تبدو الصورة للوهلة الأولى بسيطة.
مجموعة رجال يقفون على درجات حجرية في القدس.
بدلات أنيقة.
وجوه هادئة.
نظرات واثقة.
لا عود في الأيدي.
لا ناي.
لا كمان.
لا طبلة.
ولا شيء يوحي بأن هؤلاء الرجال كانوا يصنعون الموسيقى.
لكن السينما علمتني دائماً أن ما يحدث خارج الكادر أحياناً أهم مما يظهر داخله.
وخارج...
لا يبدأ الاستيطان دائمًا بجرافة كبيرة، ولا بقرار حكومي معلن،
ولا بخطاب صاخب في الكنيست.
أحيانًا يبدأ بكرفان.
بيت متنقل صغير يوضع فوق تلّة، كأنه تفصيل عابر في مشهد طويل.
ثم يأتي طريق ترابي.
ثم عمود كهرباء.
ثم خزان ماء.
ثم جندي يحرس.
ثم مستوطن يحمل بندقية.
ثم لافتة عبرية.
ثم يصبح المكان "حقيقة...
في صيف بعيد، كان فدائي فلسطيني يحمل كاميرا على كتفه.
لم يكن المشهد غريباً آنذاك.
كانت الثورة تحمل البنادق والكاميرات معاً.
لكن أحداً لم يكن يعرف أن بعض تلك الصور سيعيش أطول من كثير من الرصاصات التي أطلقت في السنوات نفسها.
كان المصور يركض خلف المقاتلين في التلال والوديان والمخيمات. يصور جنازة...
لست من الذين يكتبون بسهولة ضد فنان بسبب جنسيته.
ولست من الذين يعتقدون أن الإبداع يُقاس بجواز السفر.
ولهذا قرأت باهتمام ما كتبه الزميل أمير العمري دفاعاً عن المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد، كما قرأت البيان الذي وقعه أكثر من 350 سينمائياً فرنسياً وأوروبياً احتجاجاً على استبعاده من مهرجان مارسيليا...
قبل أيام رأيت رجلاً من غزة يقف أمام كومة حجارة.
لم يكن يبكي.
ولم يكن يصرخ.
ولم يكن يبحث عن كاميرا أو صحفي أو ميكروفون.
كان ينظر فقط.
ينظر إلى المكان الذي كان فيه بيته.
ثم قال جملة قصيرة ومضى:
"هنا كانت غرفة ابني."
توقفت عند الجملة طويلاً.
لم يقل:
هنا كانت فلسطين.
ولم يقل:
هنا كانت المقاومة...
تسقط شخصية.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
ويظل المشاهد منشغلًا بالأسماء، بينما تكون القصة الحقيقية تجري في مكان آخر.
في الأفلام الجيدة لا يبدأ المشهد من الجريمة.
يبدأ من شيء أصغر بكثير.
من نظرة.
من ظرف مغلق.
من هاتف يرن في ساعة متأخرة من الليل.
من درج يُفتح ببطء.
ومن يدٍ تعرف تمامًا ماذا تبحث عنه.
ثم تمضي...
في شتاء عام 1983، وبعد أشهر قليلة من خروجنا من بيروت، كنت في الجزائر للمشاركة في جلسات المجلس الوطني الفلسطيني.
كانت بيروت ما تزال تسكننا.
كانت رائحة البارود عالقة في الذاكرة.
وكانت أسماء الشهداء تمشي معنا في الممرات أكثر مما يمشي الأحياء.
أما الجزائر فبدت لنا يومها كأنها الصفحة التالية في كتاب...
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات أكبر من الضمائر،
خرج صوت الممثلة العالمية Angelina Jolie ليكسر شيئًا من ذلك الصمت الثقيل الذي يخيّم على غزة.
لم تكن تتحدث عن السياسة بقدر ما كانت تتحدث عن الإنسان.
عن طفل يبحث بين الركام عن لعبة لم تعد موجودة. عن أمّ تعدّ أبناءها كل صباح خوفًا من أن ينقص العدد مع حلول...
في كل مرة أقرأ فيها سجالاً ثقافياً فلسطينياً، أشعر أن السؤال الحقيقي لا يكون دائماً في ما قيل، بل في ما قد يتركه ذلك السجال من أثر بعد أن يهدأ الغبار.
هذا ما شعرت به وأنا أتابع الجدل الدائر بين الروائي إبراهيم نصرالله وفريق فيلم "فلسطين 36" للمخرجة آن ماري جاسر.
منذ اللحظة الأولى حاول كثيرون دفع...
أغلقت مقال الصديق محمد مشارقة عن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
ووضعت المقال جانباً.
ثم بقيت أحدق في النافذة.
لا في المقال.
ولا في الانتخابات.
ولا في المجلس الوطني.
بل في شيء أبعد من ذلك كله.
في سؤال قديم يعود كلما ظننت أنه غادر.
سؤال عمره نصف قرن.
في بعض الليالي يعود الماضي مثل فيلم قديم.
لا...
في السنوات الأخيرة،
بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
ليس في نشرات الأخبار.
ولا في خطابات السياسيين.
ولا في البيانات التي تصدر كل يوم ثم تختفي في اليوم التالي.
بل في الأحاديث الجانبية.
في جلسات الأصدقاء القدامى.
في مكالمات الهاتف التي تبدأ بالسؤال عن الصحة وتنتهي عند أسئلة التاريخ.
وفي التعليقات التي...
تأملات فلسطينية قبل افتتاح مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي
ثمة عادة قديمة تسكن وعينا الثقافي منذ زمن طويل.
حين نسمع كلمة
"مهرجان سينمائي دولي"
تتجه أبصارنا تلقائيًا نحو الغرب.
نحو مدينة أوروبية تطل على البحر.
أو ساحة قديمة تزدحم بالمصورين.
أو سجادة حمراء تتدفق فوقها الأسماء والنجوم والجوائز...
القارئ عندما قرأ التسريب
لم يسأل أولًا:
من سرّب؟
ولم يسأل:
ما هي انعكاسات ذلك على أسعار النفط أو الذهب أو البورصات العالمية؟
بل سمع الجملة الأولى فقط:
"أيها المجنون..."
ثم جلس يتفرج.
هكذا نحن البشر.
نحب رؤية الأقوياء وهم يتشاجرون.
نحب أن نسمع ما يُقال خلف الأبواب المغلقة.
ونحب أكثر أن نكتشف أن...
في صباح هذا اليوم...
عندما قرأت أن الجيش الإسرائيلي وصل إلى قلعة الشقيف...
لم أرَ القلعة التي يتحدثون عنها اليوم.
لم أرَ الموقع الأثري الذي يقصده السياح.
ولم أرَ حجارةً قديمة تعلو تلةً في جنوب لبنان.
عدت فجأة إلى زمن آخر.
إلى صيفٍ آخر.
إلى بيروت التي عرفتها تحت النار.
إلى تلك الأيام التي كانت...
كيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية دون أن نعيد إنتاج أزمتها؟
في مكانٍ ما...
على رفٍ قديم نجا من الحروب أكثر مما نجا من الغبار...
تنام كتب كثيرة.
أوراق.
ملفات.
محاضر مؤتمرات.
رسائل مفتوحة.
مقالات.
دراسات.
وأسئلة مؤجلة.
كلها تبدو كأنها جاءت من أزمنة مختلفة، لكنها كانت تقول الشيء نفسه بطرق...