في هذا اليوم، فتحتُ باب المكتبة على موعِدين ، ظاهرهما مختلف، وباطنهما حكاية واحدة.
في الصباح، دخلها صغار بعيون واسعة كأنها رفوف لم تُرتّب بعد، تلاميذ مدرسة حرّة، جاؤوا ليكتشفوا كيف يولد الكتاب أصلا. حدثتُهم عن ذاكرة المكان، عن كتب مرّت من هنا وتركَت ظلّها، عن تعبِ الفكرة وهي تشقّ طريقها إلى...
هذا المساء ، إحدى السيدات غادرت المكتبة بعدما تركت خلفها شيئا خفيفا لا يُرى، لكنه يثقل القلب؛ غصّة صغيرة، كأنها كلمة لم تُقَل في وقتها، أو ابتسامة تأخرت ثانية ففقدت معناها.
كانت قد سألتني عن كتاب قديم لجلال السيوطي، تحمل في هاتفها صورة غلاف بعثها إليها أحدهم، وكأنها تحمل أمانة لا تخصها وحدها ،...
عندما قرأت اليوم خبر نعي المحدث الحافظ محمد أبو الفضل رحمة الله عليه ، تسللت إلى الذاكرة صورةُ رجل كان مكتبة تمشي على قدمين ، المحدث، الواعظ، الخطيب الذي كانت كلماته تُوقظ فينا ما نام من شغف العلم، وما خمد من لهيب المعرفة.
أذكر يوم ناولني مسودة كتاب "تقييد المهمل وتمييز المشكل"، لصاحبه أبو...
في تمام العاشرة صباحا ، حين كانت المفاتيح لا تزال تستفيق من نعاسها، انفتحت أبواب المكتبة على ظل خفيف.
دخلت بهدوء ؛ بدلة رياضية أنيقة، حذاء يلامس الأرض كما لو يخشى إزعاجها، قبعة مائلة إلى الأمام تُخفي ملامحها، وحجاب يفيض بنقاء يُرى ولا يُوصف ؛ لم تسأل ، لم تتلفت ، كأنها تعرف الطريق دون أن يدلّها...
لم يكن مساء عاديا من مساءات أواخر أبريل سنة 2007.
كانت مكتبة منار العرفان يومها تشبه سفينة هادئة في بحر بلا رياح. الرفوف عامرة، لكن الخطوات قليلة، والكتب ساكنة كأنها تنتظر من يوقظها.
جلست خلف الطاولة مطأطئ الرأس، أعدّ كساد الأيام كما يعدّ الفلاح مواسم الجفاف ؛ كان في القلب شيء من انكسار خفيف،...