فبعض الصباحات لا تبيع فيها الكتب فقط، وإنما تكتشف فيها وجوها لم تكن تعرف أنها ستصبح جزءا من ذاكرتك.
هذا الصباح، سألني رجل أنيق عن كتاب "خارج التاريخ.. مرة أخرى"، الصادر حديثا عن منشورات باب الحكمة ؛ كان وجهه مألوفا على نحو غريب، كأنني التقيته من قبل في مكان ما، مع أنني متأكد أنني لم أره في...
ثمة رجال لا تُقاس أعمارهم بما مر من السنوات، بل بما تركوه من أثر في العقول والقلوب .
من هؤلاء الأستاذ عبد الرحيم الضاقية؛ الخبير التربوي، ورجل التعليم الذي جعل من الحقل التربوي المغربي ورشة مفتوحة للعطاء، ومن الديداكتيك أرضا يزرع فيها أفكاره، فتثمر كتبا وإصدارات أصبحت علامات مضيئة في المشهد...
في صباح هادئ، عادت تلك الفتاة التي كانت قد استأذنت رفوف المكتبة قبل يومين، وحجزت عشرة مراجع وازنة في التاريخ المغربي ؛ كنت أظن أنها ستعيد بعضها، أو ستكتفي بعنوان أو عنوانين، كما يفعل كثير من الباحثين حين تضيق بهم الميزانية أو يضيق بهم الوقت ، لكنها خالفت كل التوقعات ، اقتنت الكتب جميعها، دون أن...
عندما تأخذ الرفوف عطلتها من الأسئلة..
في فصل الصيف، ابتداء من شهر يوليوز إلى أواخر شتنبر، يتنزل على رفوف المكتبة ضيم خفيف، لا تراه العين، ولكن تحسه الكتب جيدا ؛ فالمكتبة، وإن ظلت تستقبل عشاق القراءة من مختلف الأعمار والاهتمامات، إلا أنها تفتقد في هذا الفصل فئة صنعت جزءا كبيرا من إيقاعها اليومي...
يوم الأحد في المكتبة يحمل حيرة خاصة ، فكأن أبوابها انفتحت على حين غفلة من القراء، أو لعلهم آثروا أن يجعلوا من العطلة الأسبوعية موعدا للراحة والاستجمام، بعيدا عن المدينة وأسوارها وضجيجها ، وربما كانت أيام العمل ، بما تتيحه من مرور عابر في قلب المدينة، فرصة سانحة لضرب عصفورين بحجر واحد: قضاء...
في نهاية كل شهر، أجدني أقف أمام رفوف المكتبة كما يقف الجغرافي أمام خريطة قارة جديدة ، لا أعدّ الكتب التي بيعت، ولكن أحاول أن أقرأ من خلالها نبض الناس، وأسعى بأن أفهم الأسئلة التي أقلقتهم، والأفكار التي شغلتهم، والآفاق التي قادتهم إليها القراءة.
خريطة القراءة لشهر يوليوز هذا العام جاءت مختلفة على...
قبل الغروب بقليل، دخل إلى المكتبة زوجان مسنّان، وقد اشتعل رأسهما شيبا ، لكن في ملامحهما بقية دفء لم تستطع السنون أن تطفئه ؛ كانا يحملان بعض الأغراض في أيديهما، ويتكئ كل واحد منهما على الآخر ، ثم أخذا يتنقلان ببطء بين رفوف الروايات، كأنهما يعبران ممرا طويلا من الذكريات.
توقفت الزوجة أمامي وقالت...
في أروقة المكتبة ، محتسب الفهرسة يفض النزاع..
دخل "كليلة ودمنة" إلى قاعة المخطوطات بخطوات متسارعة، صخبه يسبقه، ورائحة الحبر القديم تتصاعد من صفحاته الغاضبة ؛ ألقى بنفسه أمام منصة " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون "سادن الفهارس، وقاضي التراث الذي لا تخفى عليه غامضة.
قال "كليلة ودمنة " بصوت...
قبل أن تمتلئ المكتبة بخطوات الزائرين، وصلت أول زائرة للمكتبة هذا الصباح، سيدة في الثلاثينيات من عمرها، تحمل على ظهرها حقيبة سفر كبيرة، وفي أذنيها سماعتان تعزلانها عن ضجيج العالم، لكنها لم تستطع أن تعزلها عن نداء كتاب ظل يلاحق ذاكرتها.
جاءت في موعد مع كتاب أفلت اسمه من الذاكرة، وغاب اسم مؤلفه ،...
دخل أحد القراء إلى المكتبة ، وبعدما أنهكه طول التجوال بين الأجنحة، بحث عن كرسي يستريح عليه ، وما إن همّ بالجلوس حتى لمح فوقه بقايا مناديل مبللة مبعثرة وبعض الكتب ؛ جمع المناديل في ضيق ظاهر، ولم يخف امتعاضه، وأخذ يلوم صاحب ذلك السلوك بكلمات فيها شيء من العتاب ، مستنكرا أن يترك قارئ مثقف مكانه على...
قبل أن تستيقظ صناديق الاقتراع، تصحو بعض الكتب أولا؛ فهناك مؤلفات تستفيق على إيقاع المواسم وليس على نسق الفصول، فتظل هادئة فوق الرفوف، يكسوها صمت طويل، حتى إذا اقترب موعد الانتخابات، دبت فيها الحياة فجأة، وامتدت إليها الأيدي بعد طول انتظار، وكأنها كانت تترقب هي الأخرى ساعة النداء ، وأحيانا تصدر...
في كل لقاء ثقافي ناجح، لا يكون الكتاب وحده هو البطل، لكن قد يصبح الحوار أيضا بطلا موازيا، يفتح للنص أبوابا جديدة، ويمنحه حياة أخرى خارج صفحاته.
هكذا عاشت مكتبة الألفية مساء أمس موعدا ثقافيا استثنائيا، وهي تستضيف الدكتور سعيد علوش لتوقيع روايته: "أنا البخاري... لا يصح غير الجامع الصحيح"؛ رواية...
في ظهيرة هادئة، انكسر صمت المكتبة بوقع خطوات خفيفة ، دخل طفل في عقده الأول ، برفقة أمه ، كان يطوق يده اليسرى جبس أبيض كأنه عائد من حادثة سببت له عاهة مؤقتة ، وكان يلمسها بين الفينة والأخرى، يداري ألما خفيا بابتسامة تستشرف العوالم المخبأة بين الرفوف ؛ لم تكن يده المكسورة سوى عثرة صغيرة أمام روح...
في حوار دافئ جمعني سابقا بالمؤرخ والصحافي القدير محمد الصديق معنينو ، استأذنته في أمنية ظل كثير من القراء يرددونها: أن يعيد طباعة بعض أجزاء سلسلته الرائدة "أيام زمان"، التي صدرت في ستة أسفار على فترات متفرقة، واستطاعت أن تحفظ جانبا من ذاكرة المغرب، وأن تحظى بقبول لافت بين القراء، حتى غدت من...
قبل دقائق قليلة من الإغلاق المسائي، دخلت تلك الفتاة مسرعة، وكأنها تخشى أن يسبقها الليل إلى باب المكتبة ؛ كانت تحمل في عينيها لهفة قارئة تعرف تماما ما تريد، فتقدمت نحوي وقالت دون مقدمات: أبحث عن رواية "زوربا اليوناني" لنيكوس كازانتزاكيس.
فتشت في الرفوف، ثم اعتذرت لها بابتسامة خفيفة ، لم تكن...