المحكمة العليا الإسرائيلية تعيد القوائم العربية إلى السباق.. والصوت العربي يدخل حسابات تشكيل الحكومة
إعداد وتحليل: المحامي علي أبوحبلة
أعادت المحكمة العليا الإسرائيلية، بقرارها إلغاء استبعاد القائمتين العربيتين «رَعَم» و«القائمة المشتركة» من انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، قضية التمثيل العربي إلى واجهة المشهد السياسي الإسرائيلي، في انتخابات تبدو مفتوحة على حسابات برلمانية وائتلافية بالغة التعقيد.
وجاء القرار بعد أن كانت لجنة الانتخابات المركزية قد قررت استبعاد القائمتين، قبل أن تنظر المحكمة العليا في الطعون المقدمة ضدهما أمام هيئة موسعة من تسعة قضاة. وقررت المحكمة إلغاء الاستبعاد، كما رفضت بأغلبية سبعة قضاة مقابل اثنين استبعاد عضو الكنيست عوفر كسيف. وفي المقابل، لم تصدر المحكمة حكماً نهائياً في قضية سامي أبو شحادة بعد أن سحب ترشحه، إثر إبلاغه خلال المداولات بأن أغلبية القضاة تتجه إلى تأييد استبعاده.
وتكتسب هذه التطورات أهمية قانونية وسياسية في آن واحد؛ إذ إن حق الترشح والانتخاب يمثل أحد المرتكزات الأساسية للعملية الديمقراطية، فيما يشترط القانون الإسرائيلي معايير مرتفعة لاستبعاد قائمة أو مرشح من خوض الانتخابات. وقد خلصت المحكمة، في ما يتعلق بالقائمتين العربيتين، إلى أن الأدلة المقدمة لم تستوفِ المعيار الذي يسمح بمنع مشاركتهما في الانتخابات.
غير أن القرار لا ينبغي تفسيره باعتباره موقفاً سياسياً مؤيداً لهذه الأحزاب أو لبرامجها، كما لا يصح تحويله إلى دليل على وجود صفقة سياسية خلف الكواليس. وحتى الآن لا تتوافر أدلة موثوقة تثبت وجود تفاهم سري بين الأحزاب العربية وقضاة المحكمة العليا أو بينها وبين قوى المعارضة الإسرائيلية. ومن ثم فإن الحديث عن مثل هذه الصفقة يبقى في إطار الفرضية أو القراءة السياسية، وليس الحقيقة المثبتة.
أما قضية أبو شحادة، فتحتاج إلى قدر أكبر من الدقة؛ إذ إن انسحابه أنهى عملياً مسار الفصل القضائي في قضيته، ولذلك لا يجوز القول إن المحكمة أصدرت حكماً نهائياً باستبعاده. الثابت أن رئيس المحكمة أبلغ خلال جلسة المرافعة بوجود أغلبية تميل إلى تثبيت قرار الاستبعاد، الأمر الذي دفعه إلى سحب ترشحه.
من المحكمة إلى صندوق الاقتراع
الأهمية الاستراتيجية لما جرى تتجاوز الجدل القانوني حول أهلية القوائم والمرشحين؛ فبقاء «رَعَم» و«القائمة المشتركة» داخل المنافسة يعني أن الصوت العربي سيظل جزءاً من الخريطة الانتخابية التي ستنتج عنها تركيبة الكنيست المقبلة.
وهنا تظهر أهمية الرقم 61؛ فالكنيست تضم 120 مقعداً، وأي حكومة تحتاج إلى قاعدة برلمانية قادرة على تأمين الأغلبية اللازمة للحكم. وإذا أفرزت الانتخابات برلماناً منقسماً بين كتل متقاربة، فقد تصبح مجموعة من المقاعد الصغيرة أو المتوسطة ذات وزن أكبر في الحسابات الائتلافية.
لكن من الضروري عدم تحويل هذا الاحتمال إلى نتيجة مسبقة. فعدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب العربية لن يتحدد إلا من خلال صناديق الاقتراع، كما أن حصولها على عدد مؤثر من المقاعد لا يعني تلقائياً دخولها الحكومة أو دعمها لمعسكر سياسي بعينه.
المسألة ترتبط كذلك بمواقف هذه الأحزاب نفسها، وبمواقف الأحزاب اليهودية المختلفة، وبطبيعة النتائج النهائية، وبإمكان بناء ائتلاف يحظى بالثقة البرلمانية.
انتخابات أكثر تعقيداً
تكشف التطورات الأخيرة عن أن المعركة الانتخابية الإسرائيلية لم تعد محصورة في المنافسة التقليدية بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخصومه؛ وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بسؤال أوسع يتعلق بتركيبة الكنيست المقبلة، وبالقدرة على تشكيل ائتلاف حاكم.
وتشير تقارير وتحليلات انتخابية حديثة إلى تقارب في حسابات الكتل، الأمر الذي يجعل التمثيل العربي عاملاً يستحق المتابعة، دون أن يعني ذلك مسبقاً أنه سيكون «صاحب القرار» في تشكيل الحكومة.
ومن الناحية السياسية، فإن مشاركة القوائم العربية تتيح للناخبين العرب ممارسة حقهم الانتخابي واختيار ممثليهم، بينما ستحدد النتائج الفعلية مدى قدرتهم على التأثير داخل الكنيست المقبلة.
أما الحديث عن أدوار محتملة لشخصيات من المعارضة الإسرائيلية، أو عن تفاهمات بين الأحزاب العربية وبعض القوى السياسية، فيبقى رهناً بالمواقف المعلنة والوقائع التي ستظهر بعد الانتخابات، ولا يجوز تقديمه باعتباره اتفاقاً قائماً من دون أدلة موثقة.
القانون أولاً.. والسياسة بعد الصندوق
الدرس الأبرز في هذه القضية أن العملية الانتخابية لا تُحسم فقط داخل لجنة الانتخابات أو المحكمة العليا؛ فالمحكمة تستطيع أن تفصل في قانونية الاستبعاد، لكنها لا تستطيع أن تحدد مسبقاً حجم التمثيل الذي سيحصل عليه أي حزب.
وهنا تكمن أهمية قرار المحكمة: فقد أبقى القائمتين العربيتين داخل السباق، لكنه لم يمنحهما مقاعد في الكنيست، ولم يمنحهما دوراً في تشكيل الحكومة. هذه الأمور جميعها ستحددها صناديق الاقتراع.
وبذلك تدخل انتخابات 27 تشرين الأول مرحلة جديدة من الحسابات السياسية: كم مقعداً سيحصل عليه كل معسكر؟ وهل سيتمكن أي طرف من الوصول إلى أغلبية 61 مقعداً؟ وهل ستبقى الأحزاب العربية خارج الائتلافات الحكومية، أم ستدخل نتائجها في حسابات الدعم البرلماني؟
أسئلة لا تستطيع المحكمة العليا الإجابة عنها، ولا تستطيع استطلاعات الرأي حسمها بصورة نهائية.
فالقرار القضائي حسم جانباً من المعركة القانونية، لكنه فتح في المقابل مساحة أوسع للمعركة السياسية.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الفصل لصندوق الاقتراع؛ فهناك فقط ستتضح حقيقة موازين القوى، وحجم التمثيل العربي، وشكل الكنيست الجديدة، والمسارات الممكنة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
إنها انتخابات قد لا يكون السؤال فيها فقط: من يفوز؟ بل أيضاً: من يستطيع بناء أغلبية قادرة على الحكم؟
إعداد وتحليل: المحامي علي أبوحبلة
أعادت المحكمة العليا الإسرائيلية، بقرارها إلغاء استبعاد القائمتين العربيتين «رَعَم» و«القائمة المشتركة» من انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، قضية التمثيل العربي إلى واجهة المشهد السياسي الإسرائيلي، في انتخابات تبدو مفتوحة على حسابات برلمانية وائتلافية بالغة التعقيد.
وجاء القرار بعد أن كانت لجنة الانتخابات المركزية قد قررت استبعاد القائمتين، قبل أن تنظر المحكمة العليا في الطعون المقدمة ضدهما أمام هيئة موسعة من تسعة قضاة. وقررت المحكمة إلغاء الاستبعاد، كما رفضت بأغلبية سبعة قضاة مقابل اثنين استبعاد عضو الكنيست عوفر كسيف. وفي المقابل، لم تصدر المحكمة حكماً نهائياً في قضية سامي أبو شحادة بعد أن سحب ترشحه، إثر إبلاغه خلال المداولات بأن أغلبية القضاة تتجه إلى تأييد استبعاده.
وتكتسب هذه التطورات أهمية قانونية وسياسية في آن واحد؛ إذ إن حق الترشح والانتخاب يمثل أحد المرتكزات الأساسية للعملية الديمقراطية، فيما يشترط القانون الإسرائيلي معايير مرتفعة لاستبعاد قائمة أو مرشح من خوض الانتخابات. وقد خلصت المحكمة، في ما يتعلق بالقائمتين العربيتين، إلى أن الأدلة المقدمة لم تستوفِ المعيار الذي يسمح بمنع مشاركتهما في الانتخابات.
غير أن القرار لا ينبغي تفسيره باعتباره موقفاً سياسياً مؤيداً لهذه الأحزاب أو لبرامجها، كما لا يصح تحويله إلى دليل على وجود صفقة سياسية خلف الكواليس. وحتى الآن لا تتوافر أدلة موثوقة تثبت وجود تفاهم سري بين الأحزاب العربية وقضاة المحكمة العليا أو بينها وبين قوى المعارضة الإسرائيلية. ومن ثم فإن الحديث عن مثل هذه الصفقة يبقى في إطار الفرضية أو القراءة السياسية، وليس الحقيقة المثبتة.
أما قضية أبو شحادة، فتحتاج إلى قدر أكبر من الدقة؛ إذ إن انسحابه أنهى عملياً مسار الفصل القضائي في قضيته، ولذلك لا يجوز القول إن المحكمة أصدرت حكماً نهائياً باستبعاده. الثابت أن رئيس المحكمة أبلغ خلال جلسة المرافعة بوجود أغلبية تميل إلى تثبيت قرار الاستبعاد، الأمر الذي دفعه إلى سحب ترشحه.
من المحكمة إلى صندوق الاقتراع
الأهمية الاستراتيجية لما جرى تتجاوز الجدل القانوني حول أهلية القوائم والمرشحين؛ فبقاء «رَعَم» و«القائمة المشتركة» داخل المنافسة يعني أن الصوت العربي سيظل جزءاً من الخريطة الانتخابية التي ستنتج عنها تركيبة الكنيست المقبلة.
وهنا تظهر أهمية الرقم 61؛ فالكنيست تضم 120 مقعداً، وأي حكومة تحتاج إلى قاعدة برلمانية قادرة على تأمين الأغلبية اللازمة للحكم. وإذا أفرزت الانتخابات برلماناً منقسماً بين كتل متقاربة، فقد تصبح مجموعة من المقاعد الصغيرة أو المتوسطة ذات وزن أكبر في الحسابات الائتلافية.
لكن من الضروري عدم تحويل هذا الاحتمال إلى نتيجة مسبقة. فعدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب العربية لن يتحدد إلا من خلال صناديق الاقتراع، كما أن حصولها على عدد مؤثر من المقاعد لا يعني تلقائياً دخولها الحكومة أو دعمها لمعسكر سياسي بعينه.
المسألة ترتبط كذلك بمواقف هذه الأحزاب نفسها، وبمواقف الأحزاب اليهودية المختلفة، وبطبيعة النتائج النهائية، وبإمكان بناء ائتلاف يحظى بالثقة البرلمانية.
انتخابات أكثر تعقيداً
تكشف التطورات الأخيرة عن أن المعركة الانتخابية الإسرائيلية لم تعد محصورة في المنافسة التقليدية بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخصومه؛ وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بسؤال أوسع يتعلق بتركيبة الكنيست المقبلة، وبالقدرة على تشكيل ائتلاف حاكم.
وتشير تقارير وتحليلات انتخابية حديثة إلى تقارب في حسابات الكتل، الأمر الذي يجعل التمثيل العربي عاملاً يستحق المتابعة، دون أن يعني ذلك مسبقاً أنه سيكون «صاحب القرار» في تشكيل الحكومة.
ومن الناحية السياسية، فإن مشاركة القوائم العربية تتيح للناخبين العرب ممارسة حقهم الانتخابي واختيار ممثليهم، بينما ستحدد النتائج الفعلية مدى قدرتهم على التأثير داخل الكنيست المقبلة.
أما الحديث عن أدوار محتملة لشخصيات من المعارضة الإسرائيلية، أو عن تفاهمات بين الأحزاب العربية وبعض القوى السياسية، فيبقى رهناً بالمواقف المعلنة والوقائع التي ستظهر بعد الانتخابات، ولا يجوز تقديمه باعتباره اتفاقاً قائماً من دون أدلة موثقة.
القانون أولاً.. والسياسة بعد الصندوق
الدرس الأبرز في هذه القضية أن العملية الانتخابية لا تُحسم فقط داخل لجنة الانتخابات أو المحكمة العليا؛ فالمحكمة تستطيع أن تفصل في قانونية الاستبعاد، لكنها لا تستطيع أن تحدد مسبقاً حجم التمثيل الذي سيحصل عليه أي حزب.
وهنا تكمن أهمية قرار المحكمة: فقد أبقى القائمتين العربيتين داخل السباق، لكنه لم يمنحهما مقاعد في الكنيست، ولم يمنحهما دوراً في تشكيل الحكومة. هذه الأمور جميعها ستحددها صناديق الاقتراع.
وبذلك تدخل انتخابات 27 تشرين الأول مرحلة جديدة من الحسابات السياسية: كم مقعداً سيحصل عليه كل معسكر؟ وهل سيتمكن أي طرف من الوصول إلى أغلبية 61 مقعداً؟ وهل ستبقى الأحزاب العربية خارج الائتلافات الحكومية، أم ستدخل نتائجها في حسابات الدعم البرلماني؟
أسئلة لا تستطيع المحكمة العليا الإجابة عنها، ولا تستطيع استطلاعات الرأي حسمها بصورة نهائية.
فالقرار القضائي حسم جانباً من المعركة القانونية، لكنه فتح في المقابل مساحة أوسع للمعركة السياسية.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الفصل لصندوق الاقتراع؛ فهناك فقط ستتضح حقيقة موازين القوى، وحجم التمثيل العربي، وشكل الكنيست الجديدة، والمسارات الممكنة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
إنها انتخابات قد لا يكون السؤال فيها فقط: من يفوز؟ بل أيضاً: من يستطيع بناء أغلبية قادرة على الحكم؟