عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عنما انتصر الإصرار على النسيان..

قبل أن تمتلئ المكتبة بخطوات الزائرين، وصلت أول زائرة للمكتبة هذا الصباح، سيدة في الثلاثينيات من عمرها، تحمل على ظهرها حقيبة سفر كبيرة، وفي أذنيها سماعتان تعزلانها عن ضجيج العالم، لكنها لم تستطع أن تعزلها عن نداء كتاب ظل يلاحق ذاكرتها.
جاءت في موعد مع كتاب أفلت اسمه من الذاكرة، وغاب اسم مؤلفه ، ولم يبق منه إلا أثر خافت لموضوعه ، فكانت تتشبث بخيط رفيع من التذكر؛ مرة تقول إنه يتحدث عن الاستشفاء بالطاقة، ومرة تؤكد أنه يشرح كيف يكون الجمال طريقا إلى الشفاء، ثم أهدتنا كلمة صينية كانت المفتاح الذي فتح الباب المغلق: الفنغ شوي.
بدأتْ رحلة البحث من جديد، شاركتُ فيها أنا وصديقي هشام كمن يفتش عن نجمة صغيرة في سماء مكتظة بالنجوم ، تنقلنا بين الرفوف، وقلبنا العناوين، واستعدنا ما اختزنته الذاكرة من كتب، حتى انكشف اللغز أخيرا، ووقف الكتاب أمامها كصديق طال غيابه: "الديكور وفقا لعناصر الفنغ شوي الخمسة" لتيشا موريس .
في تلك اللحظة تبدلت ملامحها كلها، وارتسمت على وجهها فرحة لا يصنعها إلا العثور على شيء كان القلب قد قرر ألا يتخلى عنه ، فضمّت الكتاب إليها وقالت بابتسامة واسعة: هذا الكتاب سيسافر معي إلى ألمانيا.
ابتسمت بدوري، ولم أشعر أن الذي سيغادر إلى ألمانيا معه أيضا حكاية جميلة عن قارئة لم تهزمها الذاكرة، ولم يثنها الغموض، ولم تستسلم للنسيان ، لأن كثيرون يغادرون المكتبة عندما يعجزون عن تذكر عنوان كتاب أو اسم مؤلفه، أما هي فقد آمنت أن الرغبة الصادقة في الظفر بالشيء ، هي نصف الطريق للوصول إليه .
في النهاية، أدركت أن قيمة القراءة ليست في كثرة ما نُكدّسه من سطور، بل في ذلك اللقاء العجيب مع كتاب واحد، كُتب خصيصا ليوقظ في أرواحنا ما كان نائما.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى