أشارك هنا قراءة نقدية كتبها الصديق أمين كعابنة - ابن البادية لمقالي «التعليم في زمن الحرب»، وأجد أنها تستحق أن تُقرأ بوصفها مقالا موازيا يضيف إلى النقاش ويثريه.
ما أضافه أمين يتجاوز قضية اختبار القدرات ذاتها؛ فقد وسّع مفهوم العدالة التعليمية من المساواة في الامتحان إلى النظر في طريق الوصول إليه، وظروف التعلم، وصلاحية أداة القياس ووزنها في الحكم على التاريخ التعليمي للطالب.
والأهم بالنسبة لي أن هذه القراءة ذكّرتني بقيمة الحوار حين يأتي القارئ إلى النص من تجربته المعاشة، فيضيف إليه ما لم يره الكاتب بالضرورة. فقد جاءت تجربة أمين في البادية، ثم تجربته الأكاديمية مع زملائه من غزة، لتمنح النقاش بعدا إنسانيا ومعرفيا مختلفا.
وربما كان أهم ما خرجت به من هذا الحوار أن التعلّم ليس مسارًا عموديًا من جيل إلى جيل، ولا من النخب إلى المجتمع، وإنما هو أيضًا مسار متبادل بين المجتمع ونخبه، وبين جيل الشباب وجيل الكهول؛ فالأجيال تتعلم من بعضها بعضا، وتتفاعل خبراتها وأسئلتها وقيمها، خصوصا في بيئة سريعة التغير تتجدد فيها المفاهيم وتتطور فيها معاني العدالة وتكافؤ الفرص.
ولعل الدرس الأهم الذي خرجت به من هذا الحوار هو أن التكامل بين الأجيال لا يتحقق بتوارث المعرفة فقط، وإنما بالتفاعل الذي يضيف إلى المعرفة، ويختبرها، ويعيد إنتاجها، ويُراكم الخبرة. ومن هذا التفاعل تتشكل القدرة الوطنية.
لذلك أجد في قراءة أمين كعابنة قيمة تتجاوز المقال الذي كتبته؛ فهي مثال حي على أن الحوار الجاد لا ينتهي عند النص، بل يبدأ منه.
وفيما يلي قراءة أمين كعابنة
أي عدالة نريد في التعليم؟
قراءة نقدية في مقال «التعليم في زمن الحرب»
أمين كعابنة - ابن البادية
في مقالها «التعليم في زمن الحرب»، تضع الأستاذة غانية ملحيس يدها على قضية شديدة الحساسية: كيف نقيس تعلم الطلبة وقدراتهم في زمن استثنائي لا تتشابه فيه ظروف التعلم؟ وهو سؤال مهم، لكنني أرى أن التوقف عنده بوصفه سؤالا تقنيا في القياس لا يكفي؛ لأن المشكلة أعمق من امتحان ونتيجة، وأكبر من أداة قياس.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي نريد أن نقيسه في امتحان قياس القدرات؟ وأي عدالة نريد في التعليم؟
هل تتحقق العدالة بالمساواة الإجرائية، بأن نضع جميع الطلبة أمام امتحان واحد للمفاضلة بين طلاب أمضوا اثني عشر عاما في الدراسة، ثم نجعل نتيجة هذا الاختبار مساوية في وزنها لتاريخهم الدراسي كله؟
قد يقول البعض إن الأمر مختلف هنا؛ فالاختبار خاص بطلبة غزة، والطلبة المتقدمون جميعا من القطاع، وبالتالي فهم يخضعون لظروف الحرب نفسها، كما أن الامتحان موحد والمنافسة بينهم تجري وفق معيار واحد.
لكن، حتى لو افترضنا المساواة في ظروف الامتحان نفسه، فإن ذلك لا يحسم سؤال العدالة في التقييم.
فالطلبة لم يصلوا إلى قاعة الامتحان من الطريق نفسها. وحتى داخل غزة، لم تكن آثار الحرب متطابقة على جميع الطلاب: مكان النزوح، تدمير المدرسة أو الجامعة، انتظام الدراسة، توفر الإنترنت والكهرباء، فقدان المعلمين أو أفراد الأسرة، الظروف الأسرية والاقتصادية التي أفرزتها الحرب، كلها عوامل قد تختلف من طالب إلى آخر.
لكنني أرى أن هذه ليست الحجة الوحيدة، وربما ليست الأهم.
حتى لو افترضنا أن جميع المتقدمين كانوا متساوين في ظروف الامتحان، يبقى السؤال قائما: هل يستطيع اختبار واحد أن يمنحنا صورة كافية عن اثني عشر عاما من التعليم، ثم يمنح وزنًا يعادل 100% من التاريخ الدراسي للطالب؟
هنا ننتقل من سؤال اختلاف الظروف إلى سؤال عدالة القياس نفسه.
فالمساواة في الامتحان ليست بالضرورة عدالة في التقييم، كما أن اختلاف الظروف ليس وحده دليلا كافيا على عدم عدالة التقييم. العدالة تتطلب أيضا أن تكون أداة القياس صالحة، وأن يكون وزنها متناسبا مع ما نريد قياسه.
وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق: هل العدالة أن نضع جميع الطلبة أمام المعيار نفسه، ثم نطلب منهم أن يثبتوا قدرتهم على تجاوزه؟ أم أن العدالة تقتضي أولا أن ننظر إلى الطريق الذي سار فيه كل طالب حتى وصل إلى تلك اللحظة؟
تعرفت خلال دراستي للماجستير على زملاء من غزة، ولم تكن غزة بالنسبة إلي مجرد خبر يصلني من شاشة. كنت أسمع من زملائي عن تفاصيل الحياة التي تجعل مجرد الوصول إلى المحاضرة إنجازا: انقطاع الكهرباء، ضعف الإنترنت، الخوف، النزوح، فقدان البيوت، وتعذر الوصول إلى أبسط مقومات الحياة.
وفي دراسة الدكتوراه، كان لي شرف التعرف إلى زملاء آخرين من غزة، وكنت أرى بأم عيني كيف يحاولون متابعة دراستهم وسط الحرب والدمار وانقطاع الكهرباء والماء والإنترنت، بل وسط الجوع أحيانا.
هؤلاء الطلبة لم يدخلوا قاعة الامتحان من الطريق نفسها التي دخلنا منها نحن.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
حين نساوي بين النتائج من خلال أداة لا تلتفت إلى تفاوت ظروف التعلم، قد لا يكون تساوي الإجراء كافيا لضمان عدالة التقييم.
لقد رأيت بعيني أن الإنسان قد يكون محاصرا بالمعوقات، ومع ذلك لا تكون هذه المعوقات مقياسا حقيقيا لقدراته. وقد يكون الطالب قد أنجز أقل مما كان يمكن أن ينجزه لو توفرت له ظروف أفضل، لا لأنه أقل قدرة، وإنما لأن الظروف التي أحاطت به حالت دون إظهار كامل قدرته.
وهنا يصبح الحديث عن «القدرة» أكثر تعقيدا.
هل نقيس الطالب بما استطاع أن يفعله فقط، أم ننتبه أيضا إلى ما كان يمكن أن يفعله لو توفرت له ظروف أكثر عدلا؟
وهذه، في تقديري، ليست مسألة عاطفية، بل مسألة في صميم السياسة التعليمية والقياس والتقويم.
لكنني، في المقابل، لا أعتقد أن الحل يكون بإلغاء المعايير، أو بتحويل الحرب إلى مبرر دائم لخفض سقف التوقعات.
فالطالب الفلسطيني، في غزة أو الضفة أو البادية، لا يحتاج إلى شفقة تعليمية، بل إلى عدالة تعليمية.
هناك فرق كبير بين أن نقول للطالب: «سنخفف عنك لأنك عانيت»، وأن نقول له: «سنعترف بما عانيت، وسنوفر لك فرصة عادلة كي تثبت ما تستطيع.»
الأولى قد تصنع اعتمادا على الاستثناء، أما الثانية فتصنع إنصافا يحفظ للطالب كرامته وقدرته.
ومن هنا أختلف مع أي قراءة تجعل أزمة التعليم في زمن الحرب مسألة مرتبطة بالقياس وحده.
فالاختبار يأتي في نهاية الطريق، بينما عدم العدالة قد يبدأ منذ أول الطريق: في المدرسة التي لا تملك غرفة صفية مناسبة، وفي الطالب الذي يقطع المسافات للوصول إليها، وفي المدرسة التي تنقطع عنها الكهرباء، وفي طفل يتعلم داخل غرفة لا تشبه المدرسة إلا في اسمها.
وأنا أكتب هذا الكلام لا أتحدث عن غزة وحدها.
أنا ابن البادية، وأعرف معنى أن يبدأ الطالب يومه من مسافة بعيدة، وأن يصل إلى المدرسة وهو يحمل معه مشقة الطريق، وأن تكون المدرسة نفسها في أحيان كثيرة أضعف من الطموح الذي نحمله لأبنائنا.
كنا نقرأ على ضوء الكاز. ثم جاء الغاز فحسبناه تقدما، ثم جاءت الكهرباء، وكانت تنقطع، فنلجأ إلى الشحن ونعتبر استمرار الضوء إنجازا. لم تكن لنا غرفة مخصصة للدراسة، ولا مكتب يعزل الطالب عن حركة البيت؛ كان الكتاب بين أيدينا، والضوء خافت، وأفراد العائلة من حولنا.
وكنا نمشي إلى المدرسة، ثم نعود إلى خدمة الأهل ورعاية الأغنام وما تفرضه حياة البادية من مسؤوليات. كان علينا أن ننتزع وقت الدراسة من بين مشاغل الحياة، وأن نتعلم في ظروف لم تكن مثالية، لكننا كنا نواصل الطريق.
ولهذا، حين أقرأ عن طلبة غزة، لا أشعر أنني أمام تجربة بعيدة عني. أنا أعرف شيئا من معنى أن تحاول أن تتعلم بينما الظروف من حولك لا تساعدك. لكن غزة عاشت ما هو أشد وأقسى.
ومن هنا فإن الحديث عن العدالة التعليمية لا ينبغي أن يبدأ من ورقة امتحان القدرات، بل من حق الطالب في شروط تعلم عادلة.
وهذا لا يعني أن اختلاف الظروف يجب أن يؤدي تلقائيا إلى اختلاف المعايير. بل يعني أن علينا أن نميز بين المعيار الذي نريد الوصول إليه، والطريق الذي نقيس من خلاله قدرة الطالب على الوصول إليه.
فالطالب لا يحتاج إلى أن نخفض له السقف لأنه عانى، لكنه يحتاج إلى ألا نجعل المعوقات التي لم يخترها جزءا إضافيا من شروط الوصول إلى ذلك السقف.
ومن هنا أيضا، فإنني أقدر ما طرحته غانية ملحيس من أسئلة، لكنني أختلف معها في النقطة التي أرى أنها تحتاج إلى توسيع: لا يكفي أن نسأل كيف نقيس تعلم الطلبة في زمن الحرب؛ علينا أن نسأل قبل ذلك:
هل أعطيناهم فرصة متكافئة كي يتعلموا؟
فالقياس العادل لا يبدأ عندما يجلس الطالب أمام ورقة الأسئلة، وإنما يبدأ من لحظة دخوله المدرسة.
وإذا كنا جادين في الحديث عن التعليم في زمن الحرب، فعلينا أن ننتقل من تشخيص الأزمة إلى إعادة تعريف مسؤولية المؤسسة التعليمية تجاه الطالب.
نحتاج إلى سياسات مرنة، وبرامج تعويضية حقيقية، ودعم نفسي وأكاديمي، وإعادة بناء ما تهدم من البيئة التعليمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قيمة المعرفة والمعايير الأكاديمية.
لا أريد تعليما ينجح فيه الطالب لأننا أشفقنا عليه، ولا تعليما يرسب فيه لأنه لم يستطع أن يعيش حربا ويتعلم في الوقت نفسه بالمعايير ذاتها التي يعيشها طالب في بيئة مستقرة.
أريد تعليما يقول للطالب: نعرف الطريق الذي جئت منه، ولذلك سنحاسبك بعدل، لا بشفقة، وسنرفع سقفك لا أن نخفضه.
وهنا أعتقد أن النقاش مع غانية ملحيس لا ينبغي أن ينتهي عند السؤال الذي طرحته، بل يبدأ منه. فالاختلاف الحقيقي ليس في أهمية القياس، وإنما في:
ما الذي نقيسه؟ ومتى نقيسه؟ وتحت أي شروط؟ ولأي غاية؟
فإذا كان الطالب قد أمضى اثني عشر عاما في التعليم، فإن اختزال نصف الحكم على مستقبله الجامعي في أداء واحد يستحق نقاشا مستقلا حول صلاحية الأداة ووزنها، حتى بعيدا عن ظروف الحرب.
لا يعني ذلك أن اختبار القدرات بلا قيمة، ولا أن المنافسة غير مشروعة، ولا أن المعايير الأكاديمية ينبغي أن تخفض. وإنما يعني أن وزن أي أداة في القرار يجب أن يكون متناسبا مع قدرتها على قياس ما نريد قياسه.
وإذا كنا نريد قياس الاستعداد للتعليم الطبي، فربما يكون من المفيد أن نسأل: هل تكفي نتيجة اختبار واحد؟ أم أن تاريخ الطالب الدراسي، وقدرته على التعلم والاستمرار، ومؤشرات أخرى، يمكن أن تقدم صورة أكثر ثراء عن قدرته؟
هذه أسئلة في القياس والتقويم قبل أن تكون أسئلة في العدالة الاجتماعية.
وفي النهاية، التعليم ليس سباقا بين طلاب بدأوا من خط بداية واحد.
وفي زمن الحرب، يصبح السؤال عن خط البداية أكثر أهمية من السؤال عن خط النهاية.
موقفي العملي واضح: لا بد من معيار وطني للإنصاف التعليمي في ظروف الحرب والأزمات، يراعي تفاوت البيئة التعليمية دون أن يلغي المعايير، ويقيس ما تعلمه الطالب فعلا خلال الرحلة التعليمية، لا مقدار ما استطاع أن يتحمل من آثار الحرب.
لأن العدالة في التعليم ليست أن نعامل المختلفين بالطريقة نفسها، بل أن نعطي كل طالب فرصة حقيقية كي يصل إلى المستوى الذي يستطيع الوصول إليه.
وهذه، في تقديري، ليست قضية غزة وحدها، ولا قضية الحرب وحدها؛ إنها قضية كل طفل فلسطيني يتعلم في مكان لا تشبه ظروفه ظروف طفل آخر.
والمراجعة لا تعني اتهام المؤسسة، كما أن العدالة لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها؛ بل أن تكون القواعد واضحة، والفرصة حقيقية، وأداة القياس صالحة، والخطأ ـ إن وقع ـ قابلا للتصحيح.
فربما لا يكون السؤال الأعمق: من يستحق المقعد؟
بل: كيف نبني سياسة تعليمية لا تجعل الظروف التي لم يخترها الإنسان سببا في خسارة القدرة التي يمكن أن يحتاج إليها وطنه غدا؟
فالتعليم العادل لا يساوي بين الناس في ظروفهم؛ بل ينصفهم حين يختلفون في ظروفهم، ثم يترك لقدراتهم أن تقول كلمتها.
وهنا، يصبح التعليم أكثر من امتحان، وأكثر من شهادة، وأكثر من مقعد جامعي؛ يصبح مسؤولية عن الإنسان الذي سيبقى واقفا حين تنتهي الحرب، وتنطفئ الامتحانات، ويبدأ السؤال الأصعب: من سيبني ما تهدم؟
ما أضافه أمين يتجاوز قضية اختبار القدرات ذاتها؛ فقد وسّع مفهوم العدالة التعليمية من المساواة في الامتحان إلى النظر في طريق الوصول إليه، وظروف التعلم، وصلاحية أداة القياس ووزنها في الحكم على التاريخ التعليمي للطالب.
والأهم بالنسبة لي أن هذه القراءة ذكّرتني بقيمة الحوار حين يأتي القارئ إلى النص من تجربته المعاشة، فيضيف إليه ما لم يره الكاتب بالضرورة. فقد جاءت تجربة أمين في البادية، ثم تجربته الأكاديمية مع زملائه من غزة، لتمنح النقاش بعدا إنسانيا ومعرفيا مختلفا.
وربما كان أهم ما خرجت به من هذا الحوار أن التعلّم ليس مسارًا عموديًا من جيل إلى جيل، ولا من النخب إلى المجتمع، وإنما هو أيضًا مسار متبادل بين المجتمع ونخبه، وبين جيل الشباب وجيل الكهول؛ فالأجيال تتعلم من بعضها بعضا، وتتفاعل خبراتها وأسئلتها وقيمها، خصوصا في بيئة سريعة التغير تتجدد فيها المفاهيم وتتطور فيها معاني العدالة وتكافؤ الفرص.
ولعل الدرس الأهم الذي خرجت به من هذا الحوار هو أن التكامل بين الأجيال لا يتحقق بتوارث المعرفة فقط، وإنما بالتفاعل الذي يضيف إلى المعرفة، ويختبرها، ويعيد إنتاجها، ويُراكم الخبرة. ومن هذا التفاعل تتشكل القدرة الوطنية.
لذلك أجد في قراءة أمين كعابنة قيمة تتجاوز المقال الذي كتبته؛ فهي مثال حي على أن الحوار الجاد لا ينتهي عند النص، بل يبدأ منه.
وفيما يلي قراءة أمين كعابنة
أي عدالة نريد في التعليم؟
قراءة نقدية في مقال «التعليم في زمن الحرب»
أمين كعابنة - ابن البادية
في مقالها «التعليم في زمن الحرب»، تضع الأستاذة غانية ملحيس يدها على قضية شديدة الحساسية: كيف نقيس تعلم الطلبة وقدراتهم في زمن استثنائي لا تتشابه فيه ظروف التعلم؟ وهو سؤال مهم، لكنني أرى أن التوقف عنده بوصفه سؤالا تقنيا في القياس لا يكفي؛ لأن المشكلة أعمق من امتحان ونتيجة، وأكبر من أداة قياس.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي نريد أن نقيسه في امتحان قياس القدرات؟ وأي عدالة نريد في التعليم؟
هل تتحقق العدالة بالمساواة الإجرائية، بأن نضع جميع الطلبة أمام امتحان واحد للمفاضلة بين طلاب أمضوا اثني عشر عاما في الدراسة، ثم نجعل نتيجة هذا الاختبار مساوية في وزنها لتاريخهم الدراسي كله؟
قد يقول البعض إن الأمر مختلف هنا؛ فالاختبار خاص بطلبة غزة، والطلبة المتقدمون جميعا من القطاع، وبالتالي فهم يخضعون لظروف الحرب نفسها، كما أن الامتحان موحد والمنافسة بينهم تجري وفق معيار واحد.
لكن، حتى لو افترضنا المساواة في ظروف الامتحان نفسه، فإن ذلك لا يحسم سؤال العدالة في التقييم.
فالطلبة لم يصلوا إلى قاعة الامتحان من الطريق نفسها. وحتى داخل غزة، لم تكن آثار الحرب متطابقة على جميع الطلاب: مكان النزوح، تدمير المدرسة أو الجامعة، انتظام الدراسة، توفر الإنترنت والكهرباء، فقدان المعلمين أو أفراد الأسرة، الظروف الأسرية والاقتصادية التي أفرزتها الحرب، كلها عوامل قد تختلف من طالب إلى آخر.
لكنني أرى أن هذه ليست الحجة الوحيدة، وربما ليست الأهم.
حتى لو افترضنا أن جميع المتقدمين كانوا متساوين في ظروف الامتحان، يبقى السؤال قائما: هل يستطيع اختبار واحد أن يمنحنا صورة كافية عن اثني عشر عاما من التعليم، ثم يمنح وزنًا يعادل 100% من التاريخ الدراسي للطالب؟
هنا ننتقل من سؤال اختلاف الظروف إلى سؤال عدالة القياس نفسه.
فالمساواة في الامتحان ليست بالضرورة عدالة في التقييم، كما أن اختلاف الظروف ليس وحده دليلا كافيا على عدم عدالة التقييم. العدالة تتطلب أيضا أن تكون أداة القياس صالحة، وأن يكون وزنها متناسبا مع ما نريد قياسه.
وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق: هل العدالة أن نضع جميع الطلبة أمام المعيار نفسه، ثم نطلب منهم أن يثبتوا قدرتهم على تجاوزه؟ أم أن العدالة تقتضي أولا أن ننظر إلى الطريق الذي سار فيه كل طالب حتى وصل إلى تلك اللحظة؟
تعرفت خلال دراستي للماجستير على زملاء من غزة، ولم تكن غزة بالنسبة إلي مجرد خبر يصلني من شاشة. كنت أسمع من زملائي عن تفاصيل الحياة التي تجعل مجرد الوصول إلى المحاضرة إنجازا: انقطاع الكهرباء، ضعف الإنترنت، الخوف، النزوح، فقدان البيوت، وتعذر الوصول إلى أبسط مقومات الحياة.
وفي دراسة الدكتوراه، كان لي شرف التعرف إلى زملاء آخرين من غزة، وكنت أرى بأم عيني كيف يحاولون متابعة دراستهم وسط الحرب والدمار وانقطاع الكهرباء والماء والإنترنت، بل وسط الجوع أحيانا.
هؤلاء الطلبة لم يدخلوا قاعة الامتحان من الطريق نفسها التي دخلنا منها نحن.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
حين نساوي بين النتائج من خلال أداة لا تلتفت إلى تفاوت ظروف التعلم، قد لا يكون تساوي الإجراء كافيا لضمان عدالة التقييم.
لقد رأيت بعيني أن الإنسان قد يكون محاصرا بالمعوقات، ومع ذلك لا تكون هذه المعوقات مقياسا حقيقيا لقدراته. وقد يكون الطالب قد أنجز أقل مما كان يمكن أن ينجزه لو توفرت له ظروف أفضل، لا لأنه أقل قدرة، وإنما لأن الظروف التي أحاطت به حالت دون إظهار كامل قدرته.
وهنا يصبح الحديث عن «القدرة» أكثر تعقيدا.
هل نقيس الطالب بما استطاع أن يفعله فقط، أم ننتبه أيضا إلى ما كان يمكن أن يفعله لو توفرت له ظروف أكثر عدلا؟
وهذه، في تقديري، ليست مسألة عاطفية، بل مسألة في صميم السياسة التعليمية والقياس والتقويم.
لكنني، في المقابل، لا أعتقد أن الحل يكون بإلغاء المعايير، أو بتحويل الحرب إلى مبرر دائم لخفض سقف التوقعات.
فالطالب الفلسطيني، في غزة أو الضفة أو البادية، لا يحتاج إلى شفقة تعليمية، بل إلى عدالة تعليمية.
هناك فرق كبير بين أن نقول للطالب: «سنخفف عنك لأنك عانيت»، وأن نقول له: «سنعترف بما عانيت، وسنوفر لك فرصة عادلة كي تثبت ما تستطيع.»
الأولى قد تصنع اعتمادا على الاستثناء، أما الثانية فتصنع إنصافا يحفظ للطالب كرامته وقدرته.
ومن هنا أختلف مع أي قراءة تجعل أزمة التعليم في زمن الحرب مسألة مرتبطة بالقياس وحده.
فالاختبار يأتي في نهاية الطريق، بينما عدم العدالة قد يبدأ منذ أول الطريق: في المدرسة التي لا تملك غرفة صفية مناسبة، وفي الطالب الذي يقطع المسافات للوصول إليها، وفي المدرسة التي تنقطع عنها الكهرباء، وفي طفل يتعلم داخل غرفة لا تشبه المدرسة إلا في اسمها.
وأنا أكتب هذا الكلام لا أتحدث عن غزة وحدها.
أنا ابن البادية، وأعرف معنى أن يبدأ الطالب يومه من مسافة بعيدة، وأن يصل إلى المدرسة وهو يحمل معه مشقة الطريق، وأن تكون المدرسة نفسها في أحيان كثيرة أضعف من الطموح الذي نحمله لأبنائنا.
كنا نقرأ على ضوء الكاز. ثم جاء الغاز فحسبناه تقدما، ثم جاءت الكهرباء، وكانت تنقطع، فنلجأ إلى الشحن ونعتبر استمرار الضوء إنجازا. لم تكن لنا غرفة مخصصة للدراسة، ولا مكتب يعزل الطالب عن حركة البيت؛ كان الكتاب بين أيدينا، والضوء خافت، وأفراد العائلة من حولنا.
وكنا نمشي إلى المدرسة، ثم نعود إلى خدمة الأهل ورعاية الأغنام وما تفرضه حياة البادية من مسؤوليات. كان علينا أن ننتزع وقت الدراسة من بين مشاغل الحياة، وأن نتعلم في ظروف لم تكن مثالية، لكننا كنا نواصل الطريق.
ولهذا، حين أقرأ عن طلبة غزة، لا أشعر أنني أمام تجربة بعيدة عني. أنا أعرف شيئا من معنى أن تحاول أن تتعلم بينما الظروف من حولك لا تساعدك. لكن غزة عاشت ما هو أشد وأقسى.
ومن هنا فإن الحديث عن العدالة التعليمية لا ينبغي أن يبدأ من ورقة امتحان القدرات، بل من حق الطالب في شروط تعلم عادلة.
وهذا لا يعني أن اختلاف الظروف يجب أن يؤدي تلقائيا إلى اختلاف المعايير. بل يعني أن علينا أن نميز بين المعيار الذي نريد الوصول إليه، والطريق الذي نقيس من خلاله قدرة الطالب على الوصول إليه.
فالطالب لا يحتاج إلى أن نخفض له السقف لأنه عانى، لكنه يحتاج إلى ألا نجعل المعوقات التي لم يخترها جزءا إضافيا من شروط الوصول إلى ذلك السقف.
ومن هنا أيضا، فإنني أقدر ما طرحته غانية ملحيس من أسئلة، لكنني أختلف معها في النقطة التي أرى أنها تحتاج إلى توسيع: لا يكفي أن نسأل كيف نقيس تعلم الطلبة في زمن الحرب؛ علينا أن نسأل قبل ذلك:
هل أعطيناهم فرصة متكافئة كي يتعلموا؟
فالقياس العادل لا يبدأ عندما يجلس الطالب أمام ورقة الأسئلة، وإنما يبدأ من لحظة دخوله المدرسة.
وإذا كنا جادين في الحديث عن التعليم في زمن الحرب، فعلينا أن ننتقل من تشخيص الأزمة إلى إعادة تعريف مسؤولية المؤسسة التعليمية تجاه الطالب.
نحتاج إلى سياسات مرنة، وبرامج تعويضية حقيقية، ودعم نفسي وأكاديمي، وإعادة بناء ما تهدم من البيئة التعليمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قيمة المعرفة والمعايير الأكاديمية.
لا أريد تعليما ينجح فيه الطالب لأننا أشفقنا عليه، ولا تعليما يرسب فيه لأنه لم يستطع أن يعيش حربا ويتعلم في الوقت نفسه بالمعايير ذاتها التي يعيشها طالب في بيئة مستقرة.
أريد تعليما يقول للطالب: نعرف الطريق الذي جئت منه، ولذلك سنحاسبك بعدل، لا بشفقة، وسنرفع سقفك لا أن نخفضه.
وهنا أعتقد أن النقاش مع غانية ملحيس لا ينبغي أن ينتهي عند السؤال الذي طرحته، بل يبدأ منه. فالاختلاف الحقيقي ليس في أهمية القياس، وإنما في:
ما الذي نقيسه؟ ومتى نقيسه؟ وتحت أي شروط؟ ولأي غاية؟
فإذا كان الطالب قد أمضى اثني عشر عاما في التعليم، فإن اختزال نصف الحكم على مستقبله الجامعي في أداء واحد يستحق نقاشا مستقلا حول صلاحية الأداة ووزنها، حتى بعيدا عن ظروف الحرب.
لا يعني ذلك أن اختبار القدرات بلا قيمة، ولا أن المنافسة غير مشروعة، ولا أن المعايير الأكاديمية ينبغي أن تخفض. وإنما يعني أن وزن أي أداة في القرار يجب أن يكون متناسبا مع قدرتها على قياس ما نريد قياسه.
وإذا كنا نريد قياس الاستعداد للتعليم الطبي، فربما يكون من المفيد أن نسأل: هل تكفي نتيجة اختبار واحد؟ أم أن تاريخ الطالب الدراسي، وقدرته على التعلم والاستمرار، ومؤشرات أخرى، يمكن أن تقدم صورة أكثر ثراء عن قدرته؟
هذه أسئلة في القياس والتقويم قبل أن تكون أسئلة في العدالة الاجتماعية.
وفي النهاية، التعليم ليس سباقا بين طلاب بدأوا من خط بداية واحد.
وفي زمن الحرب، يصبح السؤال عن خط البداية أكثر أهمية من السؤال عن خط النهاية.
موقفي العملي واضح: لا بد من معيار وطني للإنصاف التعليمي في ظروف الحرب والأزمات، يراعي تفاوت البيئة التعليمية دون أن يلغي المعايير، ويقيس ما تعلمه الطالب فعلا خلال الرحلة التعليمية، لا مقدار ما استطاع أن يتحمل من آثار الحرب.
لأن العدالة في التعليم ليست أن نعامل المختلفين بالطريقة نفسها، بل أن نعطي كل طالب فرصة حقيقية كي يصل إلى المستوى الذي يستطيع الوصول إليه.
وهذه، في تقديري، ليست قضية غزة وحدها، ولا قضية الحرب وحدها؛ إنها قضية كل طفل فلسطيني يتعلم في مكان لا تشبه ظروفه ظروف طفل آخر.
والمراجعة لا تعني اتهام المؤسسة، كما أن العدالة لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها؛ بل أن تكون القواعد واضحة، والفرصة حقيقية، وأداة القياس صالحة، والخطأ ـ إن وقع ـ قابلا للتصحيح.
فربما لا يكون السؤال الأعمق: من يستحق المقعد؟
بل: كيف نبني سياسة تعليمية لا تجعل الظروف التي لم يخترها الإنسان سببا في خسارة القدرة التي يمكن أن يحتاج إليها وطنه غدا؟
فالتعليم العادل لا يساوي بين الناس في ظروفهم؛ بل ينصفهم حين يختلفون في ظروفهم، ثم يترك لقدراتهم أن تقول كلمتها.
وهنا، يصبح التعليم أكثر من امتحان، وأكثر من شهادة، وأكثر من مقعد جامعي؛ يصبح مسؤولية عن الإنسان الذي سيبقى واقفا حين تنتهي الحرب، وتنطفئ الامتحانات، ويبدأ السؤال الأصعب: من سيبني ما تهدم؟