د. حسين عبد البصير - تمثال الإسكندر الأكبر في مكتبة الإسكندرية

في ساحة الحضارات بـ مكتبة الإسكندرية يقف تمثال الإسكندر الأكبر البرونزي شامخًا، وكأنه يتحدى الزمن ويعيد إلى الذاكرة روح المدينة التي وُلدت من حلم قائد شاب أراد أن يوحد العالم القديم. وليس هذا التمثال مجرد عمل فني يزين أحد أهم الصروح الثقافية في العالم، بل هو شاهد صامت على قصة مدينة صنعت التاريخ، وعلى حضارة امتدت آثارها إلى الإنسانية كلها.

أبدع هذا التمثال النصفي النحات اليوناني جون باباس، وتم إهداؤه إلى مكتبة الإسكندرية من وزير الثقافة اليوناني بمناسبة افتتاحها الرسمي، ليصبح واحدًا من أبرز المقتنيات الفنية بالمكتبة، ورمزًا للعلاقات الثقافية العميقة بين مصر واليونان، وللروابط التاريخية التي تجمع الإسكندرية بالعالم الهلنستي.

حين جاء الإسكندر إلى مصر عام 332 قبل الميلاد، استقبله المصريون محررًا لا غازيًا، بعد سنوات طويلة من الحكم الفارسي. وقد سحره موقع المدينة على شاطئ البحر المتوسط، فاختار ذلك المكان الفريد بين البحر وبحيرة مريوط لتأسيس مدينة تحمل اسمه وتصبح لاحقًا واحدة من أعظم مدن العالم القديم. ومنذ نشأتها، كانت الإسكندرية مدينة عالمية تحتضن الثقافات المختلفة، ومركزًا للفكر والعلم والفلسفة والفنون.

ويكشف التمثال عن رؤية فنية عميقة لشخصية الإسكندر. فالفنان لم يقدم مجرد صورة لقائد عسكري عظيم، بل حاول أن يجسد الإنسان الحالم الذي تجاوزت طموحاته حدود الحروب والفتوحات. تبدو ملامح الوجه قوية وصلبة، بينما تحمل العينان نظرة بعيدة توحي بالتأمل والطموح وربما الحنين أيضًا. وكأن التمثال يختصر شخصية رجل أراد أن يعيد تشكيل العالم وأن يبني حضارة جديدة تقوم على التفاعل بين الشعوب والثقافات.

ويكتسب وجود التمثال داخل مكتبة الإسكندرية دلالة رمزية خاصة؛ فالمكتبة الحديثة ليست مجرد مبنى للكتب والمعرفة، بل هي امتداد روحي للمكتبة القديمة التي كانت أعظم مركز علمي في العالم القديم. ومن هنا يبدو الإسكندر حاضرًا من جديد في قلب مدينته، لا بصفته فاتحًا عسكريًا، بل بوصفه مؤسسًا لحلم حضاري ما زالت الإنسانية تتذكره حتى اليوم.

كما تمثل ساحة الحضارات التي يحتضنها التمثال مساحة للتلاقي الإنساني والحوار بين الثقافات. وفي هذا السياق، يصبح الإسكندر رمزًا للتواصل الحضاري، وجسرًا بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر، وبين الحضارات المختلفة التي ساهمت في تشكيل تاريخ الإنسانية.

ومن الناحية الفنية، يمنح البرونز التمثال إحساسًا بالقوة والخلود. فمنذ العصور القديمة ارتبط البرونز بتماثيل الملوك والقادة والأبطال، لما يحمله من صلابة وبقاء عبر الزمن. ومع تغير الضوء على سطح التمثال خلال ساعات النهار، تتبدل ملامحه بصورة مدهشة؛ فتارة يبدو صارمًا مهيبًا، وتارة أخرى يبدو متأملًا حزينًا، كأنه يحمل ذاكرة إمبراطورية عظيمة اختفت، لكن أثرها ظل حيًا في التاريخ.

ولا تزال الإسكندرية حتى اليوم تحمل روح مؤسسها؛ مدينة منفتحة على البحر والعالم والثقافات المختلفة، وفضاءً للتنوع الفكري والإبداع الإنساني. ولهذا فإن تمثال الإسكندر الأكبر في مكتبة الإسكندرية ليس مجرد قطعة فنية، بل جزء من ذاكرة المدينة، وتجسيد حي لتاريخها العريق ورسالتها الحضارية.

وعندما يغادر الزائر ساحة الحضارات، يبقى التمثال خلفه في صمت مهيب، لكن ذلك الصمت يحمل في داخله حكايات لا تنتهي؛ حكاية قائد حلم بالعالم، ومدينة ولدت من ذلك الحلم، ومكتبة تحاول أن تعيد إشعال نور المعرفة من جديد. وهكذا يظل تمثال الإسكندر الأكبر أكثر من مجرد برونز منحوت؛ إنه روح الإسكندرية ذاتها، متجسدة في الفن والتاريخ والذاكرة الخالدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى