د. أحمد الحطاب - عندما تتحول الخدمة العمومية، المستحقة والمُؤدى عنها بالضرائب، إلى سلطة

ما أقصده بعنوان هذه المقالة، هو أن كثيراً من الخدمات العمومية المُستحقة، أي أن المواطنين (رحالاً ونساءً) لهم الحق فيها، الحق المضمون دستوريا. بل ويؤدون الضرائبَ للحصول عليها. هذه الخدمات، المجانية أو بالنقابل، هي التي، غالباً، ما يُحوِّلها مَن هو مسؤولٌ عن تقديمها للناس، إلى سلطة. كيف ذلك؟

الخدمات المؤدى عنها بالضرائب، أي أن المواطنين لهم الحق فيها، سواءً كانت مُقدَّمة لهؤلاء المواطنين من طرف القطاع العمومي أو القطاع الخاص، هي التي تتحوَّل إلى سلطة. بمعنى أن موظفي القطاعين يعتبرون الخدمات المقدمة للمواطنين، مِلكاً لهم ويتصرَّفون فيها كما يشاءون، في غيابٍ تام لمراقبة الدولة. الدولة تكتفي بسنِّ القوانين وإعطاء الرُّخص للقطاع الخاص، وينتهي دورُها. الدولة لا تشغل نفسَها إن كانت هذه الخدمات تُقدَّم للمواطنين حسب المعايير المُتَّفق عليها واحترماُ لأخلاقيات المِهنة l'éthique de la profession a.

فإذا اعتبر مُقدِّمو الخدمات أن هذه الأخيرة ملكٌ لهم، فسيُفتَح البابُ واسعا للرشوة و"باك صاحْبي" والزبونية le clientélisme والمحسوبية le népotisme، علما أن الرشوةَ والزبونيةَ والمحسوبية أنواع من الفساد la corruption، وتُحارِبهما الدولة قانونيا وليس عمليا. ما يهمُّ الدولة، هو أن الخدمات تُقَدَّم للمواطنين. أما كيف تقدَّم للمواطنين، فهذا شيءٌ لا يهمها. وإن أهمَّها، فاهتمامُها يكون موسِميا. والباقي يُترك للصُّدفة، إما خيرٌ وإما شر. لكن ضحايا الشر هم المواطنون.

بل أكثر من هذا وذاك، إن بعضَ الخدمات المستحقة دستورياً والمُؤدى عنها ضريبياً أصبح لها "شَنَّاقُوها" و"فراقشيوها". كنا نعتقِد أن "الشناقة" و"الفراقشية" موجودون، فقط وحصرياً، في أسواق بيع الأضاحي. اليوم، كلما غابت مراقبة الدولة في موضوع تقديم الخدمات للمواطنين، كلما وجد "الشناقة" و"الفراقشية" ثغرات يملأونها بفسادِهم وسوء أخلاقِهم.

انظروا إلى ما يجري في المستشفيات العمومية والخاصة، وإلى ما يجري في المدارس الخاصة، وإلى ما يجري في الإدارات العمومية، وإلى ما يجري في مراكز الفحص التقني للسيارات، وإلى ما يجري في الصفقات العمومية، وفي مجال البنيات التَّحرية الجماعِية، وفي مجالات الصناعة وتوفير الرخص…

وللمزيد من التَّوضيحات، الفساد يكون حاضراً في الأمور العمومية التي تتركَّز فيها السيولات المالية المُهِمة les flux financiers importants المُقترِنة بتخويل الرخص، وكذلك، في الصفقات العمومية المليونية، التي تتطلَّب تحريكَ أموالٍ ضخمة. أما بالنسبة للقِِطاع الخاص، فكل أنواع الفساد وارِدة بما في ذلك الرشاوي -les pots-de vin، وإعطاء الرخص لمَن لا يستحقها وتهريب الأموال وتبييضُها، والهروب من الضرائب أو الغش فيها…

وفي ختام هذه المقالة، أقول، إن غيابَ مراقبة الدولة للخدمات التي تقدمها هذه الأخيرة للمواطنين، إما، مباشرةً عن طريق القطاع العمومي أو عن طريق القطاع الخاص، هو الذي فتح البابَ واسعاً للفساد الإداري والخاص. لو كانت الدولة تطبِّق القانونَ حرفيا وبصرامة، وبدون تمييز بين الماطنين، لاختفت كل أنواع الفساد، وأصبح احتِرام القانون هو السائد في المجتمع. لكن الدولةَ، عن طريق الأحزاب السياسية التي تُدبِّر الشأنَ العام، اختارت التطبيعَ مع الفساد، وكأن هذا الأخير هو الذيُ دبَّر ويُدبِّر الشأنَ العامَّ. فلا غرابةَ أن يتفاحشَ الفسادُ ويزداد انتشاراً سنة بعد أخرى. وهذا هو ما بيَّنته الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته l'instance nationale de la probité et de la prévention et de la lutte contre la corruption، في تقريرها السنوي لسنة 2025. وهذا، كذلك ما بيَّنه ترتيب المغرب في مجال النزاهة برسم سنة 2025، إذ صنِّف المغربُ في المرتبة 91 من بين 182 بلداًبمعدَّل لا يتجاوز 39 نقطة على 100، وذلك حسب مؤشِّر إدراك الفساد الذي تستعمله الجمعية الدولية للشفافية transparency international.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى