١
سائق الصباح ورأيه في الفيس بوك :
مزح سائق الصباح مع زميله الواقف على قارعة الطريق وقال له :
- لقد كتب الشرطي صديقنا عن تصرفات السائقين على الفيس .
السائق أخذ يوضح لي الأمر ، وقال لي قصة الشرطي الذي يعرفه . الشرطي هذا يكتب على الفيس موضحا للسائقين بعض الأمور التي عليهم اتباعها .
أمس ، قال لي السائق ، كتب الشرطي واصفا سلوكات السواقين وهم يسوقون . طبعا كتب ساخرا .
السائق يمسك بيد السيجارة وباﻷخرى كأس القهوة وعينه اليسرى على الرامزور واليمنى على الحافلات القادمة عن اليمين وربما تزوغ عينه إن كانت هناك .. ونسي الشرطي ، قال لي السائق ، نسي أن يكتب عن الأجرة وهي أهم ما في الموضوع .
السائق أخذ يحدثني عن الفيس وأهميته ، كما أفصح لي وجهة نظره في اﻷمر . إنه يستخدم الفيس ﻷمور اجتماعية وهو ليس من المائعين والمائعات الذين يبثون مشاعرهم علنا ، لا هم لهم إلا الآه والآيه و .. و ..
وسيحدثني السائق أنه لا يهتم بالسياسة . هو مثلا مع غزة ، ولكنه لا يستطيع أن يكتب هذا على الفيس ، بل إنه حذف مؤخرا اسم صديق له ﻷنه كتب في السياسة .
اﻷمر جد خطير قال لي السائق .
- لماذا؟
- ﻷن المخابرات الإسرائيلية تراقب كل ما يكتب وهو يريد أن يسافر إلى عمان .
هل يستطيع أن يسافر لو أعلن مؤيدا حماس والحرب ؟
والسائق قال إن سلطات الاحتلال أعادت في العيد ستا من أصدقائه ومنعتهم من السفر إلى اﻷردن . الفيس مراقب كرر السائق وضرب مثلا عن امرأة وزوجها وأخيها من عرب فلسطين . كتبت المرأة على الفيس ﻷخيها ولما لاحظ زوجها هذا حذفه لكن المخابرات واجهتها بإخراجها حتى المحذوف .
والسائق يريد أن يسافر إلى عمان ولذلك لا يكتب في السياسة ولا يصادق مسيسين والحافلة وصلت إلى الجامعة وأنا كنت تلميذا نجيبا يجيد الإصغاء .
٢٠١٤
٢
خفة الكائنات غير المحتملة 23
أتذكر أمي :
غالبا ما أصغي إلى المشاكل بين اﻷخوة ، وقد لا أخلو من مشاكل مع إخوتي ، بل هي موجودة .
أحيانا أعرف عن المشاكل بين الإخوة دون أن يخبرني هؤلاء عنها ودون أن أتجسس ، مع أن أخي قال لي : " جاسوس " ، وغالبا ما ينشد مساعدتي .
( أنا متأكد من أن قسما من إخوتي دخلوا بيتي في غيابي ونقلوا أخباري إلى جهات عديدة ومنها الأمن الوقائي وبعض أقاربهم من حركة فتح وتنظيمات أخرى ولم يراع هؤلاء صلة القرابة أو الأخوة ، بل إنهم فضحوا عرضي بما تعنيه الكلمة من معنى ) .
اﻷخبار عن مشاكل العائلة ، أية عائلة ، في مجتمعنا تتشابه ، وتصبح العائلة كلها كائنات غير محتملة . اﻷولاد يتقاتلون فيتقاتل الكبار وتبدأ مشاكل جديدة مثل المقاطعة بعد الشتائم ، والتفكير في بيع البيت أو الشقة لشراء شقة بعيدة عن اﻷهل . وبعد أعوام من القطيعة والبعد تعود المياه إلى مجاريها ويتصالح الإخوة ويسود الوئام ، وقد لا يسود أبدا ، بخاصة إذا ما تزوج ابن عم ابنة عمه وطلقها .
ما الذي ذكرني بأمي ؟
كانت أمي في أيامها اﻷخيرة حريصة على أن يكون بيت العائلة مفتوحا دائما لبناتها ، فيقيم فيه أحد أبنائها ممن يستقبل بناتها - أي أخواته - ولم يكن البيت ﻷمي ، فقد كان ﻷبي وأبي ترك وصية ألا يقيم في البيت أحد وأن يظل مأوى لبناته . هو صاحب البيت ، لا أمي ، وليس هذا هو المهم .
ماتت أمي ولم يكن إخوتي زوجوا أكثر أبنائهم ، ولم يكن اﻷبناء خلفوا كثيرا ، وهكذا لم تر أن الابن ، حين يزوج أبناءه ويغدو له أحفاد ، لم تر أن اﻷخوة يصبحون مجرد جيران ، وقد يكونون جيرانا طيبين وقد يكونون سيئين جدا مع بعضهم .
الآن أتذكر أمي وأتمنى أن تنهض من قبرها وتقيم معنا عاما لتدرك أن أبي كان أبعد نظرا منها ، وأن اﻷم غير زوجة الابن ، فالدار ﻷهل الزوجة ( ولابنائها هي ولأحفادها هي ، ولا تعود لبنات أمي ، أي أخواتي ، وقد يطردن من البيت ، إن ساءت العلاقة ) ولا يعود البيت ﻷهل الزوج وقد تدخله على خجل ، وقد يوحي الأب لابنائه بطردك أو بإشعارك أنك كائن غير محتمل هنا .
هذه حقيقة ، بدليل أنك لا تأخذ راحتك في بيت أخيك ، كما يمكن أن تأخذ راحتك في بيت أختك ( ربما الأمر متعلق بظاهرة التدين والمحرم واللباس و..و..)
هل نحن كائنات محتملة ؟
٢٠١٥
٣
دهشة طلابي في الدراسات العليا :
أمس زارني طالبان من طلاب الدراسات العليا ؛أحدهما أنهى رسالته عن " البيت اﻷندلسي " لواسيني اﻷعرج والثاني يكتب عن " لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة " ، وقد قادنا الحديث إلى أدب أميركا اللاتينية ، فقد أخبرت طالبي الذي يكتب عن خالد خليفة عن كتاب جديد وصلني من غزة للدكتور فوزي ابراهيم الحاج ، فيه دراستان عن رواية ( ماركيز ) " خريف البطريرك " وهي رواية طلبت من الطالب قراءتها .
سأتحدث عن أسماء روائيين عالميين من أدباء أميركا اللاتينية حديثا لا يبدو مألوفا للمتخصصين في جامعاتنا ، ما أدهش الطالبين اللذين أخبرتهما أنني عرفت أكثر هذه اﻷسماء قبل تسجيلي في برنامج الماجستير 1980.
والحقيقة يجب أن تذكر . عرفت أسماء أدباء أميركا اللاتينية من خلال ثلاثة منافذ :
- منشورات صلاح الدين
- مجلة الكرمل التي أصدرها محمود درويش وكانت بعض نسخها تصل إلى جريدة الشعب أو منشورات صلاح الدين.
- من خلال سلسلة تجارب الشعوب التي أشرف عليها إلياس خوري .
ولما كنت أدرس الماجستير في عمان ، فقد قرأت 100عام من العزلة .
ما لا يجدر نسيانه هو قراءة اﻷدب الروسي الذي ترجمه غائب طعمة فرمان وأصدرته دار التقدم ، وإلى جانب ترجمات غائب كانت هناك ترجمات أبو بكر يوسف .
وأحيانا كانت تتسلل بعض كتب دار الفارابي ودار نشر ابن رشد ودار الآداب إلى الضفة . وعن طريق منشوراتها قرأت بابلو نيرودا و ناظم حكمت و غارسيا لوركا و برتولد بريخت وجورج آمادو و .. و ..
قبل 1987 قارنت بين سليم بركات /فقهاء الظلام وبين 100عام من العزلة لماركيز . وأيامها قرأت أ.ب.يهوشع/العاشق ، وآيغئال ليب/والله يا أمي إني أكره الحرب ، وما تيسر من ترجمات اﻷدب العبري .
لقد أسهمت الترجمات في تعريفي بالآداب العالمية ، ولن أنسى " أورا " لكارلوس فونتيس التي ذكرتني برواية جبرا ابراهيم جبرا " صراخ في ليل طويل " 1955 ، وأعتقد أن أسلوبها كان في لا وعيي وأنا أكتب " ليل الضفة الطويل ".
٤
هل أنا مطبع ؟
صعاليك رام الله في نابلس وسؤالي إن كنت مطبعا :
قبل يومين زارني في نابلس القاص زياد خداش والشاعر مهيب البرغوثي والصديق يسار أحمد دحبور . والأولان من صعاليك رام الله ، وأرادا أن يتصعلكا في نابلس ، وأظنهما نجحا .
ما علينا على رأي زياد عبد الفتاح .
زياد ومهيب يكتبان ، فيما يكتبان ، ذاتهما ، وأنا أختلف معهما في كثير من الآراء فيما يخص الأدب ، ولكن الاختلاف لا يمنع من المشي معا في أزقة نابلس واستضافة أدباء صعاليك ، بما تعنيه هذه الكلمة ، في زماننا .
مثلا أرادا أن يعرفا رأيي في أدب كثيرين من أدبائنا ، وهما يعرفان أنني لا أكتب عن نصوص تروق لهما وعن أدباء ، في نظرهما هم كتاب مهمون ، وفي نظري أنهم ليسوا أكثر من كتاب عاديين ، وأبديت رأيي في أن جائزة محمود درويش ذهبت لأشخاص لا يستحقونها ، وأن نتاجهم أقل من عادي - هل تجب محاكمة د.فيصل دراج ، أم الأمر هو اجتهاد ؟
أنا لا أخفي آرائي وأعلنها وأكتبها ، ولا يعني هذا أنني على صواب . إنما أنا اجتهد ، والتفت إلى أدب القضية ، ولا يعني بالضرورة أدب القضية الوطنية وحسب ، فهناك قضايا اجتماعية وفكرية و...و..
المهم أن مهيب سألني إن كنت ممن يطبعون ، وكدت أفرط من الضحك .
انا مطبع ، وسألته :
- ماذا تعني هذه المفردة !
شو يعني مطبع ؟
حقا شو يعني مطبع؟
ألأنني سافرت عن طريق مطار اللد في 1987 و 1996؟
المطار مطار اللد .
ألأنني أشتري ، أحيانا ، بضاعة إسرائيلية ؟
طيب جواز سفري الفلسطيني يحمل رقم الهوية الإسرائيلية التي منحتها وأنا في ال 16من عمري .
ألأنني أقرأ الأدب العبري المترجم ؟
طيب غسان كنفاني فعل هذا ومعين بسيسو .
ألأنني كنت صديقا لسلمان ناطور وانطوان شلحت ، ولأنني أكتب عن إميل حبيبي؟
طيب ، ولقد كنت صديقا لهم ، وأنا صديق لليسار الفلسطيني الذي شجع على التعاون مع ( راكح ) ، وقد منحهم أبو عمار المال والجوائز ، وهم أهلنا ، شئنا أم أبينا .
*********
صعاليك رام الله كانوا في نابلس ، وكانوا ضيوفا على المطبع الكبير الذي أصدر وعد بلفور ، ووقف في أيار 1948في شوارع حيفا يتفرج على طرد أهل المدينة منها ، بل وساعد الصهاينة ، وأمدهم بالسلاح وقدم لهم الخدمات .
لقد كنت يومها أملك جواز سفر بريطانيا.
*********
في رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو ، اسمي ادم " 2016 يقول مراد العلمي ، وهو يتذكر أحداث اللد في العام 1948 ، وكيف تحول بعض أهل المدينة إلى لصوص يلصون بيوت اللاجئين :
- " تفو علينا كيف صرنا ".
وقد ذكرني هذا بقصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " :
" حتى الفئران تتجرأ على أموال اللاجئين" .
قتلني مراد بعبارته وبصاقه
" تفو علينا كيف صرنا "
هل أنا مطبع ؟
اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .
10/8/2016
٥
مقالي الجمعة في موقع ( رمان )
" لا القوة انتصرت ولا العدل الشريد "
سياحة في مقاطع شعرية لمحمود درويش تعود إلى أزمنة مختلفة .
قراءة الشعر في ضوء المنهج الاجتماعي الماركسي .
10/ 8/ 2017.
٦
الطالبة الغبية والإدارة الأغبى :
ماذا فعلت إحدى الطالبات الغبيات في إحدى الجامعات الفلسطينية ؟
الطالبة مدفوعة من جهة ما أخذت تسجل نصف المحاضرة لمحاضر ما ، يظل ينتقد التدريس والإدارة وزملاءه المدرسين .
الطالبة كانت تخرج من نصف المحاضرة لتسلم جهاز التسجيل إلى الجهة التي تقف وراءها لتدين المحاضر .
أطرف ما في الأمر أن الطالبة كانت تسرق أبحاثها من الكتب .
الأغبى من الطالبة الإدارة التي لم تسأل نفسها :
- لماذا كانت الطالبة أصلا تسجل المحاضرات ؟
وما الدليل على أن المادة المسجلة تغطي المحاضرة كلها لا نصف المحاضرة ؟
" من رواية كاتب مجهول يقلد رواية الكاتب السوري خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " 2013 .
10 آب 2018
٧
المال القطري و الإسرائيلي :
مواطن فلسطيني كتب عن المال القطري وموقف قسم من الناس منه حيث يرونه مالا حراما.
تساءل المواطن الفلسطيني مستغربا ومندهشا إن كان المال الذي يدخل جيوبنا من جهات إسرائيلية و أمريكية وأوروبية مالا حلالا .
أنا عقبت :
ههههههههههههههههه. فلسطين تتسع لكل هؤلاء . صارت مثل مومس السياب العمياء لا ترد ولا تصد ، وهي تريد أن تأكل فقط . ومثل ما كتب غسان كنفاني " الفضيلة الأولى في زمن الاشتباك هي أن نبقى على قيد الحياه" وكل ما تبع ذلك يأتي لاحقا
١٠آب ٢٠١٩
٨
خليل النعيمي وغالب هلسة ١١ :
كنت كتبت إن رواية " القطيعة " ذكرتني بروايتي الكاتب الأردني غالب هلسة " البكاء على الأطلال " و"الخماسين " فعلام اعتمدت في كتابتي؟
اعتمدت بالدرجة الأولى على الوصف وكتابة التفاصيل وقبل هذا وذاك اعتمدت على أن كلا الروائيين يكتب في روايته عن تجربته الشخصية .
سوف أعود عودة عابرة سريعة إلى بعض ملاحظاتي على روايتي هلسة ، ولسوف ألحظ الآتي :
- يسترجع هلسة في " البكاء على الأطلال " ، بعد سنوات طويلة ، حياته في قريته ماعين ، وستشكل الكتابة عنها حيزا لا باس به ، وإن لم تغط الكتابة الصفحات كلها كما هو الحال لدى النعيمي ، فهلسة يكتب في الوقت نفسه عن حياته في القاهرة ، وهكذا فإن الزمن الكتابي لديه يتقاطع أحيانا مع الزمن الروائي ، وأحيانا ينفصل عنه ولا يتقاطع معه . بعبارة أوضح : يكتب هلسة وهو شاب في القاهرة عن طفولته في ماعين ، ولكنه في الوقت نفسه يكتب أيضا عن حياته شابا في القاهرة ، وفي أثناء كتابته عن حياته في القاهرة تحضر الشخصيات المصرية واللهجة المصرية .
يختلف النعيمي هنا فهو يكتب عن طفولته والعام ١٩٥٨ في بداية ثمانينات القرن العشرين - أي بعد انقضاء ربع قرن وأكثر تقريبا ، وهكذا لا يتقاطع الزمنان الكتابي والروائي في روايته . ولا تحضر أية لهجة إلا لهجة اهل الحسكة السورية وحضورها عموما قليل ، وفي الجانب اللغوي فإن لغة كل منهما مختلفة تماما .
- الانطلاق في الكتابة من منطلق يساري لدى الكاتبين ، وإن بدت الكتابة عن الاختلاف الطبقي واضحة أكثر في كتابة النعيمي . إن تأثر الكاتبين بالفكر اليساري ورؤية العالم من خلاله حكمت كتابة الاثنين . ثمة رؤية للعالم تتكيء على مقولات ماركسية ، ويشير النعيمي إليها ويورد في الهوامش بعضها .
- كلا الكاتبين غادر بلاده ولم يعد إليها . عاد هلسة إلى الأردن التي اختلف مع نظامها جثمانا مسجى ، وفيما عرفت فإن النعيمي يقيم في باريس وعلاقته بالنظام السوري ليست حسنة ، وبعض من قرأ من السوريين كتابتي هنا هاجمه هجوما عنيفا . ولي عودة لاحقا إلى العنوان ودلالاته " القطيعة " .
- يشترك الكاتبان في اتكاء كتابتهما على تجربة مر كل منهما ، كما ذكرت ، بها ولا يتردد كلاهما في ذكر اسمه الصريح . يكتب غالب هلسة في "الخماسين " عن غالب صراحة ، ويكتب في "البكاء على الأطلال " عن خالد وخالد هو في النهاية غالب.
- إن طريقة كتابة كل منهما تتشابه في استلهام الواقع وشخوصه . في إحدى روايتي هلسه "الخماسين " تعبر إحدى النساء صراحة أنها غدت تخشى من علاقتها بغالب لأنه يكتب عن الذين يعرفهم ، ويكتب النعيمي وإن في الهوامش عن شخصيات عرفها وكانت له بها علاقة .
وعموما فإن قراءة تجربة الكاتبين بإمعان ودقة قد تقود إلى نتائج أكثر .
١٠آب ٢٠١٩
٩
نابلس في ظهيرة وقفة عيد الأضحى :
أنفقت في المدينة هذا اليوم ثلاث ساعات تقريبا من الواحدة والنصف حتى الرابعة .
سرت في منطقة الدوار والبلدة القديمة باتجاه السوق الشرقي عودة إلى الدوار فالخان .
كانت الأسواق مكتظة بخلاف ما كانت عليه في الأسبوع الماضي . يمكن القول إن ثمة حركة تجارية مزدهرة .
اللافت هو أن بعض أهل المدينة ممن يرتدون الدشاديش ويطلقون اللحى كانوا يجوبون شوارع المدينة من ال ( مول ) التجاري وسط المدينة باتجاه حلويات أبو صالحة فالمشفى الوطني فالسوق الأخضر فسوق البصل . كان هؤلاء يملكون مكبر صوت ويرددون الدعاء الديني للحجاج ، وهو دعاء اقترن عموما بوقوف حجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة " الله أكبر .الله أكبر. الله أكبر . لا الاه الا الله. الله أكبر الله أكبر والحمد لله كثيرا وسبحان بكرة وأصيلا " .
لم يكن عدد هؤلاء عموما يتجاوز العشرين ، ولكن حراكهم أسبغ على المدينة أجواء عيد دينية .
كان الناس يتبضعون وكانت حركة البيع والشراء توحي بالعيد أكثر من صوتهم .
كل شيء أبيض كما كتب أمل دنقل في قصائده وهو على سرير المشفى " أوراق الغرفة رقم ٨ " : الدشاديش بيض واللحى بيض " فلماذا لا أرى غير الكفن " والعبارة للشاعر ، ولماذا لا تدخل الأجواء الفرح في القلب ؟
في غزة استشهد اليوم مجموعة من الشباب .
١٠آب ٢٠١٩
١٠
الست كورونا : المعاد المكرور والنفخ في قربة مخزوقة ( ٤٨ )
صار الحديث عن الكورونا معادا مكرورا ، كما لو أن المتحدث لن يأتي بجديد .
حتى اللحظة تبدو الكتابة مقبولة ، ولكنها إن صارت عادة يومية فستغدو مثل النفخ في قربة مخزوقة أو مثل رفع سيزيف الصخرة يوميا إلى أعلى الجبل .
اعتبارا من يوم غد لن أكتب يوميات ؛ يوما يوما ، تخص " الكورونا " حتى لا تبدو الكتابة مثل أسطوانة - أسطوانة غناء لا أسطوانة غاز - ويبدو أن الكاتبة هناء عبيد المقدسية المقيمة في شيكاغو انتبهت إلى يومياتها عن الكورونا ، فلاحظت أنها تكرر ذاتها ، ففضلت أن تختار عنوانا آخر هو يومياتها في شيكاغو .
غالبا ما يقع الكاتب الذي يفتعل الكتابة في فخ الافتعال ، وغالبا ما يكرر المعلومات ، وتجد كتابا ، مثل نجيب محفوظ ، لم تضف أعمالهم الأخيرة إلى أعمالهم السابقة الناضجة أي جديد يذكر ، وهناك روائيون آخرون كثر يكررون أنفسهم لأنهم يريدون أن يظلوا حاضرين فيكتبوا ويكتبوا ويكتبوا .
وكما يقال فالعبرة بالنوع لا بالكم ، وربما يستحضر المرء هنا قول الشاعر العربي المصري أمل دنقل :
" لا تسألي النيل أن يعطي وإن يلدا
لا تسألي أبدا
إني لأفتح عيني ، حين أفتحها ، على كثير
ولكن لا أرى أحدا " .
لن أتوقف عن الكتابة عن الست كورونا ، ولكني لن أكتب إلا ما أرى أنه يختلف ويخلو من التكرار . هل أصابني الملل ؟
الملل كما لمظفر النواب الشاعر العربي العراقي يشبه " علكة بغي لصقته الأيام بقلبي " وقد ذهب محمود درويش الشاعر العربي الفلسطيني في " حالة حصار " ٢٠٠٢ إلى أننا سنواصل المقاومة حتى يشعر العدو بالضجر ، فالضجر سمة من سمات البشر . هل أصيب الإسرائيليون بالضجر فسمحوا لسكان الضفة الغربية بالدخول إلى تل أبيب وحيفا وناتانيا ؟
١٠ آب ٢٠٢٠ .
١١
محمود درويش وحركة الأرض و " عنزة ولو طارت "
لا أعتقد أنني ، وأنا أكتب عن انتماء محمود درويش إلى حركة الأرض ، كتبت من فراغ ، فالمعلومة التي قرأتها رسخت في ذاكرتي ولا أعرف لماذا .
الصديق Majdi Ashour اعترض وطالب بالدليل وقسا أحيانا في ردوده لدرجة السخرية ، ومن حقه أن آتي بالدليل .
أنفقت أمس ساعات طويلات أبحث عن المعلومة من أين تسللت إلى عقلي ، ويمكن أن أكتب مقالة طويلة في الموضوع .
عدت إلى بعض كتب محمود درويش النثرية ومنها " شيء عن الوطن " ، وإلى كتاب رجاء النقاش " محمود درويش ، شاعر من الأرض المحتلة " وكتاب شاكر النابلسي " مجنون التراب " وقرأت مقابلات مع الشاعر نشرت في أماكن مختلفة ، وأحلت إلى صبري جريس الذي نفى ، ولم أكل ولم أمل .
كانت الدكتورة منى أبو عيد كتبت رسالة علمية
ناقشت فيها أحزاب محمود درويش وأشارت إلى رأي صبري جريس وإلى رأي مغاير له لأحد مؤسسي حركة الأرض وهو السيد حبيب قهوجي الذي نشر في أحد أعداد " شؤون فلسطينية " ، من العام ١٩٧١ ، وقال فيه إن محمود درويش قبل أن ينتمي إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي كان عضوا في حركة الأرض . ( أنظر مقالها في " القدس العربي " في ١٠ آب ٢٠١٢ " بين الدولة الواحدة ... وحل الدولتين : محمود درويش في ذكراه الرابعة )
الشاعر والكاتب الفلسطيني Mohammed Al-asaad المقيم في الكويت ، وهو كاتب صديق أتابع ما يكتب ، لم ترق له ردودي على السيد مجدي عاشور ، فعلق يخاطبه " لا تتعب نفسك . عنزة ولو طارت " ، والسيد مجدي رأى في شخصا عنيدا .
لا أريد أن أكتب بالتفصيل في الموضوع ولعلني في العام القادم ، في ذكرى محمود درويش الرابعة عشرة ، أخوض في هذا الجانب .
كم أنا مشاكس ؟!
الليلة مثلا عرفت أن بحثي للمشاركة في كتاب تكريم الناقد الدكتور فيصل دراج لم ينشر في الكتاب ، مع بحث آخر ، فاللجنة التي لم تمانع في إدراجه عرضت الكتاب قبل نشره على الدكتور فيصل ، فاعترض على بحثين ، واستاء جدا من بحثي .
شو تسوي الماشطة مع الوجه العكر - وجهي أنا .
تحياتي للجنة التكريم وللدكتور فيصل و " مش زعلان " ، وقبل ذلك حجب عني الشاعر المرحوم محمود درويش جائزة توفيق زياد للنقد بسبب كتابي " ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية " .
حتى حين مددت إدارة جامعة النجاح الوطنية في العام ٢٠١٩ عقود بعض من تجاوزوا سن العمل ولم تمدد لي لم أكترث للأمر ، فلكل مجتهد نصيب ولكل مشاكس نصيب أيضا .
دقوا على الخشب .
١٠ آب ٢٠٢١ .
١٢
أمنية : محمود درويش
إلى إخوة محمود درويش ؛ البيولجيين وغير البيولوجيين ، وإلى أقاربه الأقربين والأبعدين ، وإلى معارفه وأصدقائه ومحبيه وكارهيه ، وإلى من سمعوا باسمه ومن لم يسمعوا باسمه ايضا
إليهم جميعا أتوجه بهذه الأمنية كدارس أدب ومهتم بشعر الشاعر وشعر غيره ؛ دارس أنفق أكثر من ستين عاما يقرأ الأدب والدراسات التي تكتب فيه وعنه - أي الأدب ، وكناقد مطلع على المناهج النقدية وملم بها إلماما لا بأس به ، يعرف المناهج النصية والمناهج غير النصية ؛ تلك التي تقرأ الأغنية فقط وتلك التي تقرأ الأغنية والمغني معا :
رجاء لا تكونوا أوصياء على حياة الشاعر أو على شعره ، فتحللوا وتحرموا ، ما يجوز وما لا يجوز ، ولكم أن تبدوا آراءكم بعيدا عن الشتيمة كيفما تريدون ، لكم أن تبدوا آراءكم وعليكم الدليل أو الاجتهاد والتأويل وهذا حق فثمة منهج نقدي اسمه منهج التأويل ولكنه يتطلب الدليل العلمي من خلال قراءة النصوص قراءة دقيقة تأتي بالشاهد .
رجاء ألا تكونوا أوصياء ! رجاء !
وأعتقد أننا لا نهرف بما لا نعرف وحين ينقصنا الدليل نميل إلى الظن والترجيح وهذا غير ملزم وليس كلاما دامغا . إنه اجتهاد ليس أكثر و
١٠ / ٨ / ٢٠٢٣ .
١٣
يوميات غزة ( ٣٠٩ ) :
قتل والفقراء يسعون إلى صلاة الفجر
أخبار هذا الصباح أيضا لا تسر .
يسعى الغزيون إلى صلاة الفجر لتأدية فريضة الصلاة فتهاجمهم الطائرات والصواريخ ويرتقي مائة إنسان عادي وأكثر . حدث هذا فجر اليوم في مسجد مدرسة التابعين في وسط غزة ، كما ورد في قناة الجزيرة .
لم ييأس أكثر هؤلاء وأمس ودع الأب ابنيه وحفيديه وحمد الله على قضائه . بدا هادئا وديعا قانعا راضيا متماسكا ، ما ذكرني بغيره وبالمرحوم اسماعيل هنية حين تلقى نبأ استشهاد أولاده الثلاثة وأحفاده . واصل الرجل لقاءه فأبناؤه وأحفاده ، كما قال ، هم من أبناء الشعب ، مثلهم مثل الآخرين .
" دم طازج " كتب الشاعر علي الخليلي في ١٩٧٨ " والأزقة تسعى لأقواتها " . كان هذا في نابلس في البلدة القديمة ، وصار في غزة ، والناس يسعون لصلاة الفجر أو وهم نيام .
قال اليهود إن معسكرات الإبادة في الحرب العالمية الثانية هي عار العصر ، وصارت غزة عار العار وعار الإنسانية وعار العرب .
وأنا أنظف شقتي في هذا الصباح وجدتني أكرر أسطرا من قصيدة مظفر النواب " في الحانة القديمة " وقررت أن أكتب مجددا عن الشرف الفردي والشرف القومي ، ويبدو أن عجزنا وصمت أكثرنا أفقدنا الشرفين ؛ الفردي والقومي ، بل والإنساني .
انفلت الوحش وكل يوم يتفنن في القتل . هل أخطأ الشاعر توفيق زياد حين كتب :
" والذي يسلب حقا يعيش العمر خائف "
هذه هي الحكاية : الخوف . خوف اللص من سرقته .
ومرة أخرى أتذكر ما كتبه مظفر في قصيدة " تل الزعتر " :
" أبناء فلسطين !
سوف تعودون إليها
ولكن جثثا " .
هل اختلف الحال أمس في شرق خان يونس ؟
( اليوم ٤ من شهر ١١ )
١٠ / ٨ / ٢٠٢٤ .
١٤
هل هو الخوف الذي يدفع الإسرائيليين إلى ارتكاب المجازر ؟
اقرأوا هذا النص لمحمود درويش وتمعنوا فيه في ضوء ما يجري . لماذا يقتل الإسرائيليون الأطفال الفلسطينيين ؟ ما ذنبهم ؟
والجواب هو :
- سيكبرون ويسببون خوفا لأبناء الخائفين .
في خربشات الصباح ضمنتها سطرا لتوفيق زياد هو :
والذي يسلب حقا يعيش العمر خائف .
وفي الأشهر الأولى من الحرب أصغيت إلى طفل فلسطيني قتل الجيش الإسرائيلي أهله يقسم أنه سيلتحق بالمقاومة لينتقم لمقتل أهله .
[ محمود درويش
" شريعة الخوف "
ينظر القاتل إلى شبح القتيل ، لا إلى عينيه ، بلا ندم . يقول لمن حوله :
- لا تلوموني ، فأنا خائف . قتلت لأني خائف ، وسأقتل لأني خائف .
بعض المشاهدين المدربين على تفضيل التحليل النفساني على فقه العدل ، يقول :
إنه يدافع عن نفسه .
والبعض الآخر من المعجبين بتفوق التطور على الأخلاق ، يقول :
- العدل هو ما يفيض من كرم القوة . وكان على القتيل أن يعتذر عما سبب للقاتل من صدمة !
والبعض الآخر ، من فقهاء التمييز بين الواقع والحياة ، يقول :
- لو وقفت هذه الحادثة العادية في بلاد أخرى غير هذه البلاد المقدسة ، أكان للقتيل اسم وشهرة ؟ فلنذهبن ، إذن ، إلى مواساة الخائف .
وحين مشوا في مسيرة التعاطف مع القاتل الخائف ، سألهم بعض المارة من السياح الأجانب :
- وما هو ذنب الطفل ؟ فأجابوا :
- سيكبر ويسبب خوفا لابن الخائف .
- وما هو ذنب المرأة ؟
قالوا :
- ستلد ذاكرة .
- وما هو ذنب الشجرة ؟
قالوا :
- سيطلع منها طائر أخضر . وهتفوا :
- الخوف ، لا العدل ، هو أساس الملك .
أما شبح القتيل ، فقد أطل عليهم من سماء صافية . وحين أطلقوا عليه النار لم يروا قطرة دم واحدة ! ... وصاروا خائفين !
( النص من " أثر الفراشة : يوميات " ٢٠٠٨ ) ]
( اليوم ٤ من شهر ١١ )
١٠ / ٨ / ٢٠٢٤
١٥
غزة 674 :
كوابيس غزة وحروبها
قبل خمسة أيام تقريبا كتب أكرم الصوراني عن حروب غزة العديدة المتنوعة الكثيرة معرفا ماذا تعني الحرب . الحرب ليست أسلحة تقصف وتدمر وتسوي مباني بالأرض وليست دوي انفجارات ترعب " النزوح حرب ، الخيمة حرب ... ، الفقر حرب ، سعر القبر حرب ، القهر حرب .. جلن المي حرب ... ، " ويمكن أن تعودوا إلى النص الذي حظي ، حتى اللحظة ، ب ٧٠٠ إعجاب و ١١٨ تعليقا و ١٧٧ مشاركة .
أمس نشرت الدكتورة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri نصا عنوانه " حين ينام البحر وتستيقظ الأفاعي " كتبت فيه عن تجربتها في النزوح والإقامة في خيمة والكوابيس التي عاشتها جراء رؤيتها أفعى في خيمتها سلبت منها النوم وأصابتها بالرعب وولدت لديها خوفا رهيبا .
لم تكن الأفعى التي رأتها مجرد سراب ووهم ، وهو ما حاول أخوها إقناعها به عبثا . لقد تيقنت ، وهي تقلع خيمتها لنزوح جديد ، مما رأت :
" بعد شهرين طلب منا الإخلاء فقامت أختي بفك الخيمة وعندما قامت برفع النايلون الأرضي كانت المفاجأة : أفعى تجلس على بيضها في ذات الخيمة . أيام أكل الخوف والقلق من أختي وشرب وهي تتخيل وتسأل نفسها : ماذا لو بقينا وبقيت الأفعى في ذات المكان .... ؟ "
تنهي الدكتورة كتابتها بالفقرة الآتية :
" منذ أكثر من عامين بينما أنا أكمد جراحي كل ليلة ، يظن البعض أنني لم أجرح قط ، ليس لسبب إلا لصلابة مظهري الذي تآكل من الداخل . لا يعلمون أنني أتمنى أن أنام ليلة واحدة دون قلق أو خوف " .
ترى ماذا ألم بوالدة الطفل " يوسف أبو شعر كيرلي " والطفل فيصل الخالدي الذي قتل الاحتلال أمه الخامل وأباه على مرآى منه ؟
لكل فلسطيني في غزة حكايته المرعبة ، ثمنا للمشروع الصهيوني الذي أراد إعمار فلسطين بعد تصحير العرب لها ، وأراد أن يجعلها أرضا تفيض بالسمن والعسل .
قم من قبرك يا ( ثيودور هرتسل ) وانظر فيضان العسل والسمن . إنه أحمر قان وابحث لنا عن رشيد بك صاحبك واسأله عن أحفاده ، فلعلهم يقولون لك الحقيقة .
١٠ / ٨ / ٢٠٢٥
سائق الصباح ورأيه في الفيس بوك :
مزح سائق الصباح مع زميله الواقف على قارعة الطريق وقال له :
- لقد كتب الشرطي صديقنا عن تصرفات السائقين على الفيس .
السائق أخذ يوضح لي الأمر ، وقال لي قصة الشرطي الذي يعرفه . الشرطي هذا يكتب على الفيس موضحا للسائقين بعض الأمور التي عليهم اتباعها .
أمس ، قال لي السائق ، كتب الشرطي واصفا سلوكات السواقين وهم يسوقون . طبعا كتب ساخرا .
السائق يمسك بيد السيجارة وباﻷخرى كأس القهوة وعينه اليسرى على الرامزور واليمنى على الحافلات القادمة عن اليمين وربما تزوغ عينه إن كانت هناك .. ونسي الشرطي ، قال لي السائق ، نسي أن يكتب عن الأجرة وهي أهم ما في الموضوع .
السائق أخذ يحدثني عن الفيس وأهميته ، كما أفصح لي وجهة نظره في اﻷمر . إنه يستخدم الفيس ﻷمور اجتماعية وهو ليس من المائعين والمائعات الذين يبثون مشاعرهم علنا ، لا هم لهم إلا الآه والآيه و .. و ..
وسيحدثني السائق أنه لا يهتم بالسياسة . هو مثلا مع غزة ، ولكنه لا يستطيع أن يكتب هذا على الفيس ، بل إنه حذف مؤخرا اسم صديق له ﻷنه كتب في السياسة .
اﻷمر جد خطير قال لي السائق .
- لماذا؟
- ﻷن المخابرات الإسرائيلية تراقب كل ما يكتب وهو يريد أن يسافر إلى عمان .
هل يستطيع أن يسافر لو أعلن مؤيدا حماس والحرب ؟
والسائق قال إن سلطات الاحتلال أعادت في العيد ستا من أصدقائه ومنعتهم من السفر إلى اﻷردن . الفيس مراقب كرر السائق وضرب مثلا عن امرأة وزوجها وأخيها من عرب فلسطين . كتبت المرأة على الفيس ﻷخيها ولما لاحظ زوجها هذا حذفه لكن المخابرات واجهتها بإخراجها حتى المحذوف .
والسائق يريد أن يسافر إلى عمان ولذلك لا يكتب في السياسة ولا يصادق مسيسين والحافلة وصلت إلى الجامعة وأنا كنت تلميذا نجيبا يجيد الإصغاء .
٢٠١٤
٢
خفة الكائنات غير المحتملة 23
أتذكر أمي :
غالبا ما أصغي إلى المشاكل بين اﻷخوة ، وقد لا أخلو من مشاكل مع إخوتي ، بل هي موجودة .
أحيانا أعرف عن المشاكل بين الإخوة دون أن يخبرني هؤلاء عنها ودون أن أتجسس ، مع أن أخي قال لي : " جاسوس " ، وغالبا ما ينشد مساعدتي .
( أنا متأكد من أن قسما من إخوتي دخلوا بيتي في غيابي ونقلوا أخباري إلى جهات عديدة ومنها الأمن الوقائي وبعض أقاربهم من حركة فتح وتنظيمات أخرى ولم يراع هؤلاء صلة القرابة أو الأخوة ، بل إنهم فضحوا عرضي بما تعنيه الكلمة من معنى ) .
اﻷخبار عن مشاكل العائلة ، أية عائلة ، في مجتمعنا تتشابه ، وتصبح العائلة كلها كائنات غير محتملة . اﻷولاد يتقاتلون فيتقاتل الكبار وتبدأ مشاكل جديدة مثل المقاطعة بعد الشتائم ، والتفكير في بيع البيت أو الشقة لشراء شقة بعيدة عن اﻷهل . وبعد أعوام من القطيعة والبعد تعود المياه إلى مجاريها ويتصالح الإخوة ويسود الوئام ، وقد لا يسود أبدا ، بخاصة إذا ما تزوج ابن عم ابنة عمه وطلقها .
ما الذي ذكرني بأمي ؟
كانت أمي في أيامها اﻷخيرة حريصة على أن يكون بيت العائلة مفتوحا دائما لبناتها ، فيقيم فيه أحد أبنائها ممن يستقبل بناتها - أي أخواته - ولم يكن البيت ﻷمي ، فقد كان ﻷبي وأبي ترك وصية ألا يقيم في البيت أحد وأن يظل مأوى لبناته . هو صاحب البيت ، لا أمي ، وليس هذا هو المهم .
ماتت أمي ولم يكن إخوتي زوجوا أكثر أبنائهم ، ولم يكن اﻷبناء خلفوا كثيرا ، وهكذا لم تر أن الابن ، حين يزوج أبناءه ويغدو له أحفاد ، لم تر أن اﻷخوة يصبحون مجرد جيران ، وقد يكونون جيرانا طيبين وقد يكونون سيئين جدا مع بعضهم .
الآن أتذكر أمي وأتمنى أن تنهض من قبرها وتقيم معنا عاما لتدرك أن أبي كان أبعد نظرا منها ، وأن اﻷم غير زوجة الابن ، فالدار ﻷهل الزوجة ( ولابنائها هي ولأحفادها هي ، ولا تعود لبنات أمي ، أي أخواتي ، وقد يطردن من البيت ، إن ساءت العلاقة ) ولا يعود البيت ﻷهل الزوج وقد تدخله على خجل ، وقد يوحي الأب لابنائه بطردك أو بإشعارك أنك كائن غير محتمل هنا .
هذه حقيقة ، بدليل أنك لا تأخذ راحتك في بيت أخيك ، كما يمكن أن تأخذ راحتك في بيت أختك ( ربما الأمر متعلق بظاهرة التدين والمحرم واللباس و..و..)
هل نحن كائنات محتملة ؟
٢٠١٥
٣
دهشة طلابي في الدراسات العليا :
أمس زارني طالبان من طلاب الدراسات العليا ؛أحدهما أنهى رسالته عن " البيت اﻷندلسي " لواسيني اﻷعرج والثاني يكتب عن " لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة " ، وقد قادنا الحديث إلى أدب أميركا اللاتينية ، فقد أخبرت طالبي الذي يكتب عن خالد خليفة عن كتاب جديد وصلني من غزة للدكتور فوزي ابراهيم الحاج ، فيه دراستان عن رواية ( ماركيز ) " خريف البطريرك " وهي رواية طلبت من الطالب قراءتها .
سأتحدث عن أسماء روائيين عالميين من أدباء أميركا اللاتينية حديثا لا يبدو مألوفا للمتخصصين في جامعاتنا ، ما أدهش الطالبين اللذين أخبرتهما أنني عرفت أكثر هذه اﻷسماء قبل تسجيلي في برنامج الماجستير 1980.
والحقيقة يجب أن تذكر . عرفت أسماء أدباء أميركا اللاتينية من خلال ثلاثة منافذ :
- منشورات صلاح الدين
- مجلة الكرمل التي أصدرها محمود درويش وكانت بعض نسخها تصل إلى جريدة الشعب أو منشورات صلاح الدين.
- من خلال سلسلة تجارب الشعوب التي أشرف عليها إلياس خوري .
ولما كنت أدرس الماجستير في عمان ، فقد قرأت 100عام من العزلة .
ما لا يجدر نسيانه هو قراءة اﻷدب الروسي الذي ترجمه غائب طعمة فرمان وأصدرته دار التقدم ، وإلى جانب ترجمات غائب كانت هناك ترجمات أبو بكر يوسف .
وأحيانا كانت تتسلل بعض كتب دار الفارابي ودار نشر ابن رشد ودار الآداب إلى الضفة . وعن طريق منشوراتها قرأت بابلو نيرودا و ناظم حكمت و غارسيا لوركا و برتولد بريخت وجورج آمادو و .. و ..
قبل 1987 قارنت بين سليم بركات /فقهاء الظلام وبين 100عام من العزلة لماركيز . وأيامها قرأت أ.ب.يهوشع/العاشق ، وآيغئال ليب/والله يا أمي إني أكره الحرب ، وما تيسر من ترجمات اﻷدب العبري .
لقد أسهمت الترجمات في تعريفي بالآداب العالمية ، ولن أنسى " أورا " لكارلوس فونتيس التي ذكرتني برواية جبرا ابراهيم جبرا " صراخ في ليل طويل " 1955 ، وأعتقد أن أسلوبها كان في لا وعيي وأنا أكتب " ليل الضفة الطويل ".
٤
هل أنا مطبع ؟
صعاليك رام الله في نابلس وسؤالي إن كنت مطبعا :
قبل يومين زارني في نابلس القاص زياد خداش والشاعر مهيب البرغوثي والصديق يسار أحمد دحبور . والأولان من صعاليك رام الله ، وأرادا أن يتصعلكا في نابلس ، وأظنهما نجحا .
ما علينا على رأي زياد عبد الفتاح .
زياد ومهيب يكتبان ، فيما يكتبان ، ذاتهما ، وأنا أختلف معهما في كثير من الآراء فيما يخص الأدب ، ولكن الاختلاف لا يمنع من المشي معا في أزقة نابلس واستضافة أدباء صعاليك ، بما تعنيه هذه الكلمة ، في زماننا .
مثلا أرادا أن يعرفا رأيي في أدب كثيرين من أدبائنا ، وهما يعرفان أنني لا أكتب عن نصوص تروق لهما وعن أدباء ، في نظرهما هم كتاب مهمون ، وفي نظري أنهم ليسوا أكثر من كتاب عاديين ، وأبديت رأيي في أن جائزة محمود درويش ذهبت لأشخاص لا يستحقونها ، وأن نتاجهم أقل من عادي - هل تجب محاكمة د.فيصل دراج ، أم الأمر هو اجتهاد ؟
أنا لا أخفي آرائي وأعلنها وأكتبها ، ولا يعني هذا أنني على صواب . إنما أنا اجتهد ، والتفت إلى أدب القضية ، ولا يعني بالضرورة أدب القضية الوطنية وحسب ، فهناك قضايا اجتماعية وفكرية و...و..
المهم أن مهيب سألني إن كنت ممن يطبعون ، وكدت أفرط من الضحك .
انا مطبع ، وسألته :
- ماذا تعني هذه المفردة !
شو يعني مطبع ؟
حقا شو يعني مطبع؟
ألأنني سافرت عن طريق مطار اللد في 1987 و 1996؟
المطار مطار اللد .
ألأنني أشتري ، أحيانا ، بضاعة إسرائيلية ؟
طيب جواز سفري الفلسطيني يحمل رقم الهوية الإسرائيلية التي منحتها وأنا في ال 16من عمري .
ألأنني أقرأ الأدب العبري المترجم ؟
طيب غسان كنفاني فعل هذا ومعين بسيسو .
ألأنني كنت صديقا لسلمان ناطور وانطوان شلحت ، ولأنني أكتب عن إميل حبيبي؟
طيب ، ولقد كنت صديقا لهم ، وأنا صديق لليسار الفلسطيني الذي شجع على التعاون مع ( راكح ) ، وقد منحهم أبو عمار المال والجوائز ، وهم أهلنا ، شئنا أم أبينا .
*********
صعاليك رام الله كانوا في نابلس ، وكانوا ضيوفا على المطبع الكبير الذي أصدر وعد بلفور ، ووقف في أيار 1948في شوارع حيفا يتفرج على طرد أهل المدينة منها ، بل وساعد الصهاينة ، وأمدهم بالسلاح وقدم لهم الخدمات .
لقد كنت يومها أملك جواز سفر بريطانيا.
*********
في رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو ، اسمي ادم " 2016 يقول مراد العلمي ، وهو يتذكر أحداث اللد في العام 1948 ، وكيف تحول بعض أهل المدينة إلى لصوص يلصون بيوت اللاجئين :
- " تفو علينا كيف صرنا ".
وقد ذكرني هذا بقصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " :
" حتى الفئران تتجرأ على أموال اللاجئين" .
قتلني مراد بعبارته وبصاقه
" تفو علينا كيف صرنا "
هل أنا مطبع ؟
اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .
10/8/2016
٥
مقالي الجمعة في موقع ( رمان )
" لا القوة انتصرت ولا العدل الشريد "
سياحة في مقاطع شعرية لمحمود درويش تعود إلى أزمنة مختلفة .
قراءة الشعر في ضوء المنهج الاجتماعي الماركسي .
10/ 8/ 2017.
٦
الطالبة الغبية والإدارة الأغبى :
ماذا فعلت إحدى الطالبات الغبيات في إحدى الجامعات الفلسطينية ؟
الطالبة مدفوعة من جهة ما أخذت تسجل نصف المحاضرة لمحاضر ما ، يظل ينتقد التدريس والإدارة وزملاءه المدرسين .
الطالبة كانت تخرج من نصف المحاضرة لتسلم جهاز التسجيل إلى الجهة التي تقف وراءها لتدين المحاضر .
أطرف ما في الأمر أن الطالبة كانت تسرق أبحاثها من الكتب .
الأغبى من الطالبة الإدارة التي لم تسأل نفسها :
- لماذا كانت الطالبة أصلا تسجل المحاضرات ؟
وما الدليل على أن المادة المسجلة تغطي المحاضرة كلها لا نصف المحاضرة ؟
" من رواية كاتب مجهول يقلد رواية الكاتب السوري خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " 2013 .
10 آب 2018
٧
المال القطري و الإسرائيلي :
مواطن فلسطيني كتب عن المال القطري وموقف قسم من الناس منه حيث يرونه مالا حراما.
تساءل المواطن الفلسطيني مستغربا ومندهشا إن كان المال الذي يدخل جيوبنا من جهات إسرائيلية و أمريكية وأوروبية مالا حلالا .
أنا عقبت :
ههههههههههههههههه. فلسطين تتسع لكل هؤلاء . صارت مثل مومس السياب العمياء لا ترد ولا تصد ، وهي تريد أن تأكل فقط . ومثل ما كتب غسان كنفاني " الفضيلة الأولى في زمن الاشتباك هي أن نبقى على قيد الحياه" وكل ما تبع ذلك يأتي لاحقا
١٠آب ٢٠١٩
٨
خليل النعيمي وغالب هلسة ١١ :
كنت كتبت إن رواية " القطيعة " ذكرتني بروايتي الكاتب الأردني غالب هلسة " البكاء على الأطلال " و"الخماسين " فعلام اعتمدت في كتابتي؟
اعتمدت بالدرجة الأولى على الوصف وكتابة التفاصيل وقبل هذا وذاك اعتمدت على أن كلا الروائيين يكتب في روايته عن تجربته الشخصية .
سوف أعود عودة عابرة سريعة إلى بعض ملاحظاتي على روايتي هلسة ، ولسوف ألحظ الآتي :
- يسترجع هلسة في " البكاء على الأطلال " ، بعد سنوات طويلة ، حياته في قريته ماعين ، وستشكل الكتابة عنها حيزا لا باس به ، وإن لم تغط الكتابة الصفحات كلها كما هو الحال لدى النعيمي ، فهلسة يكتب في الوقت نفسه عن حياته في القاهرة ، وهكذا فإن الزمن الكتابي لديه يتقاطع أحيانا مع الزمن الروائي ، وأحيانا ينفصل عنه ولا يتقاطع معه . بعبارة أوضح : يكتب هلسة وهو شاب في القاهرة عن طفولته في ماعين ، ولكنه في الوقت نفسه يكتب أيضا عن حياته شابا في القاهرة ، وفي أثناء كتابته عن حياته في القاهرة تحضر الشخصيات المصرية واللهجة المصرية .
يختلف النعيمي هنا فهو يكتب عن طفولته والعام ١٩٥٨ في بداية ثمانينات القرن العشرين - أي بعد انقضاء ربع قرن وأكثر تقريبا ، وهكذا لا يتقاطع الزمنان الكتابي والروائي في روايته . ولا تحضر أية لهجة إلا لهجة اهل الحسكة السورية وحضورها عموما قليل ، وفي الجانب اللغوي فإن لغة كل منهما مختلفة تماما .
- الانطلاق في الكتابة من منطلق يساري لدى الكاتبين ، وإن بدت الكتابة عن الاختلاف الطبقي واضحة أكثر في كتابة النعيمي . إن تأثر الكاتبين بالفكر اليساري ورؤية العالم من خلاله حكمت كتابة الاثنين . ثمة رؤية للعالم تتكيء على مقولات ماركسية ، ويشير النعيمي إليها ويورد في الهوامش بعضها .
- كلا الكاتبين غادر بلاده ولم يعد إليها . عاد هلسة إلى الأردن التي اختلف مع نظامها جثمانا مسجى ، وفيما عرفت فإن النعيمي يقيم في باريس وعلاقته بالنظام السوري ليست حسنة ، وبعض من قرأ من السوريين كتابتي هنا هاجمه هجوما عنيفا . ولي عودة لاحقا إلى العنوان ودلالاته " القطيعة " .
- يشترك الكاتبان في اتكاء كتابتهما على تجربة مر كل منهما ، كما ذكرت ، بها ولا يتردد كلاهما في ذكر اسمه الصريح . يكتب غالب هلسة في "الخماسين " عن غالب صراحة ، ويكتب في "البكاء على الأطلال " عن خالد وخالد هو في النهاية غالب.
- إن طريقة كتابة كل منهما تتشابه في استلهام الواقع وشخوصه . في إحدى روايتي هلسه "الخماسين " تعبر إحدى النساء صراحة أنها غدت تخشى من علاقتها بغالب لأنه يكتب عن الذين يعرفهم ، ويكتب النعيمي وإن في الهوامش عن شخصيات عرفها وكانت له بها علاقة .
وعموما فإن قراءة تجربة الكاتبين بإمعان ودقة قد تقود إلى نتائج أكثر .
١٠آب ٢٠١٩
٩
نابلس في ظهيرة وقفة عيد الأضحى :
أنفقت في المدينة هذا اليوم ثلاث ساعات تقريبا من الواحدة والنصف حتى الرابعة .
سرت في منطقة الدوار والبلدة القديمة باتجاه السوق الشرقي عودة إلى الدوار فالخان .
كانت الأسواق مكتظة بخلاف ما كانت عليه في الأسبوع الماضي . يمكن القول إن ثمة حركة تجارية مزدهرة .
اللافت هو أن بعض أهل المدينة ممن يرتدون الدشاديش ويطلقون اللحى كانوا يجوبون شوارع المدينة من ال ( مول ) التجاري وسط المدينة باتجاه حلويات أبو صالحة فالمشفى الوطني فالسوق الأخضر فسوق البصل . كان هؤلاء يملكون مكبر صوت ويرددون الدعاء الديني للحجاج ، وهو دعاء اقترن عموما بوقوف حجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة " الله أكبر .الله أكبر. الله أكبر . لا الاه الا الله. الله أكبر الله أكبر والحمد لله كثيرا وسبحان بكرة وأصيلا " .
لم يكن عدد هؤلاء عموما يتجاوز العشرين ، ولكن حراكهم أسبغ على المدينة أجواء عيد دينية .
كان الناس يتبضعون وكانت حركة البيع والشراء توحي بالعيد أكثر من صوتهم .
كل شيء أبيض كما كتب أمل دنقل في قصائده وهو على سرير المشفى " أوراق الغرفة رقم ٨ " : الدشاديش بيض واللحى بيض " فلماذا لا أرى غير الكفن " والعبارة للشاعر ، ولماذا لا تدخل الأجواء الفرح في القلب ؟
في غزة استشهد اليوم مجموعة من الشباب .
١٠آب ٢٠١٩
١٠
الست كورونا : المعاد المكرور والنفخ في قربة مخزوقة ( ٤٨ )
صار الحديث عن الكورونا معادا مكرورا ، كما لو أن المتحدث لن يأتي بجديد .
حتى اللحظة تبدو الكتابة مقبولة ، ولكنها إن صارت عادة يومية فستغدو مثل النفخ في قربة مخزوقة أو مثل رفع سيزيف الصخرة يوميا إلى أعلى الجبل .
اعتبارا من يوم غد لن أكتب يوميات ؛ يوما يوما ، تخص " الكورونا " حتى لا تبدو الكتابة مثل أسطوانة - أسطوانة غناء لا أسطوانة غاز - ويبدو أن الكاتبة هناء عبيد المقدسية المقيمة في شيكاغو انتبهت إلى يومياتها عن الكورونا ، فلاحظت أنها تكرر ذاتها ، ففضلت أن تختار عنوانا آخر هو يومياتها في شيكاغو .
غالبا ما يقع الكاتب الذي يفتعل الكتابة في فخ الافتعال ، وغالبا ما يكرر المعلومات ، وتجد كتابا ، مثل نجيب محفوظ ، لم تضف أعمالهم الأخيرة إلى أعمالهم السابقة الناضجة أي جديد يذكر ، وهناك روائيون آخرون كثر يكررون أنفسهم لأنهم يريدون أن يظلوا حاضرين فيكتبوا ويكتبوا ويكتبوا .
وكما يقال فالعبرة بالنوع لا بالكم ، وربما يستحضر المرء هنا قول الشاعر العربي المصري أمل دنقل :
" لا تسألي النيل أن يعطي وإن يلدا
لا تسألي أبدا
إني لأفتح عيني ، حين أفتحها ، على كثير
ولكن لا أرى أحدا " .
لن أتوقف عن الكتابة عن الست كورونا ، ولكني لن أكتب إلا ما أرى أنه يختلف ويخلو من التكرار . هل أصابني الملل ؟
الملل كما لمظفر النواب الشاعر العربي العراقي يشبه " علكة بغي لصقته الأيام بقلبي " وقد ذهب محمود درويش الشاعر العربي الفلسطيني في " حالة حصار " ٢٠٠٢ إلى أننا سنواصل المقاومة حتى يشعر العدو بالضجر ، فالضجر سمة من سمات البشر . هل أصيب الإسرائيليون بالضجر فسمحوا لسكان الضفة الغربية بالدخول إلى تل أبيب وحيفا وناتانيا ؟
١٠ آب ٢٠٢٠ .
١١
محمود درويش وحركة الأرض و " عنزة ولو طارت "
لا أعتقد أنني ، وأنا أكتب عن انتماء محمود درويش إلى حركة الأرض ، كتبت من فراغ ، فالمعلومة التي قرأتها رسخت في ذاكرتي ولا أعرف لماذا .
الصديق Majdi Ashour اعترض وطالب بالدليل وقسا أحيانا في ردوده لدرجة السخرية ، ومن حقه أن آتي بالدليل .
أنفقت أمس ساعات طويلات أبحث عن المعلومة من أين تسللت إلى عقلي ، ويمكن أن أكتب مقالة طويلة في الموضوع .
عدت إلى بعض كتب محمود درويش النثرية ومنها " شيء عن الوطن " ، وإلى كتاب رجاء النقاش " محمود درويش ، شاعر من الأرض المحتلة " وكتاب شاكر النابلسي " مجنون التراب " وقرأت مقابلات مع الشاعر نشرت في أماكن مختلفة ، وأحلت إلى صبري جريس الذي نفى ، ولم أكل ولم أمل .
كانت الدكتورة منى أبو عيد كتبت رسالة علمية
ناقشت فيها أحزاب محمود درويش وأشارت إلى رأي صبري جريس وإلى رأي مغاير له لأحد مؤسسي حركة الأرض وهو السيد حبيب قهوجي الذي نشر في أحد أعداد " شؤون فلسطينية " ، من العام ١٩٧١ ، وقال فيه إن محمود درويش قبل أن ينتمي إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي كان عضوا في حركة الأرض . ( أنظر مقالها في " القدس العربي " في ١٠ آب ٢٠١٢ " بين الدولة الواحدة ... وحل الدولتين : محمود درويش في ذكراه الرابعة )
الشاعر والكاتب الفلسطيني Mohammed Al-asaad المقيم في الكويت ، وهو كاتب صديق أتابع ما يكتب ، لم ترق له ردودي على السيد مجدي عاشور ، فعلق يخاطبه " لا تتعب نفسك . عنزة ولو طارت " ، والسيد مجدي رأى في شخصا عنيدا .
لا أريد أن أكتب بالتفصيل في الموضوع ولعلني في العام القادم ، في ذكرى محمود درويش الرابعة عشرة ، أخوض في هذا الجانب .
كم أنا مشاكس ؟!
الليلة مثلا عرفت أن بحثي للمشاركة في كتاب تكريم الناقد الدكتور فيصل دراج لم ينشر في الكتاب ، مع بحث آخر ، فاللجنة التي لم تمانع في إدراجه عرضت الكتاب قبل نشره على الدكتور فيصل ، فاعترض على بحثين ، واستاء جدا من بحثي .
شو تسوي الماشطة مع الوجه العكر - وجهي أنا .
تحياتي للجنة التكريم وللدكتور فيصل و " مش زعلان " ، وقبل ذلك حجب عني الشاعر المرحوم محمود درويش جائزة توفيق زياد للنقد بسبب كتابي " ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية " .
حتى حين مددت إدارة جامعة النجاح الوطنية في العام ٢٠١٩ عقود بعض من تجاوزوا سن العمل ولم تمدد لي لم أكترث للأمر ، فلكل مجتهد نصيب ولكل مشاكس نصيب أيضا .
دقوا على الخشب .
١٠ آب ٢٠٢١ .
١٢
أمنية : محمود درويش
إلى إخوة محمود درويش ؛ البيولجيين وغير البيولوجيين ، وإلى أقاربه الأقربين والأبعدين ، وإلى معارفه وأصدقائه ومحبيه وكارهيه ، وإلى من سمعوا باسمه ومن لم يسمعوا باسمه ايضا
إليهم جميعا أتوجه بهذه الأمنية كدارس أدب ومهتم بشعر الشاعر وشعر غيره ؛ دارس أنفق أكثر من ستين عاما يقرأ الأدب والدراسات التي تكتب فيه وعنه - أي الأدب ، وكناقد مطلع على المناهج النقدية وملم بها إلماما لا بأس به ، يعرف المناهج النصية والمناهج غير النصية ؛ تلك التي تقرأ الأغنية فقط وتلك التي تقرأ الأغنية والمغني معا :
رجاء لا تكونوا أوصياء على حياة الشاعر أو على شعره ، فتحللوا وتحرموا ، ما يجوز وما لا يجوز ، ولكم أن تبدوا آراءكم بعيدا عن الشتيمة كيفما تريدون ، لكم أن تبدوا آراءكم وعليكم الدليل أو الاجتهاد والتأويل وهذا حق فثمة منهج نقدي اسمه منهج التأويل ولكنه يتطلب الدليل العلمي من خلال قراءة النصوص قراءة دقيقة تأتي بالشاهد .
رجاء ألا تكونوا أوصياء ! رجاء !
وأعتقد أننا لا نهرف بما لا نعرف وحين ينقصنا الدليل نميل إلى الظن والترجيح وهذا غير ملزم وليس كلاما دامغا . إنه اجتهاد ليس أكثر و
١٠ / ٨ / ٢٠٢٣ .
١٣
يوميات غزة ( ٣٠٩ ) :
قتل والفقراء يسعون إلى صلاة الفجر
أخبار هذا الصباح أيضا لا تسر .
يسعى الغزيون إلى صلاة الفجر لتأدية فريضة الصلاة فتهاجمهم الطائرات والصواريخ ويرتقي مائة إنسان عادي وأكثر . حدث هذا فجر اليوم في مسجد مدرسة التابعين في وسط غزة ، كما ورد في قناة الجزيرة .
لم ييأس أكثر هؤلاء وأمس ودع الأب ابنيه وحفيديه وحمد الله على قضائه . بدا هادئا وديعا قانعا راضيا متماسكا ، ما ذكرني بغيره وبالمرحوم اسماعيل هنية حين تلقى نبأ استشهاد أولاده الثلاثة وأحفاده . واصل الرجل لقاءه فأبناؤه وأحفاده ، كما قال ، هم من أبناء الشعب ، مثلهم مثل الآخرين .
" دم طازج " كتب الشاعر علي الخليلي في ١٩٧٨ " والأزقة تسعى لأقواتها " . كان هذا في نابلس في البلدة القديمة ، وصار في غزة ، والناس يسعون لصلاة الفجر أو وهم نيام .
قال اليهود إن معسكرات الإبادة في الحرب العالمية الثانية هي عار العصر ، وصارت غزة عار العار وعار الإنسانية وعار العرب .
وأنا أنظف شقتي في هذا الصباح وجدتني أكرر أسطرا من قصيدة مظفر النواب " في الحانة القديمة " وقررت أن أكتب مجددا عن الشرف الفردي والشرف القومي ، ويبدو أن عجزنا وصمت أكثرنا أفقدنا الشرفين ؛ الفردي والقومي ، بل والإنساني .
انفلت الوحش وكل يوم يتفنن في القتل . هل أخطأ الشاعر توفيق زياد حين كتب :
" والذي يسلب حقا يعيش العمر خائف "
هذه هي الحكاية : الخوف . خوف اللص من سرقته .
ومرة أخرى أتذكر ما كتبه مظفر في قصيدة " تل الزعتر " :
" أبناء فلسطين !
سوف تعودون إليها
ولكن جثثا " .
هل اختلف الحال أمس في شرق خان يونس ؟
( اليوم ٤ من شهر ١١ )
١٠ / ٨ / ٢٠٢٤ .
١٤
هل هو الخوف الذي يدفع الإسرائيليين إلى ارتكاب المجازر ؟
اقرأوا هذا النص لمحمود درويش وتمعنوا فيه في ضوء ما يجري . لماذا يقتل الإسرائيليون الأطفال الفلسطينيين ؟ ما ذنبهم ؟
والجواب هو :
- سيكبرون ويسببون خوفا لأبناء الخائفين .
في خربشات الصباح ضمنتها سطرا لتوفيق زياد هو :
والذي يسلب حقا يعيش العمر خائف .
وفي الأشهر الأولى من الحرب أصغيت إلى طفل فلسطيني قتل الجيش الإسرائيلي أهله يقسم أنه سيلتحق بالمقاومة لينتقم لمقتل أهله .
[ محمود درويش
" شريعة الخوف "
ينظر القاتل إلى شبح القتيل ، لا إلى عينيه ، بلا ندم . يقول لمن حوله :
- لا تلوموني ، فأنا خائف . قتلت لأني خائف ، وسأقتل لأني خائف .
بعض المشاهدين المدربين على تفضيل التحليل النفساني على فقه العدل ، يقول :
إنه يدافع عن نفسه .
والبعض الآخر من المعجبين بتفوق التطور على الأخلاق ، يقول :
- العدل هو ما يفيض من كرم القوة . وكان على القتيل أن يعتذر عما سبب للقاتل من صدمة !
والبعض الآخر ، من فقهاء التمييز بين الواقع والحياة ، يقول :
- لو وقفت هذه الحادثة العادية في بلاد أخرى غير هذه البلاد المقدسة ، أكان للقتيل اسم وشهرة ؟ فلنذهبن ، إذن ، إلى مواساة الخائف .
وحين مشوا في مسيرة التعاطف مع القاتل الخائف ، سألهم بعض المارة من السياح الأجانب :
- وما هو ذنب الطفل ؟ فأجابوا :
- سيكبر ويسبب خوفا لابن الخائف .
- وما هو ذنب المرأة ؟
قالوا :
- ستلد ذاكرة .
- وما هو ذنب الشجرة ؟
قالوا :
- سيطلع منها طائر أخضر . وهتفوا :
- الخوف ، لا العدل ، هو أساس الملك .
أما شبح القتيل ، فقد أطل عليهم من سماء صافية . وحين أطلقوا عليه النار لم يروا قطرة دم واحدة ! ... وصاروا خائفين !
( النص من " أثر الفراشة : يوميات " ٢٠٠٨ ) ]
( اليوم ٤ من شهر ١١ )
١٠ / ٨ / ٢٠٢٤
١٥
غزة 674 :
كوابيس غزة وحروبها
قبل خمسة أيام تقريبا كتب أكرم الصوراني عن حروب غزة العديدة المتنوعة الكثيرة معرفا ماذا تعني الحرب . الحرب ليست أسلحة تقصف وتدمر وتسوي مباني بالأرض وليست دوي انفجارات ترعب " النزوح حرب ، الخيمة حرب ... ، الفقر حرب ، سعر القبر حرب ، القهر حرب .. جلن المي حرب ... ، " ويمكن أن تعودوا إلى النص الذي حظي ، حتى اللحظة ، ب ٧٠٠ إعجاب و ١١٨ تعليقا و ١٧٧ مشاركة .
أمس نشرت الدكتورة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri نصا عنوانه " حين ينام البحر وتستيقظ الأفاعي " كتبت فيه عن تجربتها في النزوح والإقامة في خيمة والكوابيس التي عاشتها جراء رؤيتها أفعى في خيمتها سلبت منها النوم وأصابتها بالرعب وولدت لديها خوفا رهيبا .
لم تكن الأفعى التي رأتها مجرد سراب ووهم ، وهو ما حاول أخوها إقناعها به عبثا . لقد تيقنت ، وهي تقلع خيمتها لنزوح جديد ، مما رأت :
" بعد شهرين طلب منا الإخلاء فقامت أختي بفك الخيمة وعندما قامت برفع النايلون الأرضي كانت المفاجأة : أفعى تجلس على بيضها في ذات الخيمة . أيام أكل الخوف والقلق من أختي وشرب وهي تتخيل وتسأل نفسها : ماذا لو بقينا وبقيت الأفعى في ذات المكان .... ؟ "
تنهي الدكتورة كتابتها بالفقرة الآتية :
" منذ أكثر من عامين بينما أنا أكمد جراحي كل ليلة ، يظن البعض أنني لم أجرح قط ، ليس لسبب إلا لصلابة مظهري الذي تآكل من الداخل . لا يعلمون أنني أتمنى أن أنام ليلة واحدة دون قلق أو خوف " .
ترى ماذا ألم بوالدة الطفل " يوسف أبو شعر كيرلي " والطفل فيصل الخالدي الذي قتل الاحتلال أمه الخامل وأباه على مرآى منه ؟
لكل فلسطيني في غزة حكايته المرعبة ، ثمنا للمشروع الصهيوني الذي أراد إعمار فلسطين بعد تصحير العرب لها ، وأراد أن يجعلها أرضا تفيض بالسمن والعسل .
قم من قبرك يا ( ثيودور هرتسل ) وانظر فيضان العسل والسمن . إنه أحمر قان وابحث لنا عن رشيد بك صاحبك واسأله عن أحفاده ، فلعلهم يقولون لك الحقيقة .
١٠ / ٨ / ٢٠٢٥