عبدالمنعم الهراق

افتتحنا المكتبة هذا الصباح على موعد مع وفاء نبيل ، ذلك المعدن النفيس الذي يندر أن تعثر عليه في زمن السرعة والنسيان. شاب في مقتبل العمر قطع المسافة من مدينة بعيدة ،جاء مدفوعا بشوق قديم وذكرى عزيزة، يبحث بين الرفوف عن آثار أستاذه وشيخه العلامة عبد الله التليدي رحمه الله. جلس يحدثني عنه، فإذا...
رجل ستيني مهيب، لحية مشذبة بعناية، وطقم أنيق، تعلو رأسه قبعة توحي لأول وهلة بأن صاحبها من أولئك الذين عاشوا أعمارهم بين الفكر والكتب أكثر مما عاشوها بين ضجيج الدنيا ، جلس أمامي، ثم بدأ يحكي قصته بصوت هادئ تخفي نبراته وجعا عميقا. قال إنه من أصول مغربية، لكنه أمضى عقودا طويلة من عمره في إحدى الدول...
من بين آلاف الكتب التي مرت بين يدي، وسمعت عنها حكايات لا تُحصى، بقيت هذه القصة من أجمل ما روي لي عن حب الكتب ، لأن بطلها كان كتابا واحدا فقط. حكى لي أحد القراء الكرام أنه فتح عينيه على الدنيا في بيت أسرته على مجلد ضخم مهيب ، يقبع في المنزل كشيخ وقور يراقب الجميع بصمت ، اسمه " المنجد في اللغة...
سأتوقف مؤقتا عن نشر "يوميات بائع كتب" ، تلك اليوميات التي تحولت من مجرد منشورات عابرة إلى نافذة صغيرة أطل منها كل يوم على أرواح القراء ، وأصغي عبرها إلى همسات الكتب وهي تتنقل بين الأيدي والرفوف والقلوب . لقد عشت مع هذه اليوميات تفاصيل لا تُنسى ؛ رأيت فيها كيف تستطيع الكتب أن تُرمم إنسانا...
"في سنة 1987م، زرت شيخي الفاضل الأستاذ عبدالسلام محمد هارون رحمة الله عليه، في مصر الجديدة، وهو من كبار محققي التراث العربي، كان يسكن قريباً من ابن خاله شيخ العربية محمود محمد شاكر رحمة الله عليه، الذي يسكن في شارع حسين المرصفي، زرته في الساعة الخامسة مساء، فاستقبلني واحتفى بي، وأهداني كتابه...
تبعا إلى موضوع الانتحال الذي نشرته في صفحتي من قبل ، أرسل إليّ الصديق أحمد عطوف إحالة في غاية الأهمية من كتاب "خلٌّ وبقل" للعلامة عبد الله كنون رحمة الله عليه ( صفحة : 109 -110) ، جاء فيها : " هناك لائحة كبيرة بالكتب التي تُنسب لغير مؤلفيها قصداً أو عن غير قصد لسبب من الأسباب.... ..فإن من...
عرفتُها منذ ما يزيد عن عشرين عاما، امرأة تعرف الروايات كما يخالط البحّار التيارات البحرية ، تشمّ رائحة النص الجيد من صفحاته الأولى. كانت ولا تزال قارئة نهمة، تدخل عالم الرواية كما يلج المرء بيتا قديما يبحث فيه عن نفسه ، كم من مرة رأيتها تحمل أكواما من الروايات بشغف المريد، تناقش الكُتّاب، وتفكك...
أحسست اليوم بغبن كبير تملكني من أخمص قدمي إلى شعر رأسي عندما وقعت على كتاب "ليس للباقلاني نظر في نسبة كتاب إعجاز القرآن" من تأليف محمد بن عبد الله العزّام . سنوات طويلة وأنا أبيع كتاب " إعجاز القرآن " ، وأقدمه للقراء والباحثين بطبعاته المتعددة مطمئنا إلى نسبته، قبل أن أكتشف متأخرا أن الكتاب لم...
في سابقة نادرة وجميلة، دخل إلى المكتبة أب وأم ، لا يبحثان عن كتب مدرسية أو مراجع دراسية، لكن هذه المرة ، يفتشان عن دواوين شعرية لابنتهما التي لم تتجاوز بعد ربيعها الثالث عشر. قالا لي بابتسامة ممزوجة بالدهشة والفخر: إنها تحب الرواية كثيرا، لكنها تكتب الشعر أيضا ، وتعشق الغَزَل على وجه الخصوص ؛...
واظبت على متابعة ونشر (يوميات بائع كتب) في منصة أنطولوجيا السرد العربي فأحببتها، أحببتها بجد بدءا بما تتضمنه من معلومات وأخبار الأدباء والكتاب، وعناوين، ونتف عن عالم الكتب وثمرات المطابع، وثانيا بصياغتها الأدبية السليمة وأسلوبها المتين والبديع في تقديم الأسفار للقارىء المتمرس، واحببت الرجل،...
في تسعينيات القرن الماضي، حين كنت أتلمس طريقي الأولى بين رفوف الكتب، تعرّفت على هذا الكتبي العزيز عبد الهادي. كان بالنسبة إلي أكثر من بائع كتب، كان مدرسة كاملة تمشي على قدمين. فتحت عيني على طريقته المحكمة في العمل، على صبره الطويل، وعلى ذلك الكفاح الشريف الذي لا يُرى في الواجهات، لكن يظهر في...
في خضمّ أشغال اليوم الأخير من المعرض الدولي للكتاب، انسحبتُ قليلا من زحام الأروقة وضجيج التواقيع، أبحث عن استراحة قصيرة أحتسي فيها فنجان قهوة في الساحة الخارجية، وأستعيد شيئا من أنفاسي التي بعثرتها الأيام الطويلة للمعرض. وبينما كنت غارقا في صمتي، تناهى إلى سمعي صوت عربي رخيم، دافئ وعميق، يهز...
أول مرة دخلت فيها إلى المكتبة، بدت كأنها تبحث عن شيء أعمق من الكتب نفسها. كانت تسأل مرة عن الشعر، ومرة عن الرواية، وعن التصوف أيضا ، ثم تمضي بين الرفوف ببطء يشبه التأمل، كأنها تُصغي إلى الهمس الخافت المنبعث من الورق. لا أدري لماذا خطر لي منذ اللحظة الأولى أنها تُشبه إلى حد كبير الأديبة والروائية...
جلستُ اليوم في المعرض، لا كمن يبيع الكتب، لكن كمن يُوقّعها ، أمام نسخي المصطفّة كاعترافات مؤجّلة، أحاول أن أرتدي جُبَّة الكاتب، لكنها كانت أوسع من قلبي، وأضيق من عادتي ، مددتُ يدي لأوقّع، فامتدّت بي الذاكرة نحو الرفوف، تلك الزوايا التي كنتُ أرتّب فيها العناوين كما يُرتَّب الحنين، نحو وجوه...
في الممرّ الواسع بين رفوف القانون المدني ، والأسري ، والإجتماعي ، والعقاري ، مَرَّ اسم الدكتور محمد الكشبور رحمة الله عليه ، خفيفا كدعاء، ثقيلا كحُكم لا يُنقَض. لم ألتقه يوما، لكنني عرفته كما يُعرَف القريب البعيد، من أثر خطاه على الورق، ومن صوته الذي يسكن بين السطور كلما فتح طالب كتابا، أو...

هذا الملف

نصوص
39
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى