منذ أن عرف المصري القديم معنى الاستقرار، لم يكن النيل مجرد ماء يجري من الجنوب إلى الشمال، وإنما كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان هو الإيقاع الذي انتظمت حوله حياة المصريين، والذاكرة التي حفظت أخبارهم، والمشهد الذي ظل يتكرر بينما تتغير الوجوه والعصور والبيوت والسلطات. على ضفافه ظهرت القرى الأولى،...
أخطر ما يمكن أن يحدث للسجّان ليس أن يهرب السجين من الزنزانة، وإنما أن يخرج من رأسه.
هذه الفكرة هي التي ظلت تطاردني وأنا أقرأ حكاية وصول رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى إلى سجون أمريكية، وقراءتها من جانب سجناء أصبحوا، للمفارقة، هم أنفسهم لجنة التحكيم. قرأ نحو مئتي سجين...
هناك باحثون يذهبون إلى التاريخ من أبوابه الكبيرة. يفتحون الوثائق ويطاردون التواريخ والأسماء ويضعون الأحداث في ترتيبها ثم يعودون إلينا بما وجدوه. وهناك باحثون آخرون يفضلون الأبواب الصغيرة. الأبواب التي لا يلتفت إليها أحد كثيرًا. خلف هذه الأبواب توجد الحكايات الشعبية والسير والأساطير والشخصيات...
في تاريخ الحضارة الإنسانية لحظات صغيرة تبدو عابرة لكنها تحمل في داخلها قدرة هائلة على تغيير طريقة الإنسان في النظر إلى العالم. ومن بين هذه اللحظات رجل وقف تحت شمس الإسكندرية يراقب ظل عصا ثم حول ذلك الظل البسيط إلى مفتاح لفهم حجم كوكب الأرض. كان هذا الرجل إراتوستينس أحد أعظم علماء العالم القديم...
هناك مؤسسات لا تُقاس عظمتها بعدد مبانيها، ولا بعدد الكتب التي تحفظها، ولا بعدد الفعاليات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على أن تظل حية في وعي الناس، قادرة على قراءة زمنها، واستشراف مستقبلها، وصناعة الأسئلة التي ستحدد شكل الغد.
ومكتبة الإسكندرية واحدة من هذه المؤسسات.
من هنا يمكن النظر إلى تجربة...
كلما عدت إلى نجيب محفوظ أشعر أنني لا أعود إلى كاتب فقط، وإنما أعود إلى زمن كامل. إلى القاهرة التي عرفها وكتبها وعاش تفاصيلها الصغيرة، وإلى ذلك الإنسان الذي استطاع أن يجعل من الحياة العادية مادة للأدب الكبير. عشرون عامًا مرت على رحيله، ومع ذلك لا يبدو محفوظ بعيدًا. كأن الرجل غاب، لكن صوته ظل في...
منذ أن عرف الإنسان الكتابة وهو يحاول أن يمنح أفكاره فرصة للنجاة من الزمن. لم تكن الكتابة مجرد تسجيل للكلمات، ولم يكن الكتاب مجرد صفحات متراصة بين غلافين، وإنما كان دائمًا واحدة من أعظم الأدوات التي اخترعها الإنسان لكي يحفظ الذاكرة وينقل المعرفة ويصنع الخيال ويترك أثرًا بعد الرحيل.
ولهذا فإن...
في أمسية استثنائية بمدينة سان فرانسيسكو، لم يكن الاحتفال بافتتاح معرض «كنوز الفراعنة» في متحف دي يونج مجرد حدث ثقافي عابر، بل كان لحظة إنسانية تجسد كيف تستطيع حضارة عمرها آلاف السنين أن تواصل الحوار مع العالم، وأن تجمع الشعوب حول قيم الجمال والمعرفة والإبداع.
بين قاعات المتحف العريق، حضرت مصر...
هناك أناس يكتبون التاريخ، وهناك من يصبحون جزءًا منه، وهناك فئة ثالثة أشد ندرة، لا تشغلها البطولة الشخصية، ولا تسعى إلى أن تكون في مركز الصورة، بل تقف في الظل، تحمل مصباحًا صغيرًا، وتبحث عن الوجوه التي أطفأها النسيان، ثم تعيد إليها الضوء. هؤلاء لا يصنعون مجدهم بقدر ما يصنعون مجد الآخرين، ولذلك...
ليست هناك جوائز تُقاس بقيمتها المادية، وإنما بما تمثله من اعتراف بتاريخ طويل من العطاء. ومن بين الجوائز المصرية تظل جائزة النيل هي الأعلى مكانة، لأنها تحمل اسم النهر الذي صنع الحضارة المصرية، ولأنها تُمنح لمن أصبحوا جزءًا من الذاكرة الثقافية للوطن. وعندما يُعلن فوز الفنان الكبير ووزير الثقافة...
هناك لحظات في حياة الأمم والمجتمعات تتحول فيها بعض الأحداث إلى طقوس سنوية تحمل الكثير من المشاعر والمعاني. ومن بين هذه اللحظات تأتي نتيجة الثانوية العامة في مصر، تلك اللحظة التي تنتظرها ملايين الأسر بقلوب مليئة بالأمل والخوف والدعاء.
فالنتيجة ليست مجرد أرقام تُعلن، بل هي أحلام آباء وأمهات،...
في عالم يزداد فيه كل شيء سرعة وضجيجًا، ويصبح الإنسان أكثر امتلاكًا للأدوات وأقل اقترابًا من ذاته، ظهر إدجار موران كصوت فلسفي نادر يذكر البشرية بالسؤال الأهم: كيف نحافظ على إنسانيتنا؟ لم يكن موران مجرد فيلسوف فرنسي عاش أكثر من قرن، ولا مجرد عالم اجتماع ترك وراءه مشروعًا فكريًا ضخمًا، بل كان...
في عالم يزداد فيه كل شيء سرعة وضجيجًا، ويصبح الإنسان أكثر امتلاكًا للأدوات وأقل اقترابًا من ذاته، ظهر إدجار موران كصوت فلسفي نادر يذكر البشرية بالسؤال الأهم: كيف نحافظ على إنسانيتنا؟ لم يكن موران مجرد فيلسوف فرنسي عاش أكثر من قرن، ولا مجرد عالم اجتماع ترك وراءه مشروعًا فكريًا ضخمًا، بل كان...
في مصر، لا يمكن الحديث عن الحياة دون الحديث عن النيل. فذلك النهر العظيم لم يكن مجرد مجرى مائي يشق الأرض من الجنوب إلى الشمال، بل كان دائمًا قلب مصر النابض، وسر وجودها، وروح حضارتها الممتدة عبر آلاف السنين. ومن هنا لم يكن غريبًا أن يرتبط الفرح المصري، منذ أقدم العصور، بالماء والنهر والبحر...
منذ آلاف السنين، عرف المصريون معنى الضوء، ليس فقط باعتباره وسيلة لرؤية الطريق، بل باعتباره رمزًا للحياة والأمل والانتصار على الظلام. ولهذا لم يكن غريبًا أن ترتبط الأعياد والاحتفالات في مصر دائمًا بالمشاعل والأنوار والفوانيس والزينة التي تمنح المدن والبيوت روحًا مختلفة.
فعندما تسير اليوم في...