الدكتور حسين عبدالبصير

نوبل والأدب العربي.. من يكتب للعالم، ومن ينتظر اعترافه؟ د. حسين عبد البصير كلما وقفت أمام أثر من آثار مصر القديمة، وجدتني أفكر في الإنسان الذي تركه وراءه. من كان هذا الرجل؟ ماذا أحب؟ ممَّ خاف؟ كيف رأى العالم من حوله؟ وهل خطر له، وهو ينقش كلماته على الحجر أو يكتبها على ورق البردي، أن يأتي يوم...
لماذا نكتب رواية عن مجتمعنا، بينما نستطيع أن نعود إلى آلاف السنين لنكتب عن ملوك سكنوا القصور، وكهنة حفظوا أسرار المعابد، ومحاربين عبروا الصحارى، وعشاق فرّق الزمن بينهم؟ وهل الرواية التي تتناول حاضرنا أقرب إلى الإنسان من الرواية التي تعود إلى الماضي؟ أم أن الإنسان، مهما ابتعدنا في الزمن، يظل هو...
لم أكن يومًا أرى التاريخ مجرد ماضٍ انتهى، ولا الآثار مجرد حجارة صمدت في وجه الزمن. ربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به من رحلتي مع علم المصريات، من دراستي في جامعة القاهرة، إلى سنوات الدراسة والبحث في جامعة جونز هوبكنز، ثم عملي بين المتاحف والمواقع الأثرية المصرية. ففي كل محطة من هذه...
استيقظ محمود في السادسة صباحًا على صوت هاتفه. لم يكن ينتظر مكالمة من أحد، لكنه صار يخشى الهاتف حتى حين يصمت. الأخبار سيئة، والأسعار ترتفع، والناس تتشاجر، والأيام تتشابه كأن أحدًا أغلق باب المستقبل ونسي المفتاح في جيبه. ظل مستلقيًا دقائق، ينظر إلى السقف الذي ظهرت في إحدى زواياه بقعة رطوبة تشبه...
كان أبي يقول إن القاهرة لا تنام، لكنها في تلك الأيام كانت تستيقظ على صوت الترام. كنت صبيًّا في الثانية عشرة، أعيش مع أسرتي في حارة قريبة من العتبة الخضراء. وكان أبي يعمل خياطًا في الموسكي، يخرج كل صباح حاملًا حقيبته الجلدية، ويعود عند الغروب ورائحة القماش والصبغة عالقة بيديه. أما أنا، فكنت أجد...
للكتابة وجهان لا يفترق أحدهما عن الآخر؛ وجه يشبه النافذة المفتوحة على العالم، ووجه يشبه بابًا لا يعرف صاحبه كيف يغلقه. في اللحظة التي يجلس فيها الكاتب إلى مكتبه، قد يشعر بأنه يملك الحياة كلها، وأن الكلمات قادرة على أن تمنحه فرصة ثانية ليعيش ما فاته، ويقول ما عجز عن قوله، ويعيد ترتيب عالم لم...
كلما تأملت مصر وتاريخها الطويل، شعرت بأن أعظم ما فيها ليس الأهرامات ولا المعابد ولا الكنوز التي تركها لنا الأجداد، بل الإنسان المصري الذي صنع كل ذلك، وعاش على هذه الأرض، وعمل وحلم، وترك بصمته في تاريخ الإنسانية. وبوصفي عالم آثار، قضيت سنوات طويلة بين آثار مصر القديمة، رأيت فيها عظمة الفنان...
ليست مصر جميلة لأنها تملك الأهرامات وحدها، ولا لأن النيل يشق أرضها من الجنوب إلى الشمال، ولا لأن البحر يفتح ذراعيه لمدنها الساحلية. مصر جميلة لأن فيها شيئًا يصعب تفسيره بالكلمات؛ روحًا تسكن الأماكن، ودفئًا يظهر في الوجوه، وقدرة عجيبة على أن تبدأ من جديد، مهما أثقلتها الأيام. تأمل مصر في صباح...
لم يظهر كافكا لي لأنني كنت في براج. ظهر لأنني كنت قد وصلت إلى السؤال الذي ظللت أهرب منه طوال حياتي. طوال سنوات عملي في الآثار، كنت أظن أنني أبحث عن الماضي. كنت أبحث عن المقابر، والتماثيل، والنقوش، والبرديات، والمدن التي ابتلعها الزمن. كنت أقرأ أسماء الموتى، وأحاول أن أعيد إليهم أصواتهم. كنت...
تخيل أن رجلًا جاء من المستقبل، بعد ألف عام من الآن، إلى مصر. وقف أمام الأهرامات طويلًا، كأنه يحاول أن يسمع ما تقوله الحجارة، ثم سافر إلى الأقصر، ومشى بين أعمدة الكرنك، وتأمل وجوه الملوك المنحوتة على جدران المعابد. زار الأزهر الشريف، وجلس في رحاب الحسين، وتجول في شارع المعز، ثم دخل مقهى صغيرًا في...
لا أعرف متى بدأ الإنسان يقول الشعر. ربما قاله قبل أن يعرف الكتابة، حين وقف أمام النهر ورأى الماء يحمل صورته بعيدًا، أو حين انتظر عودة شخص يحبه فلم يعد، أو حين نظر إلى السماء في ليلة مظلمة وشعر أن هذا العالم أوسع من قدرته على الفهم. ربما خرج الشعر من حاجة الإنسان إلى أن يقول شيئًا لا تستطيع اللغة...
في آخر العمر، جلست نونخت أمام الكتبة والشهود، لا لتروي قصة حياتها، وإنما لتتخذ قرارًا بشأن ما سيبقى منها بعد رحيلها. كانت امرأة مسنة من مجتمع دير المدينة، وقد عرفت أبناءها واحدًا واحدًا، رأت من وقف إلى جوارها ومن ابتعد عنها، ومن مد لها يد العون حين احتاجت إليه ومن لم يفعل. والآن، وهي تقترب من...
في صباح هادئ، وجدتني أبحث عن قلم. لم أكن أريد أن أكتب شيئًا مهمًا. لم تكن هناك محاضرة أستعد لها، ولا خطاب رسمي أنتظر أن أنتهي منه، ولا مقال يطاردني موعد نشره. كنت أريد فقط أن أمسك قلمًا وأضعه فوق ورقة بيضاء. فعلت ذلك. وفجأة شعرت أنني أعود إلى مكان قديم أعرفه جيدًا. منذ سنوات طويلة ونحن نكتب...
أحيانًا تأتيك رواية متأخرة، فتشعر بالأسف لأنك لم تلتقِ بصاحبها من قبل. هذا ما حدث لي مع الروائي المبدع أحمد القرملاوي في روايته «صفر فاصل خمسة»، الصادرة عن دار ديوان للنشر بالقاهرة. كانت هذه الرواية لقائي الأول به، وبعد أن انتهيت منها شعرت برغبة حقيقية في العودة إلى ما كتب قبلها. ليس بدافع...
في طماي الزهايرة، لا تبدأ الحكاية من الأضواء. تبدأ من تراب القرية، ومن البيوت المتواضعة، ومن صباحات الدلتا التي تستيقظ على حركة الفلاحين وأصوات الناس ورائحة الأرض. هناك كانت طفلة صغيرة تحمل في صوتها شيئًا لا يبدو متناسبًا مع ضيق المكان. لم تكن تعرف أن هذا الصوت سيكبر حتى يصبح أوسع من الجغرافيا...

هذا الملف

نصوص
176
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى