يحيى بركات - المجتمع الفلسطيني... من يصنع الشرعية؟ رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل لحلقة الثانية

الحلقة الثانية


عندما احتاج المجتمع إلى قيادة
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
كان الإضراب قد بدأ.
المحال التجارية مغلقة.
الأسواق التي كانت تضج بالحركة، أصابها صمت غير مألوف.
الجنود البريطانيون ينتشرون في الشوارع.
والناس... لا ينتظرون أحدًا.
كان المجتمع قد اتخذ قراره.
ولعل هذه هي اللحظة التي تستحق أن نتوقف عندها.
فنحن، بعد كل هذه السنوات، نتذكر ثورة 1936 لأنها كانت أطول الثورات الفلسطينية، ولأنها واجهت الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني.
لكنني أعتقد أن هناك مشهدًا آخر، أقل صخبًا، وأكثر أهمية.
مشهد لم تُطلق فيه رصاصة.
ولم يسقط فيه شهيد.
ولم يُكتب عنه كثيرًا.
مشهد بدأ فيه المجتمع يكتشف أنه، مهما كانت قوة إرادته، لا يستطيع أن يبقى مجموعة أصوات متفرقة.
في تلك الأيام، لم تكن الهواتف تنقل الأخبار، ولا وسائل التواصل تجمع الناس.
كانت الثقة هي وسيلة الاتصال.
تنتقل الكلمة من مدينة إلى قرية، ومن قرية إلى أخرى، فيتحول الخبر إلى موقف، والموقف إلى فعل، حتى بدا المجتمع الفلسطيني وكأنه يتنفس برئة واحدة.
فالقرى تتحرك.
والمدن تتحرك.
والإضراب يتسع.
والاحتجاج يكبر.
لكن... من يتحدث باسم كل هؤلاء؟
من يحمل مطالبهم؟
من يتخذ القرار إذا اختلفوا؟
ومن يخاطب العالم باسم شعب بدأ يكتب واحدة من أهم صفحات تاريخه؟
هنا، لأول مرة، لم يعد السؤال: كيف نواجه الاحتلال؟
بل أصبح سؤالًا آخر:
كيف ننظم أنفسنا؟
قد يبدو السؤال إداريًا.
لكنه، في الحقيقة، كان سؤالًا عن الشرعية.
فالقيادة لا تولد لأن أشخاصًا قرروا أن يصبحوا قادة.
القيادة تولد عندما يصبح المجتمع أكبر من أن يعبر عن نفسه بأصوات متفرقة.
وهذا ما حدث في فلسطين.
لم يكن الفلسطينيون يبحثون عن زعيم.
كانوا يبحثون عن صوت واحد.
ولم يكن ذلك الصوت مطلوبًا ليحل محل المجتمع.
بل ليحمل إرادته.
ومن هنا بدأت اللقاءات.
واختلفت الأحزاب.
وتناقش السياسيون.
وتباينت الحسابات.
لكن شيئًا واحدًا كان أقوى من الجميع.
المجتمع.
هو الذي سبقهم.
وهو الذي فرض عليهم أن يجدوا صيغة يلتقون فيها.
ولم تكن تلك الصيغة سهلة.
ففي فلسطين آنذاك كانت هناك أحزاب، وعائلات سياسية، وشخصيات نافذة، وتنافس لا يختلف كثيرًا، في طبيعته الإنسانية، عما نعرفه اليوم.
لكن المجتمع كان يقول للجميع، بصمت الإضراب واتساعه:
"إما أن تصبحوا قيادة لهذا الشعب... أو ستبقون متأخرين عنه."
وهكذا... لم تولد اللجنة العربية العليا لأن أحدًا أراد أن يؤسس مؤسسة جديدة.
بل لأنها أصبحت ضرورة وطنية.
لم تكتسب مكانتها لأن البريطانيين اعترفوا بها.
ولا لأن قانونًا منحها الصفة.
ولا لأن انتخابات جاءت بها.
اكتسبتها لأن المجتمع كان قد سبقها، ثم قال لها:
"تحدثي باسمي."
وهنا، في رأيي، ولدت أول معادلة سياسية فلسطينية بالمعنى الوطني.
لم تمنح القيادة الشرعية للمجتمع.
بل منح المجتمع الشرعية للقيادة.
وهذا فرق يبدو صغيرًا في اللغة...
لكنه غيّر التاريخ.
كان البيان، في جوهره، ترجمة لإرادة كانت قد تشكلت في الشارع.
لم تخلقها اللجنة، بل حملتها إلى اللغة السياسية.
ولعل هذا هو الدرس الذي يستحق أن نحمله معنا ونحن نعود إلى حاضرنا.
القيادة التي تولد من المجتمع، تبقى محتاجة إليه.
أما القيادة التي تنسى من أين جاءت...
فتبدأ، من حيث لا تشعر، بالبحث عن مصادر أخرى لشرعيتها.
لكن...
ما الذي جعل الفلسطينيين، على اختلاف أحزابهم، يقبلون بهذه القيادة؟
هل لأن جميعهم كانوا متفقين؟
أبدًا.
فالخلافات كانت موجودة.
والتنافس كان موجودًا.
وحسابات النفوذ كانت موجودة.
ولم يكن المجتمع الفلسطيني يومها مدينة فاضلة.
ومع ذلك... نجح المختلفون في الاجتماع تحت سقف واحد.
لماذا؟
لأن الخطر كان أكبر من الجميع.
ولأن المجتمع، وهو يواصل إضرابه، كان يرسل رسالة صامتة لكل القوى السياسية:
"لسنا بحاجة إلى قيادة تتنافس علينا... بل إلى قيادة تتوحد من أجلنا."
وهنا حدث أمر يستحق التأمل.
فالقيادة، لأول مرة، لم تكن هي التي تصنع الحدث.
الحدث هو الذي صنع القيادة.
الإضراب لم ينتظر تشكيل اللجنة العربية العليا.
والثورة لم تبدأ بعد إعلانها.
بل جاءت اللجنة العربية العليا لتلتحق بمجتمع كان قد سبقها بخطوات.
وهذا، في رأيي، هو الفارق بين القيادة التي تولد من المجتمع...
والقيادة التي تطلب من المجتمع أن يولد منها.
قد يبدو الفرق لغويًا.
لكنه، في الحقيقة، فرق بين نموذجين كاملين في السياسة.
في النموذج الأول، المجتمع هو الأصل.
والقيادة فرع.
وفي النموذج الثاني، تصبح القيادة هي الأصل، ويُطلب من المجتمع أن يبحث عن مكانه تحتها.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب...
ليس أن يختلف على قيادته.
بل أن ينسى أن القيادة، في أصلها، خرجت منه.
وأنا أقرأ تلك المرحلة، لم أكن أفكر في أسماء الأشخاص بقدر ما كنت أفكر في سؤال آخر:
كيف استطاع ذلك المجتمع، وهو يعيش تحت الانتداب، أن يفرض على قياداته أن تتوحد؟
ثم خطر لي سؤال أشد إرباكًا...
إذا كان المجتمع الفلسطيني قد استطاع أن يصنع قيادة من داخله عام 1936، فكيف تبدلت هذه العلاقة بعد النكبة؟
وهل بقي المجتمع هو الذي يمنح الشرعية...
أم أن الشتات، والمنفى، وتغير الجغرافيا، بدأت تفرض معادلة جديدة؟
رابط الحلقة الاولى لمن لم يقراءها

يُتبع...





1785599143650.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى