عبدالمنعم الهراق

يوم الأحد في المكتبة يحمل حيرة خاصة ، فكأن أبوابها انفتحت على حين غفلة من القراء، أو لعلهم آثروا أن يجعلوا من العطلة الأسبوعية موعدا للراحة والاستجمام، بعيدا عن المدينة وأسوارها وضجيجها ، وربما كانت أيام العمل ، بما تتيحه من مرور عابر في قلب المدينة، فرصة سانحة لضرب عصفورين بحجر واحد: قضاء...
في نهاية كل شهر، أجدني أقف أمام رفوف المكتبة كما يقف الجغرافي أمام خريطة قارة جديدة ، لا أعدّ الكتب التي بيعت، ولكن أحاول أن أقرأ من خلالها نبض الناس، وأسعى بأن أفهم الأسئلة التي أقلقتهم، والأفكار التي شغلتهم، والآفاق التي قادتهم إليها القراءة. خريطة القراءة لشهر يوليوز هذا العام جاءت مختلفة على...
قبل الغروب بقليل، دخل إلى المكتبة زوجان مسنّان، وقد اشتعل رأسهما شيبا ، لكن في ملامحهما بقية دفء لم تستطع السنون أن تطفئه ؛ كانا يحملان بعض الأغراض في أيديهما، ويتكئ كل واحد منهما على الآخر ، ثم أخذا يتنقلان ببطء بين رفوف الروايات، كأنهما يعبران ممرا طويلا من الذكريات. توقفت الزوجة أمامي وقالت...
في أروقة المكتبة ، محتسب الفهرسة يفض النزاع.. دخل "كليلة ودمنة" إلى قاعة المخطوطات بخطوات متسارعة، صخبه يسبقه، ورائحة الحبر القديم تتصاعد من صفحاته الغاضبة ؛ ألقى بنفسه أمام منصة " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون "سادن الفهارس، وقاضي التراث الذي لا تخفى عليه غامضة. قال "كليلة ودمنة " بصوت...
قبل أن تمتلئ المكتبة بخطوات الزائرين، وصلت أول زائرة للمكتبة هذا الصباح، سيدة في الثلاثينيات من عمرها، تحمل على ظهرها حقيبة سفر كبيرة، وفي أذنيها سماعتان تعزلانها عن ضجيج العالم، لكنها لم تستطع أن تعزلها عن نداء كتاب ظل يلاحق ذاكرتها. جاءت في موعد مع كتاب أفلت اسمه من الذاكرة، وغاب اسم مؤلفه ،...
دخل أحد القراء إلى المكتبة ، وبعدما أنهكه طول التجوال بين الأجنحة، بحث عن كرسي يستريح عليه ، وما إن همّ بالجلوس حتى لمح فوقه بقايا مناديل مبللة مبعثرة وبعض الكتب ؛ جمع المناديل في ضيق ظاهر، ولم يخف امتعاضه، وأخذ يلوم صاحب ذلك السلوك بكلمات فيها شيء من العتاب ، مستنكرا أن يترك قارئ مثقف مكانه على...
قبل أن تستيقظ صناديق الاقتراع، تصحو بعض الكتب أولا؛ فهناك مؤلفات تستفيق على إيقاع المواسم وليس على نسق الفصول، فتظل هادئة فوق الرفوف، يكسوها صمت طويل، حتى إذا اقترب موعد الانتخابات، دبت فيها الحياة فجأة، وامتدت إليها الأيدي بعد طول انتظار، وكأنها كانت تترقب هي الأخرى ساعة النداء ، وأحيانا تصدر...
في كل لقاء ثقافي ناجح، لا يكون الكتاب وحده هو البطل، لكن قد يصبح الحوار أيضا بطلا موازيا، يفتح للنص أبوابا جديدة، ويمنحه حياة أخرى خارج صفحاته. هكذا عاشت مكتبة الألفية مساء أمس موعدا ثقافيا استثنائيا، وهي تستضيف الدكتور سعيد علوش لتوقيع روايته: "أنا البخاري... لا يصح غير الجامع الصحيح"؛ رواية...
في ظهيرة هادئة، انكسر صمت المكتبة بوقع خطوات خفيفة ، دخل طفل في عقده الأول ، برفقة أمه ، كان يطوق يده اليسرى جبس أبيض كأنه عائد من حادثة سببت له عاهة مؤقتة ، وكان يلمسها بين الفينة والأخرى، يداري ألما خفيا بابتسامة تستشرف العوالم المخبأة بين الرفوف ؛ لم تكن يده المكسورة سوى عثرة صغيرة أمام روح...
في حوار دافئ جمعني سابقا بالمؤرخ والصحافي القدير محمد الصديق معنينو ، استأذنته في أمنية ظل كثير من القراء يرددونها: أن يعيد طباعة بعض أجزاء سلسلته الرائدة "أيام زمان"، التي صدرت في ستة أسفار على فترات متفرقة، واستطاعت أن تحفظ جانبا من ذاكرة المغرب، وأن تحظى بقبول لافت بين القراء، حتى غدت من...
قبل دقائق قليلة من الإغلاق المسائي، دخلت تلك الفتاة مسرعة، وكأنها تخشى أن يسبقها الليل إلى باب المكتبة ؛ كانت تحمل في عينيها لهفة قارئة تعرف تماما ما تريد، فتقدمت نحوي وقالت دون مقدمات: أبحث عن رواية "زوربا اليوناني" لنيكوس كازانتزاكيس. فتشت في الرفوف، ثم اعتذرت لها بابتسامة خفيفة ، لم تكن...
في صباح هادئ، جاءني صوت الروائي والأديب خليل خيي - صاحب رواية "ولد الخيرية"- عبر الهاتف، يبحث عن خبيئة لغوية تروي ظمأه: كتاب "فقه اللغة وسر العربية" لأبي منصور الثعالبي، محددا برغبته الشديدة طبعة مؤسسة الرسالة ناشرون لبنان . بحثتُ في الرفوف، فلم أجد سوى نسخة من طبعة المكتبة العصرية بتحقيق...
بمجرد أن دخلت فتاتان إلى المكتبة، قالت إحداهما للأخرى : أنا في حاجة إلى رواية خفيفة، لطيفة، غير مطولة ولا مملة. فأجابتها صديقتها دون تردد : رواية "الخادمة" للكاتبة الأمريكية فريدا ماكفادن. استوقفتني العبارة أكثر مما أثارني اسم الرواية، لم أكن قد اطلعت على أحداثها، فعدت أبحث عنها، فإذا بي أجد...
ليس كل من يدخل المكتبة يبحث عن حكاية، ولا كل من يقترب من الرفوف يقصد رواية ، فبعضهم يأتي حاملا حلما صغيرا، لكنه أكبر من عمره. فاجأني اليوم طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره بطلب غريب، حتى خلت في البداية أنه يمازحني، أو أن أحدا أرسله ليختبر دهشتي. قال بثقة: أريد كتبا في الطبخ. ابتسمت وقلت له...
في زحمة الرفوف، كان ذلك الرجل يتجول بين أجنحة المكتبة برفقة زوجته، يتأمل العناوين بعين القارئ الذي خبر الكتب، لكنه هذه المرة لم يكن يبحث عما يستهويه هو، بل عما قد يوقظ شغف ابنه اليافع، الذي لم يكن يصاحبه في رحلته تلك بين الرفوف . همَّ أن ينتقي له بعض الروايات، فقالت له زوجته بهدوء الواثق: لا...

هذا الملف

نصوص
72
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى