وصلتني «قيثارة الرمل» من الأخ والصديق الروائي نافذ الرفاعي، الذي ما زال يناديني، كلما التقينا أو كتب إلي، بـ«رجل البادية». وصلتني عند الساعة الخامسة إلا خمس دقائق من مساء الخميس، الأول من تشرين الأول 2026. وما إن وصلتني حتى بدأت قراءتها، لا من باب المجاملة، ولا لأن صاحبها صديق، وإنما لأن من أخلاقنا في البادية أن الرسالة إذا وصلت، وجب أن يكون لها جواب، وأن الود إذا طرق الباب لا يليق به أن يعود خائبا.
لكن بعض الرسائل لا يكفيها جواب عابر، وبعضها يفتح لك بابا آخر. وهكذا فعلت «قيثارة الرمل». قرأتها من أول سطر، وكلما تقدمت فيها وجدتني لا أقرأ رواية فقط، بل أسمع شيئا يتشكل بين الرمل والقيد، بين الصمت والصوت، بين السجن والإنسان. حتى بلغت الساعة الثامنة وخمس وعشرين دقيقة من مساء اليوم نفسه، فوجدتني أمام رواية لم يعد يكفي معها أن أقول: وصلتني رسالة من صديق، ومن أخلاقنا في البادية أن نرد على الرسالة. لقد وصلتني قيثارة، ووجدتني مضطرا أن أرد عليها بما يليق بها: قراءة.
وربما لهذا وجدتني أقرأ نافذ الرفاعي من مكان يعرف الرمل، لا من مكان يصفه. هناك روايات تقرؤها ثم تضعها جانبا، وهناك روايات لا تضعها جانبا لأنها تترك شيئا منها فيك. و«قيثارة الرمل» من هذا النوع. قرأتها لا بوصفها حكاية عن معتقل وسجين وقضبان، ولا بوصفها رواية أخرى عن وجع الأسر، بل دخلت إليها من باب الرمل.
فالذي عاش في البادية يعرف أن الرمل ليس ترابا زائدا على أطراف المكان. الرمل ذاكرة، له أثر القدم، وللريح فيه سيرة، وللطريق علامات لا يراها إلا من خبر الأرض. ولهذا استوقفني العنوان قبل أن تستوقفني الحكاية: «قيثارة الرمل». القيثارة صوت، والرمل صمت؛ القيثارة وتر مشدود، والرمل أرض سائبة؛ القيثارة تحفظ النغمة، والرمل يبتلع الأثر. لكن الرفاعي جمع المتناقضين في عنوان واحد، وكأنه يقول لنا منذ البداية: من المكان الذي يريد أن يبتلع صوتك، اصنع صوتك.
وهنا يبدأ خميس. خميس لا يصنع قيثارة لأنه يملك ترف الموسيقى، بل لأنه يريد أن يثبت أن السجن، مهما أحكم قبضته، لم يأخذ كل شيء. أخذ المكان والحركة والحرية، لكنه لم يأخذ اليد التي تصنع، ولا الخيال الذي يبتكر، ولا القلب الذي يحب. ولهذا فإن القيثارة ليست آلة موسيقية وحسب؛ إنها فعل استرداد للذات. والأكثر دلالة أن القيثارة تولد من داخل المعتقل نفسه، من الأشياء القليلة المتاحة، ومن أدوات يمكن أن تكون جزءا من عالم السجن، ثم يعيد خميس تشكيلها لتصبح شيئا آخر. وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الرواية: السجن يقدم أدوات القيد، والأسير يعيد تعريف وظيفتها. ما يراه السجان شيئا جامدا، يراه خميس إمكانية، وما يبدو للآخرين خردة، يصبح بين يديه صوتا.
وهذه ليست بطولة خطابية، وإنما بطولة التفاصيل الصغيرة: محاولة، ثم عائق، ثم تفتيش، ثم مصادرة، ثم محاولة أخرى. وهذا هو العناد الذي أعرفه جيدا في ثقافة البادية؛ أن تعرف أن الطريق صعب فلا تتوقف، وأن تعرف أن الريح تمحو الأثر، فتعود وتترك أثرك من جديد. فالقيثارة هنا ليست نتيجة المحاولة فقط، بل هي المحاولات كلها وقد تحولت إلى شيء يمكن سماعه.
ثم يأتي الرمل. ولو أراد الرفاعي أن يجعل العنوان مباشرا لقال: «أسير في النقب» وانتهى الأمر، لكنه اختار الرمل، والرمل في وعي ابن البادية ليس مجرد جغرافيا، بل هو امتحان وصبر ومعرفة. قد يطمس الرمل الأثر، لكنه لا يمنع صاحبه من معرفة الطريق، وقد يبدو قاحلا للغريب، لكنه لأهله يحمل حياة كاملة. ولذلك حملت «قيثارة الرمل» في قراءتي سؤالا خفيا: كيف يستطيع شيء سائب كالرمل أن يحمل صوتا ثابتا؟
ولعل خميس نفسه يعيش هذه المفارقة. فهو البحار القادم من رفح، ابن البحر والأفق، يجد نفسه في صحراء مغلقة، محاصرا بالجدران والأسلاك. رجل اعتاد أن يرى امتداد الماء، فإذا به أمام امتداد من الرمل لا يفتح له الطريق. لكن الذي عرف البحر لا ينسى الأفق، والذي عرف الحرية لا يتعلم بسهولة كيف يعيش بلا حلم. ومن هنا تصبح القيثارة أفقا آخر؛ فإذا أغلقت الجدران الطريق أمام العين، فتحت الموسيقى طريقا للروح.
ثم يدخل الحب إلى الرواية، فيمنح القيثارة معناها الأكثر إنسانية. خميس لا يصنعها ليقول للسجن: انظروا إلي، بل يريد أن يعزف لحبيبته. وهذا التفصيل الصغير يرفض أن يجعل الأسير مجرد رقم أو قضية أو جسدا محاصرا؛ إنه رجل يحب، وله امرأة ينتظر أن يصل إليها صوته. لذلك يصبح عيد الحب في المعتقل أكثر من مناسبة عاطفية؛ يصبح تحديا لفكرة العزل نفسها. السجن يقول: أنت مقطوع عن العالم، والحب يقول: هناك من يصل إليك ولو لم تستطع الوصول إليه.
حتى الكوميديا السوداء التي ترك لها الرفاعي مكانا في الرواية ليست زائدة عن الحاجة. فالإنسان في أقسى ظروفه لا يعيش بالحزن وحده. قد يضحك في المكان الذي لا يليق فيه الضحك، لا لأنه نسي ألمه، بل لأنه يرفض أن يمنح السجن كل ما في داخله. وهذا لون من ألوان المقاومة أيضا؛ فالضحك أحيانا ليس خفة، بل طريقة أخرى للنجاة.
ومن هنا لا أرى «قيثارة الرمل» رواية عن السجن بقدر ما أراها رواية عن الإنسان حين يحاول أن يستعيد إنسانيته من داخل السجن. السجان يريد أن يفرض قاموسا من القيد والمنع والتفتيش والمصادرة والجدار والسلك، وخميس يرد عليه بقاموس آخر: الحب والموسيقى والصبر والصناعة والحلم.
وهنا، يا نافذ، أظن أن القيثارة أفلتت منك قليلا. أنت أردت أن تجعلها آلة في يد خميس، فإذا بها تصبح رمزا أكبر من خميس نفسه. صارت صوت الإنسان حين يرفض أن يكون المكان الذي وضع فيه هو تعريفه الوحيد، وصار الرمل الذي يفترض أن يبتلع الأثر شاهدا عليه، وصار السجن الذي أراد إسكات الصوت سببا في ولادته.
وأنا ابن البادية، لا أستطيع أن أقرأ الرمل كما يقرأه من لم يعشه. الرمل عندي ليس خلفية للرواية، بل واحد من شخصياتها. أعرف كيف يختبر القدم، وكيف تخفي الريح أثرا، وكيف يبقى الطريق معروفا لمن خبر المكان. ولذلك وجدت في خميس شيئا من ابن الأرض الصعبة: لا يملك كثيرا، لكنه يعرف كيف يصنع من القليل شيئا؛ لا ينتظر أن تفتح له الحياة بابا، بل يبحث عن منفذ في الجدار.
وهنا تبلغ الرواية أجمل مفارقاتها: القيثارة يمكن أن تكسر، لكن فكرة القيثارة لا تكسر. قد يقتحمون المكان، وقد يصادرون الآلة، وقد يعتدون على صاحبها، لكنهم لا يستطيعون أن يعيدوا الزمن إلى ما قبل لحظة صناعتها. لقد صنعت، وصار لها صوت، وهذا يكفي كي يعرف السجن أنه لم يربح كل المعركة.
يا نافذ، أنت لم تكتب لنا سجينا يصنع آلة موسيقية فحسب؛ كتبت إنسانا يقول للسجن، من غير خطبة ولا ضجيج: خذ ما تستطيع، لكن لا تأخذ مني قدرتي على أن أصنع من الرمل أغنية.
وربما لهذا بقيت «قيثارة الرمل» معي بعد أن أغلقت صفحاتها. فالقيثارة ليست خشبا وأوتارا، والرمل ليس حبيبات متناثرة؛ بينهما حكاية إنسان ضاق به المكان، فاتسع فيه الحلم. وهنا، في تقديري، تكمن قيثارة «قيثارة الرمل».
الرمل ليس صمتا... إذا وجد من يعرف كيف يشد أوتاره.
أمين كعابنة / ابن البادية...
لكن بعض الرسائل لا يكفيها جواب عابر، وبعضها يفتح لك بابا آخر. وهكذا فعلت «قيثارة الرمل». قرأتها من أول سطر، وكلما تقدمت فيها وجدتني لا أقرأ رواية فقط، بل أسمع شيئا يتشكل بين الرمل والقيد، بين الصمت والصوت، بين السجن والإنسان. حتى بلغت الساعة الثامنة وخمس وعشرين دقيقة من مساء اليوم نفسه، فوجدتني أمام رواية لم يعد يكفي معها أن أقول: وصلتني رسالة من صديق، ومن أخلاقنا في البادية أن نرد على الرسالة. لقد وصلتني قيثارة، ووجدتني مضطرا أن أرد عليها بما يليق بها: قراءة.
وربما لهذا وجدتني أقرأ نافذ الرفاعي من مكان يعرف الرمل، لا من مكان يصفه. هناك روايات تقرؤها ثم تضعها جانبا، وهناك روايات لا تضعها جانبا لأنها تترك شيئا منها فيك. و«قيثارة الرمل» من هذا النوع. قرأتها لا بوصفها حكاية عن معتقل وسجين وقضبان، ولا بوصفها رواية أخرى عن وجع الأسر، بل دخلت إليها من باب الرمل.
فالذي عاش في البادية يعرف أن الرمل ليس ترابا زائدا على أطراف المكان. الرمل ذاكرة، له أثر القدم، وللريح فيه سيرة، وللطريق علامات لا يراها إلا من خبر الأرض. ولهذا استوقفني العنوان قبل أن تستوقفني الحكاية: «قيثارة الرمل». القيثارة صوت، والرمل صمت؛ القيثارة وتر مشدود، والرمل أرض سائبة؛ القيثارة تحفظ النغمة، والرمل يبتلع الأثر. لكن الرفاعي جمع المتناقضين في عنوان واحد، وكأنه يقول لنا منذ البداية: من المكان الذي يريد أن يبتلع صوتك، اصنع صوتك.
وهنا يبدأ خميس. خميس لا يصنع قيثارة لأنه يملك ترف الموسيقى، بل لأنه يريد أن يثبت أن السجن، مهما أحكم قبضته، لم يأخذ كل شيء. أخذ المكان والحركة والحرية، لكنه لم يأخذ اليد التي تصنع، ولا الخيال الذي يبتكر، ولا القلب الذي يحب. ولهذا فإن القيثارة ليست آلة موسيقية وحسب؛ إنها فعل استرداد للذات. والأكثر دلالة أن القيثارة تولد من داخل المعتقل نفسه، من الأشياء القليلة المتاحة، ومن أدوات يمكن أن تكون جزءا من عالم السجن، ثم يعيد خميس تشكيلها لتصبح شيئا آخر. وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الرواية: السجن يقدم أدوات القيد، والأسير يعيد تعريف وظيفتها. ما يراه السجان شيئا جامدا، يراه خميس إمكانية، وما يبدو للآخرين خردة، يصبح بين يديه صوتا.
وهذه ليست بطولة خطابية، وإنما بطولة التفاصيل الصغيرة: محاولة، ثم عائق، ثم تفتيش، ثم مصادرة، ثم محاولة أخرى. وهذا هو العناد الذي أعرفه جيدا في ثقافة البادية؛ أن تعرف أن الطريق صعب فلا تتوقف، وأن تعرف أن الريح تمحو الأثر، فتعود وتترك أثرك من جديد. فالقيثارة هنا ليست نتيجة المحاولة فقط، بل هي المحاولات كلها وقد تحولت إلى شيء يمكن سماعه.
ثم يأتي الرمل. ولو أراد الرفاعي أن يجعل العنوان مباشرا لقال: «أسير في النقب» وانتهى الأمر، لكنه اختار الرمل، والرمل في وعي ابن البادية ليس مجرد جغرافيا، بل هو امتحان وصبر ومعرفة. قد يطمس الرمل الأثر، لكنه لا يمنع صاحبه من معرفة الطريق، وقد يبدو قاحلا للغريب، لكنه لأهله يحمل حياة كاملة. ولذلك حملت «قيثارة الرمل» في قراءتي سؤالا خفيا: كيف يستطيع شيء سائب كالرمل أن يحمل صوتا ثابتا؟
ولعل خميس نفسه يعيش هذه المفارقة. فهو البحار القادم من رفح، ابن البحر والأفق، يجد نفسه في صحراء مغلقة، محاصرا بالجدران والأسلاك. رجل اعتاد أن يرى امتداد الماء، فإذا به أمام امتداد من الرمل لا يفتح له الطريق. لكن الذي عرف البحر لا ينسى الأفق، والذي عرف الحرية لا يتعلم بسهولة كيف يعيش بلا حلم. ومن هنا تصبح القيثارة أفقا آخر؛ فإذا أغلقت الجدران الطريق أمام العين، فتحت الموسيقى طريقا للروح.
ثم يدخل الحب إلى الرواية، فيمنح القيثارة معناها الأكثر إنسانية. خميس لا يصنعها ليقول للسجن: انظروا إلي، بل يريد أن يعزف لحبيبته. وهذا التفصيل الصغير يرفض أن يجعل الأسير مجرد رقم أو قضية أو جسدا محاصرا؛ إنه رجل يحب، وله امرأة ينتظر أن يصل إليها صوته. لذلك يصبح عيد الحب في المعتقل أكثر من مناسبة عاطفية؛ يصبح تحديا لفكرة العزل نفسها. السجن يقول: أنت مقطوع عن العالم، والحب يقول: هناك من يصل إليك ولو لم تستطع الوصول إليه.
حتى الكوميديا السوداء التي ترك لها الرفاعي مكانا في الرواية ليست زائدة عن الحاجة. فالإنسان في أقسى ظروفه لا يعيش بالحزن وحده. قد يضحك في المكان الذي لا يليق فيه الضحك، لا لأنه نسي ألمه، بل لأنه يرفض أن يمنح السجن كل ما في داخله. وهذا لون من ألوان المقاومة أيضا؛ فالضحك أحيانا ليس خفة، بل طريقة أخرى للنجاة.
ومن هنا لا أرى «قيثارة الرمل» رواية عن السجن بقدر ما أراها رواية عن الإنسان حين يحاول أن يستعيد إنسانيته من داخل السجن. السجان يريد أن يفرض قاموسا من القيد والمنع والتفتيش والمصادرة والجدار والسلك، وخميس يرد عليه بقاموس آخر: الحب والموسيقى والصبر والصناعة والحلم.
وهنا، يا نافذ، أظن أن القيثارة أفلتت منك قليلا. أنت أردت أن تجعلها آلة في يد خميس، فإذا بها تصبح رمزا أكبر من خميس نفسه. صارت صوت الإنسان حين يرفض أن يكون المكان الذي وضع فيه هو تعريفه الوحيد، وصار الرمل الذي يفترض أن يبتلع الأثر شاهدا عليه، وصار السجن الذي أراد إسكات الصوت سببا في ولادته.
وأنا ابن البادية، لا أستطيع أن أقرأ الرمل كما يقرأه من لم يعشه. الرمل عندي ليس خلفية للرواية، بل واحد من شخصياتها. أعرف كيف يختبر القدم، وكيف تخفي الريح أثرا، وكيف يبقى الطريق معروفا لمن خبر المكان. ولذلك وجدت في خميس شيئا من ابن الأرض الصعبة: لا يملك كثيرا، لكنه يعرف كيف يصنع من القليل شيئا؛ لا ينتظر أن تفتح له الحياة بابا، بل يبحث عن منفذ في الجدار.
وهنا تبلغ الرواية أجمل مفارقاتها: القيثارة يمكن أن تكسر، لكن فكرة القيثارة لا تكسر. قد يقتحمون المكان، وقد يصادرون الآلة، وقد يعتدون على صاحبها، لكنهم لا يستطيعون أن يعيدوا الزمن إلى ما قبل لحظة صناعتها. لقد صنعت، وصار لها صوت، وهذا يكفي كي يعرف السجن أنه لم يربح كل المعركة.
يا نافذ، أنت لم تكتب لنا سجينا يصنع آلة موسيقية فحسب؛ كتبت إنسانا يقول للسجن، من غير خطبة ولا ضجيج: خذ ما تستطيع، لكن لا تأخذ مني قدرتي على أن أصنع من الرمل أغنية.
وربما لهذا بقيت «قيثارة الرمل» معي بعد أن أغلقت صفحاتها. فالقيثارة ليست خشبا وأوتارا، والرمل ليس حبيبات متناثرة؛ بينهما حكاية إنسان ضاق به المكان، فاتسع فيه الحلم. وهنا، في تقديري، تكمن قيثارة «قيثارة الرمل».
الرمل ليس صمتا... إذا وجد من يعرف كيف يشد أوتاره.
أمين كعابنة / ابن البادية...