سيد الوكيل يرصد التحولات الأنثوية في السرد العربي
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت
يقدّم الناقد والمبدع الكبير "سيد الوكيل" في كتابه "سرديات نسوية: نار برومثيوس المخبوءة" (أطياف للنشر – 2026) قراءة موسّعة لمسارات النقد النسوي، وإسهامات المرأة العربية في تشكيل الخريطة الأدبية الحديثة، مفككا جذور العلاقة بين المرأة والحكاية بالعودة إلى البدايات الأسطورية، فيقول "إن الوجود هو حكاية، ويبدو أن الحب فقط هو الذي يمنحها الرغبة في البقاء"، وكأن الحكاية ذاتها كفعل ليست ممكنة إلا بوجود المعنى الذي تنتجه الأنثى.
وتأتي قراءة الوكيل لشهرزاد باعتبارها مسيحًا جديدًا كما يصفها، لتُظهر أن المرأة تخلّص العالم عبر السرد، في هذا التصور تصبح شهرزاد نموذجًا للمرأة التي تستطيع تحويل الخوف إلى معرفة، فشهرزاد كما يرى "مسحت آلام شهريار بالحكايات"، هذه القراءة تجد صداها لاحقًا في تحليلاته للكتابة النسوية العربية الحديثة، التي يرى أنها تستعيد قدرة شهرزاد عبر الكتابة.
يتناول الوكيل النظرية النسوية العالمية بمنهج نقدي متوازن، يصفه بقوله "إن الناقدات رأين أن النظرية النقدية تعبر عن العماء والغرور الأكاديمي الذكوري الطابع"، ولهذا يرحب بالنقد النسوي الذي يفتح للمرأة مساحات للتجريب اللغوي والجسدي، لكنه يتحفظ على التيارات التي تجعل من النظرية مرجعًا أعلى من التجربة.
ومن أهم إنجازات الكتاب إعادة تدوين تاريخ الكتابة النسوية العربية بطريقة نقدية، فينظر إلى الريادة باعتبارها تأثيرًا نوعيًا وكميًا وليس مجرد أسبقية زمنية، ويتوقف عند عائشة التيمورية باعتبارها أوّل مَن كتبت سيرة ذاتية نسوية عربية، ويصف نصها بأنه "يرسّخ نزعة ناقدة لأساليب تربوية تفرّق بين البنات والأولاد" ثم ينتقل إلى مي زيادة، وزينب فواز، وملك حفني ناصف، ولبيبة هاشم، وعفيفة كرم، ليقدم تأريخا للكتابة النسوية العربية. وهو لا يعزل هذه الأسماء عن سياقاتها، بل يربط بينها وبين التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشها العالم العربي، وبذلك يتحول النقد إلى تحليل لخطاب المرأة في لحظته التاريخية.
كذلك، يتعامل الوكيل مع الجسد باعتباره فضاءً معرفيًّا تشتبك فيه السلطة والسياسة واللغة. ويؤكد أن أحد أهم معارك المرأة في الكتابة الحديثة هو "استعادة الجسد بوصفه الإقليم الذي يجب أن تسترده المرأة"، وينجح الوكيل هنا في الربط بين: أسطورة إنانا، أسطورة إيزيس وأوزوريس، بنيلوب وأوليسيوس، عنترة وعبلة، قيس وليلى. ويقول: "الرجل مثل أوليسيوس، تعس مغترب، باحث عن ذاته التي لا يجدها إلا بدخول جنة المرأة".
كذلك يعالج الوكيل أطروحات ناقدات مثل ألفت الروبي وزهرة الجلاصي حول اللغة المؤنثة وبلاغة التوصيل النسوية، ويذهب يذهب نحو رؤية أكثر تركيبًا، فاللغة ليست ذكرية أو أنثوية؛ إنها فضاء دلالي، تتحدد هويته بالسياقات التي ينتجها. ويرى أن هذا الطرح يمثل تجاوزًا لخطاب التأنيث الصرف الذي شاع خلال موجات النسوية العربية في التسعينيات، ليفتح الباب أمام رؤية أكثر سعة تعتمد على إعادة تأويل اللغة بدلًا من البحث عن بديل جوهري لها.
كذلك يسائل الوكيل مصطلح الأدب النسوي، مشيرًا إلى الجدل الذي صاحب استعماله داخل الأوساط العربية. ويستشهد بكاتبات أنكرن انتماءهن للمفهوم، مثل فاطمة العلي التي رأت أن الظروف الاجتماعية هي التي عطّلت كتابة المرأة، وليس كونها امرأة.
والوكيل لا يعتبر الأدب النسوي نوعًا أدبيًا وإنما يراه اتجاها سرديا يتشكل عند تقاطع ثلاثة عوامل: الجسد بوصفه خبرة معيشة، والذات بوصفها منطقة صراع داخلي، والواقع بوصفه سلطة تقمع وتعيد تشكيل الدور الاجتماعي، هكذا يحرّر الأدب النسوي من أسر التصنيف، ويمنحه سعة دلالية تسمح بتعدد التجارب وثرائها.
وفي القسم التطبيقي من الكتاب ينتقل سيد الوكيل من التأمل النظري إلى الواقع النصّي؛ حيث يختبر النسوية ككتابة تواجه القارئ بلغتها وتجربتها وأسئلتها. وفي هذا الجزء يبدو الكتاب أكثر حيوية، إذ يقارب النصوص النسائية العربية بوصفها حقل تجارب تتكشف داخله طرق جديدة في النظر إلى الذات والعالم والجسد.
وهو يرى أن الكتابة النسوية ليست نمطًا واحدًا، ولا صوتًا موحدًا، بل فسيفساء واسعة تمتد من كتابة السيرة والاعتراف، إلى كتابة الجسد والذاكرة، وصولًا إلى التجريب اللغوي الذي يطمح إلى خلق مساحة تعبير لم تكن متاحة من قبل. ويرى أن كثيرًا من الكاتبات استطعن خلال العقود الأخيرة إعادة ترتيب الذائقة السردية العربية، بعدما حرّرن بطلات النصوص من موقع الديكور العاطفي ليصبحن محركًا أساسيًا للحدث والرؤية.
فالهامش الذي كان يُكتب عنه أصبح هو الذي يكتب، والمرأة صارت هي التي تكتب الحكايات وتحدد مسارها. ويلاحظ أن أحد أبرز ملامح هذه الكتابات هو ميلها إلى النبرة الاعترافية، حيث تتحول الكتابة إلى مساحة للكشف والبوح وإعادة فهم الذات. ويشير إلى أن عددًا من النصوص يجنح إلى لغة مغلقة، تكدّس المجاز وتستبدل المعنى بالالتباس، حتى "يفقد النص رسالته ولا يصل إلى قارئه إلا بمن يملك مفتاحه الخاص". وفي المجمل، يقدم الجزء التطبيقي من الكتاب صورة واقعية عن كيف تُكتب النسوية فعليًا داخل النص، وكما يشير الوكيل، يظل صوتًا مهمًا في المشهد السردي العربي، لأنه يكسر صمتًا قديمًا ويفتح بابًا كان مغلقًا طويلًا.
بهذا المعنى، يبدو الكتاب مساهمة نقدية تتجاوز حدود التصنيف إلى مساحة فكرية حرة، تمنح المرأة نارها الأولى التي أعادها برومثيوس إلى البشر، ويبقى الكتاب دعوة لإعادة بناء الحكاية من مركزها الأنثوي، بوصفها إعادة صياغة للوجود.