ليس الكتاب وحده ما يسكن الذاكرة ،أحيانا يكون غلافه هو أول ما يرسخ فيها، وربما أكثر ما يبقى ؛ فشكله، وألوانه، وخطوطه، ورسوماته، كلها تفاصيل قد تبدو عابرة، لكنها تترك في الذاكرة أثرا لا يزول بسهولة ، ولذلك، كثيرا ما يأتيك قارئ متعطش إلى كتاب، مشرئبّ إلى رؤيته، وما إن تضعه أمامه حتى يقول دون تردد...
في ليلة لا تشبه سائر الليالي، حين أغلقت المكتبة أبوابها، وانسحب القراء من بين الرفوف، بقيت الكتب وحدها مستيقظة، تتبادل همساتها في عتمة المكان ؛ وفجأة، سُمع صوت آت من آخر القاعة: إليّ… يا من كتبتم عني.
كان الصوت غريبا، عميقا، كأنه قادم من زمن بعيد، عبر المحيطات والصحارى والقرون ، التفتت الكتب...
رجل يبدو على ملامحه أثر السفر، حقيبة على ظهره، وأخرى يمسكها بيده اليمنى، دخل المكتبة كمن يحمل في جسده تعب الطريق، وفي ذهنه غاية لا يريد أن يضيّعها ، فسألني عن رواية "بداية ونهاية "لنجيب محفوظ .
بحثتُ له بين الرفوف، حتى عثرتُ على نسخة أخيرة، بعد أن نفدت جميع النسخ الأخرى ، تناولها بلهفة من عثر...
من أغرب المشاهد التي مرّت بي في المكتبة، ذلك الرجل الذي دخل صحبة سيدة، وكانا يمسكان بيد بعضهما كما لو أنهما يعلنان أمام الرفوف أنهما جاءا إلى المكان بقلب واحد ، لكن ما إن شرعا في تصفح العناوين حتى أفلتت يدها من يده بهدوء، واتجهت نحو جناح آخر، تريد أن تمنح نفسها قليلا من المسافة، وأن تترك للكتب...
بعد غياب امتدّ نحو ثلاثة عقود، عاد أحد أصدقاء الأيام القديمة إلى الرباط ، صديق أعرفه منذ تسعينيات القرن الماضي، افترقت بنا الطرق، وانقطعت الأخبار، حتى جمعنا اللقاء من جديد ؛ فكان اللقاء مفرحا في بدايته، يشبه استعادة صفحة قديمة من كتاب ظننا أننا فقدناه إلى الأبد ، فتحدثنا عن الأيام الماضية، عن...
تقدم نحوي ثلاثة شباب بعدما تجولوا طويلا في جناح الروايات ، تطوع أحدهم للحديث معي، فباغتني بسؤال مفاجئ : عمي ، هل يمكنك أن تدلنا على بعض عناوين الروايات والقصص التي انتصرت للعدالة ؟
أخذت نفسا عميقا ، نظرت إلى الشغف في عيونهم وقلت : في الحقيقة ، أغلب الأعمال الروائية والقصص ، تتحدث عن تفاصيل...
بعدما أغلقتُ باب المكتبة وأطفأتُ الأنوار الرئيسية، سمعتُ جلبة ونقاشا حادا يخرج من جناح الرواية العربية والمترجمة.
تسللتُ مستطلعا، وصدمتُ بمشهد لا يصدقه عقل: أربع شخصيات تاريخية بارزة خَرَجَت من بين أوراق الروايات، واجتمعت حول مائدة مستديرة في زاوية القراءة!
كانوا يتجادلون، وبدا أنهم ضاقوا ذرعا...
أحاول، وأنا أمارس حرفة بيع الكتب، أن أكون قريبا من جميع التخصصات، وأن أفتح قلبي لكل صنوف المعرفة؛ فبائع الكتب لا يستطيع أن ينحاز طويلا إلى رف واحد، ولا أن يسجن نفسه داخل تخصص بعينه ؛ عليه أن يصاحب الجميع، وأن يعرف شيئا عن كل شيء، وأن يظل بعيدا عن الخنادق الفكرية والمواقف الجاهزة، لأن الكتاب، في...
في الصيف، حين يفر الناس من المدن إلى البحر، وتصير الشواطئ والمنتجعات والحدائق وجهة لمن أنهكهم عام كامل من العمل، جاءت تلك السيدة من فرنسا إلى المغرب لوجهة أخرى تماما.
كان يبدو عليها التقدم في السن ؛ امرأة أراها قد وضعت العمل جانبا، وأنزلت سلاحها قليلا، كاستراحة محارب بعد معركة طويلة . جاءت من...
فبعض الصباحات لا تبيع فيها الكتب فقط، وإنما تكتشف فيها وجوها لم تكن تعرف أنها ستصبح جزءا من ذاكرتك.
هذا الصباح، سألني رجل أنيق عن كتاب "خارج التاريخ.. مرة أخرى"، الصادر حديثا عن منشورات باب الحكمة ؛ كان وجهه مألوفا على نحو غريب، كأنني التقيته من قبل في مكان ما، مع أنني متأكد أنني لم أره في...
ثمة رجال لا تُقاس أعمارهم بما مر من السنوات، بل بما تركوه من أثر في العقول والقلوب .
من هؤلاء الأستاذ عبد الرحيم الضاقية؛ الخبير التربوي، ورجل التعليم الذي جعل من الحقل التربوي المغربي ورشة مفتوحة للعطاء، ومن الديداكتيك أرضا يزرع فيها أفكاره، فتثمر كتبا وإصدارات أصبحت علامات مضيئة في المشهد...
في صباح هادئ، عادت تلك الفتاة التي كانت قد استأذنت رفوف المكتبة قبل يومين، وحجزت عشرة مراجع وازنة في التاريخ المغربي ؛ كنت أظن أنها ستعيد بعضها، أو ستكتفي بعنوان أو عنوانين، كما يفعل كثير من الباحثين حين تضيق بهم الميزانية أو يضيق بهم الوقت ، لكنها خالفت كل التوقعات ، اقتنت الكتب جميعها، دون أن...
عندما تأخذ الرفوف عطلتها من الأسئلة..
في فصل الصيف، ابتداء من شهر يوليوز إلى أواخر شتنبر، يتنزل على رفوف المكتبة ضيم خفيف، لا تراه العين، ولكن تحسه الكتب جيدا ؛ فالمكتبة، وإن ظلت تستقبل عشاق القراءة من مختلف الأعمار والاهتمامات، إلا أنها تفتقد في هذا الفصل فئة صنعت جزءا كبيرا من إيقاعها اليومي...
يوم الأحد في المكتبة يحمل حيرة خاصة ، فكأن أبوابها انفتحت على حين غفلة من القراء، أو لعلهم آثروا أن يجعلوا من العطلة الأسبوعية موعدا للراحة والاستجمام، بعيدا عن المدينة وأسوارها وضجيجها ، وربما كانت أيام العمل ، بما تتيحه من مرور عابر في قلب المدينة، فرصة سانحة لضرب عصفورين بحجر واحد: قضاء...
في نهاية كل شهر، أجدني أقف أمام رفوف المكتبة كما يقف الجغرافي أمام خريطة قارة جديدة ، لا أعدّ الكتب التي بيعت، ولكن أحاول أن أقرأ من خلالها نبض الناس، وأسعى بأن أفهم الأسئلة التي أقلقتهم، والأفكار التي شغلتهم، والآفاق التي قادتهم إليها القراءة.
خريطة القراءة لشهر يوليوز هذا العام جاءت مختلفة على...