عبد الرحمن بسيسو دبلوماسيٌّ برُوح الُمثَقَّف وضَمير المُنَاِضل

تقديم:

تحت عنوان: "عبد الرحمن بسيسو دبلوماسي بروح المثقف وضمير المناضل" تنشر مجلة الأهرام العربي الحلقة الرابعة من "وجوه عبر الزمن"، أو ما اسميته: "ومضات سيرة غيريَّة"؛ فالامتنان كله للإعلامي المرموق، والكاتب الصحافي الصديق، الأستاذ إلهامي المليجي، ولمجلة الأهرام العربي المُوقَّرة، إِذْ جعلاني أبصرُ نفسي، وجوانب من كينونتي في مراياهم، لأعيد التعرف عليَّ، أو لأتعرف كينونتي الذاتيَّة على نحو غيريٍّ، موضوعيٍّ، أعمق وأصدق، وربما بلا أثر للذَّاتِيَّةِ فيه، اللَّهم إلا ما قد يشوب رؤية الكاتب الصَّديق العارف بأمور قد لا أكونُ على دراية بها مؤكدةٍ، وذو المنهجية المتميزة في التأمل، وذو الأسلوب المميز في التفكير والكتابة!

وهنا نصها كاملاً:

عبد الرحمن بسيسو دبلوماسيٌّ برُوح الُمثَقَّف وضَمير المُنَاِضل

إلهامى المليجى


حين يكون الوطن مهددًا فى أرضه واسمه وذاكرته، يصبح الإتقان شكلًا من أشكال الوفاء، تحتاج عدالة القضية إلى من يحسن حملها، يصون حجتها من الضعف، وروايتها من الاضطراب، ومؤسساتها من أن تبدد جهد أبنائها، وفى هذه المسافة بين محبة الوطن والقدرة على خدمته، أرى جانبًا عميقًا من تجربة عبد الرحمن بسيسو: رجل منح فلسطين من موهبته، ثم منحها ما هو أشق على النفس؛ صبره على العمل، وعنايته بالتفاصيل، واستعداده المتجدد لتحمل المسئولية.

عرفته قريبًا من القلب، واسع الخيال، تتوالد الأفكار فى حديثه، حتى يخيل إليك أن أعمارًا عدة تلزم لتحقيقها، لكن ما كان يثير إعجابى أكثر هو قدرته على البقاء مع الفكرة بعد انقضاء حماستها الأولى، يرتب احتياجاتها، ويجمع القادرين على إنجازها، ويتابع ما قد يضيق به صبر المبدع من إجراءات وتفاصيل، كانت فيه تلك الخصلة التى تمنح الأحلام فرصة النجاة: أن يحب ما يفعل بما يكفى لتحمل مشقته.

وحين أتأمل انتقاله إلى العمل فى المؤسسات الفلسطينية، أفهم كيف اجتمعت فيه خبرات ظننتها يومًا موزعة بين ميادين متباعدة، فالناقد الذى يزن العبارة، والصحفى الذى يلاحق المعلومة، والناشر الذى يعرف مسئولية الكلمة، والعامل فى حقوق الإنسان الذى ينشغل بكرامة أصحابها، حملوا جميعًا حصيلتهم إلى مهمة بناء المؤسسة، وفى التجربة الفلسطينية، يكتسب هذا البناء معنى يتجاوز الإدارة، إذ يتعلق بقدرة شعب على تنظيم شئونه، وحماية حقوقه، وتمثيل نفسه أمام العالم.

بين عامى 2001 و2005، تولى عبد الرحمن، رئاسة ديوان رئيس المجلس التشريعى، وإدارة «شموس»، المركز الفلسطينى للدراسات البرلمانية وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم انتقل إلى وزارة الشئون الخارجية بدرجة سفير، مساعدًا للوزير ناصر القدوة، ورئيسًا لديوانه. ومن شهادته عن تلك المرحلة، تتكشف مساهمته فى إعداد قانون السلك الدبلوماسى ولائحته التنفيذية، وتنظيم شئون العاملين وتقييمهم وتحديد مراتبهم.

وأتوقف خصوصا عند إشرافه على إعداد وطباعة دليل لموظفى الوزارة وبعثاتها، يضع بين أيديهم القوانين واللوائح، ويعرّفهم بحقوقهم وواجباتهم، ففى هذا العمل، الذى قد تعبر عنه السيرة المهنية سريعًا، أجد ما يستحق التأمل: أن يعرف الموظف حقه فلا يبقى رهينة مزاج إدارى، وأن يعرف واجبه فلا تصبح المسئولية أمرًا يقدره وحده، هنا تكتسب الدقة قيمة أخلاقية، ويصبح وضوح النص جزءًا من احترام الإنسان.

وأرى فى هذه العناية عبد الرحمن الذى عرفته أمام صفحات أطروحته، يراجع ما حسبناه مكتملًا، كبرت مساحة المسئولية، وامتد أثر العبارة من صفحة فى بحث، إلى قاعدة تنظم عملًا وتمس حياة آخرين، ذلك أن المؤسسة تحفظ جهد أصحابها حين تمنحه نظامًا يستمر بعدهم، وتتيح للخبرة أن تصبح ملكًا لمن يواصلون الطريق.

وحين تولى سفارة فلسطين لدى سلوفاكيا، حمل هذه الأدوات إلى لقاءاته بالمسئولين والبرلمانيين، ويورد فى شهادته كيف استعان بالأرقام والوقائع والخرائط، ولغة القانون الدولى فى عرض انتهاكات الاحتلال، ومخاطر الاستيطان، والمطالبة بحماية الشعب الفلسطينى، ومن هذه التفاصيل أفهم معنى أن يدخل المثقف الدبلوماسية حاملًا عدته: معرفة تساند الموقف، وحجة تمنح الغضب العادل سبيلًا إلى التأثير.

أما أنا، فكان يعنينى، وسط ذلك كله، ما تصنعه المسئوليات بصديقى. أعتز بما ينجز، وألمس ما يزداد عليه من همّ وانشغال، وأستعيد الإنسان الذى أحببته قبل هذه المواقع جميعًا، ولعل للصداقة عينًا ترى ما تسقطه السير الرسمية من حسابها: مقدار ما يأخذه العمل من راحة صاحبه، وما يدفعه من عمره كى يظل جديرًا بما يؤمن به.

غير أننى لم أتبين هذه الصلات كلها منذ البداية، كان على أولًا أن أتلقى مفاجأته الجديدة، وأن أسأله، بعتاب المحبة، عن تلك المواهب التى خشيت أن تستغرقها الوظيفة.

تتغير المواقع .. وتبقى فلسطين

جاءني صوته ذات مساء فى اتصال دولى، ومعه مفاجأة جديدة: التحق بوزارة الخارجية فى السلطة الفلسطينية.

كان عبد الرحمن قادرًا دائمًا على أن يأتى بما يتجاوز توقعاتى، لكن هذا الخبر استوقفنى طويلًا. فما زالت أمامى صورة الناشر الذى جمعنا العمل، والباحث الذى رأيته يمنح أطروحته كل تلك العناية، ثم المسئول فى منظمة العفو الدولية، الذى وجدت فى نشاطه واتساع علاقاته وجهًا آخر لقدراته، وها هو يفتح بابًا جديدًا، ويضعنى أمام السؤال نفسه: إلى أين تأخذه هذه الطاقة؟ وكم يتسع العمر لكل ما يريد؟

وسألته، بما أستعيد من معنى سؤالى: وهكذا تهجر النشر، ومن قبله الصحافة، وتبتعد عن النقد الأدبى الذى دعمت موهبتك فيه بالماجستير والدكتوراه فى جامعة القاهرة، وبصلتك بأساتذة كبار من طراز جابر عصفور وصلاح فضل؟ ثم تغادر منظمة العفو الدولية بعدما تركت فيها هذه البصمة؟

كنت أعدد له محطاته، كأننى أستدعى شهودًا على اعتراضى، وراء كل اسم ذكرته جهد أعرفه، وقدرة رأيتها، وعمل تمنيت له أن يستمر. وكانت فى السؤال خشية على المبدع من أن تستغرقه الوظيفة، وعلى صاحب الأفكار من أن تأكل الإدارة وقته، وعلى الصديق من بداية أخرى تستدعى منه أن يبذل أكثر.

وجاءت إجابته بما معناه أن فلسطين، الوطن والشعب، كانت غاية تلك المحطات جميعًا، وستظل غايته فى الخارجية؛ فكل ما تعلمه وعمله يستطيع أن يحمله إلى موقع جديد لخدمتها.

كان جوابه يعيد ترتيب ما عددته أمامه. رأيت أنا مجالات يغادرها، ورأى هو خبرات يصطحبها، كنت أستوقفه عندما أنجز، فيما كان يفكر فيما يستطيع أن ينجزه بعد.

ولعل فى هذا الاختلاف سر دهشتى المتكررة منه. فقد تعلقت بالصور التى عرفته فيها: صاحب «فرح»، وشريك «دار النديم»، والباحث المنكب على أوراقه، ومدير «عرباى»، أما هو فكان يتحرك بما تراكم لديه من خبرة، واثقًا بأنها قادرة على أن تجد عملًا تؤديه فى ميدان آخر.

ومع متابعتى لأحواله فى الخارجية، أخذت إجابته تخرج من حدود الكلام إلى ما أراه فيه، وجدته أكثر همًّا وانشغالًا، وأشد تقشفًا، تلك الصورة البراقة التى تقترن أحيانًا بالعمل الدبلوماسى، بما فيها من سفر وإقامات ومناسبات، لم تكن ما يلفتنى فى تجربته. ما كان يصلنى من صديقى هو ثقل المسئولية، وحرصه على أداء ما تولاه.

وأعادتني مساهماته فى تنظيم العمل داخل الوزارة إلى خصلة قديمة فيه: لا يرتاح إلى فكرة حسنة تظل معلقة، يريد لها نصًا واضحًا، وإجراءً يمكن اتباعه، ووسيلة تضمن استمرارها. وحين عرفت ما أسهم به فى القانون واللائحة والدليل الوظيفى، أدركت أن الرجل حمل معه إلى الخارجية طريقته كلها فى العمل.

هنا وجدت بعض الجواب عن خوفى من أن تبتلعه الوظيفة، فالناشر الذى عرف قيمة إخراج الكتاب ظل معنيًا بوصول المعرفة إلى أصحابها، والباحث الذى تعلم مساءلة النص ظل حريصًا على وضوحه ودقته، وصاحب التجربة الحقوقية، وجد أمامه مسئولية تتصل بحقوق العاملين وواجباتهم، كانت حصيلة مسيرته تعمل معه، وتمنح مهمته الجديدة ملامح أعرفها جيدًا.

لكن ما بقى أقرب إلى نفسى هو الإنسان، كنت أفرح بما ينجز، ويشغلنى ما يأخذه الإنجاز من راحته. فالصداقة تجعلنا نرى فى خبر المنصب سؤالًا عن صاحبه: ماذا سيضيف إلى حياته؟ وماذا سيأخذ منها؟ ومع عبد الرحمن، كنت أرى كيف تتسع المسئولية، ويزداد معها استعداده للبذل.

وظل بيننا ما يتيح لى أن أسأله بهذه الصراحة، وأن أختلف مع اختياره قبل أن أفهمه، لم تحجب المواقع الجديدة وجه الصديق، ولم تجعل الحديث معه يحتاج إلى مقدمات رسمية، بقيت تلك الألفة التى تمنحك الحق فى عتاب من تحب، وتمنحه الثقة بأن وراء سؤالك حرصًا عليه.
الخاتمة

أستعيد تلك المكالمة الآن، فأجد أننى كنت أخشى على مواهب عبد الرحمن، من تفرّق الطرق، بينما كان هو يعرف ما يجمعها، وكلما اتضحت لى تفاصيل تجربته، ازددت فهمًا لذلك الوفاء، الذى يجعل الإنسان يحمل وطنه فى أدق ما يعمل، ويمنحه من علمه وصبره مثلما يمنحه من قلبه.

الخاتمة:
فى الجزء الأخير، سنعود إلى البدايات، حيث وقائع ومفاجآت لم تُروَ بعد، نرجع إلى ما سبق الألقاب والمسئوليات، لنقترب من الفتى الذى بدأ الطريق، ونرى كيف تكوّن هذا الرجل الذى ما زال يمنح صداقتنا متعة الاكتشاف.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى