غانية ملحيس - جوهر الخلاف: الكرامة الإنسانية بين ثبات المبدأ ومساءلة المفهوم

جوهر الخلاف: الكرامة الإنسانية بين ثبات المبدأ ومساءلة المفهوم



غانية ملحيس

22/10/2026



قرأتُ المقال المطوّل للصديق الدكتور عبد الرحمن بسيسو«العقل الإنساني المنير في مواجهةالتفكيكية السائلة»بعناية، وأبدأ من الأرضية المشتركة التي تأسس عليها الحوار الفكري، وهي الالتزامالكامل بحرية فلسطين، وبحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، والحاجة إلى استعادة الفعل التحرري العربي والإنساني. وهذه ثوابتلا نحتاج إلى تأكيدهافي كل مرة نختلف فيها فكريا؛ فهي أعمق من أن ينال منها اختلاف في المفاهيم أو المناهج.

لكن احترام هذه الأرضية المشتركة لا يعفينا من مساءلة ما نختلف عليه، ولا يجعل الاتفاق في الغايات دليلاعلى صحة كل الوسائل والمفاهيم التي نقترحها لبلوغها. فالحوار الذي يستحق الحرص على استمراره ليس حوارا لتأكيد ما نتفق عليه فحسب، بل لاختبار ما نختلف فيه أيضا، انطلاقا من الثقة بأن الفكرة التي تستحق الدفاع عنها لا تخشى السؤال، وأن العلاقة الفكرية الجادة لا تتطلب تطابقا مسبقا في المقدمات والنتائج.

ما يهمني في مواصلة هذا الحوار هو إعادة النقاش إلى الموضع الذي انطلق منه: هل تقتضي حماية الكرامة الإنسانية أن نجعل الإنسانية مرتبة أخلاقية يصعد إليها الإنسان أو ينحدر عنها، أم أن الأجدى أن نثبت كرامة الإنسان وحقوقه، ونحاكم أفعاله ومواقفه ومسؤولياته وفق معايير أخلاقية وقانونية واضحة؟

هذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن نفحصه قبل أن نختلف على أسماء المناهج وتصنيفاتها.



أولًا: ثبات الكرامة لا يعني تعليق الحكم الأخلاقي

يؤكد عبد الرحمن بسيسو في مقاله أن مرتكب أفظع الجرائم لا يفقد كرامته البشرية ولا حقوقه القانونية، وأنه يجب أن يُحاسب محاسبة عادلة. وهذا تأكيد مهم؛ لأنه يقر بأن إدانة الجريمة لا تستلزم إسقاط الحقوق الأساسية عن مرتكبها. غير أن هذا الإقرار يثير سؤالا بشأن العلاقة بين ثبات الكرامة الإنسانية والتصنيف الذي يقيمه المقال بين «العقل الإنساني المنير» و«العقل البشري المتوحش»: هل يتعلق الأمر بالتمييز بين أنماط السلوك والممارسة،

أم بتصنيف يتجاوزذلك إلى ترتيب العقول والبشر وفق مراتب أخلاقية؟

وإذا كان المقصود هو الأول، فما الحدود التي تمنع التصنيف من الانزلاق إلى الثاني؟

هنا يقع موضع النقاش: هل نصف سلوك الإنسان وممارساته، أم نضع إنسانيته نفسها في مراتب متفاوتة؟

الاعتراض ليس على التمييز بين السلوك العادل والسلوك الإجرامي، ولا على استخدام لغة أخلاقية حادة في إدانة الجرائم. فوصف الإبادة بأنها فعل وحشي ليس موضع خلاف. إنما الاعتراض على الانتقال من الحكم على الفعل إلى جعل الإنسانية نفسها منزلة أخلاقية يتفاوت البشر في استحقاقها.

حين نقول إن إنسانا ارتكب جريمة وحشية، فإننا ندين فعلا ونحدد مسؤولية، ونطالب بإخضاع الفاعل للمساءلة والمحاسبة.

أما حين نقول إنه انحدر عن مرتبة الإنسانية، فإننا نضيف حكما آخر يتعلق بمنزلته الإنسانية، ونحتاج عندئذ إلى توضيح حدوده ومعاييره ومبرراته.

وهذا ليس سؤالا لغويا مجردا، بل يتصل بإشكالية تاريخية وسياسية أوسع، هي إشكالية تصنيف البشر في مراتب متفاوتة، وما قد يترتب على ذلك من تفاوت في الاعتراف بإنسانيتهم وحقوقهم.

وقد تجلّى هذا المنطق تاريخيا في منظومات استعمارية وعنصرية رسّختها قوى التوسع الأوروبي الحديث، إذ وضعت بعض الأعراق والشعوب في مراتب أعلى من غيرها، ومنحتها، باسم التفوق الحضاري والمعرفي، مبررات للهيمنة على الآخرين، وأخضعت حياة الشعوب المستعمَرة وحقوقها لمعايير مزدوجة. وفي قلب هذه التصورات تكرّس الامتياز الأوروبي الأبيض بوصفه مركزا للمعرفة والحضارة والاستحقاق، فيما جرى تصوير الشعوب الأخرى باعتبارها أدنى منزلة،أو أقل أهلية للحرية وتقرير المصير.

وقد وفّرت هذه التراتبيات غطاء أيديولوجيا للاستعمار والاستعباد والاستيطان والإبادة والمحو؛ إذ لم تقتصر على التمييز بين الأفعال، بل امتدت إلى تصنيف البشر أنفسهم، وإلى تفاوت قيمة حياتهم وحقوقهم في نظر القوى المهيمنة.

وما تزال آثار هذا المنطق حاضرة في عالمنا، حيث تتفاوت الاستجابات السياسية والقانونية لمعاناة الشعوب، وتُعامل بعض الحيوات كما لو كانت أحق بالحماية والحداد والتضامن من غيرها.

ويأتي الشعب الفلسطيني في قلب هذا التناقض، في ظل قرن من الاحتلالوتواليالمجازر الجماعية والتطهيرالعرقيوالاستيطان والتهجير والعنف، وفي ظلتواصلحربالإبادة التي يشهدها قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقها من تدمير واسع النطاق واستهداف للحياة وشروط البقاء، وامتدادها إلى مخيمات الضفة الغربية.

إن رفض التراتب الإنساني لا يساوي بين مواقع القوة والضعف، ولا بين الاحتلال ومقاومته، ولا بين من يمارس الإبادةومن يقع ضحية لها. فالاحتلال ليس مقاومة الاحتلال، والضحية ليست الجلاد، والجريمة ليست فعلا مشروعا لمجرد أن مرتكبها يبررها بمظالم سابقة. هذه الفروق تُحدَّد بالوقائع والأفعال والسياقات والقواعد الأخلاقية والقانونية، وليس بافتراض أن أحد الأطراف يمتلك قدرا أكبر من الإنسانية من الطرف الآخر.

وهنا يبرز سؤال إضافي في صلب أطروحة بسيسو: ما الوظيفة الأخلاقية والمعرفية التي يؤديها مفهوم «الإنسانية الجوهرية» إذا كان مرتكب الجريمة، وفقا لتأكيده، يحتفظ بكرامته البشرية وحقوقه القانونية؟

هل المقصود بهذا المفهوم وصف شدة الانحراف الأخلاقي في السلوك، أم الإقرار بفقدان منزلة إنسانية متميزة؟

إذا كان المقصود هو وصف السلوك، فيمكن إدانة الفعل بأقصى درجات الحزم، وتحديد مسؤوليته، والمطالبة بمحاسبة مرتكبه، من دون ترتيب البشر في مراتب إنسانية. أما إذا كان المقصود هو فقدان مرتبة من مراتب الإنسانية، فلا بد من تحديد معايير هذه المرتبة وحدودها والآثار المترتبة على فقدانها. فالمفهوم الذي يُمنح موقعا مركزيا في بناء نظري، لا يكفي أن يمتلك قوة بلاغية أو شحنة أخلاقية؛ بل ينبغي أن يوضحمعاييره وضرورته وما يضيفه إلى فهمناللحق والمسؤولية والعدالة.

قد يميّز بسيسو بين الكرامة الإنسانية بوصفها أساسا ثابتاللحقوق، والإنسانية بوصفها فضيلة أخلاقية تتجلى في الأفعال والمواقف؛ وعندئذ لا يكون ثمة تناقض ضروري بين ثبات الأولى وإمكان انتفاء الثانية. لكن هذا التمييز، إن كان مقصودا، يحتاج إلى توضيح: ما الذي تعنيه «الإنسانية الجوهرية» تحديدا؟ وما معيار الحكم بفقدانها؟ وهل يصف المفهوم أفعالا وممارسات قابلة للنقد والمراجعة، أم يصنّف الأشخاص أنفسهم ضمن مراتب متفاوتة من الإنسانية؟

ليست المسألة، إذن، افتراض التناقض في أطروحة بسيسو، بل مساءلة الحدود الفاصلة بين الحكم الأخلاقي على الفعل والحكم على منزلة الفاعل الإنسانية، وفحص ما إذا كان هذا المفهوم يضيف أداة ضرورية لفهم العنف ومحاسبة مرتكبيه، أم يفتح الباب أمام تراتبية أخلاقية قد تتحول، من حيث لا يُقصد، إلى امتياز في تعريف من يستحق أن يُعدّ إنسانيا ومن لا يستحق.



ثانيًا: هل مراجعة المفاهيم تعني تفكيك المعايير؟

إن وصف المنهج الذي يدعو إلى مراجعة المفاهيم ومساءلتها بأنه «تفكيكي سائل»، وربطه بالفوضى واللاأدرية والرخاوة المعرفية وتعطيل الفعل التحرري، يستدعي التوقف عند الافتراض الذي يقوم عليه هذا الربط: هل تؤدي مراجعة المفاهيم بالضرورة إلى تمييع المعايير؟ وهل يثبت إعلان ثبات المعايير أن المنهج الذي يتبناه أقدر على صونها من الانحراف؟

ثمة فرق بين إنكار المعيار ومساءلته، وبين رفض الحقيقة والبحث في شروط معرفتها، وبين التخلي عن الموقف الأخلاقي ومراجعة المفاهيم التي نستند إليها في تبريره. ولا أرىأن الدعوة إلىمراجعةالمفاهيمتستلزمتعليق الحكم بين الظالم والمظلوم، أو إلى مساواة الاستعمار بمقاومته، أو إلى تحويل كل موقف إلى احتمال متكافئ مع نقيضه. كما لا أرى في النقد غاية مستقلة عن الفعل، أو في المراجعة بديلا من اتخاذ الموقف حين تستدعيه الوقائع.

ما أدافع عنه هو أن تكون معاييرنا الأخلاقية واضحة بما يكفي لتوجيه الفعل، ومفتوحة للمراجعة بما يكفي لحمايتها من سوء التأويل والاستعمال الانتقائي والاحتكار. فثبات المبدأ لا يعني ثبات كل تفسير له؛ وقد تكشف المراجعة أن تطبيقا معينا للمعيار يناقض المبدأ الذي يعلن الدفاع عنه.

ومن هذا المنطلق، لا أرى ضرورة لوضع المنهج التكاملي والمنهج التفكيكي في موقع التعارض. فالتكامل يتيح ربط الظواهر ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية والأخلاقية، بينما يساعد التفكيك على فحص المفاهيم التي تستند إليها الرؤية، وكشف ما قد تتضمنه من تناقضات أو افتراضات غير ممحّصة، أو علاقات قوة مستترة. والفكر التحرري يحتاجإلى الوظيفتين معا: بناء رؤية تفسر الواقع وتحدد غايات الفعل، ومراجعة أدواتها ومفاهيمها واختبار اتساقها.

فالتكامل الذي لا يخضع للنقد قد يتحول إلى منظومة تستبعد الاختلاف باعتباره تهديدا لوحدتها، والتفكيك الذي لا يفضي إلى فهم أعمق للواقع وإمكانات تغييره قد ينتهي إلى التشظي.

لذلك ينبغي الحكم على أي منهج من خلال أسئلته وأدواته ونتائجه، لا بوضعه مسبقا في خانة الصواب أو الخطأ. فالفكر التحرري يحتاج إلى أن يبني من دون أن ينغلق، وأن يفكك من دون أن يتبدد.

ويقتضي ذلك أن نفحص مقدمات المناهج وأدلتها ونتائجها، بدل الانتقال إلى الحكم على أصحابها ودوافعهم. فلا ينبغي أن يصبح الاختلاف المنهجي قرينة اتهام، أو أن يحل التشكيك في النوايا محل تفنيد الحجج.

وإذا كان المطلوب من كل منهج أن يراجع نفسه، فإن هذا الشرط ينبغي أن ينطبق على المنهج التكاملي أيضا. فالقول إن التفكيك ينبغي أن يُختزل في أداة داخل المنهج التكاملييطرح أسئلة مشروعة: من يحدد حدود هذه الأداة؟ وما المعايير التي تقرر متى يكون التفكيك مفيدا ومتى ينبغي إيقافه؟ وكيف نتحقق من أن المنهج التكاملي لا يستبعد من النقد إلا ما يثبت قصوره، لا ما يزعج مقدماته أو يهدد تماسكه؟

وأخيرا، لا يكفي وصف منهج بأنه «سائل» أو «مشلّ» أو «عدمي» لإثبات أن نتائجه تقود بالفعل إلى الشلل أو العدمية. فهذه أوصاف تقويمية لا تقوم مقام البرهان؛ والمطلوب تحديد الحجة أو الممارسة التي تؤدي إلى تلك النتائج، وبيان العلاقة بين المقدمات والاستنتاجات، واختبار ما إذا كانت النتائج لازمة عنها أم مجرد احتمالات. وإلا أصبح التصنيف نفسه بديلا من التحليل الذي يدعو المقال إلى الالتزام به.



ثالثًا: من يملك حق تحديد «الإنسانية المنيرة»؟

يمنح التصنيف الثلاثي للعقل «العقل الإنساني المنير» موقعا معياريا مركزيا، ويقابله بالعقل المتوحش الذي ينحدر عن الإنسانية الجوهرية. وقد يكون المقصود من هذا التمييز إبراز الفرق بين عقل يوظف قدراته في خدمة الحياة والعدالة، وعقل يسخّر المعرفة والقدرة في القهر والتدمير.

لكن هذا التمييز يثير أسئلة تتجاوز مضمون التصنيف إلى شروط بنائه وسلطة تحديد معاييره: كيف نحدد خصائص العقل المنير؟ ومن يضع معاييره؟ وكيف نميز بين معيار أخلاقي جامع وبين تفسير تاريخي أو سياسي محدد لذلك المعيار؟ وما الذي يمنع التصنيف، مع مرور الوقت، من التحول إلى أداة تمنح بعضنا حق تحديد من يستحق وصف «الإنسان المنير»، ومن ينبغي إدراجه في الطرف المقابل؟

إن المسألة هنا لا تتعلق برفض المعايير الأخلاقية أو إنكار ضرورة التمييز بين الممارسات العادلة والممارسات القائمة على القهر والتدمير، بل بالعلاقة بين المعيار ومن يفسره، وبين المبدأ وتطبيقه، وبين ضرورة إصدار الأحكام وخطر تحويلها إلى حقائق نهائية لا تقبل المساءلة. فالمعايير التي لا تخضع للفحص قد تتحول من بوصلة أخلاقية مشتركة، إلى امتياز تفسيري تحتكره جهة أو جماعة أو سلطة، وتستخدمه بصورة انتقائية لتحديد من يمثل الحقيقة ومن يُستبعد من دائرة الاعتراف.

ويكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة حين ننتقل من وصف الممارسات إلى تصنيف أصحابها. فهل «العقل الإنساني المنير» وصف لمجموعة من الممارسات والحجج التي يمكن فحصها ونقدها، بصرف النظر عن هوية أصحابها وانتماءاتهم؟ أم أنه اسم لمنزلة فكرية وأخلاقية يُفترض أن أصحابها أقدر على تحديد الحقيقة من غيرهم؟

إذا كان المقصود هو الأول، فينبغي أن يظل التصنيف قابلا للمراجعة والتطبيق على الجميع وفق معايير معلنة. أما إذا تحول إلى هوية ثابتة تمنح أصحابها موقعا معرفيا متميزا، فقد يصبح الاعتراض على آرائهم، في نظرهم، دليلا على قصور المعترض بدل أن يكون مناسبة لاختبار الحجة.

وعندئذ لا يعود السؤال مقتصرا على من هو الإنسان المنير، بل يمتد إلى من يملك سلطة تعريفه، وما الضمانات التي تمنع هذا التعريف من التحول إلى امتياز أو وصاية. لذلك فإن مساءلة المعايير لا تستهدف إلغاءها، بل اختبار اتساقها، وكشف التناقض بين ما نعلنه منها وما نمارسه، ومنع تحولها إلى أدوات تمنح أصحابها حصانة من النقد.



رابعًا: فلسطين وغزة ليستا خارج السؤال النقدي

إن القول إن مساءلة المفاهيم قد تفضي إلى تعطيل الفعل التحرري، أو تتقاطع مع منظومة التعمية الاستعمارية الرقمية، استنتاج كبير لا يكفي لإثباته مجرد الاختلاف مع مقاربة نقدية. ولا أرى أن مساءلة مفاهيمنا الأخلاقية تنتقص من مسؤولية الاحتلال الصهيوني عن جرائم الإبادة والتطهير العرقي المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، أوتنتقص من حقه في المقاومة وإحقاق حقوقه في الحرية والعودة وتقرير المصير.

أما غزة، فهي تكشف، من بين ما تكشفه، أن التقدم التقني لا يضمن التقدم الأخلاقي، وأن العقل الأداتي قد يوظف المعرفة والبيانات والخوارزميات في الإبادة والتدمير، حين تنفصل الغاية عن حدودها الأخلاقية، والقدرة عن المسؤولية. والاعتراف بذلك لا يقتضي التخلي عن النقد، بل يجعل النقد أكثر إلحاحا. وإذا كانت منظومات رقمية أو خوارزميات تُستخدم لتوجيه الوعي أو تبرير العنف أو استهداف البشر، فإن مواجهتها تتطلب توثيقا وتحليلا وفحصا لأدواتها وآليات عملها.

لكن لا يصح أن يتحول التحذير من التضليل إلى قرينة على أن كل مقاربة نقدية تخالف تصورنا تقع، موضوعيا أو وظيفيا، في خدمة التضليل نفسه. فإثبات صلة منهج فكري بمنظومة استعمارية أو بالمشروع الصهيوني أو النيوليبرالي يتطلب تحليلا للأدلة والآليات والنتائج، وليس مجرد الاختلاف في المنهج. فهذا الاتهام ليس تفصيلا عابرا؛ إذ ينقل النقاش من نقد الأفكار إلى التشكيك في الموقع السياسي والأخلاقي لصاحبها، ولذلك ينبغي أن يستند إلى أدلة تتناسب مع حجمه. فالموقف من فلسطين يُختبر بما يقوله صاحبه عن الاستعمار وحقوق الشعب الفلسطيني، وبما يسنده من حجج ومواقف، وليس بمجرد إدراجه ضمن تصنيف فلسفي لا يوافق عليه الطرف الآخر.



خامسًا: التحرر ليس إعفاء من النقد

التحرر الوطني والتحرر المعرفي والسياسي والأخلاقي مسارات متداخلة، وليست بدائل متنافية. ولا ينبغي أن نضع أحدها في مواجهة الآخر، أو أن نؤجل سؤال الحرية الداخلية إلى ما بعد اكتمال التحرر الخارجي.

لقد عرف تاريخنا العربي كيف يمكن لمن خاضوا معارك التحرير وضحّوا من أجل الاستقلال أن يتحول بعضهم، بعد انتصارهم، إلى أوصياء على المجتمع الذي حرروه. ويطرح الواقع الفلسطيني القائم، بما يثيره من أسئلة عن السلطة والمساءلة والتمثيل السياسي، ضرورة التفكير في الشروط التي قد تحول دون إعادة إنتاج الوصاية داخل المشروع التحرري نفسه.

وهذا ليس حكما على النيات، ولا انتقاصا من تضحيات المناضلين، بل درس يدعونا إلى التفكير في الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج الهيمنة تحت أسماء جديدة.

فالحرية التي نناضل من أجلها أوسع من مجرد تبدل الجهة التي تمسك بمفاتيح السلطة. ولا تكتمل بمجرد تحرير الأرض وخروج المحتل إذا بقي الإنسان محروما من حقه في التفكير والاختيار والاختلاف والمساءلة.

إن غياب هذه الضمانات قد يفرغ التحرر من بعض غاياته، ويعقّد مساره، ويرفع كلفته على المجتمع الذي يُفترض أن يكون التحرير من أجله.

ومن هنا، نحتاج إلى معيار أخلاقي يستطيع أن يدين الاستعمار، ويحمي الضحايا، ويميز المسؤوليات، ويتيح في الوقت نفسه مساءلة الممارسات التي تصدر عن القوى والحركات التي ترفع راية التحرر. وإلا أصبح المعيار سلاحا نوجهه إلى المختلفين معنا، بدلا من أن يكون بوصلة نحتكم إليها جميعا.

أولويتنا الوطنية الفلسطينية واضحة: هزيمة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري وتفكيكه، وصون حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنه. لكن هذه الأولوية لا تستدعي تأجيل التفكير في طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه، أو في الحقوق التي ينبغي أن يصونها هذا المجتمع لأبنائه. فمقاومة الوصاية الداخلية لا تقلل من مسؤولية مواجهة الاحتلال، كما أن مقاومة الاحتلال لا تمنح أي جهة حق احتكار تعريف الحرية أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم.



سادسًا: الحوار المفتوح لا يُشترط فيه التنازل المسبق

من حق كل طرف أن يرى في منهج الآخر قصورا، وأن يجد في بعض مقدماته ما يحتاج إلى مزيد من الفحص والتدقيق. ومن حق كل منا أن يقدم حججه للآخر، وأن يطالبه بمراجعة استنتاجاته.

لكن الحوار يفقد جزءا أساسيا من معناه إذا أصبح قبول أحد الطرفين بتشخيص الطرف الآخر شرطا مسبقا لمواصلة النقاش.

كل فكر جاد ينبغي أن يظل مستعدا للمراجعة، وليس من مقتضيات الحوار أن يتخلى أحدنا عن مقدماته إرضاء للآخر، بل أن يضعها أمام النقد، ويقبل اختبارها، ويكون مستعدا لتعديل ما يثبت قصوره منها.

وإذا كنا نريد بيانا تأسيسيالنهضة تحررية عربية شاملة، فإنني أرى أن من شروطه ألا يبدأ بإجماع مفروض على تعريف واحد للعقل أو الإنسانية أو المنهج، بل بوضوح المبادئ التي نريد الدفاع عنها، وبناء مساحة تسمح باختلاف المقاربات واختبارها ونقدها.

فلا يمكن لمشروع تحرري أن يكتسب مناعته من تحصين مفاهيمه ضد النقد، بل من قدرته على مواجهة النقد من دون أن يفقد بوصلته. كما لا يمكن أن يكون الانفتاح النقدي غاية في ذاته، منفصلة عن مسؤوليتنا في اتخاذ المواقف والفعل في العالم.

ولعل ما يجمعنا، في نهاية المطاف، هو أن العقل لا ينبغي أن يكون أداة لتبرير القهر، وأن المعرفة لا تكتسب قيمتها من قدرتها وحدها، وأن الإنسان لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة في مشروع يزعم تحريره.

لكن اتفاقنا على هذه الغايات لا يلغي السؤال عن الطريق إليها، ولا يجعل أحدنا مالكا وحيدا لتعريف العقل الذي يحققها.وإذا كان التفكيك مطالبا بأن يراجع نفسه، فإن المنهج التكاملي مطالب بدوره بأن يوضح كيف يستوعب النقد من دون أن يختزل المختلف فيه إلى أداة تابعة له، وكيف يميز بين نقد يهدد تماسك رؤيته ونقد يكشف خللا حقيقيا في مقدماتها. فالمعيار الذي يطالب الآخر بالمراجعة، ثم يعفي نفسه من الاختبار، لا يكون معيارا مشتركا بقدر ما يكون امتيازايمنحه صاحبه لنفسه.

الحوار الفكري الذي يستحق اسمه ليس ساحة لتسجيل النقاط، ولا ينتصر فيه أحد على الآخر، بل هو سعي مشترك للانتصار معا للفكرة التي تستحق أن تُفحَص وتُراجَع، وللإنسان الذي ينبغي أن يظل غاية كل مشروع تحرري.

وتكمن أهمية مواصلتهفي أن نتمكن، ونحن في الخندق التحرري ذاته، من مساءلة أفكارنا ومعاييرنا ومفاهيمنا.

فالمراجعة النقدية ليست خروجا من الخندق، بل قد تكون شرطا لحماية البوصلة التي تجمعنا.

ويبقى السؤال الذي لا يفقد راهنيته: كيف نحرر الأرض والإنسان معا، من دون أن يتحول مناضلو الأمس إلى أوصياء اليوم؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى