قرأت باهتمام دراسة الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس
«من الإعاقة البنيوية إلى الفاعلية داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة د. إياد البرغوثي حول الدولة العربية»، المنشورة في «الأنطولوجيا».
وجدتني هذه المرة أمام صورة اتسعت.
بدأها الصديق العزيز د. إياد البرغوثي في مقاله «الدولة العربية: من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية»، المنشور في وكالة وطن للأنباء، حين أعادنا إلى لحظة ولادة الدولة العربية.
طاولة كبيرة.
خرائط لم تجف ألوانها بعد.
حدود تتحرك تحت أصابع لا تعيش داخلها.
نظام يدخل من باب، وشعب ينتظر خلف باب آخر.
ثم يضع د. إياد أمامنا جملته التي تكاد تختصر الصورة كلها:
الاستعمار فاعل، والنظام نائب عنه، والشعب مفعول به، والأمة خارج الإعراب.
دخلتُ إلى الحوار من عند «المفعول به».
قلت إن الولادة تفسر الكثير، لكنها لا تفسر العمر كله.
فالطفل الذي وُلد قبل قرن لم يبق طفلًا.
كبر.
تغير البيت.
مات الذين رسموا حدوده الأولى.
جاءت أجيال لم ترهم أصلًا.
قامت ثورات وانقلابات وحروب وانتفاضات. بُنيت جامعات ومصانع وجيوش ومؤسسات. سقطت أنظمة وارتفعت أخرى. وخرجت شعوب من بيوتها في لحظات لم يتوقعها أحد، لتقول إنها ما زالت موجودة.
د. غانية أخذت السؤال ومشت به أبعد.
لم تبقَ في غرفة الولادة.
خرجت إلى التاريخ.
توقفت عند الشريف حسين، فلم ترَ مشروعًا قوميًّا عربيًّا مكتملًا جاء الاستعمار فقطع الطريق عليه، بل رأت صورة أكثر ازدحامًا: دولة عثمانية تتفكك، وطموحًا عربيًا يتشكل، وإمبراطوريات تتصارع، وبريطانيا وفرنسا تعيدان ترتيب المنطقة، وفكرة قومية ما زالت تبحث عن جسد سياسي تسكنه.
ثم وصلت إلى أوسلو.
قبلت بها عدسة تكشف اختلال العلاقة بين الخارج والسلطة، لكنها رفضت أن تصبح مفتاحًا واحدًا نفتح به أبواب كل الدول العربية.
وهنا أجدني قريبًا منها.
لأن أوسلو، بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، ليست حكاية ولادة دولة عربية أخرى.
هي أكثر التباسًا.
كان هناك شعب تحت الاحتلال، ومنظمة تحرير سبقت السلطة، وثورة سبقت أوسلو، وانتفاضة صنعت على الأرض قوة لم تكن موجودة على طاولة المفاوضات وحدها.
وعندما جلس الفلسطيني إلى أوسلو، لم يدخل الغرفة بلا تاريخ.
دخل وخلفه مخيم.
وأسير.
وشهيد.
ومقاتل.
وطالب خرج في مظاهرة.
وأم أخفت ابنها عن الجنود.
وفلاح ظل يزرع أرضًا يعرف أن المستوطنة تقترب منها.
كل هؤلاء لم يجلسوا حول الطاولة.
لكنهم كانوا، بطريقة ما، تحتها وخلفها وفوقها.
منهم جاءت الشرعية التي حملها من جلس إليها.
وهنا تصبح المسألة الفلسطينية أكثر تعقيدًا من صورة مستعمر يصنع سلطة محلية.
لأن السؤال ليس فقط: من أنشأ السلطة؟
بل:
ماذا حدث للشرعية التي سبقت السلطة؟
كيف انتقلت شرعية التحرر إلى مؤسسة؟
وكيف أصبحت المؤسسة، مع مرور السنوات، تتحدث باسم مجتمع كان هو أصل شرعيتها؟
هنا تبدأ المسافة الدقيقة بين الدولة والمجتمع.
الدولة مبنى.
وزارة.
جيش أو جهاز أمن.
قانون.
ميزانية.
حدود، إن كانت تملك حدودها.
علم يرفرف فوق مؤسسة.
أما المجتمع فهو شيء آخر.
هو الناس عندما يغلق المبنى أبوابه.
هو المعلم حين تنتهي الحصة.
والعامل حين يتوقف المصنع.
والفلاح عندما يعود إلى أرضه.
والطالب عندما يسأل.
والكاتب عندما يعترض.
والنقابة عندما تقول لا.
والقرية عندما تنظم نفسها لأن الدولة لم تصل.
والناس عندما يكتشفون، في لحظة الخطر، أن عليهم أن يسند بعضهم بعضًا.
الدولة تستطيع أن تملك القوة.
لكن المجتمع وحده يستطيع أن يجعل هذه القوة حياةً تستمر بعد الذين يحكمون.
وهنا أخذتني د. غانية إلى مصر الناصرية، وإلى سوريا والعراق وتجربتي البعث.
دول حاولت أن تبني القوة فعلًا.
مصانع.
جامعات.
جيوش.
سدود.
مؤسسات.
ومشاريع أرادت أن تتجاوز حدود القطر إلى فضاء عربي أوسع.
ومن هنا جاءت إضافتها المهمة: القدرة الوطنية التراكمية.
أن لا نسأل فقط ماذا أنجزت مرحلة في زمنها، بل ماذا تركت للمرحلة التي جاءت بعدها.
أعجبني المفتاح.
لكنني، كلما اتسعت الصورة، بحثت عن شخص واحد داخلها.
المواطن.
أراه صغيرًا أمام سد ضخم.
أراه يخرج من مصنع كبير.
أراه يعبر بوابة جامعة حديثة.
تمر أمامه دبابة صنعتها أو اشترتها دولته.
كل شيء حوله يقول إن الدولة أصبحت أقوى.
فأسأل:
هل أصبح هو أقوى؟
هل أصبح شريكًا في القرار؟
هل يستطيع أن يسأل من يملك الدبابة إلى أين يأخذها؟
هل يستطيع أن يحاسب من يدير المصنع؟
هل يستطيع أن يغير من يجلس في الوزارة؟
هل يستطيع أن يقول للدولة: هذه القوة قوتي أيضًا؟
هنا يصبح الفرق بين قوة الدولة وقوة المجتمع حاسمًا.
الدولة القوية تستطيع أن تبني جيشًا.
أما المجتمع القوي فيستطيع أن يسأل لماذا يحارب هذا الجيش ولمن.
الدولة تستطيع أن تبني جامعة.
أما المجتمع فيقرر إن كانت الجامعة تنتج معرفة حرة أم موظفين صامتين.
الدولة تستطيع أن تكتب قانونًا.
أما المجتمع القوي فهو الذي يمنع القانون من أن يصبح ورقة معلقة فوق باب مغلق.
الدولة تستطيع أن تبني مؤسسات.
أما المجتمع فهو الذي يمنع المؤسسة من أن تتحول إلى ملك لمن يجلس فيها.
وهنا أعود إلى فلسطين.
لدينا تجربة تكاد تضع السؤال أمام العين.
بُنيت وزارات.
وأجهزة.
ومؤسسات.
وجامعات.
وبنوك.
وموازنات.
وأصبحت لدينا لغة دولة قبل أن نمتلك الدولة.
لكن الاحتلال بقي فوق الأرض وفوق المعابر وفوق الحدود وفوق جزء أساسي من القرار.
وفي الوقت نفسه بدأ سؤال آخر يكبر من الداخل:
كلما كبرت المؤسسة، هل كبر المواطن معها؟
كلما اتسع الجهاز، هل اتسعت قدرة المجتمع على التأثير فيه؟
كلما أصبحت السلطة أكثر حضورًا في حياة الناس، هل أصبح الناس أكثر حضورًا في قرارها؟
هنا لا يعود الفرق بين الدولة والمجتمع درسًا في العلوم السياسية.
يصبح تجربة نعيشها.
قد تملك المؤسسة مكاتب أكثر، بينما يملك المجتمع قرارًا أقل.
وقد تكون المؤسسة ضعيفة أمام الخارج، لكنها شديدة القوة أمام مواطنها.
وقد يكون المجتمع بلا سيادة، لكنه يحتفظ في داخله بطاقة هائلة على الصمود والتنظيم والمبادرة.
لهذا لا أستطيع أن أقيس القوة بعدد المؤسسات وحده.
ولا بعدد الجنود.
ولا بحجم الموازنة.
ولا بعدد المصانع.
هناك قوة أخرى لا تظهر بسهولة في الأرقام.
أن يستطيع المجتمع أن يقول للدولة: أنتِ أداتي، ولستُ أنا أداتك.
هنا أصل إلى جوابي عن السؤال الذي بدأ بيننا:
كيف يصبح المفعول به فاعلًا؟
لا يكفي أن تصبح الدولة قوية.
ولا يكفي أن يسقط نظام ويأتي آخر.
ولا يكفي أن نغيّر من يجلس على الكرسي إذا بقي المواطن واقفًا أمام الباب.
يصبح المفعول به فاعلًا عندما لا تعود الدولة شيئًا يُدار باسمه، بل شيئًا يشارك في صنعه.
عندما يصبح الحق حقًا لا مكرمة.
وعندما تكون المؤسسة ملكًا عامًا لا ملكًا لمن يديرها.
وعندما يستطيع المجتمع أن ينتج القوة ويحميها ويراقبها ويحاسب من يستخدمها ويغيره إذا أساء استخدامها.
هنا ألتقي مع د. غانية في «الفاعلية داخل البنية».
لكنني أضع أمام مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» سؤالًا أراه ضروريًا:
لمن تتراكم هذه القدرة؟
فالجيش قد يكون قويًا والمجتمع ضعيفًا.
والدولة قد تكون غنية والمواطن فقيرًا في حقوقه.
والمؤسسات قد تكون ضخمة بينما القرار يمر من باب واحد لا يملك المجتمع مفتاحه.
عندها نكون قد بنينا دولة قوية، لكننا لم نبنِ مجتمعًا قويًا.
وربما نكون قد نقلنا المفعول به من دولة ضعيفة إلى دولة قوية، وتركناه في موقعه.
وهنا أعود مرة أخرى إلى د. إياد.
فقراءة د. غانية لا تلغي أطروحته، ولا أقرأها باعتبارها تصحيحًا لها.
على العكس.
لولا السؤال الذي طرحه عن لحظة التكوين، وعن انتقال الإعاقة من حالة بنيوية إلى وظيفة، لما انفتح هذا الطريق كله.
قيمة الفكرة أنها تلد سؤالًا.
والسؤال يفتح بابًا.
والباب يكشف غرفة أخرى لم نكن نراها.
د. إياد أعادنا إلى الولادة.
قلت إن الولادة لا تفسر العمر كله.
ود. غانية أدخلت التاريخ والتجارب والقدرة على التراكم.
والآن أعود إلى الإنسان.
أراه واقفًا في آخر الصورة.
الدولة خلفه بكل مبانيها.
والتاريخ أمامه بكل ثقله.
وفي يده مفتاح صغير.
لأن الدولة، في النهاية، ليست حدودًا وجيشًا ومصانع ومؤسسات فقط.
إنها علاقة بين هذه الأشياء وبين الإنسان الذي يفترض أنها وجدت من أجله.
ولهذا يصبح جوابي واضحًا:
ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل عندما يصبح المجتمع شريكًا في إنتاج القوة، وشريكًا في امتلاكها، وشريكًا في مراقبتها، وشريكًا في تحديد أين تذهب.
لكنني، عندما أصل إلى هنا، أرى بابًا آخر.
وأكتشف أن المفتاح الذي وضعناه في يد المواطن لا يكفي وحده.
فمن أين يأتي المجتمع القادر على استخدامه؟
من المدرسة؟
من الجامعة؟
من النقابة؟
من الحزب؟
من الثقافة؟
من اقتصاد لا يجعل لقمة الإنسان رهينة عند صاحب القرار؟
من انتخابات تعيد السلطة إلى مصدرها؟
أم من كل ذلك معًا؟
وهنا يعود السؤال إلينا بصورة أخرى:
إذا كانت الدولة تستطيع أن تصنع المواطن الذي تحتاجه كي تستمر...
فكيف يصنع المجتمع المواطن الذي يحتاجه كي يمتلك دولته؟
ربما هنا لا ينتهي الحوار.
ربما هنا يبدأ فصل جديد منه.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
1/10/2026
«من الإعاقة البنيوية إلى الفاعلية داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة د. إياد البرغوثي حول الدولة العربية»، المنشورة في «الأنطولوجيا».
وجدتني هذه المرة أمام صورة اتسعت.
بدأها الصديق العزيز د. إياد البرغوثي في مقاله «الدولة العربية: من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية»، المنشور في وكالة وطن للأنباء، حين أعادنا إلى لحظة ولادة الدولة العربية.
طاولة كبيرة.
خرائط لم تجف ألوانها بعد.
حدود تتحرك تحت أصابع لا تعيش داخلها.
نظام يدخل من باب، وشعب ينتظر خلف باب آخر.
ثم يضع د. إياد أمامنا جملته التي تكاد تختصر الصورة كلها:
الاستعمار فاعل، والنظام نائب عنه، والشعب مفعول به، والأمة خارج الإعراب.
دخلتُ إلى الحوار من عند «المفعول به».
قلت إن الولادة تفسر الكثير، لكنها لا تفسر العمر كله.
فالطفل الذي وُلد قبل قرن لم يبق طفلًا.
كبر.
تغير البيت.
مات الذين رسموا حدوده الأولى.
جاءت أجيال لم ترهم أصلًا.
قامت ثورات وانقلابات وحروب وانتفاضات. بُنيت جامعات ومصانع وجيوش ومؤسسات. سقطت أنظمة وارتفعت أخرى. وخرجت شعوب من بيوتها في لحظات لم يتوقعها أحد، لتقول إنها ما زالت موجودة.
د. غانية أخذت السؤال ومشت به أبعد.
لم تبقَ في غرفة الولادة.
خرجت إلى التاريخ.
توقفت عند الشريف حسين، فلم ترَ مشروعًا قوميًّا عربيًّا مكتملًا جاء الاستعمار فقطع الطريق عليه، بل رأت صورة أكثر ازدحامًا: دولة عثمانية تتفكك، وطموحًا عربيًا يتشكل، وإمبراطوريات تتصارع، وبريطانيا وفرنسا تعيدان ترتيب المنطقة، وفكرة قومية ما زالت تبحث عن جسد سياسي تسكنه.
ثم وصلت إلى أوسلو.
قبلت بها عدسة تكشف اختلال العلاقة بين الخارج والسلطة، لكنها رفضت أن تصبح مفتاحًا واحدًا نفتح به أبواب كل الدول العربية.
وهنا أجدني قريبًا منها.
لأن أوسلو، بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، ليست حكاية ولادة دولة عربية أخرى.
هي أكثر التباسًا.
كان هناك شعب تحت الاحتلال، ومنظمة تحرير سبقت السلطة، وثورة سبقت أوسلو، وانتفاضة صنعت على الأرض قوة لم تكن موجودة على طاولة المفاوضات وحدها.
وعندما جلس الفلسطيني إلى أوسلو، لم يدخل الغرفة بلا تاريخ.
دخل وخلفه مخيم.
وأسير.
وشهيد.
ومقاتل.
وطالب خرج في مظاهرة.
وأم أخفت ابنها عن الجنود.
وفلاح ظل يزرع أرضًا يعرف أن المستوطنة تقترب منها.
كل هؤلاء لم يجلسوا حول الطاولة.
لكنهم كانوا، بطريقة ما، تحتها وخلفها وفوقها.
منهم جاءت الشرعية التي حملها من جلس إليها.
وهنا تصبح المسألة الفلسطينية أكثر تعقيدًا من صورة مستعمر يصنع سلطة محلية.
لأن السؤال ليس فقط: من أنشأ السلطة؟
بل:
ماذا حدث للشرعية التي سبقت السلطة؟
كيف انتقلت شرعية التحرر إلى مؤسسة؟
وكيف أصبحت المؤسسة، مع مرور السنوات، تتحدث باسم مجتمع كان هو أصل شرعيتها؟
هنا تبدأ المسافة الدقيقة بين الدولة والمجتمع.
الدولة مبنى.
وزارة.
جيش أو جهاز أمن.
قانون.
ميزانية.
حدود، إن كانت تملك حدودها.
علم يرفرف فوق مؤسسة.
أما المجتمع فهو شيء آخر.
هو الناس عندما يغلق المبنى أبوابه.
هو المعلم حين تنتهي الحصة.
والعامل حين يتوقف المصنع.
والفلاح عندما يعود إلى أرضه.
والطالب عندما يسأل.
والكاتب عندما يعترض.
والنقابة عندما تقول لا.
والقرية عندما تنظم نفسها لأن الدولة لم تصل.
والناس عندما يكتشفون، في لحظة الخطر، أن عليهم أن يسند بعضهم بعضًا.
الدولة تستطيع أن تملك القوة.
لكن المجتمع وحده يستطيع أن يجعل هذه القوة حياةً تستمر بعد الذين يحكمون.
وهنا أخذتني د. غانية إلى مصر الناصرية، وإلى سوريا والعراق وتجربتي البعث.
دول حاولت أن تبني القوة فعلًا.
مصانع.
جامعات.
جيوش.
سدود.
مؤسسات.
ومشاريع أرادت أن تتجاوز حدود القطر إلى فضاء عربي أوسع.
ومن هنا جاءت إضافتها المهمة: القدرة الوطنية التراكمية.
أن لا نسأل فقط ماذا أنجزت مرحلة في زمنها، بل ماذا تركت للمرحلة التي جاءت بعدها.
أعجبني المفتاح.
لكنني، كلما اتسعت الصورة، بحثت عن شخص واحد داخلها.
المواطن.
أراه صغيرًا أمام سد ضخم.
أراه يخرج من مصنع كبير.
أراه يعبر بوابة جامعة حديثة.
تمر أمامه دبابة صنعتها أو اشترتها دولته.
كل شيء حوله يقول إن الدولة أصبحت أقوى.
فأسأل:
هل أصبح هو أقوى؟
هل أصبح شريكًا في القرار؟
هل يستطيع أن يسأل من يملك الدبابة إلى أين يأخذها؟
هل يستطيع أن يحاسب من يدير المصنع؟
هل يستطيع أن يغير من يجلس في الوزارة؟
هل يستطيع أن يقول للدولة: هذه القوة قوتي أيضًا؟
هنا يصبح الفرق بين قوة الدولة وقوة المجتمع حاسمًا.
الدولة القوية تستطيع أن تبني جيشًا.
أما المجتمع القوي فيستطيع أن يسأل لماذا يحارب هذا الجيش ولمن.
الدولة تستطيع أن تبني جامعة.
أما المجتمع فيقرر إن كانت الجامعة تنتج معرفة حرة أم موظفين صامتين.
الدولة تستطيع أن تكتب قانونًا.
أما المجتمع القوي فهو الذي يمنع القانون من أن يصبح ورقة معلقة فوق باب مغلق.
الدولة تستطيع أن تبني مؤسسات.
أما المجتمع فهو الذي يمنع المؤسسة من أن تتحول إلى ملك لمن يجلس فيها.
وهنا أعود إلى فلسطين.
لدينا تجربة تكاد تضع السؤال أمام العين.
بُنيت وزارات.
وأجهزة.
ومؤسسات.
وجامعات.
وبنوك.
وموازنات.
وأصبحت لدينا لغة دولة قبل أن نمتلك الدولة.
لكن الاحتلال بقي فوق الأرض وفوق المعابر وفوق الحدود وفوق جزء أساسي من القرار.
وفي الوقت نفسه بدأ سؤال آخر يكبر من الداخل:
كلما كبرت المؤسسة، هل كبر المواطن معها؟
كلما اتسع الجهاز، هل اتسعت قدرة المجتمع على التأثير فيه؟
كلما أصبحت السلطة أكثر حضورًا في حياة الناس، هل أصبح الناس أكثر حضورًا في قرارها؟
هنا لا يعود الفرق بين الدولة والمجتمع درسًا في العلوم السياسية.
يصبح تجربة نعيشها.
قد تملك المؤسسة مكاتب أكثر، بينما يملك المجتمع قرارًا أقل.
وقد تكون المؤسسة ضعيفة أمام الخارج، لكنها شديدة القوة أمام مواطنها.
وقد يكون المجتمع بلا سيادة، لكنه يحتفظ في داخله بطاقة هائلة على الصمود والتنظيم والمبادرة.
لهذا لا أستطيع أن أقيس القوة بعدد المؤسسات وحده.
ولا بعدد الجنود.
ولا بحجم الموازنة.
ولا بعدد المصانع.
هناك قوة أخرى لا تظهر بسهولة في الأرقام.
أن يستطيع المجتمع أن يقول للدولة: أنتِ أداتي، ولستُ أنا أداتك.
هنا أصل إلى جوابي عن السؤال الذي بدأ بيننا:
كيف يصبح المفعول به فاعلًا؟
لا يكفي أن تصبح الدولة قوية.
ولا يكفي أن يسقط نظام ويأتي آخر.
ولا يكفي أن نغيّر من يجلس على الكرسي إذا بقي المواطن واقفًا أمام الباب.
يصبح المفعول به فاعلًا عندما لا تعود الدولة شيئًا يُدار باسمه، بل شيئًا يشارك في صنعه.
عندما يصبح الحق حقًا لا مكرمة.
وعندما تكون المؤسسة ملكًا عامًا لا ملكًا لمن يديرها.
وعندما يستطيع المجتمع أن ينتج القوة ويحميها ويراقبها ويحاسب من يستخدمها ويغيره إذا أساء استخدامها.
هنا ألتقي مع د. غانية في «الفاعلية داخل البنية».
لكنني أضع أمام مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» سؤالًا أراه ضروريًا:
لمن تتراكم هذه القدرة؟
فالجيش قد يكون قويًا والمجتمع ضعيفًا.
والدولة قد تكون غنية والمواطن فقيرًا في حقوقه.
والمؤسسات قد تكون ضخمة بينما القرار يمر من باب واحد لا يملك المجتمع مفتاحه.
عندها نكون قد بنينا دولة قوية، لكننا لم نبنِ مجتمعًا قويًا.
وربما نكون قد نقلنا المفعول به من دولة ضعيفة إلى دولة قوية، وتركناه في موقعه.
وهنا أعود مرة أخرى إلى د. إياد.
فقراءة د. غانية لا تلغي أطروحته، ولا أقرأها باعتبارها تصحيحًا لها.
على العكس.
لولا السؤال الذي طرحه عن لحظة التكوين، وعن انتقال الإعاقة من حالة بنيوية إلى وظيفة، لما انفتح هذا الطريق كله.
قيمة الفكرة أنها تلد سؤالًا.
والسؤال يفتح بابًا.
والباب يكشف غرفة أخرى لم نكن نراها.
د. إياد أعادنا إلى الولادة.
قلت إن الولادة لا تفسر العمر كله.
ود. غانية أدخلت التاريخ والتجارب والقدرة على التراكم.
والآن أعود إلى الإنسان.
أراه واقفًا في آخر الصورة.
الدولة خلفه بكل مبانيها.
والتاريخ أمامه بكل ثقله.
وفي يده مفتاح صغير.
لأن الدولة، في النهاية، ليست حدودًا وجيشًا ومصانع ومؤسسات فقط.
إنها علاقة بين هذه الأشياء وبين الإنسان الذي يفترض أنها وجدت من أجله.
ولهذا يصبح جوابي واضحًا:
ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل عندما يصبح المجتمع شريكًا في إنتاج القوة، وشريكًا في امتلاكها، وشريكًا في مراقبتها، وشريكًا في تحديد أين تذهب.
لكنني، عندما أصل إلى هنا، أرى بابًا آخر.
وأكتشف أن المفتاح الذي وضعناه في يد المواطن لا يكفي وحده.
فمن أين يأتي المجتمع القادر على استخدامه؟
من المدرسة؟
من الجامعة؟
من النقابة؟
من الحزب؟
من الثقافة؟
من اقتصاد لا يجعل لقمة الإنسان رهينة عند صاحب القرار؟
من انتخابات تعيد السلطة إلى مصدرها؟
أم من كل ذلك معًا؟
وهنا يعود السؤال إلينا بصورة أخرى:
إذا كانت الدولة تستطيع أن تصنع المواطن الذي تحتاجه كي تستمر...
فكيف يصنع المجتمع المواطن الذي يحتاجه كي يمتلك دولته؟
ربما هنا لا ينتهي الحوار.
ربما هنا يبدأ فصل جديد منه.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
1/10/2026