عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

عندما تأخذ الرفوف عطلتها من الأسئلة..
🤔
🤔

في فصل الصيف، ابتداء من شهر يوليوز إلى أواخر شتنبر، يتنزل على رفوف المكتبة ضيم خفيف، لا تراه العين، ولكن تحسه الكتب جيدا ؛ فالمكتبة، وإن ظلت تستقبل عشاق القراءة من مختلف الأعمار والاهتمامات، إلا أنها تفتقد في هذا الفصل فئة صنعت جزءا كبيرا من إيقاعها اليومي: الطلبة الجامعيين.
طلبة كليات الحقوق والعلوم والشريعة، من الأقسام التمهيدية إلى طلبة الماستر، ثم الباحثين عن درجة الدكتوراه، أولئك الذين يدخلون المكتبة مدججين بالأسئلة، ويغادرونها محمّلين بالكتب والأحلام ؛ يفتشون في الفهارس كما يبحث المنقب عن كنز، ويجادلون في الطبعات، ويختلفون حول المراجع، ويصرون على العثور على عنوان نادر، حتى أصبحت أسئلتهم جزءا من ذاكرة المكان، وصارت مشاكساتهم العلمية زينة لا تقل جمالا عن عناوين الكتب نفسها.
ثم يأتي الصيف ، فتنقطع أرجلهم عن الممرات، وتكف أيديهم عن تقليب الصفحات، وتخلو الطاولات من دفاتر الملاحظات، كأن الجميع أعلن هدنة مؤقتة مع الورق ؛ إنها استراحة محارب، يدير فيها الطلبة ظهورهم للكتب قليلا، لا زهدا فيها، لكن استعدادا للعودة إليها بشوق أكبر.
في تلك الأيام، تبدو الرفوف وكأنها تتلفت نحو الباب بين الحين والآخر، تنتظر وجها مألوفا، أو سؤالا بدأ بعبارة: هل عندكم...؟ ؛ فبعض الغياب يترك صدى في القلب ، قبل أن يخلف فراغا في المكان.
وكلما اقتربت نسائم الخريف، وتم افتتاح الدرس الجامعي الجديد ، استعادت الكتب شيئا من طمأنينتها، كأنها تعرف أن أبناءها سيعودون ومن ضمنهم آخرون جدد ، يحملون حقائب أثقل، وأسئلة أكثر، وأحلاما أكبر، وأن المكتبة، مهما طال عليها صمت الصيف، لا بد أن تستعيد صوتها مع أول طالب يعبر عتبتها، باحثا عن كتاب يفتح له بابا جديدا في الحياة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى