عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عكّاز من حنان.. وأجنحة من ورق

في ظهيرة هادئة، انكسر صمت المكتبة بوقع خطوات خفيفة ، دخل طفل في عقده الأول ، برفقة أمه ، كان يطوق يده اليسرى جبس أبيض كأنه عائد من حادثة سببت له عاهة مؤقتة ، وكان يلمسها بين الفينة والأخرى، يداري ألما خفيا بابتسامة تستشرف العوالم المخبأة بين الرفوف ؛ لم تكن يده المكسورة سوى عثرة صغيرة أمام روح تواقة للاكتشاف.
كانت أمه كفيه اللتين لا تتعبان، تتجول معه بين الأجنحة كمن يرافق أميرا صغيرا في مملكته ، يكفي أن تتجه نظراته نحو كتاب، حتى تمتد يدها بحنان، تحمله بين يديها، وتقرأ على مسامعه بعض الاقتباسات ، فيرد عليها بإيماءة رأس هادئة تحمل كل معاني الامتنان والشغف.
طافا بالأجنحة كفراشتين في بستان علم، حتى بلغا جناح التاريخ ، هناك توقف الزمن لحظة ، فأشار الطفل إلى كتاب "لغز بربروسا" لجهاد الترباني ؛ أخذت الأم الكتاب، تصفحته أمام عينيه فأطال النظر فيه ، وسرح بعيدا في أسرار الأسطول والبحار، وكأن الكسر في يده قد شُفي تماما وهو يخوض معركة شجاعة بين السطور.
نظر إلى أمه ببريق ساحر وقال بصوت يملؤه الرضا: هذا كتابي لهذا اليوم ، سأكتفي به.
بعد ذلك انصرفا يجرّان خلفهما ذيلا من الدفء والجمال ، غادرا المكتبة، لكنهما تركا خلفهما أثرا لا يُمحى؛ درسا صامتا في كيف يمكن للحب أن يكون عكّازا، وللكتاب أن يكون جناحا يطير بنا فوق كل ألم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى