عبدالمنعم الهراق

دخلت المكتبة تحمل بين يديها كتابا بعد سنوات من الصبر والسهر والأسئلة المؤجلة ، كانت تقلب صفحاته كما لو أنها تتحسس دليلا ماديا على أن ما تعيشه ليس حلما عابرا ، فقالت لي وهي تبتسم في دهشة طفلة عثرت أخيرا على لعبتها الضائعة: "إلى الآن لا أصدق أن هذه الأطروحة تحمل اسمي." حكت لي قصتها بهدوء ، كانت قد...
وصلتني رسالة من قارئة فاضلة، لم تكن طويلة، لكنها بقيت معلقة في ذهني طوال اليوم، كقصاصة ورق نسيها أحدهم بين صفحات رواية قديمة. كتبت تقول: "أنا فتاة لدي شغف بالكتب والروايات، وأحب التأمل والاستكشاف ، هل يمكنني أن أسألك؟ أبحث عن روايات أو كتب تخوض في عالم الفتاة الوحيدة ، لها عائلة لكن تتعرض...
في ليلة هادئة، وبعد أن انطفأت أضواء المكتبة، وغفت الرفوف على همس الورق، تناهى إلى سمع كتاب " تهافت الفلاسفة " أن اسما عزيزا عليه لم يعد له وحده ، فهب من مكانه مذعورا، ونفض عن غلافه غبار القرون، وقال في غضب مكتوم : من الذي يجرؤ على حمل اسمي؟ أجابه" حي بن يقظان " هامسا: ثمة كتاب جديد في الرف...
ضمن يوميات بائع كتب، تمرّ عليّ حكايات لا تخطر على بال، لكن بعض القصص تترك في النفس أثرا لا يزول. قبل أيام، دخلت إلى المكتبة سيدة تحمل هما ثقيلا على كتفيها ، كانت تستعد لزيارة أحد أفراد عائلتها في السجن، وطلبت مني أن أختار له رواية قادرة على أن تنتزعه، ولو لساعات، من الجدران التي تحاصره، وأن...
في جناح التاريخ ، كانت مستشرقة ألمانية تقلب المراجع واحدا بعد آخر، وقد بدا على وجهها ذلك الإرهاق الذي لا يعرفه إلا من طارد مصدرا غاب أثره بين الفهارس والطبعات القديمة. التفتت إلى صديقتها وقالت بشيء من الحسرة: بحثت طويلا عن كتاب "نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني" لمحمد بن الطيب القادري...
جاء من أقصى المدينة، وقد أثقل الحر خطاه ، كان العرق يتصبب من جبينه، ويلتصق اللباس الخشن بجسده المتعب، لكنه لم يكن يبدو منشغلا بنفسه بقدر اهتمامه بأمر آخر يحمله في قلبه. تقدم نحوي وسأل عن كتاب في تفسير الأحلام. قلت له مبتسما : أتريده لابن سيرين أم لفرويد؟ توقف لوهلة، واتسعت عيناه دهشة، كأنني...
وقف الشاب أمام أحد الرفوف، سحب رواية ، قلب صفحاتها برفق كما لو أنه يصافح صديقا قديما، ثم سألني عن ثمنها. أخبرته بالسعر، فابتسم وقال معتذرا: لن أشتريها ، لقد جئت من مدينة القنيطرة لأزور المكتبة فقط. استوقفتني عبارته في زمن صار كثير من الناس يقيسون قيمة الزيارة بما يخرجون به من أكياس ومشتريات،...
ما إن استوت على الكرسي حتى بدا وكأنها تتحدث عن شخص عزيز غاب عنها وتشتاق إلى أخباره أو التحدث إليه . ذكرت اسم المفكر الروسي فاديم زيلاند، فانفرجت أساريرها، وأخذت تتحدث عنه بحرارة نادرة ، لم تكن تستعرض ما قرأته من مؤلفاته فحسب ، لكنها كانت تستعيد رحلة طويلة عاشتها بين أفكاره ؛ قالت إنها قرأت جميع...
وأنا أشق طريقي إلى المكتبة هذا الصباح، بدا لي أن المدينة كلها صفحة مفتوحة، وأن الوجوه العابرة ليست سوى عناوين مؤقتة لقصص لم تُكتب بعد ، كنت أتأمل المارة ليس باحثا عن صديق أو جار، لكنني افتش عن أولئك الذين تجمعني بهم صلة خفية لا تُرى ، صلة الكتب. فجأة لمحَتني إحدى القارئات الكريمات، فبادرتني...
افتتحنا المكتبة هذا الصباح على موعد مع وفاء نبيل ، ذلك المعدن النفيس الذي يندر أن تعثر عليه في زمن السرعة والنسيان. شاب في مقتبل العمر قطع المسافة من مدينة بعيدة ،جاء مدفوعا بشوق قديم وذكرى عزيزة، يبحث بين الرفوف عن آثار أستاذه وشيخه العلامة عبد الله التليدي رحمه الله. جلس يحدثني عنه، فإذا...
رجل ستيني مهيب، لحية مشذبة بعناية، وطقم أنيق، تعلو رأسه قبعة توحي لأول وهلة بأن صاحبها من أولئك الذين عاشوا أعمارهم بين الفكر والكتب أكثر مما عاشوها بين ضجيج الدنيا ، جلس أمامي، ثم بدأ يحكي قصته بصوت هادئ تخفي نبراته وجعا عميقا. قال إنه من أصول مغربية، لكنه أمضى عقودا طويلة من عمره في إحدى الدول...
من بين آلاف الكتب التي مرت بين يدي، وسمعت عنها حكايات لا تُحصى، بقيت هذه القصة من أجمل ما روي لي عن حب الكتب ، لأن بطلها كان كتابا واحدا فقط. حكى لي أحد القراء الكرام أنه فتح عينيه على الدنيا في بيت أسرته على مجلد ضخم مهيب ، يقبع في المنزل كشيخ وقور يراقب الجميع بصمت ، اسمه " المنجد في اللغة...
سأتوقف مؤقتا عن نشر "يوميات بائع كتب" ، تلك اليوميات التي تحولت من مجرد منشورات عابرة إلى نافذة صغيرة أطل منها كل يوم على أرواح القراء ، وأصغي عبرها إلى همسات الكتب وهي تتنقل بين الأيدي والرفوف والقلوب . لقد عشت مع هذه اليوميات تفاصيل لا تُنسى ؛ رأيت فيها كيف تستطيع الكتب أن تُرمم إنسانا...
"في سنة 1987م، زرت شيخي الفاضل الأستاذ عبدالسلام محمد هارون رحمة الله عليه، في مصر الجديدة، وهو من كبار محققي التراث العربي، كان يسكن قريباً من ابن خاله شيخ العربية محمود محمد شاكر رحمة الله عليه، الذي يسكن في شارع حسين المرصفي، زرته في الساعة الخامسة مساء، فاستقبلني واحتفى بي، وأهداني كتابه...
تبعا إلى موضوع الانتحال الذي نشرته في صفحتي من قبل ، أرسل إليّ الصديق أحمد عطوف إحالة في غاية الأهمية من كتاب "خلٌّ وبقل" للعلامة عبد الله كنون رحمة الله عليه ( صفحة : 109 -110) ، جاء فيها : " هناك لائحة كبيرة بالكتب التي تُنسب لغير مؤلفيها قصداً أو عن غير قصد لسبب من الأسباب.... ..فإن من...

هذا الملف

نصوص
48
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى