرة على التغيير.
كأننا نقف منذ سنوات أمام بيت تتشقق جدرانه، ونتبادل الآراء في أسباب التشقق، ونختلف على المهندس الذي وضع المخططات، وعلى المقاول الذي نفذ البناء، بينما يواصل السكان حياتهم تحت سقف يخشون سقوطه.
ولذلك فإن التأسيس الذي تدعو إليه غانية لا يمكن أن يكون مجرد إعادة طلاء للجدران، ولا تغييرًا في أسماء الجالسين خلف المكاتب. إنه سؤال عن الأساسات نفسها، عن العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبين الشرعية والمساءلة، وبين حق القيادة في اتخاذ القرار وواجبها في تحمل نتائجه.
ومن هنا تكتسب دعوتها إلى مغادرة التشظي والانقسام معناها الأعمق.
فكم مرة شاهدنا المصافحات، وسمعنا بيانات المصالحة، ورأينا الوجوه المتجهمة تبتسم أمام المصورين، ثم عاد كل شيء إلى مكانه، كأن الاتفاق لم يكن سوى استراحة قصيرة بين خلافين؟
كانت الصور تتغير، لكن حياة الناس لم تتغير بالقدر الذي انتظروه.
فالوحدة الوطنية ليست أن يجلس المختلفون حول طاولة واحدة، وإنما أن يشعر الفلسطيني، في غزة ورام الله والقدس والداخل والشتات، بأن له مكانًا حقيقيًا حول تلك الطاولة، وأن مستقبله لا يُرسم بعيدًا عنه.
إن المجتمع الذي يُستدعى عند الحاجة إلى التضحية، ثم يُستبعد حين يحين وقت القرار، لا يستطيع أن يكون شريكًا كاملًا في مشروع وطني مهما بلغت عدالة أهدافه.
ولعل غانية، حين تربط الوحدة بالشراكة والمساءلة وتجديد الشرعيات، تدرك أن الانقسام ليس مجرد خلاف بين تنظيمين، وإنما أحد تعبيرات أزمة أعمق أصابت علاقة السياسة بالمجتمع.
غير أن أكثر ما استوقفني في دعوتها هو محاولتها إعادة الإنسان الفلسطيني إلى المكان الذي ينبغي ألا يغادره أبدًا: قلب المشروع الوطني.
فنحن شعب يعرف معنى التضحية أكثر مما يتمنى. حملنا الشهداء على أكتافنا، وودعنا أصدقاءنا ورفاقنا، وحفظنا أسماء الذين رحلوا، حتى أصبحت الذاكرة الفلسطينية أشبه ببيت واسع، لكل شهيد فيه صورة، ولكل غائب كرسي لا يجلس عليه أحد.
وكم مرة قلنا إن الدماء لن تذهب هدرًا؟
قلناها بإيمان وحزن وغضب، وكررناها حتى أصبحت جزءًا من لغتنا اليومية.
لكن الأم التي فقدت أبناءها لا تعيش داخل العبارة. إنها تعيش في بيت غابت عنه أصواتهم. تعرف أماكن أحذيتهم، وتتذكر آخر مرة نادتهم فيها، وربما تحتفظ بقميص لم تعد تستطيع غسله، خشية أن تفقد ما بقي من رائحتهم.
ما الذي يمكن أن نقدمه لهذه الأم غير الكلمات؟
لا نستطيع أن نعيد إليها أبناءها، لكننا نستطيع أن نسأل عما فعلناه لحماية من بقي، وعن المستقبل الذي نعد به الأطفال الذين لم يولدوا بعد.
وهنا تلامس غانية منطقة شديدة الحساسية في وعينا الوطني. فهي لا تقلل من عظمة التضحية، بل تحاول أن تنقذ معناها من أن يتحول إلى تبرير لاستمرار الألم بلا نهاية.
فالوفاء للشهداء لا يكون فقط بحفظ أسمائهم، وإنما أيضًا بحماية الأحياء، وبأن تصبح الحياة التي حلموا بها أكثر قربًا ممن سيأتون بعدهم.
ومن هذه النافذة تدخل غانية إلى مفهوم الصمود، ذلك المفهوم الذي رافق الفلسطيني منذ النكبة، وأصبح جزءًا من هويته وذاكرته وصورته أمام العالم.
لقد تعلمنا أن نرى الصمود في الرجل الذي يرفض مغادرة أرضه، وفي المرأة التي تعيد بناء بيتها، وفي الطفل الذي يحمل حقيبته المدرسية بين الحواجز.
لكننا، مع مرور السنوات، كدنا نحول قدرة الفلسطيني على احتمال المستحيل إلى واجب دائم عليه.
نرى رجلًا يجلس أمام منزله المدمر فنصفه بالصامد، وامرأة تطهو لأطفالها فوق الحطب فنراها رمزًا للصمود، وطفلًا يدرس على ضوء شمعة فنحتفي بإرادته.
وكل ذلك يحمل حقيقة إنسانية عظيمة.
لكن الرجل يحتاج إلى منزل، والمرأة تحتاج إلى ماء وكهرباء وطعام، والطفل يحتاج إلى مدرسة حقيقية، لا إلى صورة جديدة يتداولها العالم إعجابًا بقدرته على التعلم وسط الخراب.
ليس مطلوبًا من الفلسطيني أن يقضي حياته وهو يثبت للآخرين أنه يستطيع العيش بلا حياة.
الصمود ليس أن نعتاد المأساة، وإنما أن نمنع المأساة من أن تصبح قدرًا طبيعيًا.
وهذا، في تقديري، أحد أجمل المعاني التي تفتحها غانية حين تجعل من الماء والمسكن والتعليم والصحة والعمل شروطًا للفعل الوطني، لا مطالب معيشية مؤجلة إلى ما بعد التحرر.
فالحرية التي لا تجد طريقها إلى حياة الإنسان اليومية تبقى ناقصة، والمشروع الوطني الذي لا يحمي المجتمع الذي يحمله يخاطر بأن يفقد، مع الزمن، قدرته على الاستمرار.
ثم نصل إلى غزة.
غزة التي أصبحت صورها جزءًا من ذاكرة العالم، حتى كاد العالم ينسى أنها كانت مدينة للحياة قبل أن تصبح عنوانًا للموت.
لقد رأينا الأطفال تحت الأنقاض، والنساء في طوابير الخبز، والرجال يحملون جثامين أحبائهم، والعائلات تنتقل من مكان إلى آخر بحثًا عن أمان لا تجده.
لكن أين غزة الأخرى؟
أين صوت البائع الذي كان يفتح متجره كل صباح؟ أين رائحة الخبز في الأزقة؟ أين الطلاب الذين كانوا يتجادلون حول امتحاناتهم؟ أين الموسيقي الذي كان يحلم بحفل، والرسامة التي كانت تنتظر معرضها الأول، والمخرج الذي كان يبحث عن حكاية لفيلمه القادم؟
أين العشاق الذين كانوا يخططون لزفافهم، والأمهات اللواتي كنّ يختلفن مع أطفالهن حول موعد النوم، والآباء الذين كانوا يعودون متعبين من أعمالهم ويحلمون بيوم أفضل؟
لم تكن غزة مجرد مكان ينتظر الكارثة.
كانت مجتمعًا حيًا، يعرف الفرح والحزن، والنجاح والفشل، والحب والاختلاف، وكانت له أحلامه الصغيرة التي لا تقل قيمة عن أحلام البشر في أي مكان من العالم.
حين تدعونا غانية إلى ألا نختزل غزة في صورة الضحية، فإنها لا تطلب منا أن نغلق أعيننا عن الجريمة، بل أن نفتحها على الإنسان الذي تحاول الجريمة محوه.
فالذاكرة التي تحفظ الموت وحده لا تحفظ الحقيقة كاملة، والتضامن الذي لا يرى في الفلسطيني إلا جرحه قد ينتهي، دون أن يقصد، إلى حرمانه من صورته الإنسانية الكاملة.
لا يجوز أن ننسى الذين قُتلوا، لكن لا يجوز أيضًا أن ننسى الذين يريدون أن يعيشوا.
وإعادة بناء غزة ليست مجرد عملية هندسية لإزالة الركام وإقامة الأبنية، ولا مشروعًا إغاثيًا ينتهي بتوزيع المساعدات. إنها استعادة مجتمع لحقه في أن يقرر شكل حياته، وأن يعيد بناء مدارسه وجامعاته ومؤسساته وثقافته واقتصاده، وأن يسترد قدرته على الحلم.
فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا فقط. إنه ذاكرة عائلة، وصوت أم، وضحكة طفل، ونافذة تطل على صباح يعرفه سكانه.
وإعادة بناء البيت، بهذا المعنى، جزء من إعادة بناء الإنسان الذي يسكنه.
ثم تعود غانية إلى العالم، إلى المسافة بين أن تصبح فلسطين مركز الاهتمام، وأن يصبح الفلسطينيون مركز الفعل.
وهذه مسافة تستحق التأمل.
لقد انتقلت فلسطين إلى شوارع لم تكن تعرف أسماء مدنها، ودخلت إلى جامعات ومتاحف ومسارح ومهرجانات، وأصبحت حاضرة في ضمير أجيال جديدة.
لكن التعاطف، مهما اتسع، لا يملك وحده أن يغير موازين القوة.
فالطالب الذي يهتف لفلسطين في جامعة أميركية قد ينجح في تغيير وعي زملائه، والفنان الذي يرفض الصمت قد يفتح نافذة جديدة على الحقيقة، والكاتب الذي يعيد قراءة التاريخ قد يسهم في هدم رواية استقرت طويلًا.
غير أن الطريق من الجامعة إلى مركز القرار، ومن الشارع إلى المؤسسة، ومن الوعي الأخلاقي إلى الفعل السياسي، ليس طريقًا قصيرًا ولا مستقيمًا.
إنه يحتاج إلى عمل منظم، وإلى رؤية، وإلى مؤسسات تعرف كيف تحول التضامن إلى قوة مستدامة، وكيف تبني علاقات تتجاوز اللحظة العاطفية، دون أن تفقد استقلال القرار الفلسطيني أو تختزل القضية في حدود ما يسمح به الآخرون.
وهنا تبدو دعوة غانية أشبه بمحاولة وصل ما انقطع بين الخارج والداخل، بين ما يراه العالم في فلسطين وما يستطيع الفلسطينيون أن يصنعوه لأنفسهم.
فليس كافيًا أن يصبح العالم أكثر معرفة بعدالة قضيتنا، إذا لم نصبح نحن أكثر قدرة على إدارة هذه القضية، وتجديد مؤسساتها، وحماية مجتمعها، وتحديد الطريق الذي نريد السير فيه.
ومع ذلك، فإن التحولات الكبرى لا تُقاس دائمًا بنتائجها المباشرة. فقد تبدأ في وعي طالب، أو موقف فنان، أو سؤال يطرحه باحث، ثم تحتاج إلى سنوات حتى تجد طريقها إلى السياسة.
ولذلك لا ينبغي أن نقلل من قيمة ما تغيّر، ولا أن نبالغ في اعتباره انتصارًا مكتملًا.
بين الأمرين تقع مسؤوليتنا.
ولعل ما أعجبني في دعوة غانية، إلى جانب أسئلتها، أنها لا تتعامل مع أفكارها باعتبارها حقيقة نهائية، ولا تطلب من الآخرين أن يوقعوا تحتها بالموافقة.
إنها تدعو إلى النقد، بل إلى الكشف عما قد يكون في ورقتها من ثغرات وتناقضات، وإلى اقتراح ما ينبغي تعديله أو تجاوزه.
وهذا موقف يستحق التوقف عنده، خصوصًا في حياتنا السياسية والثقافية التي كثيرًا ما يصبح فيها الاختلاف خصومة، وتتحول المراجعة إلى اتهام، ويشعر بعض أصحاب الأفكار أن الاعتراف بالخطأ انتقاص من مكانتهم.
لكن الأفكار ليست ممتلكات شخصية نخشى عليها من الاقتراب. إنها محاولات لفهم العالم، تزداد نضجًا حين نسمح للآخرين بأن يروا فيها ما لم نره.
وإذا كان ثمة ما تحتاج إليه حياتنا الفلسطينية اليوم، إلى جانب المؤسسات والبرامج والقرارات، فهو استعادة القدرة على الاختلاف دون أن نفقد قدرتنا على العمل معًا.
أن نستطيع القول إننا أخطأنا دون أن نعتبر الاعتراف هزيمة، وأن نراجع تجربة دون أن نمحو تاريخها، وأن نختلف مع قيادة دون أن نطعن في كل ما قدمته، وأن نحترم التضحية دون أن نجعلها حصانة تمنع مساءلة القرار.
وربما لهذا وجدت في دعوة غانية ما يتجاوز موضوعها المباشر.
فهي تضعنا أمام مفارقة رافقت تاريخنا طويلًا: شعب يمتلك قدرة استثنائية على التضحية والصمود، لكنه لم يمتلك دائمًا مؤسسات سياسية بمستوى هذه القدرة، ولا آليات تضمن أن تتحول تضحياته إلى إنجازات تحمي مستقبله.
ولا يمكن تفسير هذه المفارقة بعامل واحد، ولا تحميلها لطرف واحد، ولا فصلها عن الاحتلال ومشروعه الاستعماري، وعن موازين القوة والتدخلات الإقليمية والدولية. لكن ذلك كله لا يعفينا من النظر إلى ما صنعناه نحن، وما سمحنا باستمراره، وما اعتدنا تأجيل مراجعته.
فقد تكون أخطر الأزمات تلك التي نعرف أسبابها، ثم نواصل العيش معها حتى تصبح جزءًا من نظام حياتنا.
لقد تغيرت أشياء كثيرة منذ السابع من أكتوبر، لكن بعض الأسئلة التي نواجهها اليوم أقدم من ذلك التاريخ بكثير.
أسئلة عن السلطة والشرعية والتمثيل، وعن العلاقة بين السياسة والمقاومة، وبين المجتمع ومؤسساته، وبين القرار وثمنه، وعن فلسطين التي نريد أن نورثها للأجيال القادمة.
ولعل أهمية دعوة غانية أنها لا تسمح لنا بالاختباء طويلًا خلف عظمة ما حدث، ولا خلف اتساع التعاطف العالمي، بل تعيدنا إلى المكان الذي تبدأ منه مسؤوليتنا.
إلى أنفسنا.
إلى المجتمع الذي نعيش فيه، وإلى المؤسسات التي أنشأناها، وإلى القرارات التي اتخذناها، وإلى الأخطاء التي ربما كنا نعرفها ولم نمتلك شجاعة مواجهتها.
هناك، بعيدًا عن المنابر والبيانات، يعيش الفلسطيني يومه العادي الذي لم يعد عاديًا. يحاول الوصول إلى أرضه، وإلى عمله، وإلى مدرسته، وإلى بيته. يحاول أن يحمي أبناءه من الخوف، وأن يمنحهم شيئًا من الطمأنينة، وأن يصدق أن الغد يمكن أن يكون مختلفًا.
هذا الإنسان لا ينتظر منا أن نتفق على وصف مأساته، فقد عاشها ويعرف تفاصيلها أكثر منا جميعًا.
إنه ينتظر أن نفتح له طريقًا للخروج منها.
ولأن دعوة الدكتورة غانية ملحيس لا تبحث عن اتفاق يريح العقول، بل عن اختلاف يوقظها، فإن هذه القراءة ليست نهاية الحوار، وإنما بدايته.
في الجزء الثاني سأعود إلى الأسئلة التي طرحتها، لا لأبحث عما يؤكد قناعاتي، ولا لأختلف معها لمجرد الاختلاف، بل لأتأمل معها أين نلتقي، وأين نفترق، وما الذي يمكن أن نضيفه من تجربتنا الفلسطينية، ومن ذاكرة شعب لم يتوقف يومًا عن البحث عن طريقه إلى الحرية.
فالأفكار لا تنضج بالتصفيق لها، ولا تفقد قيمتها حين نختلف معها. إنها تكبر كلما امتلكنا شجاعة الاقتراب منها، ومساءلتها، وربما مساءلة أنفسنا من خلالها.
ولعل أجمل ما في دعوة غانية أنها لم تطلب منا أن نكون صدى لصوتها، بل أن نأتي بأصواتنا، وأن نرى ما قد لا تراه عين واحدة، مهما اتسعت رؤيتها.
فليس السؤال اليوم ما إذا كنا نملك الشجاعة لنروي ما حدث لنا. لقد رويناه طويلًا، وحفظناه في ذاكرتنا، وكتبناه بدموعنا ودمائنا.
السؤال الأصعب: هل نملك الشجاعة لنغيّر ما اعتدنا عليه في أنفسنا، حتى لا نورث أبناءنا المأساة نفسها، ومعها الكلمات نفسها التي استخدمناها لتفسيرها؟
يتبع في الجزء الثاني: أين نلتقي مع غانية، وأين نفترق، وماذا نضيف؟
يحيى بركات
14/10/2026
قراءة في دعوة الدكتورة غانية ملحيس إلى حوار فلسطيني وعربي حول شروط التغيير – الجزء الأول
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
ثمة أسئلة لا نطرحها لأننا نجهل الإجابة عنها، بل لأننا نخشى ما قد يحدث إذا اعترفنا بأننا نعرفها. أسئلة تعيش بيننا سنوات طويلة، تجلس معنا إلى طاولات الاجتماعات، وترافقنا في المنافي والمخيمات، وتدخل بيوتنا مع نشرات الأخبار، ثم تنام إلى جوار أحلامنا المؤجلة، حتى نكاد نعتادها كما نعتاد جرحًا قديمًا لم يلتئم.
وفي لحظة من عمر الشعوب، تصبح الأسئلة أثقل من قدرتها على تأجيل الإجابات.
من هذه المسافة قرأت دعوة الدكتورة غانية ملحيس إلى حوار فلسطيني وعربي حول شروط التغيير، التي نشرتها في الرابع عشر من تشرين الأول 2026، انطلاقًا من ورقتها «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل».
لم أقرأها بوصفها محاولة أخرى لتفسير ما جرى في السابع من أكتوبر، ولا بيانًا سياسيًا يضاف إلى أرشيف طويل من البيانات التي نكتبها ثم نطويها، بل وجدتها أقرب إلى يد تمتد نحو مرآة غطاها غبار السنوات، تحاول أن تمسح عنها ما تراكم، لا لكي نرى وجوه الآخرين، بل لكي نرى وجوهنا نحن.
فليس أصعب على الإنسان من أن يكتشف أن العالم الذي أمضى عمره يحاول تغييره قد بدأ يتغير، بينما بقي هو أسير الأدوات التي اعتاد استخدامها، واللغة التي اعتاد ترديدها، والأبواب التي اعتاد طرقها دون أن تُفتح.
لقد أعادت حرب غزة فلسطين إلى قلب الضمير العالمي. خرجت أجيال إلى الشوارع لم تكن قد ولدت يوم خرج الفلسطينيون من بيروت، ولم تعش الانتفاضة الأولى، ولم تعرف أوسلو إلا من كتب التاريخ. حملت هذه الأجيال العلم الفلسطيني، ورفعت صور الأطفال، وواجهت إدارات جامعاتها وحكوماتها، واكتشفت أن وراء الأخبار التي كانت تمر أمامها حكاية شعب لم يتوقف عن المطالبة بحقه في الحياة.
في جامعات بعيدة، كان طالب ينام داخل خيمة تضامنًا مع غزة، بينما كانت عائلة في غزة تبحث عن خيمة تنام داخلها. وفي مدينة أوروبية، كانت فتاة ترفع لافتة تطالب بوقف الحرب، بينما كانت فتاة فلسطينية في العمر نفسه تبحث بين الأنقاض عن كتبها المدرسية.
بين الخيمتين مسافة جغرافية هائلة، لكن بينهما أيضًا سؤال عن معنى التضامن، وحدوده، وقدرته على تغيير الواقع.
لقد تغير شيء عميق في وعي قطاعات واسعة من العالم. تصدعت صور قديمة، وبدأت الرواية الفلسطينية تستعيد مساحات حُرمت منها طويلًا. لكن الطائرات لم تتوقف لأن الشوارع امتلأت، ولم تتراجع الجرافات عن الأرض لمجرد أن الحقيقة أصبحت أكثر وضوحًا، ولم يتحول التعاطف الإنساني تلقائيًا إلى قدرة فلسطينية على تقرير المصير.
وهنا، في تقديري، تبدأ غانية من المكان الذي ينبغي أن نبدأ منه.
فهي لا تسأل فقط ماذا فعل الطوفان بالعالم، وإنما ماذا ينبغي أن نفعل نحن بما كشفه الطوفان في أنفسنا، وفي مؤسساتنا، وفي علاقتنا بالمجتمع الذي نزعم جميعًا أننا نمثله.
إنها لا تنكر التحولات التي حدثت، لكنها ترفض أن نكتفي بالوقوف أمامها كما يقف المسافر أمام نافذة قطار، يراقب المشاهد تتغير، بينما يظل جالسًا في مكانه.
والسؤال الذي يطل من بين كلماتها ليس عن أهمية الحدث وحده، بل عن قدرتنا على تحويله إلى بداية مختلفة.
لقد أمضى الفلسطينيون عقودًا طويلة وهم ينتقلون من محطة إلى أخرى. من النكبة إلى المخيم، ومن المخيم إلى الثورة، ومن الثورة إلى المنافي، ومن بيروت إلى تونس، ومن الانتفاضة إلى أوسلو، ومن حلم الدولة إلى واقع السلطة، ومن وحدة القضية إلى انقسام الجغرافيا والمؤسسات والقرار.
في كل محطة كانت هناك تضحيات، ووعود، وخطابات عن المستقبل. وكان هناك دائمًا شعب يواصل السير، حتى حين كان الطريق يتغير تحت قدميه.
لكن السؤال الذي ظل يرافق الرحلة، وإن اختلفت صيغته، هو: من يملك القرار، ومن يدفع ثمنه، ومن يملك حق مراجعة أصحابه؟
حين تتحدث غانية عن الانتقال من التشخيص إلى التأسيس، فإنها تقترب من هذا السؤال دون أن تحصره في شخص أو تنظيم أو مؤسسة.
فنحن لا نعاني نقصًا في تشخيص أزماتنا. نعرف الانقسام، ونعرف الفساد والمحسوبية، ونعرف تآكل المؤسسات وتراجع الثقة العامة، ونعرف كيف أصبحت بعض مواقع المسؤولية أقرب إلى مقاعد دائمة منها إلى تكليف مؤقت يمنحه المجتمع ويستطيع استرداده.
نعرف الكثير، وربما أكثر مما نحتاج إليه لكي ندرك حجم الأزمة.
لكن المعرفة لم تتحول بالضرورة إلى قدرة على التغيير.
كأننا نقف منذ سنوات أمام بيت تتشقق جدرانه، ونتبادل الآراء في أسباب التشقق، ونختلف على المهندس الذي وضع المخططات، وعلى المقاول الذي نفذ البناء، بينما يواصل السكان حياتهم تحت سقف يخشون سقوطه.
ولذلك فإن التأسيس الذي تدعو إليه غانية لا يمكن أن يكون مجرد إعادة طلاء للجدران، ولا تغييرًا في أسماء الجالسين خلف المكاتب. إنه سؤال عن الأساسات نفسها، عن العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبين الشرعية والمساءلة، وبين حق القيادة في اتخاذ القرار وواجبها في تحمل نتائجه.
ومن هنا تكتسب دعوتها إلى مغادرة التشظي والانقسام معناها الأعمق.
فكم مرة شاهدنا المصافحات، وسمعنا بيانات المصالحة، ورأينا الوجوه المتجهمة تبتسم أمام المصورين، ثم عاد كل شيء إلى مكانه، كأن الاتفاق لم يكن سوى استراحة قصيرة بين خلافين؟
كانت الصور تتغير، لكن حياة الناس لم تتغير بالقدر الذي انتظروه.
فالوحدة الوطنية ليست أن يجلس المختلفون حول طاولة واحدة، وإنما أن يشعر الفلسطيني، في غزة ورام الله والقدس والداخل والشتات، بأن له مكانًا حقيقيًا حول تلك الطاولة، وأن مستقبله لا يُرسم بعيدًا عنه.
إن المجتمع الذي يُستدعى عند الحاجة إلى التضحية، ثم يُستبعد حين يحين وقت القرار، لا يستطيع أن يكون شريكًا كاملًا في مشروع وطني مهما بلغت عدالة أهدافه.
ولعل غانية، حين تربط الوحدة بالشراكة والمساءلة وتجديد الشرعيات، تدرك أن الانقسام ليس مجرد خلاف بين تنظيمين، وإنما أحد تعبيرات أزمة أعمق أصابت علاقة السياسة بالمجتمع.
غير أن أكثر ما استوقفني في دعوتها هو محاولتها إعادة الإنسان الفلسطيني إلى المكان الذي ينبغي ألا يغادره أبدًا: قلب المشروع الوطني.
فنحن شعب يعرف معنى التضحية أكثر مما يتمنى. حملنا الشهداء على أكتافنا، وودعنا أصدقاءنا ورفاقنا، وحفظنا أسماء الذين رحلوا، حتى أصبحت الذاكرة الفلسطينية أشبه ببيت واسع، لكل شهيد فيه صورة، ولكل غائب كرسي لا يجلس عليه أحد.
وكم مرة قلنا إن الدماء لن تذهب هدرًا؟
قلناها بإيمان وحزن وغضب، وكررناها حتى أصبحت جزءًا من لغتنا اليومية.
لكن الأم التي فقدت أبناءها لا تعيش داخل العبارة. إنها تعيش في بيت غابت عنه أصواتهم. تعرف أماكن أحذيتهم، وتتذكر آخر مرة نادتهم فيها، وربما تحتفظ بقميص لم تعد تستطيع غسله، خشية أن تفقد ما بقي من رائحتهم.
ما الذي يمكن أن نقدمه لهذه الأم غير الكلمات؟
لا نستطيع أن نعيد إليها أبناءها، لكننا نستطيع أن نسأل عما فعلناه لحماية من بقي، وعن المستقبل الذي نعد به الأطفال الذين لم يولدوا بعد.
وهنا تلامس غانية منطقة شديدة الحساسية في وعينا الوطني. فهي لا تقلل من عظمة التضحية، بل تحاول أن تنقذ معناها من أن يتحول إلى تبرير لاستمرار الألم بلا نهاية.
فالوفاء للشهداء لا يكون فقط بحفظ أسمائهم، وإنما أيضًا بحماية الأحياء، وبأن تصبح الحياة التي حلموا بها أكثر قربًا ممن سيأتون بعدهم.
ومن هذه النافذة تدخل غانية إلى مفهوم الصمود، ذلك المفهوم الذي رافق الفلسطيني منذ النكبة، وأصبح جزءًا من هويته وذاكرته وصورته أمام العالم.
لقد تعلمنا أن نرى الصمود في الرجل الذي يرفض مغادرة أرضه، وفي المرأة التي تعيد بناء بيتها، وفي الطفل الذي يحمل حقيبته المدرسية بين الحواجز.
لكننا، مع مرور السنوات، كدنا نحول قدرة الفلسطيني على احتمال المستحيل إلى واجب دائم عليه.
نرى رجلًا يجلس أمام منزله المدمر فنصفه بالصامد، وامرأة تطهو لأطفالها فوق الحطب فنراها رمزًا للصمود، وطفلًا يدرس على ضوء شمعة فنحتفي بإرادته.
وكل ذلك يحمل حقيقة إنسانية عظيمة.
لكن الرجل يحتاج إلى منزل، والمرأة تحتاج إلى ماء وكهرباء وطعام، والطفل يحتاج إلى مدرسة حقيقية، لا إلى صورة جديدة يتداولها العالم إعجابًا بقدرته على التعلم وسط الخراب.
ليس مطلوبًا من الفلسطيني أن يقضي حياته وهو يثبت للآخرين أنه يستطيع العيش بلا حياة.
الصمود ليس أن نعتاد المأساة، وإنما أن نمنع المأساة من أن تصبح قدرًا طبيعيًا.
وهذا، في تقديري، أحد أجمل المعاني التي تفتحها غانية حين تجعل من الماء والمسكن والتعليم والصحة والعمل شروطًا للفعل الوطني، لا مطالب معيشية مؤجلة إلى ما بعد التحرر.
فالحرية التي لا تجد طريقها إلى حياة الإنسان اليومية تبقى ناقصة، والمشروع الوطني الذي لا يحمي المجتمع الذي يحمله يخاطر بأن يفقد، مع الزمن، قدرته على الاستمرار.
ثم نصل إلى غزة.
غزة التي أصبحت صورها جزءًا من ذاكرة العالم، حتى كاد العالم ينسى أنها كانت مدينة للحياة قبل أن تصبح عنوانًا للموت.
لقد رأينا الأطفال تحت الأنقاض، والنساء في طوابير الخبز، والرجال يحملون جثامين أحبائهم، والعائلات تنتقل من مكان إلى آخر بحثًا عن أمان لا تجده.
لكن أين غزة الأخرى؟
أين صوت البائع الذي كان يفتح متجره كل صباح؟ أين رائحة الخبز في الأزقة؟ أين الطلاب الذين كانوا يتجادلون حول امتحاناتهم؟ أين الموسيقي الذي كان يحلم بحفل، والرسامة التي كانت تنتظر معرضها الأول، والمخرج الذي كان يبحث عن حكاية لفيلمه القادم؟
أين العشاق الذين كانوا يخططون لزفافهم، والأمهات اللواتي كنّ يختلفن مع أطفالهن حول موعد النوم، والآباء الذين كانوا يعودون متعبين من أعمالهم ويحلمون بيوم أفضل؟
لم تكن غزة مجرد مكان ينتظر الكارثة.
كانت مجتمعًا حيًا، يعرف الفرح والحزن، والنجاح والفشل، والحب والاختلاف، وكانت له أحلامه الصغيرة التي لا تقل قيمة عن أحلام البشر في أي مكان من العالم.
حين تدعونا غانية إلى ألا نختزل غزة في صورة الضحية، فإنها لا تطلب منا أن نغلق أعيننا عن الجريمة، بل أن نفتحها على الإنسان الذي تحاول الجريمة محوه.
فالذاكرة التي تحفظ الموت وحده لا تحفظ الحقيقة كاملة، والتضامن الذي لا يرى في الفلسطيني إلا جرحه قد ينتهي، دون أن يقصد، إلى حرمانه من صورته الإنسانية الكاملة.
لا يجوز أن ننسى الذين قُتلوا، لكن لا يجوز أيضًا أن ننسى الذين يريدون أن يعيشوا.
وإعادة بناء غزة ليست مجرد عملية هندسية لإزالة الركام وإقامة الأبنية، ولا مشروعًا إغاثيًا ينتهي بتوزيع المساعدات. إنها استعادة مجتمع لحقه في أن يقرر شكل حياته، وأن يعيد بناء مدارسه وجامعاته ومؤسساته وثقافته واقتصاده، وأن يسترد قدرته على الحلم.
فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا فقط. إنه ذاكرة عائلة، وصوت أم، وضحكة طفل، ونافذة تطل على صباح يعرفه سكانه.
وإعادة بناء البيت، بهذا المعنى، جزء من إعادة بناء الإنسان الذي يسكنه.
ثم تعود غانية إلى العالم، إلى المسافة بين أن تصبح فلسطين مركز الاهتمام، وأن يصبح الفلسطينيون مركز الفعل.
وهذه مسافة تستحق التأمل.
لقد انتقلت فلسطين إلى شوارع لم تكن تعرف أسماء مدنها، ودخلت إلى جامعات ومتاحف ومسارح ومهرجانات، وأصبحت حاضرة في ضمير أجيال جديدة.
لكن التعاطف، مهما اتسع، لا يملك وحده أن يغير موازين القوة.
فالطالب الذي يهتف لفلسطين في جامعة أميركية قد ينجح في تغيير وعي زملائه، والفنان الذي يرفض الصمت قد يفتح نافذة جديدة على الحقيقة، والكاتب الذي يعيد قراءة التاريخ قد يسهم في هدم رواية استقرت طويلًا.
غير أن الطريق من الجامعة إلى مركز القرار، ومن الشارع إلى المؤسسة، ومن الوعي الأخلاقي إلى الفعل السياسي، ليس طريقًا قصيرًا ولا مستقيمًا.
إنه يحتاج إلى عمل منظم، وإلى رؤية، وإلى مؤسسات تعرف كيف تحول التضامن إلى قوة مستدامة، وكيف تبني علاقات تتجاوز اللحظة العاطفية، دون أن تفقد استقلال القرار الفلسطيني أو تختزل القضية في حدود ما يسمح به الآخرون.
وهنا تبدو دعوة غانية أشبه بمحاولة وصل ما انقطع بين الخارج والداخل، بين ما يراه العالم في فلسطين وما يستطيع الفلسطينيون أن يصنعوه لأنفسهم.
فليس كافيًا أن يصبح العالم أكثر معرفة بعدالة قضيتنا، إذا لم نصبح نحن أكثر قدرة على إدارة هذه القضية، وتجديد مؤسساتها، وحماية مجتمعها، وتحديد الطريق الذي نريد السير فيه.
ومع ذلك، فإن التحولات الكبرى لا تُقاس دائمًا بنتائجها المباشرة. فقد تبدأ في وعي طالب، أو موقف فنان، أو سؤال يطرحه باحث، ثم تحتاج إلى سنوات حتى تجد طريقها إلى السياسة.
ولذلك لا ينبغي أن نقلل من قيمة ما تغيّر، ولا أن نبالغ في اعتباره انتصارًا مكتملًا.
بين الأمرين تقع مسؤوليتنا.
ولعل ما أعجبني في دعوة غانية، إلى جانب أسئلتها، أنها لا تتعامل مع أفكارها باعتبارها حقيقة نهائية، ولا تطلب من الآخرين أن يوقعوا تحتها بالموافقة.
إنها تدعو إلى النقد، بل إلى الكشف عما قد يكون في ورقتها من ثغرات وتناقضات، وإلى اقتراح ما ينبغي تعديله أو تجاوزه.
وهذا موقف يستحق التوقف عنده، خصوصًا في حياتنا السياسية والثقافية التي كثيرًا ما يصبح فيها الاختلاف خصومة، وتتحول المراجعة إلى اتهام، ويشعر بعض أصحاب الأفكار أن الاعتراف بالخطأ انتقاص من مكانتهم.
لكن الأفكار ليست ممتلكات شخصية نخشى عليها من الاقتراب. إنها محاولات لفهم العالم، تزداد نضجًا حين نسمح للآخرين بأن يروا فيها ما لم نره.
وإذا كان ثمة ما تحتاج إليه حياتنا الفلسطينية اليوم، إلى جانب المؤسسات والبرامج والقرارات، فهو استعادة القدرة على الاختلاف دون أن نفقد قدرتنا على العمل معًا.
أن نستطيع القول إننا أخطأنا دون أن نعتبر الاعتراف هزيمة، وأن نراجع تجربة دون أن نمحو تاريخها، وأن نختلف مع قيادة دون أن نطعن في كل ما قدمته، وأن نحترم التضحية دون أن نجعلها حصانة تمنع مساءلة القرار.
وربما لهذا وجدت في دعوة غانية ما يتجاوز موضوعها المباشر.
فهي تضعنا أمام مفارقة رافقت تاريخنا طويلًا: شعب يمتلك قدرة استثنائية على التضحية والصمود، لكنه لم يمتلك دائمًا مؤسسات سياسية بمستوى هذه القدرة، ولا آليات تضمن أن تتحول تضحياته إلى إنجازات تحمي مستقبله.
ولا يمكن تفسير هذه المفارقة بعامل واحد، ولا تحميلها لطرف واحد، ولا فصلها عن الاحتلال ومشروعه الاستعماري، وعن موازين القوة والتدخلات الإقليمية والدولية. لكن ذلك كله لا يعفينا من النظر إلى ما صنعناه نحن، وما سمحنا باستمراره، وما اعتدنا تأجيل مراجعته.
فقد تكون أخطر الأزمات تلك التي نعرف أسبابها، ثم نواصل العيش معها حتى تصبح جزءًا من نظام حياتنا.
لقد تغيرت أشياء كثيرة منذ السابع من أكتوبر، لكن بعض الأسئلة التي نواجهها اليوم أقدم من ذلك التاريخ بكثير.
أسئلة عن السلطة والشرعية والتمثيل، وعن العلاقة بين السياسة والمقاومة، وبين المجتمع ومؤسساته، وبين القرار وثمنه، وعن فلسطين التي نريد أن نورثها للأجيال القادمة.
ولعل أهمية دعوة غانية أنها لا تسمح لنا بالاختباء طويلًا خلف عظمة ما حدث، ولا خلف اتساع التعاطف العالمي، بل تعيدنا إلى المكان الذي تبدأ منه مسؤوليتنا.
إلى أنفسنا.
إلى المجتمع الذي نعيش فيه، وإلى المؤسسات التي أنشأناها، وإلى القرارات التي اتخذناها، وإلى الأخطاء التي ربما كنا نعرفها ولم نمتلك شجاعة مواجهتها.
هناك، بعيدًا عن المنابر والبيانات، يعيش الفلسطيني يومه العادي الذي لم يعد عاديًا. يحاول الوصول إلى أرضه، وإلى عمله، وإلى مدرسته، وإلى بيته. يحاول أن يحمي أبناءه من الخوف، وأن يمنحهم شيئًا من الطمأنينة، وأن يصدق أن الغد يمكن أن يكون مختلفًا.
هذا الإنسان لا ينتظر منا أن نتفق على وصف مأساته، فقد عاشها ويعرف تفاصيلها أكثر منا جميعًا.
إنه ينتظر أن نفتح له طريقًا للخروج منها.
ولأن دعوة الدكتورة غانية ملحيس لا تبحث عن اتفاق يريح العقول، بل عن اختلاف يوقظها، فإن هذه القراءة ليست نهاية الحوار، وإنما بدايته.
في الجزء الثاني سأعود إلى الأسئلة التي طرحتها، لا لأبحث عما يؤكد قناعاتي، ولا لأختلف معها لمجرد الاختلاف، بل لأتأمل معها أين نلتقي، وأين نفترق، وما الذي يمكن أن نضيفه من تجربتنا الفلسطينية، ومن ذاكرة شعب لم يتوقف يومًا عن البحث عن طريقه إلى الحرية.
فالأفكار لا تنضج بالتصفيق لها، ولا تفقد قيمتها حين نختلف معها. إنها تكبر كلما امتلكنا شجاعة الاقتراب منها، ومساءلتها، وربما مساءلة أنفسنا من خلالها.
ولعل أجمل ما في دعوة غانية أنها لم تطلب منا أن نكون صدى لصوتها، بل أن نأتي بأصواتنا، وأن نرى ما قد لا تراه عين واحدة، مهما اتسعت رؤيتها.
فليس السؤال اليوم ما إذا كنا نملك الشجاعة لنروي ما حدث لنا. لقد رويناه طويلًا، وحفظناه في ذاكرتنا، وكتبناه بدموعنا ودمائنا.
السؤال الأصعب: هل نملك الشجاعة لنغيّر ما اعتدنا عليه في أنفسنا، حتى لا نورث أبناءنا المأساة نفسها، ومعها الكلمات نفسها التي استخدمناها لتفسيرها؟
يتبع في الجزء الثاني: أين نلتقي مع غانية، وأين نفترق، وماذا نضيف؟
يحيى بركات
14/10/2026