عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب ... عندما يتحول الكاتب إلى وطن..

ما إن استوت على الكرسي حتى بدا وكأنها تتحدث عن شخص عزيز غاب عنها وتشتاق إلى أخباره أو التحدث إليه .
ذكرت اسم المفكر الروسي فاديم زيلاند، فانفرجت أساريرها، وأخذت تتحدث عنه بحرارة نادرة ، لم تكن تستعرض ما قرأته من مؤلفاته فحسب ، لكنها كانت تستعيد رحلة طويلة عاشتها بين أفكاره ؛ قالت إنها قرأت جميع كتبه، وإنها وجدت فيها ما افتقدته في مؤلفات غيره من الأعلام ، حتى صار حضوره الفكري جزءا من عالمها الداخلي.
كانت تسأل عن جديده بلهفة من ينتظر رسالة من صديق بعيد ، لا تبحث عن كاتب آخر، ولا تستبدل به مفكرا غيره ، وكأنها عقدت مع أفكاره ميثاقا خفيا لا يقبل النقض.
وأنا أصغي إليها، أخذني التأمل إلى تلك العلاقة الغامضة التي تنشأ أحيانا بين الكاتب والقارئ ، كيف يستطيع إنسان لم يلتق بقرائه يوما، وربما لا يعرف حتى أسماءهم، أن يتسلل إلى أعماقهم بهذا القدر من القوة؟ كيف تتحول الكلمات المطبوعة على الورق إلى رفقة دائمة، وإلى عدسات يرى القارئ من خلالها العالم؟
بعض الكتب نقرؤها ثم نطويها، وبعض الكتّاب نعبر بهم الطريق فقط ، لكن هناك كتّابا آخرين يعيدون ترتيب شيء ما في داخلنا ، يغيرون طريقة نظرنا إلى الأشياء، ويتركون بصمتهم في زوايا الروح، ويدخلوننا في عوالم لم نلجها من قبل حتى يصبح الفكاك من أثرهم أشبه بمحاولة نسيان مدينة أحببناها أو زمنا عشنا فيه أجمل أيامنا.
غادرت السيدة المكتبة وما زال اسم فاديم زيلاند يتردد في حديثها، وبقيت أتساءل: لعل أعظم ما يحلم به أي كاتب ليس الشهرة ولا كثرة المبيعات، لكن أن يجد في مكان ما قارئا واحدا يشعر أن العالم أصبح أكثر اتساعا بعدما التقى بكلماته.🤗🤗

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى