عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

دخل أحد القراء إلى المكتبة ، وبعدما أنهكه طول التجوال بين الأجنحة، بحث عن كرسي يستريح عليه ، وما إن همّ بالجلوس حتى لمح فوقه بقايا مناديل مبللة مبعثرة وبعض الكتب ؛ جمع المناديل في ضيق ظاهر، ولم يخف امتعاضه، وأخذ يلوم صاحب ذلك السلوك بكلمات فيها شيء من العتاب ، مستنكرا أن يترك قارئ مثقف مكانه على تلك الحال.
لكن المفاجأة أن صاحب المناديل لم يكن قد غادر بعيدا، كان يتجول قريبا منه ، فسمع ما قيل، فعاد معتذرا بكل أدب، موضحا أن الأمر لم يكن مقصودا . وما كان يبدو لحظة توتر عابرة، تحول في دقائق إلى حديث هادئ، ثم إلى حوار ثقافي ، تشعبت مساراته بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والأدب.
وخلال ذلك الحديث الطويل ، انكشفت مفاجأة أخرى؛ إذ تبين أن أحدهما ينتمي إلى سلالة العائلة الملكية السنوسية التي حكمت ليبيا، بينما الآخر ينحدر من شجرة نسب المؤرخ المغربي عبد العزيز الفشتالي ؛ وكأن التاريخ نفسه قرر أن يجلس على ذلك الكرسي، ليروي فصولا جديدة من التعارف الإنساني.
امتد الحوار ساعات، لم يكن فيها غالب ولا مغلوب، فكان العلم سيد المجلس، والمعرفة لغته، والاحترام المتبادل عنوانه ؛ وحين افترقا، لم يكونا غريبين التقيا صدفة، لكن تحولا إلى صديقين جمعتهما كلمة طيبة بعد سوء فهم عابر.
وقفت أتأمل ذلك المشهد بإعجاب، وأيقنت أن بعض اللقاءات العظيمة قد تبدأ أحيانا بعتاب، وأن سوء الظن قد يكون أول الطريق إلى معرفة جميلة، إذا تزين أصحابه بالاعتذار، وتحلوا بسعة الصدر والنُّبل ، وأفسحوا المجال للحوار ، فما أضيق المسافة بين خصومة عابرة وصداقة راسخة، حين يكون الأدب هو الجسر الذي يصل بين القلوب.🤗🤗

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى