عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

قبل أن تستيقظ صناديق الاقتراع، تصحو بعض الكتب أولا؛ فهناك مؤلفات تستفيق على إيقاع المواسم وليس على نسق الفصول، فتظل هادئة فوق الرفوف، يكسوها صمت طويل، حتى إذا اقترب موعد الانتخابات، دبت فيها الحياة فجأة، وامتدت إليها الأيدي بعد طول انتظار، وكأنها كانت تترقب هي الأخرى ساعة النداء ، وأحيانا تصدر بحوث جديدة متزامنة تماما مع وقت اقتراب الاعلان عن موعد الاقتراع .
في تلك الأيام، تتغير إلى حد ما خريطة الطلب داخل المكتبة ، كتب ظلت شهورا لا يلتفت إليها أحد، تستعيد بريقها دفعة واحدة، وتغدو مقصدا للباحثين والمهتمين والمرشحين والطلبة والصحفيين، وكل من يريد أن يفهم ما يدور خلف ضجيج الحملات الانتخابية.
تخرج من الرفوف عناوين مثل: مدونة الانتخابات ، دليل الانتخابات التشريعية، والانتخابات التشريعية في ضوء العمل القضائي للمحكمة الدستورية، والسياسة الانتخابية: دراسة في الأنساق والوظائف، والممارسة الانتخابية في المغرب: عقود حاسمة في مسار التطور الدستوري، والإقناع السياسي في الشعارات الانتخابية المغربية ؛ وكأنها تعلن أن لها موسما لا تخطئ موعده.
لكن ما إن تُطوى صناديق الاقتراع، وتخفت أصوات الشعارات، وتنتهي حرارة المنافسة، حتى تعود تلك الكتب إلى هدوئها الأول ؛ تستكين فوق الرفوف من جديد، في انتظار موعد آخر يعيد إليها نبضها، وكأنها تدخل في سبات سياسي لا يوقظه إلا اقتراب موسم انتخابي جديد.
ومن موقعي بين الرفوف، أدرك أن للكتب أعمارا متعددة؛ منها ما يزدهر في كل زمان، ومنها ما لا يفتح عينيه إلا حين يدق التاريخ بابه ؛ ولعل أجمل ما في مهنة بائع الكتب أنها تعلمك أن لكل كتاب ساعته، وأن بعض الرفوف تحفظ الزمن أكثر مما تصون الورق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى