في السينما، هناك لقطة تتكرر كثيرًا.
يدق أحدهم الباب. يبقى الجالس في الداخل صامتًا، ويظن أن الطرق سيتوقف. لكن الأبواب التي يطرقها التاريخ لا تنتظر طويلًا. إما أن تُفتح... أو تُكسر.
هذا بالضبط ما يحدث اليوم.
منذ بدأت حرب الإبادة على غزة، لم يتغير الفلسطيني وحده.
العالم نفسه تغيّر.
لم يعد التضامن...
بالأمس كتبت أن العالم الذي وُلد بعد السابع من أكتوبر بدأ يخرج من الظل.
واليوم لا أكتب مقالاً جديداً.
أضيف فقط دليلاً جديداً.
ما جرى في نيويورك لا يتعلق فقط بزهران ممداني، ولا بالمرشحين التقدميين الذين دعمهم، ولا حتى بردة فعل ترامب الغاضبة من حجم الاهتمام الإعلامي بهذه الانتخابات أكثر من اهتمامه...
في الأيام الأولى بعد السابع من أكتوبر كتبت أن ما قبل الطوفان لن يكون كما بعده.
يومها لم أكن أكتب جملة عاطفية تحت تأثير الصدمة، ولم أكن أتنبأ بما سيحدث بعد أسابيع أو أشهر.
كنت أحاول قراءة لحظة شعرت أنها أكبر من الحرب نفسها.
لحظة قد لا تغيّر ميدان القتال فقط، بل تغيّر الطريقة التي يرى بها...
في كل عام، حين تضاء شاشات كان أو برلين أو البندقية، نعرف تقريبًا ماذا سنرى.
صور النجوم.
السجاد الأحمر.
الجوائز.
العناوين الكبرى.
لكن هذا العام وجدت نفسي أنظر في اتجاه آخر.
إلى الشرق.
إلى مدينة تبعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين.
مدينة لا تطل على البحر المتوسط، ولا تتحدث لغات أوروبا، لكنها أصبحت...
أمس كتبت ناعياً الصديق والزميل والمناضل والإعلامي الكبير زياد عبد الفتاح.
كتبت عنه كما يكتب المرء عن جيل كامل من المؤسسين.
جيل بنى المؤسسات الوطنية الأولى.
وجيل آمن أن الكلمة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة.
ولم أكن وحدي.
فقد انتشر خبر الرحيل في وكالات ومنصات إعلامية عديدة، حتى بدا...
يرحل بعض الناس فتفقد مؤسسة موظفاً.
ويرحل آخرون فتفقد مهنة أحد أبنائها.
لكن هناك من يرحلون فتشعر أن مرحلة كاملة من الذاكرة هي التي غادرت.
هكذا تلقيت خبر رحيل الصديق والزميل والمناضل والإعلامي والروائي الفلسطيني زياد عبد الفتاح.
عدت فجأة إلى تلك السنوات البعيدة.
إلى بيروت.
إلى مكاتب الإعلام...
في هذا الصباح ،
ظهر خبر بين عشرات الأخبار التي تعبر الشاشات كل يوم.
مقُتل المقدم دور بن سمحون،
قائد الكتيبة 52 في الجيش الإسرائيلي، في جنوب لبنان.
خبر عسكري يعتبره البعض عابر.
اسم جديد.صورة جديدة.رتبة جديدة.
وربما لو مر الخبر دون الاسم والرتبة العسكرية لما توقف عنده أحد.
لكن ما لفت انتباهي لم...
صدر مؤخراً كتاب للصحفي الأمريكي آدم جونسون بعنوان:
"كيف تُسوّق لإبادة جماعية".
لم أقرأ الكتاب بعد.
وأقول ذلك منذ البداية لأن احترام القارئ أهم من أي ادعاء معرفي.
لكن مجرد صدور كتاب بهذا العنوان، وفي هذا التوقيت، ومن داخل الولايات المتحدة نفسها، يطرح أسئلة تستحق التوقف أمامها.
ليس عن الكتاب فقط...
لم يكن المشهد في جامعة ستانفورد مجرد حفل تخرج.
ولم يكن أولئك الشبان والشابات الذين نهضوا من مقاعدهم وغادروا القاعة أثناء كلمة الرئيس التنفيذي لشركة غوغل مجرد محتجين عابرين.
كان المشهد أقرب إلى لقطة سينمائية طويلة.
قاعة أنيقة.
أردية التخرج.
عائلات جاءت لتحتفل.
كاميرات جاهزة لالتقاط لحظة النجاح...
قبل أن نحكم على المشهد، علينا أن نعرف أبطاله.
هؤلاء ليسوا خمسة فلسطينيين.وليسوا خمسة مقاتلين.ولم يُتهموا بقتل أحد.
إنهم خمسة ناشطين أوروبيين من جنسيات ألمانية وبريطانية وأيرلندية وإسبانية، قرروا أن حرب غزة ليست شأناً بعيداً عنهم.
يقولون إنهم دخلوا منشأة تابعة لشركة السلاح الإسرائيلية في مدينة...
من أغرب الحبكات التي يمكن أن يبتكرها كاتب أو مخرج أن يسرق رجل بيت جاره.
يطرده منه بالقوة.
ويستولي على أرضه ومفاتيحه وصوره العائلية وذكرياته.
ثم ينجح بعد ذلك كله في إقناع العالم بأنه هو الضحية.
في السينما تبدو هذه الحبكة بعيدة عن التصديق.
وفي الروايات الضعيفة قد يرفضها القارئ لأنها تناقض...
تبدو الصورة للوهلة الأولى بسيطة.
مجموعة رجال يقفون على درجات حجرية في القدس.
بدلات أنيقة.
وجوه هادئة.
نظرات واثقة.
لا عود في الأيدي.
لا ناي.
لا كمان.
لا طبلة.
ولا شيء يوحي بأن هؤلاء الرجال كانوا يصنعون الموسيقى.
لكن السينما علمتني دائماً أن ما يحدث خارج الكادر أحياناً أهم مما يظهر داخله.
وخارج...
لا يبدأ الاستيطان دائمًا بجرافة كبيرة، ولا بقرار حكومي معلن،
ولا بخطاب صاخب في الكنيست.
أحيانًا يبدأ بكرفان.
بيت متنقل صغير يوضع فوق تلّة، كأنه تفصيل عابر في مشهد طويل.
ثم يأتي طريق ترابي.
ثم عمود كهرباء.
ثم خزان ماء.
ثم جندي يحرس.
ثم مستوطن يحمل بندقية.
ثم لافتة عبرية.
ثم يصبح المكان "حقيقة...
في صيف بعيد، كان فدائي فلسطيني يحمل كاميرا على كتفه.
لم يكن المشهد غريباً آنذاك.
كانت الثورة تحمل البنادق والكاميرات معاً.
لكن أحداً لم يكن يعرف أن بعض تلك الصور سيعيش أطول من كثير من الرصاصات التي أطلقت في السنوات نفسها.
كان المصور يركض خلف المقاتلين في التلال والوديان والمخيمات. يصور جنازة...
لست من الذين يكتبون بسهولة ضد فنان بسبب جنسيته.
ولست من الذين يعتقدون أن الإبداع يُقاس بجواز السفر.
ولهذا قرأت باهتمام ما كتبه الزميل أمير العمري دفاعاً عن المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد، كما قرأت البيان الذي وقعه أكثر من 350 سينمائياً فرنسياً وأوروبياً احتجاجاً على استبعاده من مهرجان مارسيليا...