يحيى بركات - حين يصبح الراتب إعلانَ نجاةٍ لا حقًّا

كيف تحوّلت رواتب الموظفين في فلسطين من استحقاقٍ طبيعي إلى معركة شهرية مع الإذلال… ولماذا؟
في البلاد الطبيعية،
يأتي آخر الشهر،
فينظر الموظف إلى راتبه كما ينظر إلى شيءٍ عادي.
حقٌّ مقابل عمل.
تعبٌ آخره أجر.
زمنٌ يُقاس بين أول الشهر وآخره.
أما هنا،
فالأمر لم يعد كذلك منذ زمن.
هنا،
لا يأتي الراتب بوصفه حقًّا،
بل بوصفه خبرًا.
إشاعةً أولًا.
ثم تسريبًا.
ثم انتظارًا طويلًا على هواتف الناس.
ثم بيانًا مرتبكًا.
ثم مبلغًا ناقصًا.
ثم جملة باردة تقول:
الباقي في الذمة.
وما بين “النزول” و”الذمة”،
تُعاد كتابة حياة الناس كل شهر من جديد.
الموظف لا ينتظر الراتب ليرتب رفاهيته.
هو ينتظره كي يمنع الانهيار فقط.
كي يسدد شيئًا من دينٍ قديم.
كي يؤجل فضيحةً جديدة أمام صاحب البقالة.
كي يمرّ من أمام الصيدلية دون أن يشيح بوجهه.
كي يردّ على الهاتف حين يتصل صاحب البيت.
كي لا يشعر أن تعبه كله، وخدمته كلها، وعمره كله، تحول إلى قسط مؤجل في دفتر أحد.
وحين يُقال له اليوم:
سيُصرف لكم ألفا شيكل فقط… للجميع… دون استثناء،
فهذا لا يعني أن الأزمة مالية فقط.
هذا يعني أن الإنسان نفسه صار يُدار بالحد الأدنى من الأكسجين.
القصة، ببساطة، ليست أن الخزينة “مزنوقة” قليلًا.
وليست أن الحكومة “تتأخر” ثم تعوّض لاحقًا.
وليست أيضًا أن كل ما يجري يمكن شرحه بكلمة واحدة اسمها الاحتلال، ثم ننتهي.
الحقيقة أعمق من ذلك، لكنها ليست معقدة.
هناك احتلال يضع يده على عنق الاقتصاد الفلسطيني،
وهناك سلطة بُنيت، منذ سنوات، على أرضٍ غير مستقرة،
تعيش على مالٍ لا تملك مفتاحه،
وتدير مجتمعًا تحت السيطرة،
ثم يُطلب منها أن تبدو كأنها دولة طبيعية كاملة السيادة.
وهكذا،
حين يهزّ الاحتلال الطاولة،
تهتز حياة الناس كلها.
لكي نفهم الحكاية،
علينا أن نبدأ من أبسط سؤال:
من أين تأتي أموال السلطة أصلًا؟
أي حكومة في العالم تحتاج مالًا لتدفع الرواتب، وتشغّل المدارس، وتشتري الدواء، وتُبقي المستشفيات والوزارات والبلديات والخدمات على قيد العمل.
والسلطة الفلسطينية لها مصدران أساسيان:
الأول: أموال تُجبى محليًا، من ضرائب ورسوم ومعاملات داخلية.
والثاني، وهو الأهم: أموال المقاصة.
والمقاصة، لمن لا يعرف هذه الكلمة، هي ببساطة:
أموال فلسطينية، من ضرائب وجمارك ورسوم على السلع الواردة والمحروقات وغيرها،
لكن من يجبيها فعليًا هو الاحتلال،
ثم يفترض أن يعيد تحويلها إلى السلطة.
أي أن المال فلسطيني،
لكن طريقه يمر من يد الاحتلال.
وهنا يبدأ الفخ.
أن تكون حياتك كلها معلقة بمالك…
لكن مفتاح مالك في جيب خصمك.
هذه ليست مشكلة حسابات فقط.
هذه هندسة سياسية كاملة.
أن تُبنى سلطة بلا سيادة حقيقية،
ومجتمع بلا اقتصاد حر،
وخزينة بلا باب مستقل،
ثم يُقال للناس بعد ذلك:
لماذا لا تستقيم أموركم؟
لهذا، حين يحتجز الاحتلال أموال المقاصة،
فهو لا يحتجز بندًا ماليًا عابرًا.
هو يحتجز الشريان الرئيسي.
كأن أحدهم يضع يده على حنجرة إنسان،
ثم يسأله ببرود:
لماذا لا تتنفس بشكل أفضل؟
وحين نسمع أن الاحتلال يحتجز مليارات الشواكل من أموال الضرائب الفلسطينية،
فهذا لا يعني فقط أن أرقامًا اختفت من الخزينة،
بل يعني أن الرواتب تتأخر،
والدواء يقلّ،
والديون تكبر،
والمدرسة تضيق،
والمستشفى يختنق،
والناس يدخلون شهرًا جديدًا بأعصاب أقدم من أعمارهم.
لكن هل تكفي هذه الحقيقة وحدها؟
لا.
لأن الإنصاف يقتضي أن نقول ما لا يحبه كثيرون:
الاحتلال هو المسؤول الأول، نعم.
لكنه ليس التفسير الوحيد لكل ما جرى.
فالسلطة، منذ سنوات، لم تنجح في بناء مناعة مالية حقيقية.
بقيت معتمدةً بشكل قاتل على المقاصة.
وبقيت تدير الأزمة بالترحيل:
هذا الشهر نؤجل إلى الشهر القادم،
وهذا العجز نغطيه بدين،
وهذا الدين نضعه في ذمة الموظف،
وهذه الذمة نرحّلها إلى زمنٍ لا أحد يعرف متى يأتي.
هكذا تكبر الكارثة بهدوء.
ليس بانفجارٍ واحد،
بل بتآكلٍ بطيء،
كجدارٍ يبدو واقفًا من بعيد،
لكنّ الملح يأكله من الداخل.
ولذلك، حين يتحدث العالم عن إصلاحات مالية وحوكمة وشفافية ومراجعة للإدارة المالية، فهو لا يفعل ذلك عبثًا.
هذا يعني أن الداخل أيضًا فيه خلل.
في الإدارة،
وفي الأولويات،
وفي أسلوب التعامل مع المال العام،
وفي بطء الإصلاح،
وفي قدرة المؤسسة على حماية المجتمع من أن يتحول كله إلى دفتر مديونية مفتوح.
الناس، بطبيعتها، تسأل:
إذا كانت هناك ضرائب على السجائر، وعلى المحروقات، وعلى السفر، وعلى المعاملات، فأين تذهب؟
ولماذا لا تكفي؟
وهذا سؤال مشروع، ويجب ألا يُسكت أحد الناس عنه.
لكن الجواب يحتاج هدوءًا.
هذه الأموال موجودة فعلًا،
لكنها ليست بحجم ما يتخيله الناس حين تكون المقاصة محتجزة.
بعض الضرائب المحلية يدخل إلى الخزينة، نعم.
لكن الجزء الأكبر من المال العام، في الظروف الطبيعية، كان يأتي من المقاصة.
أي أن الإيرادات المحلية وحدها لا تكفي لحمل كتلة الرواتب والخدمات والتشغيل والالتزامات.
هي تساعد، لكنها لا تنقذ وحدها.
بمعنى أبسط:
قد تجمع ما يكفي لإبقاء الضوء خافتًا،
لكن ليس ما يكفي لإعادة الكهرباء إلى البيت كله.
ثم هناك كلمة أخرى اعتاد الناس سماعها حتى كأنها صارت جزءًا من اللغة اليومية:
المتأخرات.
وهذه الكلمة، على بساطتها، تخفي وراءها مأساةً كاملة.
المتأخرات تعني أن الحكومة لم تدفع ما عليها الآن،
فوضعته دينًا على نفسها إلى وقت لاحق.
في اللغة المحاسبية، هذه مجرد كلمة.
لكن في حياة الناس، معناها شيء آخر.
معناها أن الفرق بين الراتب الكامل وما دُفع فعليًا،
لم يبق رقمًا على ورقة في وزارة المالية،
بل تحوّل إلى دين على الموظف في السوق.
الحكومة تؤجل،
لكن الحياة لا تؤجل.
صاحب الدكان لا ينتظر “تحسن السيولة”.
الصيدلي لا يقرأ بيانات وزارة المالية.
المخبز لا يأخذ حصته من المقاصة.
ومدرسة الأولاد لا تفهم معنى “ستُدفع المتأخرات لاحقًا”.
وهكذا،
كل شيكل لا يصل إلى الموظف اليوم،
يتحوّل في الغالب إلى إذلالٍ صغير في مكان ما.
مرة أمام البنك.
مرة أمام الصيدلية.
مرة أمام الجار.
مرة أمام الابن الذي يريد شيئًا بسيطًا، ولا يفهم لماذا صار الأب يحسب أنفاسه قبل أن يحسب نقوده.
وليس الموظف وحده من يدخل في هذه الطاحونة.
هناك المتقاعد أيضًا.
وهنا يصبح المشهد أكثر قسوة.
لأن المتقاعد، الذي أنهى عمره الوظيفي،
وكان يفترض أن يجد في راتبه التقاعدي شيئًا من الأمان،
دخل هو الآخر في الأزمة ذاتها.
فأموال التقاعد نفسها لم تعد بعيدة عن يد الأزمة،
بل صارت جزءًا منها.
وصارت الحكومة مدينةً لهيئة التقاعد،
وصار ما يفترض أنه حصن حماية للشيخوخة،
جزءًا من شبكة الدين العام.
وهنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون ماليًا:
أي معنى لدولة أو سلطة أو مؤسسة،
إذا كان الموظف يُستنزف في خدمته،
ثم يُستنزف في تقاعده أيضًا؟
أي معنى للعمر الوظيفي كله،
إذا كانت نهايته، مثل بدايته، قائمة على القلق نفسه؟
في هذه اللحظة، يظهر صوتٌ غاضب على مواقع التواصل وفي الشارع وفي البيوت:
لماذا لا تُحلّ السلطة؟
لماذا لا يُقال للعالم كله: هذا احتلال، فليتحمل الاحتلال مسؤوليته كاملة؟
أليس هو المسؤول الأول عن الشعب الواقع تحت احتلاله؟
أليس هو الملزم بتوفير الصحة والتعليم والحياة والعمل؟
هذا الكلام ليس بلا أساس.
بل فيه جزء قانوني وسياسي صحيح.
نعم، الاحتلال، في القانون الدولي، ليس متفرجًا.
هو مسؤول عن السكان الذين يعيشون تحت احتلاله،
وعن ضمان الحد الأدنى من الحياة العامة والخدمات الأساسية.
لكن بين هذا النص القانوني،
وبين ما يمكن أن يحدث على الأرض،
توجد فجوة كبيرة.
فأن تقول إن الاحتلال مسؤول، هذا صحيح.
لكن أن تفترض أن الاحتلال، إذا انهارت السلطة أو حُلّت،
سيتحول في اليوم التالي إلى جهة تدفع الرواتب كاملة، وتفتح فرص العمل، وتؤمن الصحة والتعليم بكرمٍ إداري،
فهذا أقرب إلى التمني منه إلى الواقع.
الاحتلال لا يفكر بمنطق العدالة.
بل بمنطق السيطرة.
وهو، في كثير من الأحيان، يستفيد أصلًا من وجود سلطة تبقى واقفةً على قدميها بالكاد،
فتحمل عنه عبئًا كبيرًا من الإدارة والخدمات والرواتب والتوتر الاجتماعي،
بينما يبقى هو ممسكًا بالمفاتيح كلها من الخلف.
ولهذا،
فإن شعار “ليتحمل الاحتلال المسؤولية” صحيح من حيث المبدأ،
لكن تحويله إلى وصفة سريعة قد يفتح بابًا على فوضى أكبر، لا على عدالة أسرع.
لكن هنا يجب أن نرى ما هو أبعد من الأزمة الشهرية.
ما يفعله الاحتلال ليس مجرد عقاب مالي.
وليس مجرد خلاف على أموال مقاصة.
المسألة، في جوهرها، سياسية وجودية.
حين يُخنق الاقتصاد،
وتُكسر الرواتب،
وتُسدّ أبواب العمل،
ويُدفع الموظف إلى الدَّين،
والعامل إلى البطالة،
والشاب إلى اليأس،
والأسرة إلى القلق اليومي،
فهذا لا يصنع فقط أزمة معيشية.
هذا يصنع مناخًا كاملًا لفقدان الأمل.
وفقدان الأمل ليس تفصيلًا جانبيًا في المشروع الاستعماري.
بل هو أحد أدواته الأساسية.
فالاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى أن يطرد الناس بالسلاح وحده.
يكفي أحيانًا أن يجعل الحياة مستحيلة.
أن يجعل الإنسان يقف كل صباح أمام سؤال مرهق:
كيف سأعيش؟
كيف سأطعم أولادي؟
كيف سأكمل؟
إلى متى أظل أقاوم بما لم يعد يكفيني كي أصل إلى آخر الشهر؟
هنا،
تصبح الهجرة فكرة.
ثم احتمالًا.
ثم حلمًا.
ثم مخرجًا أخيرًا لمن لم يعد يحتمل.
وهكذا،
لا يكون تفريغ الوطن فقط بالجرافة والمستوطنة والحاجز،
بل أيضًا بالضغط البطيء على أعصاب الناس،
وعلى أرزاقهم،
وعلى ثقتهم بأن الغد يمكن أن يكون أقل قسوة.
أي أن الاحتلال، وهو يحاصر المال،
يحاصر ما هو أخطر من المال:
يحاصر المعنى.
معنى البقاء.
معنى الصبر.
معنى أن تبقى هنا رغم كل شيء.
ومن هنا،
فإن أزمة الرواتب ليست ملفًا ماليًا باردًا كما يبدو في نشرات الأخبار.
هي جزء من معركة أكبر على الوعي والكرامة والوجود.
حين يتحول الراتب إلى نصف راتب،
ثم إلى جزء من راتب،
ثم إلى دفعة متساوية للجميع لا ترى الفروق ولا الالتزامات ولا الأعمار ولا الأمراض،
فهذا لا يقول فقط إن الخزينة مأزومة.
بل يقول أيضًا إن الإنسان نفسه يُدفع إلى أن يعتاد الإهانة.
أن يعتاد أن حقه ليس حقًا كاملًا،
بل منحة مؤقتة.
أن ما يتقاضاه ليس أجرًا مستحقًا،
بل إعلان بقاء على قيد الشهر.
أن “الراتب” لم يعد اسمًا لثمرة العمل،
بل اسمًا لتدبير النجاة.
وحين يعتاد مجتمعٌ كامل هذا الشكل من الحياة،
يحدث شيء أخطر من الفقر:
يحدث تطبيع مع الانكسار.
وهنا يدخل البعد الفلسفي للأزمة.
الإنسان لا يعيش بالخبز وحده،
صحيح.
لكنه أيضًا لا يعيش بالمعنى وحده.
هو يحتاج الاثنين معًا:
ما يسد الجوع،
وما يمنع الروح من الانهيار.
والاحتلال، حين يضرب الراتب،
لا يضرب الجيب فقط.
هو يضرب صورة الإنسان عن نفسه.
يضعه كل شهر أمام اختبار مذلّ:
كم تستطيع أن تتحمل أكثر؟
كم من كرامتك يمكن أن يُقسط؟
كم من أحلامك يمكن أن يؤجل؟
كم من عمرك يمكن أن يوضع في الذمة؟
ومع ذلك،
فليس من العدل أن نعلق كل شيء على المشجب الخارجي ثم نصمت عن الداخل.
لأن السلطة، وهي تقف في هذا الممر الضيق،
ليست معفاة من السؤال.
أين الإصلاح الحقيقي؟
أين الشفافية التي تشرح للناس، بلغة واضحة، أين تأتي الأموال وأين تذهب؟
أين الخطة التي تحمي أموال التقاعد؟
أين الأولويات؟
أين العدالة في توزيع العبء؟
أين المكاشفة التي تجعل المواطن يعرف ما الذي جرى، لا أن يسمع كل شهر رواية ناقصة ثم يذهب ليقاتل وحده في السوق؟
الناس لا تطلب معجزة.
الناس تطلب احترام عقلها.
أن يُقال لها الصدق كاملًا.
أن تعرف: ما الذي سرقه الاحتلال؟
وما الذي أُهدر؟
وما الذي أُسيء تدبيره؟
وما الذي يمكن إصلاحه؟
وما الذي لم يعد يُحتمل تأجيله؟
لأن المواطن البسيط، مهما لم يكن خبيرًا اقتصاديًا، يملك غريزة عدالة حادة.
هو قد لا يعرف لغة الموازنات،
لكنه يعرف تمامًا معنى أن يُطلب منه وحده، كل مرة، أن يدفع الفاتورة.
ومن هنا،
فإن الجملة الأدق ليست أن “الاحتلال وحده هو السبب”،
ولا أن “السلطة وحدها هي السبب”.
الجملة الأدق هي هذه:
نحن أمام احتلال يستخدم المال كسلاح،
وأمام سلطة لم تنجح في بناء حماية كافية لمجتمعها،
فوقع الموظف والمتقاعد والعامل والعائلة في المسافة القاسية بين سكينٍ خارجية… وهشاشةٍ داخلية.
الاحتلال يخنق،
والإدارة تؤجل،
والديون تتراكم،
والناس يدفعون.
هذه هي الصورة بلا مكياج.
إلى أين يمكن أن يذهب هذا كله؟
إذا استمر احتجاز المقاصة،
وظل الدعم العربي ضعيفًا،
وبقي الدعم الدولي مشروطًا وبطيئًا،
ولم تحدث مراجعة داخلية جادة،
فإن القادم لن يكون مجرد استمرار لما نحن فيه،
بل تعميقًا له.
مزيد من الرواتب الجزئية.
مزيد من الاقتراض.
مزيد من استنزاف صندوق التقاعد.
مزيد من الضغط على الموظف والعامل والأسرة.
مزيد من اليأس الصامت.
ومزيد من ذلك السؤال الذي لا يُقال دائمًا بصوت مرتفع، لكنه يدور في رؤوس كثيرين:
هل بقي في هذا المكان ما يستحق كل هذا الاحتمال؟
وهنا،
يجب أن ندرك أن أخطر ما في الأزمة ليس نقص المال وحده.
بل احتمال أن ينجح الاحتلال في تحويل المجتمع كله إلى مجتمع يعيش على حافة الانطفاء،
ويعتاد ذلك،
ثم يبدأ، واحدًا واحدًا، في البحث عن مخرج فردي بدل البقاء الجماعي.
وهذا، بالضبط، هو المعنى الأعمق لما يجري.
ليس فقط إفقار الناس،
بل تفكيك صلتهم بالمكان عبر إنهاكهم.
ليس فقط حجز المال،
بل حجز المستقبل.
ليس فقط تأخير الرواتب،
بل تأخير الحياة نفسها.
لهذا،
يجب أن يُقال الأمر بوضوح لا يحتمل اللبس:
ما يجري ليس مجرد أزمة رواتب.
إنه فصل من فصول المعركة على بقاء الفلسطيني في وطنه.
الراتب هنا ليس ورقة نقدية فقط.
هو قدرة أسرة على أن تبقى.
وقدرة أب على ألا ينكسر أمام أولاده.
وقدرة أم على أن تدبر يومها بلا مذلة.
وقدرة متقاعد على أن يشعر أن عمره لم يذهب سدى.
وقدرة شعب على أن يقاوم مشروع اقتلاعه البطيء.
وحين يُضرب الراتب،
يُضرب كل هذا معًا.
لهذا،
فإن الدفاع عن حق الموظف والمتقاعد والعامل في حياة كريمة،
ليس مطلبًا نقابيًا صغيرًا.
إنه دفاع عن المجتمع نفسه.
عن قدرته على الصمود.
عن حقه في الأمل.
وعن حقه في ألا يتحول الوطن، بفعل الخنق والإنهاك، إلى مكانٍ يطرد أبناءه بصمت.
في النهاية،
لا يحتاج الموظف الفلسطيني إلى درس في الاقتصاد كي يفهم ما يحدث له.
هو يفهمه من جيبه،
ومن عيني زوجته،
ومن دفاتر أولاده،
ومن صمت هاتفه حين يعجز عن الرد على الدائنين.
هو يعرف، قبل الجميع،
أن الاحتلال يسرق،
وأن الإدارة لا تكفي،
وأن العبء يُلقى عليه كل مرة،
وأن حياته تحولت إلى معركة شهرية مع التأجيل.
لكن ما يجب ألا يقبله أحد،
هو أن يصبح هذا كله طبيعيًا.
أن نعتاد الإهانة.
أن نعتاد النقص.
أن نعتاد أن يعيش الناس على الفتات… ثم يُطلب منهم أن يشكروا من أعطاهم فتات حقهم.
فالراتب، في أصله، ليس منّة.
والكرامة ليست بندًا مؤجلًا.
والوطن لا يُحمى بالشعارات وحدها،
بل بحماية الناس الذين يثبتونه كل يوم بعيشهم وصبرهم وعنادهم فوق هذه الأرض.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

1776690113235.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى