في صباح هادئ، عادت تلك الفتاة التي كانت قد استأذنت رفوف المكتبة قبل يومين، وحجزت عشرة مراجع وازنة في التاريخ المغربي ؛ كنت أظن أنها ستعيد بعضها، أو ستكتفي بعنوان أو عنوانين، كما يفعل كثير من الباحثين حين تضيق بهم الميزانية أو يضيق بهم الوقت ، لكنها خالفت كل التوقعات ، اقتنت الكتب جميعها، دون أن تستثني منها واحدا، ثم وقفت قبل المغادرة وقالت: هل تعرف دار نشر مغربية يمكن أن أتواصل معها لطبع أطروحتي الجامعية؟
سألتها وكأن الجواب محسوم: لا شك أنها أطروحة في التاريخ؟
فضحكت وقالت: بل في علم الاجتماع ، أما هذه المصادر ، فهي بداية باب جديد أفتحه في بحث آخر، وهذه المرة في التاريخ.
غادرت، وبقيت أحدق في الفراغ الذي تركته خلفها، كأنها حملت درسا بليغا إضافة إلى تلك الكتب ، كأن العلوم ليست جزرا متباعدة، لكنها أنهار تلتقي في مصب واحد ، فالتاريخ يستعير من علم الاجتماع، وعلم الاجتماع يصغي للفلسفة، والفلسفة تفتح أبوابها للأدب، وكل معرفة تمد يدها إلى معرفة أخرى، حتى تتشكل في النهاية صورة الإنسان ، ولعل الباحث الحقيقي لا يتخرج من الجامعة فحسب ، وإنما يتنقل من قلق معرفي إلى آخر أرقى، ومن سؤال إلى سؤال أعمق ، فكلما ظن أنه بلغ الشاطئ، اكتشف أن البحر يبدأ من هناك.
سألتها وكأن الجواب محسوم: لا شك أنها أطروحة في التاريخ؟
فضحكت وقالت: بل في علم الاجتماع ، أما هذه المصادر ، فهي بداية باب جديد أفتحه في بحث آخر، وهذه المرة في التاريخ.
غادرت، وبقيت أحدق في الفراغ الذي تركته خلفها، كأنها حملت درسا بليغا إضافة إلى تلك الكتب ، كأن العلوم ليست جزرا متباعدة، لكنها أنهار تلتقي في مصب واحد ، فالتاريخ يستعير من علم الاجتماع، وعلم الاجتماع يصغي للفلسفة، والفلسفة تفتح أبوابها للأدب، وكل معرفة تمد يدها إلى معرفة أخرى، حتى تتشكل في النهاية صورة الإنسان ، ولعل الباحث الحقيقي لا يتخرج من الجامعة فحسب ، وإنما يتنقل من قلق معرفي إلى آخر أرقى، ومن سؤال إلى سؤال أعمق ، فكلما ظن أنه بلغ الشاطئ، اكتشف أن البحر يبدأ من هناك.