د. إبراهيم عروش - حتى سيزيف طلب اللجوء!

قرأتُ يوماً أن سيزيف كان أشقى رجل في الأساطير الإغريقيّة . حكمت عليه الآلهة أن يحمل صخرة ضخمة إلى قمة الجبل، وما إن يوشك أن يبلغها حتى تتدحرج إلى السفح، فيعود من جديد، وهكذا إلى الأبد. وظللت زمناً أعتقد أن ذلك هو أقسى أنواع العذاب، حتى رأيت هذه الصورة.

اكتشفت أن سيزيف كان محظوظاً أكثر مما نظن.

ففي أسطورته، كانت الصخرة تسقط بفعل القدر. أما في واقعنا، فقد تطور الأمر كثيراً؛ هناك من يقف فوق الجبل، ينتظر وصولك، يحمل صخرة أكبر، وما إن يراك تقترب وقد تقطعت أنفاسك، حتى يهوي بها عليك بكل حماس، ثم يبتسم وهو يقول:
لقد فعلنا ذلك من أجل المصلحة العامة.

المسكين سيزيف كان يصارع الجاذبية، أما نحن فنصارع الجاذبية… ومن يقفون فوقها.

كان الرجل في الأسطورة يعلم أن عدوه هو الصخرة، أما اليوم فلا تدري: أعدوك هو الحجر؟ أم من يحمل الحجر؟ أم من أقنع الناس أن الحجر هو الحل لكل المشاكل؟

ولعل أكثر ما يثير الضحك أن الذي يرميك بالصخرة سيخرج بعد قليل في ندوة صحفية، يتحدث عن تشجيع المبادرات، ومواكبة الشباب، ودعم الكفاءات، وتسهيل الولوج إلى القمة، ثم يختم كلمته بالتصفيق لنفسه.

ولو بُعث سيزيف اليوم، ورأى هذا المشهد، لترك صخرته جانباً، ورفع دعوى مستعجلة أمام آلهة الإغريق، قائلاً:
يا سادة، لقد ظلمتموني. أنتم حكمتم عليّ أن أحمل الصخرة، ولم تحكموا بأن يقف أحد فوق الجبل ليرشقني بها!

بل ربما كان سيطالب بإعادة النظر في عقوبته، لأنها أصبحت أخف من عقوبات البشر للبشر.

إن المأساة في زماننا ليست أن الطريق وعر، ولا أن الجبل شاهق، ولا أن الصخرة ثقيلة، بل أن هناك من يضيق صدره كلما رأى أحداً يقترب من القمة. فيظن أن نجاح الآخرين انتقاص من مجده، فيرفع حجراً بدل أن يمد يداً.

وفي النهاية، إذا سقط الرجل من جديد، سيخرج نفس الذين أسقطوه ليقولوا بكل وقار:
لقد فشل لأنه لم يكن مستعداً لتحمل المسؤولية.

هكذا أصبحت أسطورة سيزيف قديمة لا تفي بشرح واقعنا. فالعذاب لم يعد أن تدفع الصخرة إلى أعلى، بل أن تجد فوق القمة من يجعل مهمته الوحيدة أن يعيدك إلى السفح، ثم يكتب في تقريره السنوي بكل فخر:

ساهمنا في إنجاح عملية الصعود… وقد عاد المواطن إلى نقطة الانطلاق في ظروف جيدة.
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى