موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
مستشفى الجامعة الأردنية يصنع إنجازًا نوعيًا في الطب الأردني
د. عقبة القرعان، د. لبنى الخريشة، أ.د. إيمان بدران، د. عمر عبابنة، ود. تهاني خضير
من إنقاذ مجرى التنفس لجنين أثناء الولادة إلى بناء نموذج أردني متقدم للطب التكاملي وصناعة المعرفة الطبي
( الجزء الاول )
مدخل الفصل: حين تتحول الكفاءة الطبية إلى إنجاز وطني
في تاريخ الطب، توجد لحظات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نجاحًا سريريًا منفردًا، لأن دلالتها الحقيقية تتجاوز المريض والحالة والإجراء إلى المؤسسة والمنظومة والوطن ومستقبل المعرفة الطبية.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الإنجاز الذي حققه الفريق الطبي المتخصص في مستشفى الجامعة الأردنية أهمية استثنائية؛ إذ نجح الفريق، وفق ما أُعلن، في تأمين مجرى التنفس لجنين يعاني انسدادًا خلقيًا كاملًا في الحنجرة والقصبة الهوائية أثناء الولادة القيصرية وقبل فصله عن المشيمة، في إنجاز وُصف بأنه الأول من نوعه على مستوى المملكة والمنطقة.
وقد شارك في تقييم الحالة ووضع الخطة وتنفيذها كل من:
الدكتور عقبة القرعان
استشاري طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين،
الدكتورة لبنى الخريشة
استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة،
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران
استشاري أول خداج الأطفال،
الدكتور عمر عبابنة
استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال،
الدكتورة تهاني خضير
استشاري الأشعة التشخيصية للأطفال.
إن أهمية هؤلاء الأطباء لا تكمن فقط في مشاركتهم في إجراء طبي بالغ التعقيد، وإنما في أنهم قدموا نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتكامل المعرفة التخصصية مع التخطيط المؤسسي والعمل الجماعي والقرار السريري الاستباقي.
وهنا تبدأ القيمة الموسوعية لهذا الإنجاز.
فالقصة ليست قصة طفلٍ أُنقذت حياته فحسب؛ إنها قصة طب أردني استطاع أن يرفع سقف الممكن.
أولًا: من الحالة النادرة إلى المؤشر الحضاري لتطور الطب
إن الدول المتقدمة طبيًا لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأجهزة أو الأطباء، وإنما بقدرتها على التعامل مع الحالات التي تتطلب مستويات استثنائية من المعرفة والتنسيق والدقة.
الحالات النادرة تمثل، في هذا السياق، اختبارًا حقيقيًا لنضج النظام الصحي؛ لأنها لا تسمح بالاعتماد على الحلول الروتينية.
والحالة التي تعامل معها فريق مستشفى الجامعة الأردنية تمثل نموذجًا واضحًا لذلك.
فوجود انسداد خلقي كامل في مجرى التنفس يجعل لحظة الولادة لحظة حرجة للغاية؛ إذ يصبح الانتقال من الاعتماد على الأكسجة عبر المشيمة إلى التنفس المستقل تحديًا وجوديًا.
لذلك لم يكن الحل مجرد «إجراء جراحي»، وإنما كان إعادة تصميم للولادة نفسها باعتبارها حدثًا طبيًا عالي الخطورة يحتاج إلى هندسة دقيقة للزمن والمخاطر والتدخل.
ثانيًا: عبقرية التشخيص المبكر
بدأت القصة قبل غرفة العمليات.
فقد أُحيلت الحالة إلى مستشفى الجامعة الأردنية خلال الشهر السادس من الحمل، وبعد تقييمها بواسطة الدكتور عقبة القرعان تم الاشتباه بالانسداد الخلقي الكامل في مجرى التنفس، ثم جرى تأكيد التشخيص بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي الجنيني.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الطب الحديث:
التشخيص لم يعد وصفًا للمرض، بل أصبح أداة لصناعة القرار.
فالفرق بين الطب التقليدي والطب الاستباقي أن الأول قد ينتظر ظهور الأزمة، بينما يسعى الثاني إلى اكتشاف الأزمة قبل وقوعها وتصميم الاستجابة قبل الوصول إليها.
وهذا بالضبط ما حدث.
لقد تحول التشخيص المبكر إلى خطة ولادة.
وتحولت الصورة التشخيصية إلى قرار جراحي.
وتحولت المعرفة المسبقة بالمشكلة إلى فرصة لإنقاذ الحياة.
ثالثًا: المشيمة كجسر زمني للحياة
ربما تكمن أكثر النقاط إثارة للاهتمام علميًا في الطريقة التي صُممت بها الولادة.
فقد جرى توليد الطفل بصورة جزئية مع إبقاء جزء منه داخل الرحم واستمرار اتصاله بالمشيمة، بما حافظ على تزويده بالأكسجين عبر الحبل السري، وأتاح للفريق تأمين مجرى التنفس قبل إتمام الولادة.
وهنا تتحول المشيمة من مفهوم تشريحي إلى عنصر في هندسة الإنقاذ الطبي.
لقد تم استثمار الوظيفة الفسيولوجية الطبيعية للمشيمة لتوفير نافذة زمنية آمنة نسبيًا، تسمح بإجراء التدخل قبل انتهاء الدعم الجنيني.
وهذا يقودنا إلى مفهوم بالغ الأهمية في الطب عالي الخطورة:
إدارة الزمن الحيوي.
ففي بعض الحالات لا تكون المشكلة في عدم وجود العلاج، وإنما في أن العلاج يجب أن يتم في اللحظة الصحيحة تمامًا.
وهكذا يصبح الزمن نفسه جزءًا من العلاج.
رابعًا: الفريق الطبي بوصفه «عقلًا سريريًا واحدًا»
إن اجتماع خمسة تخصصات دقيقة في حالة واحدة يوضح أن الطب المعاصر لم يعد يقوم على بطولة الفرد، وإنما على ذكاء الفريق.
فالدكتور عقبة القرعان يمثل محور التشخيص والتخطيط في طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين.
والدكتورة لبنى الخريشة تمثل محور التدخل الجراحي المتعلق بتأمين مجرى الهواء.
والأستاذة الدكتورة إيمان بدران تمثل خبرة رعاية الخداج وحديثي الولادة.
والدكتور عمر عبابنة يضيف البعد المتعلق بالتخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
أما الدكتورة تهاني خضير فتمثل البعد التشخيصي المتخصص في الأشعة للأطفال.
إن قوة هذا النموذج لا تأتي من جمع أسماء كثيرة، بل من تفاعل المعارف المختلفة داخل خطة واحدة.
وهذا هو الفرق بين:
تعدد التخصصات
و
تكامل التخصصات.
فالتعدد يجمع الخبرات.
أما التكامل فيحوّلها إلى قدرة سريرية مشتركة.
خامسًا: الدكتورة لبنى الخريشة والانتقال من التشخيص إلى الإنقاذ
في لحظة التدخل الحاسمة، تولت الدكتورة لبنى الخريشة إجراء التداخل الجراحي لتأمين مجرى هوائي للطفل، من خلال إجراء فتحة رغاميّة ووضع أنبوب رغامي، ثم دعم الطفل بالتنفس الاصطناعي بصورة احترازية قبل استكمال الولادة.
وهنا تتجسد قيمة التخصص الدقيق.
فالمعرفة الطبية تصبح ذات معنى كامل عندما تستطيع أن تتحول، في اللحظة المناسبة، إلى فعل ينقذ الحياة.
إن الجراحة في مثل هذه الحالات ليست مهارة يدوية فحسب؛ إنها قرارٌ فيزيولوجي وزمني وإنساني بالغ الحساسية.
سادسًا: عشرون دقيقة تختصر أشهرًا من العلم
استغرق تأمين مجرى التنفس قرابة عشرين دقيقة وفق التقرير المنشور.
لكن من الخطأ أن ننظر إلى هذه الدقائق بمعزل عن الأشهر التي سبقتها.
فوراء الدقائق العشرين:
تشخيص.
وتصوير.
وتقييم.
واجتماعات.
وتخطيط.
وتحديد أدوار.
واستعداد للطوارئ.
ومراجعة للبدائل.
وتنسيق بين تخصصات متعددة.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة مهمة في الطب عالي الخطورة:
كلما بدا التدخل المعقد بسيطًا في لحظة التنفيذ، كان ذلك في كثير من الأحيان نتيجة لتعقيدٍ أكبر أُنجز مسبقًا في مرحلة التخطيط.
سابعًا: ماذا يقول هذا الإنجاز عن مستقبل الطب الأردني؟
هنا تنتقل القضية من المستوى السريري إلى المستوى الوطني.
إن القيمة الاستراتيجية لهذا الإنجاز تتمثل في إثبات أن الأردن يمتلك قاعدة بشرية وعلمية يمكنها التعامل مع حالات طبية نادرة ومعقدة داخل مؤسساته الوطنية.
لكن التحدي الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند الاحتفال.
بل يجب أن نسأل:
كيف نحول النجاح من حالة استثنائية إلى قدرة مؤسسية مستدامة؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعات والمستشفيات وصناع القرار الصحي.
ثامنًا: من الكفاءة الفردية إلى التميز المؤسسي
قد يستطيع طبيب متميز أن يصنع إنجازًا.
لكن الدولة الطبية المتقدمة هي التي تستطيع أن تجعل الإنجاز قابلًا للتكرار والتعليم والتطوير.
ولهذا ينبغي أن تتحول هذه التجربة إلى:
بروتوكول سريري.
ثم إلى:
برنامج تدريبي.
ثم إلى:
قاعدة بحثية.
ثم إلى:
نموذج تعليمي لطلاب الطب والأطباء المقيمين.
ثم إلى:
خبرة أردنية قابلة للنقل إلى المنطقة.
وهنا يتحول الإنجاز من نجاح طبي إلى بنية تحتية معرفية للطب الأردني.
تاسعًا: مستشفى الجامعة الأردنية كمنصة لصناعة المعرفة
إن المستشفى الجامعي لا ينبغي أن يكون مجرد مكان لعلاج المرضى.
وظيفته الأعمق أن يكون:
مستشفى + جامعة + مختبرًا للمعرفة + مدرسة للأجيال + مركزًا للابتكار.
وعندما تنجح مؤسسة جامعية في التعامل مع حالة نادرة بهذا المستوى من التعقيد، فإنها تمتلك فرصة علمية ينبغي ألا تضيع.
فالحالة يمكن أن تصبح:
بحثًا علميًا.
وتقريرًا سريريًا.
ومادة تدريبية.
ودراسة متعددة التخصصات.
وبروتوكولًا.
وقاعدة بيانات.
ومنصة للتدريب والمحاكاة.
وهكذا تتحول حياة طفل إلى معرفة قد تنقذ أطفالًا آخرين في المستقبل.
عاشرًا: الأردن من «توطين العلاج» إلى «توطين المعرفة»
التقدم الطبي الحقيقي لا يعني فقط أن يستطيع المريض الحصول على العلاج داخل وطنه.
بل يعني أن يستطيع الوطن إنتاج المعرفة التي يحتاج إليها لعلاج الحالات المعقدة.
وهذا فرق جوهري.
فتوطين العلاج:
يعني أن نعالج المريض في الأردن.
أما توطين المعرفة:
فيعني أن نمتلك القدرة على تشخيص الحالة، وفهمها، ووضع بروتوكول علاجها، وتدريب الأطباء عليها، والبحث فيها، ونشر المعرفة الناتجة عنها.
وهنا يكمن مستقبل الطب الأردني.
الحادي عشر: من السياحة العلاجية إلى الريادة الطبية
يمتلك الأردن سمعة طبية إقليمية مهمة.
لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مفهوم السياحة العلاجية إلى مفهوم أوسع هو:
الريادة الطبية الإقليمية.
والريادة لا تُبنى بالسمعة وحدها.
إنها تُبنى بالتميز في:
التخصصات الدقيقة.
والحالات النادرة.
والبحث العلمي.
والابتكار.
والتدريب.
والنشر الدولي.
والبنية المؤسسية.
والقدرة على إنتاج البروتوكولات.
وإذا نجح الأردن في بناء مراكز تميز متخصصة في مجالات محددة، فإن قدرته على المنافسة الطبية إقليميًا ستتضاعف.
الثاني عشر: العبقرية الطبية في بعدها الإنساني
إن عنوان هذه الموسوعة، «عباقرة الطب في خدمة الإنسانية»، لا يقصد بالعبقرية مجرد الذكاء أو المهارة التقنية.
العبقرية الطبية الحقيقية هي:
أن ترى ما لا يراه الآخرون.
وأن تتنبأ بما قد يحدث.
وأن تخطط قبل وقوع الأزمة.
وأن تجمع العلوم المختلفة حول حياة إنسان واحد.
وأن تحول المعرفة إلى فعل.
وأن تجعل المستحيل السريري قابلًا للمحاولة.
ثم أن تنقل ما تعلمته إلى الآخرين.
ولهذا فإن قيمة الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، لا تُختزل في أسماء المشاركين في عملية ناجحة، وإنما في النموذج العلمي والإنساني الذي قدموه عن الطبيب الأردني القادر على العمل ضمن منظومة متقدمة لخدمة الحياة.
الخلاصة الكبرى للفصل الأول
إن إنجاز مستشفى الجامعة الأردنية، بقيادة وتكامل خبرات الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، ينبغي ألا يبقى خبرًا طبيًا عابرًا.
إنه فرصة لإعادة تعريف معنى التقدم الطبي الأردني.
فالتقدم ليس في امتلاك الأجهزة فقط.
وليس في عدد العمليات.
وليس في كثرة التخصصات.
بل في القدرة على دمج المعرفة والتكنولوجيا والإنسان والخبرة والعمل الجماعي داخل منظومة واحدة قادرة على إنقاذ الحياة.
وهذا الإنجاز يقدم لنا معادلة يمكن أن تصبح إحدى ركائز تطوير الطب الأردني:
التشخيص المبكر
↓
المعرفة التخصصية
↓
التكامل متعدد التخصصات
↓
التخطيط الاستباقي
↓
التدخل الدقيق
↓
التوثيق العلمي
↓
التعليم والتدريب
↓
إنتاج المعرفة
↓
الريادة الطبية الإقليمية
إن هذه السلسلة هي التي تنقل الطب من الممارسة إلى العلم، ومن العلم إلى الابتكار، ومن الابتكار إلى الريادة.
ولذلك فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن نستخلصها من هذا الإنجاز هي:
لا يكفي أن يمتلك الأردن أطباء عباقرة؛ المطلوب أن يبني مؤسسات قادرة على تحويل عبقرية أطبائه إلى معرفة وطنية مستدامة، ومن المعرفة الوطنية إلى مرجعية إقليمية، ومن المرجعية الإقليمية إلى خدمة إنسانية عابرة للحدود.
وهنا يصبح إنقاذ طفل واحد أكثر من إنقاذ حياة.
يصبح إشارة إلى إمكانية بناء مستقبل طبي كامل.
فحين تستطيع مؤسسة أردنية أن تتعامل مع حالة نادرة بهذه الدرجة من التعقيد، فإن السؤال لم يعد:
هل يستطيع الطب الأردني أن يفعل ذلك؟
بل يصبح السؤال الأكثر طموحًا:
كم إنجازًا آخر يستطيع الطب الأردني أن يصنعه إذا منحناه المعرفة، والبحث، والدعم المؤسسي، والبيئة التي تستحقها كفاءاته؟
وهنا تبدأ مسؤوليتنا جميعًا.
لأن الطبيب يصنع الإنجاز، والمؤسسة تحفظه، والجامعة تدرّسه، والبحث العلمي يطوره، والوطن يحوّله إلى قوة معرفية، والإنسانية هي الغاية الأخيرة لكل ذلك.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
الفصل الأول: من إنقاذ حياة جنين إلى صناعة الريادة الطبية الأردنية
مستشفى الجامعة الأردنية يصنع إنجازًا طبيًا نوعيًا
الدكتور عقبة القرعان، الدكتورة لبنى الخريشة، الأستاذة الدكتورة إيمان بدران، الدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير
نموذج أردني في الطب الاستباقي، والتكامل التخصصي، وهندسة القرار الطبي لخدمة الإنسانية
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
مدخل الفصل: حين يصبح إنقاذ الحياة شهادةً على تطور أمة
في مسيرة الطب الإنساني، لا تُقاس قيمة الإنجازات الطبية الكبرى بعدد الأدوات التي استُخدمت في غرفة العمليات، ولا بعدد الدقائق التي استغرقها التدخل، وإنما بمدى قدرة الإنسان على توسيع حدود الممكن أمام الحياة.
ومن هذه الزاوية، فإن الإنجاز الطبي النوعي الذي حققه فريق متخصص في مستشفى الجامعة الأردنية، والمتمثل في تأمين مجرى التنفس لجنين يعاني انسدادًا خلقيًا كاملًا في الحنجرة والقصبة الهوائية أثناء الولادة القيصرية، وقبل فصله عن المشيمة، يمثل أكثر من نجاح جراحي بالغ التعقيد.
إنه حدث طبي يحمل دلالات علمية ومؤسسية ووطنية وإنسانية متشابكة.
فوراء لحظة التدخل الناجح منظومة كاملة من المعرفة: تشخيص جنيني دقيق، وتصوير متخصص، وتقدير للمخاطر، وتخطيط للولادة، وتكامل بين تخصصات متعددة، وإدارة للزمن الحيوي، واستعداد للتعامل مع واحدة من أكثر اللحظات حساسية في حياة الإنسان.
وقد شارك في تقييم الحالة ووضع الخطة الطبية والجراحية وتنفيذها فريق ضم:
الدكتور عقبة القرعان، استشاري طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين؛
الدكتورة لبنى الخريشة، استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة؛
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران، استشاري أول خداج الأطفال؛
الدكتور عمر عبابنة، استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال؛
الدكتورة تهاني خضير، استشاري الأشعة التشخيصية للأطفال.
إن اجتماع هذه الخبرات في منظومة واحدة يقدم نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه الطب في القرن الحادي والعشرين: طبًّا لا ينتظر الأزمة، بل يتنبأ بها؛ ولا يعالج المشكلة بعد وقوعها فقط، بل يعيد تصميم المسار السريري بحيث تصبح فرص النجاة أعلى وأكثر أمانًا.
ومن هنا تبدأ القيمة الحقيقية لهذه التجربة.
المبحث الأول
الولادة بوصفها لحظةً طبيةً أعيدت هندستها
الولادة في الحالات الطبيعية انتقال فسيولوجي من الحياة داخل الرحم إلى الحياة المستقلة خارجه.
أما في هذه الحالة، فقد تحولت الولادة نفسها إلى عملية طبية عالية التخطيط.
فالجنين الذي يعاني انسدادًا خلقيًا كاملًا في مجرى التنفس لا يستطيع، بعد انفصاله عن المشيمة، أن يعتمد على التنفس الطبيعي عبر مجراه الهوائي.
وبذلك أصبح التحدي الطبي مركبًا:
كيف تتم الولادة؟
وكيف يُحافظ على الأكسجة؟
وكيف يُؤمَّن مجرى التنفس؟
وكيف تُدار هذه الإجراءات في نافذة زمنية قصيرة؟
الحل لم يكن انتظار الطفل حتى يولد كاملًا ثم محاولة إنقاذه، بل تم تصميم الولادة بحيث يُولد الطفل جزئيًا مع استمرار اتصاله بالمشيمة، بما يسمح باستمرار الأكسجة عبر الحبل السري، بينما يعمل الفريق على إنشاء مجرى تنفسي آمن.
وهنا تظهر إحدى أكثر الأفكار أهمية في الطب الحديث:
«هندسة اللحظة الحرجة».
فالطبيب لم يعد يتعامل فقط مع المرض، وإنما أصبح يعيد تنظيم الزمان والمكان والتتابع الإجرائي حول المرض.
وهذا شكل متقدم من التفكير السريري؛ لأن العلاج لم يعد مجرد إجراء منفصل، وإنما أصبح منظومة قرارات مترابطة.
المبحث الثاني
الدكتور عقبة القرعان: التشخيص الذي سبق الأزمة
تبدأ الإنجازات الطبية الكبرى غالبًا قبل غرفة العمليات بزمن طويل.
وفي هذه الحالة، كان التشخيص المبكر نقطة الانطلاق.
فقد جرى تحويل الحالة خلال الشهر السادس من الحمل، وبعد التقييم المتخصص بواسطة الدكتور عقبة القرعان أمكن تحديد طبيعة الانسداد الخلقي الكامل في مجرى التنفس، ثم تأكيد التشخيص بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي الجنيني.
وهنا تكمن قيمة التشخيص المتقدم.
إن الصورة الطبية ليست مجرد صورة.
إنها، عندما تُقرأ بواسطة عقل سريري قادر على الربط بين المعطيات، تتحول إلى أداة للتنبؤ وصناعة القرار.
وهذا يمثل انتقالًا من:
التشخيص الوصفي
إلى:
التشخيص التنبؤي.
ومن:
اكتشاف المرض
إلى:
توقع ما سيحدث عند الولادة والاستعداد له قبل حدوثه.
وهذه النقلة هي إحدى سمات الطب المتقدم.
المبحث الثالث
الدكتورة لبنى الخريشة: عندما تتحول المعرفة الجراحية إلى طريق للحياة
في اللحظة الأكثر حساسية، جاء دور تأمين مجرى التنفس.
فقد أجرت الدكتورة لبنى الخريشة التداخل الجراحي لتأمين مجرى هوائي للطفل من خلال إجراء فتحة رغاميّة ووضع أنبوب رغامي، بما أتاح للطفل البدء بالتنفس والاستجابة للتدخل، قبل استكمال عملية الولادة.
وهنا لا ينبغي النظر إلى الجراحة بوصفها حركة تقنية فحسب.
ففي الحالات عالية الخطورة، تصبح الجراحة قرارًا زمنيًا وفسيولوجيًا وأخلاقيًا في آن واحد.
فالخطأ في التوقيت قد يكون بالغ العواقب.
والتأخير قد يحول فرصة النجاة إلى خطر حقيقي.
أما النجاح فيعني أن المعرفة المتراكمة عبر سنوات من الدراسة والتخصص تتحول، خلال دقائق، إلى فعل يحمي حياة إنسان لم يبدأ بعد مسيرته خارج الرحم.
وهذه إحدى أجمل صور الطب الإنساني:
أن تتحول يد الطبيب إلى امتداد مباشر للعلم عندما تكون الحياة معلقة بين احتمالين.
المبحث الرابع
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران: رعاية الحياة بعد عبور العتبة الأولى
لا تنتهي مهمة الإنقاذ بمجرد تأمين مجرى التنفس.
فالطفل بعد هذه المرحلة يحتاج إلى رعاية دقيقة ومراقبة متخصصة ودعم فسيولوجي يتناسب مع حالته.
وهنا تظهر أهمية تخصص الخداج وحديثي الولادة.
إن انتقال الطفل من البيئة الرحمية إلى بيئة الرعاية الطبية يمثل مرحلة جديدة من التحدي، تحتاج إلى مراقبة التنفس والدورة الدموية والاستقرار الحيوي والاستجابة للعلاج.
وهذا يوضح أن الإنجاز لم يكن عملية جراحية منفردة، بل سلسلة متصلة من القرارات السريرية تبدأ بالتشخيص ولا تنتهي إلا باستقرار الطفل ووضع الخطة المستقبلية لعلاجه.
المبحث الخامس
الدكتور عمر عبابنة: التخدير والإنعاش كعلم لإدارة الهشاشة الحيوية
في الحالات الجراحية المعقدة عند حديثي الولادة، لا يكون التخدير تخصصًا مساعدًا بالمعنى التقليدي، وإنما يمثل أحد الأعمدة الأساسية في منظومة الإنقاذ.
فإدارة مجرى التنفس، والاستقرار الفيزيولوجي، والإنعاش، ودعم الوظائف الحيوية، والتعامل مع التغيرات الدقيقة خلال التدخل، كلها تتطلب معرفة متخصصة ودقيقة.
ومن هنا تبرز أهمية مشاركة الدكتور عمر عبابنة في منظومة التخطيط والتنفيذ.
إن الطب الحديث لم يعد ينظر إلى التخدير باعتباره مرحلة تسبق الجراحة، وإنما باعتباره علمًا مستقلًا لإدارة الوظائف الحيوية والمخاطر أثناء التدخل وبعده.
المبحث السادس
الدكتورة تهاني خضير: الصورة التي تحولت إلى معرفة
في الطب الحديث، أصبحت الأشعة جزءًا من عملية التفكير السريري، وليس مجرد مرحلة تشخيصية منفصلة.
فالتصوير الجنيني المتقدم يوفر معلومات تشريحية حاسمة تساعد الفريق على فهم طبيعة المشكلة، وتقدير مدى انسداد مجرى التنفس، وبناء خطة أكثر دقة.
وهنا تظهر قيمة التخصصات التي تعمل خلف المشهد.
فقد لا يرى المريض الصورة التشخيصية بوصفها «لحظة إنقاذ»، لكنها قد تكون في الواقع أحد أهم الأسباب التي جعلت الإنقاذ ممكنًا.
إن المعرفة التشخيصية الدقيقة تقلل مساحة المجهول.
وكلما تقلص المجهول، ازدادت قدرة الفريق على التخطيط.
وكلما تحسن التخطيط، ارتفعت قدرة الطب على إدارة المخاطر.
المبحث السابع
خمسة تخصصات... عقل طبي واحد
من أعمق الدروس التي تقدمها هذه الحالة أن الإنجاز الطبي الحديث لا يقوم على «البطل المنفرد».
إنه يقوم على الذكاء الجماعي للفريق الطبي.
لقد التقت في هذه التجربة تخصصات مختلفة، لكنها لم تعمل في جزر منفصلة.
بل عملت ضمن هدف واحد:
حماية حياة الجنين وتأمين انتقاله الآمن إلى الحياة خارج الرحم.
وهذا هو جوهر الطب التكاملي.
فالطبيب المتخصص يعرف مجاله بعمق.
لكن الفريق المتكامل يعرف كيف يجعل هذه المعارف تعمل معًا في اللحظة المناسبة.
ومن هنا فإن قوة المنظومة الطبية لا تقاس فقط بمستوى أفرادها، بل بمقدار قدرتها على خلق ذكاء مؤسسي جماعي.
المبحث الثامن
عشرون دقيقة... ولكن خلفها أشهر من التفكير
قد يبدو أن إجراءً جراحيًا استغرق نحو عشرين دقيقة هو إنجاز مرتبط بالسرعة.
لكن القراءة العلمية الأكثر دقة تكشف أن السرعة في غرفة العمليات غالبًا ما تكون نتيجة بطء محسوب في مرحلة الإعداد والتخطيط.
فكل دقيقة جراحية ناجحة تقف خلفها ساعات طويلة من التفكير والتحليل والتنسيق.
وكل إجراء سريع وآمن هو في الغالب ثمرة استعداد طويل.
ولهذا يمكن صياغة قاعدة في الطب عالي الخطورة:
السرعة الطبية الحقيقية لا تعني التعجل؛ إنها تعني أن تكون المنظومة قد فكرت مسبقًا في كل ما يمكن أن يحدث.
وهذا هو معنى الجاهزية السريرية.
المبحث التاسع
من إنقاذ طفل إلى تطوير الطب الأردني
هنا تنتقل أهمية الإنجاز من المستوى السريري إلى المستوى الوطني.
إن امتلاك الأردن فريقًا قادرًا على التعامل مع حالة جنينية نادرة ومعقدة يعني أن البلاد لا تمتلك فقط كوادر طبية جيدة، وإنما تمتلك قابلية لبناء مراكز تميز في تخصصات دقيقة.
لكن الإنجاز الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند التصفيق له.
بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لسؤال أكبر:
كيف نحول هذا النجاح إلى استراتيجية وطنية لتطوير الطب الأردني؟
والجواب يبدأ من تحويل التجربة إلى معرفة.
فالإنجاز يجب أن يُوثق.
والتوثيق يجب أن يتحول إلى بحث.
والبحث إلى بروتوكول.
والبروتوكول إلى تدريب.
والتدريب إلى قدرة مؤسسية.
والقدرة المؤسسية إلى مرجعية إقليمية.
وهنا يصبح الإنجاز الفردي لبنة في بناء منظومة صحية وطنية أكثر تقدمًا.
المبحث العاشر
من «توطين العلاج» إلى «توطين المعرفة»
ثمة فرق جوهري بين أن يستطيع بلد ما علاج مريض داخل حدوده، وبين أن يمتلك المعرفة العلمية التي تمكنه من تطوير العلاج وتعليمه وإنتاج المعرفة حوله.
توطين العلاج يعني:
أن يبقى المريض في وطنه.
أما توطين المعرفة فيعني:
أن تبقى الخبرة العلمية في وطنه أيضًا.
وهذا هو المستقبل الحقيقي للطب الأردني.
فالأردن بحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من نموذج:
نستقبل المعرفة الطبية
إلى نموذج:
ننتج المعرفة الطبية ونشارك فيها.
وهذه النقلة هي التي تصنع الدول الطبية الكبرى.
المبحث الحادي عشر
المستشفى الجامعي بوصفه مصنعًا للمعرفة
إن مستشفى الجامعة الأردنية يمتلك بحكم طبيعته الجامعية فرصة استراتيجية لا ينبغي إغفالها.
فالمستشفى الجامعي ليس مؤسسة علاجية فقط.
إنه مساحة تلتقي فيها:
الممارسة السريرية + التعليم الطبي + البحث العلمي + الابتكار + تدريب الأجيال.
ومن هنا ينبغي أن تتحول الحالات النادرة والمعقدة إلى مدارس علمية.
فكل حالة نادرة يمكن أن تصبح بحثًا.
وكل تجربة ناجحة يمكن أن تصبح بروتوكولًا.
وكل بروتوكول يمكن أن يصبح منهجًا تدريبيًا.
وكل منهج يمكن أن يصنع طبيبًا جديدًا قادرًا على تكرار النجاح وتطويره.
وهنا يتحول المستشفى من مكان لعلاج الإنسان إلى مؤسسة لصناعة مستقبل الطب.
المبحث الثاني عشر
نحو مراكز تميز أردنية للحالات النادرة
إن أحد الدروس الاستراتيجية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة هو أهمية بناء مراكز متخصصة للحالات النادرة والمعقدة.
فبدل أن تكون الخبرة موزعة، يمكن أن تتجمع في مراكز وطنية تُبنى حولها:
الخبرات.
والتجهيزات.
والبروتوكولات.
والبحث.
والتدريب.
وقواعد البيانات.
والشبكات الدولية.
وبذلك يستطيع الأردن أن يبني مراكز مرجعية إقليمية في تخصصات مختارة.
فالريادة لا تتطلب أن نكون الأفضل في كل شيء.
بل أن نكون متميزين عالميًا في مجالات محددة.
المبحث الثالث عشر
البعد الاقتصادي والاستراتيجي للتميز الطبي
إن الاستثمار في الطب عالي التخصص ليس إنفاقًا صحيًا فقط.
إنه استثمار في:
الاقتصاد المعرفي، ورأس المال البشري، والأمن الصحي، والبحث العلمي، والسياحة العلاجية، والسمعة الدولية للدولة.
كل حالة يمكن علاجها محليًا تعني تقليل الحاجة إلى العلاج خارج الوطن.
وكل تخصص نادر يتم تطويره محليًا يعني تراكم خبرة جديدة.
وكل طبيب يتدرب في بيئة متقدمة يصبح جزءًا من رأس المال المعرفي الوطني.
ومن هنا فإن دعم الطب المتقدم ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا تنمويًا وطنيًا وليس مجرد بند في الموازنة الصحية.
المبحث الرابع عشر
من السياحة العلاجية إلى الدبلوماسية الطبية
لقد عرف الأردن إقليميًا بتميز قطاعه الطبي واستقطابه للمرضى من دول مختلفة.
لكن المستقبل يمكن أن يفتح مفهومًا أوسع:
الدبلوماسية الطبية.
فعندما يأتي طبيب عربي أو إقليمي إلى الأردن للتدرب على تقنية متقدمة، فإن الأردن لا يقدم له علاجًا فقط؛ بل ينقل إليه معرفة.
وعندما يأتي فريق طبي للتدريب في مركز أردني متخصص، تتحول المؤسسة الطبية إلى منصة للتبادل العلمي.
وعندما تنشر تجربة أردنية في مجلة علمية دولية، يصبح الإنجاز جزءًا من المعرفة الإنسانية العالمية.
وهنا تتحول القوة الطبية إلى قوة ناعمة للدولة.
المبحث الخامس عشر
العبقرية الطبية: من الذكاء إلى المسؤولية
إن العبقرية الطبية، في المفهوم الذي تتبناه هذه الموسوعة، ليست مجرد ارتفاع مستوى الذكاء أو امتلاك مهارة جراحية نادرة.
العبقرية الطبية هي القدرة على الجمع بين:
العلم والدقة.
المعرفة والحدس السريري.
التكنولوجيا والإنسانية.
التخصص والعمل الجماعي.
الجرأة والمسؤولية.
الابتكار والانضباط.
فالطبيب العبقري لا يسأل فقط:
ماذا أستطيع أن أفعل؟
بل يسأل أيضًا:
كيف أفعله بأعلى درجة من الأمان؟
و:
كيف أحول ما تعلمته إلى معرفة يستفيد منها الآخرون؟
وهنا تتحول العبقرية من امتياز فردي إلى أمانة تجاه الإنسانية.
المبحث السادس عشر
الطفل الذي أصبح شاهدًا على مستقبل الطب الأردني
في نهاية هذه القصة يوجد طفل.
طفل لم يكن يعرف شيئًا عن التشخيص، ولا الجراحة، ولا الأجهزة، ولا الفريق الطبي.
لكنه أصبح محورًا لعملية علمية وإنسانية شديدة التعقيد.
لقد اجتمعت حول حياته مجموعة من العقول والخبرات.
وهذه هي الصورة الأصدق لمعنى الطب:
أن تتضافر المعرفة الإنسانية كلها حول حياة إنسان واحد.
وقد يكون هذا الطفل هو أكثر من مجرد ناجٍ من حالة نادرة.
قد يصبح، رمزيًا، شاهدًا على مرحلة جديدة في الطب الأردني:
مرحلة يصبح فيها التخصص الدقيق، والبحث، والتكامل، والتكنولوجيا، والإنسانية، أجزاء من منظومة واحدة.
الخاتمة
الإنجاز الذي يجب ألا ينتهي بانتهاء العملية
إن أعظم خطأ يمكن أن نرتكبه تجاه إنجاز طبي من هذا النوع هو أن نختصره في خبر صحفي أو صورة تذكارية أو كلمات تهنئة.
الإنجاز الحقيقي يبدأ بعد نجاح العملية.
فالسؤال العلمي ليس فقط:
كيف نجح الفريق؟
بل:
لماذا نجح؟
ما العوامل التي صنعت النجاح؟
كيف يمكن توثيقها؟
كيف يمكن تدريب الآخرين عليها؟
كيف يمكن تطويرها؟
كيف يمكن تحويلها إلى بروتوكول؟
وكيف يمكن أن تصبح هذه التجربة جزءًا من منظومة وطنية للتميز الطبي؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الإنجاز سيبقى لحظة مضيئة أم سيتحول إلى مسار تاريخي في تطور الطب الأردني.
ومن هنا فإنني، في إطار موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية، لا أقرأ تجربة مستشفى الجامعة الأردنية باعتبارها قصة نجاح سريري فحسب.
بل أقرأها باعتبارها رسالة إلى الأردن:
إن الاستثمار في الطبيب الأردني هو استثمار في مستقبل الوطن، وإن دعم التخصصات الدقيقة والبحث العلمي والمستشفيات الجامعية يمكن أن يحول الكفاءة الطبية الأردنية من قوة فردية إلى قوة مؤسسية، ومن قوة مؤسسية إلى مرجعية إقليمية، ومن مرجعية إقليمية إلى إسهام إنساني عالمي.
لقد أنقذ هذا الفريق حياة طفل.
لكن الإنجاز الأكبر الذي ينبغي أن نطمح إليه هو أن تتحول هذه التجربة إلى معرفة تنقذ أطفالًا آخرين، وتدريب يصنع أطباء آخرين، ومؤسسات أقوى، وأبحاث أكثر، وطب أردني أكثر قدرة على صناعة المستقبل.
وهنا تختصر فلسفة هذا الفصل في معادلة واحدة:
إنقاذ حياة
↓
توثيق المعرفة
↓
تطوير الممارسة
↓
تدريب الأجيال
↓
بناء التميز المؤسسي
↓
صناعة المرجعية الطبية
↓
خدمة الإنسانية
وهذا هو الفارق بين إنجاز طبي عظيم ومشروع حضاري طبي.
فالأول ينقذ إنسانًا.
أما الثاني فيبني قدرةً على إنقاذ الإنسان.
وفي كل مرة ينجح فيها العلم في توسيع مساحة الحياة، تكون الإنسانية هي المنتصر الأكبر.
توثيق أسماء الفريق الطبي
الدكتور عقبة القرعان
استشاري طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين.
الدكتورة لبنى الخريشة
استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران
استشاري أول خداج الأطفال.
الدكتور عمر عبابنة
استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
الدكتورة تهاني خضير
استشاري الأشعة التشخيصية للأطفال.
المؤسسة الطبية: مستشفى الجامعة الأردنية.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
الفصل الثاني
من الفريق الطبي إلى العقل الطبي المؤسسي
كيف تتحول الكفاءة الفردية إلى منظومة وطنية للابتكار والريادة؟
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
تمهيد: العبقرية التي لا تنتهي بانتهاء العملية
ليست العبقرية الطبية في قدرتها على إجراء عملية معقدة فحسب، وإنما في قدرتها على تحويل الموقف السريري الاستثنائي إلى معرفة قابلة للتعلم، والتطوير، والتكرار، والتوطين، ثم إلى نموذج مؤسسي يخدم أجيالًا من المرضى والأطباء.
ومن هنا فإن الإنجاز الذي حققه فريق مستشفى الجامعة الأردنية في التعامل مع انسداد مجرى الهواء الخِلقي الكامل لدى الجنين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثة طبية ناجحة وانتهت، بل باعتباره مؤشرًا على انتقال الطب الأردني من مستوى ممارسة المعرفة إلى مستوى صناعة المعرفة.
فالعملية الجراحية تنتهي في غرفة العمليات، أما المعرفة التي تنتج عنها فيمكن أن تستمر لعقود.
وهنا يكمن الفارق بين الإنجاز الطبي والريادة الطبية.
أولًا: من الطبيب العبقري إلى العقل الجماعي
اعتاد الخطاب الطبي والإعلامي أن يربط الإنجاز باسم طبيب واحد، لأن العقل البشري يميل إلى اختزال النجاح في بطل فرد.
غير أن الطب الحديث، وخصوصًا في الحالات النادرة والمعقدة، تجاوز نموذج "الطبيب المنقذ" إلى نموذج أكثر تطورًا هو:
العقل الطبي الجماعي.
في الحالة التي تعامل معها مستشفى الجامعة الأردنية، لم تكن المعرفة موزعة بصورة عشوائية، بل تكاملت تخصصات دقيقة في سلسلة واحدة من القرار:
طب الأم والجنين وجراحة الأجنة.
جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
طب حديثي الولادة.
التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
الأشعة التشخيصية للأطفال.
وقد شارك في هذا التكامل الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الطب المتقدم:
لا يتفوق الطب الحديث عندما يعرف الطبيب كل شيء، بل عندما يعرف كل اختصاص حدوده، ويعرف في الوقت ذاته كيف يستدعي معرفة الاختصاص الآخر في اللحظة المناسبة.
وهذا هو جوهر العمل الطبي متعدد التخصصات.
ثانيًا: هندسة القرار الطبي
في الحالات التقليدية قد يكون القرار الطبي خطيًا:
تشخيص ← علاج ← متابعة.
أما في الحالات شديدة التعقيد، فإن القرار يصبح أشبه بمنظومة هندسية:
اكتشاف مبكر ← تصوير دقيق ← تقدير المخاطر ← بناء سيناريوهات ← تشكيل فريق ← محاكاة القرار ← تدخل في اللحظة الحرجة ← إنعاش ← رعاية مركزة ← إعادة تقييم ← إعادة بناء الخطة العلاجية.
وهنا يتحول الطب من مجرد تطبيق بروتوكول إلى هندسة للقرار تحت ضغط الزمن والمخاطر.
فالجنين الذي يعاني انسدادًا كاملًا في مجرى الهواء لا يمنح الفريق الطبي رفاهية الخطأ أو التأجيل؛ لأن لحظة انفصاله عن المشيمة تعني الانتقال من بيئة يحصل فيها على الأكسجين عبر الحبل السري إلى ضرورة التنفس عبر مجرى هوائي مفتوح.
وبالتالي فإن نجاح التدخل يعتمد ليس فقط على مهارة الجراح، وإنما على التزامن الدقيق بين التشخيص، والتخدير، والجراحة، والإنعاش، وطب حديثي الولادة، والتصوير.
إنها عملية يمكن وصفها علميًا بأنها:
إدارة للزمن الحيوي قبل أن تكون إدارة للجراحة.
ثالثًا: قيمة التشخيص الذي يسبق الكارثة
من أهم الدروس التي يقدمها هذا الإنجاز أن التشخيص المبكر ليس مرحلة تمهيدية للعمل الطبي، بل قد يكون في بعض الحالات العلاج الأول للحياة.
لقد أتاح اكتشاف الانسداد الكامل لمجرى الهواء قبل الولادة بناء خطة للتدخل بدل انتظار حدوث الاختناق بعد الولادة.
وهنا تتجلى فلسفة الطب الاستباقي:
الطب التقليدي يتعامل مع المشكلة عندما تظهر؛ أما الطب المتقدم فيحاول أن يرى المشكلة قبل أن تصبح أزمة.
وهذه النقلة الفكرية شديدة الأهمية في تطوير النظام الصحي.
فكلما انتقلنا من:
رد الفعل → الاستباق
ومن:
العلاج → الوقاية
ومن:
التعامل مع الأزمة → هندسة السيناريو قبل الأزمة
اقتربنا من مفهوم الطب المستقبلي.
رابعًا: المستشفى الجامعي ليس مبنى للعلاج
إن أعظم خطأ يمكن أن تقع فيه المؤسسات الصحية هو اختزال المستشفى الجامعي في عدد الأسرة أو غرف العمليات أو الأجهزة.
المستشفى الجامعي الحقيقي هو منظومة تتقاطع فيها أربعة أدوار:
العلاج + التعليم + البحث + الابتكار.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن فقط في إنقاذ طفل، وإنما في السؤال الذي ينبغي أن يأتي بعد الإنجاز:
ماذا سيتعلم الطب الأردني من هذه الحالة؟
هل ستتحول إلى:
بروتوكول وطني للحالات المشابهة؟
مادة تدريبية للأطباء المقيمين؟
سيناريو لمحاكاة طبية؟
دراسة علمية؟
قاعدة بيانات للحالات النادرة؟
برنامج تدريب متعدد التخصصات؟
نموذج لتطوير مراكز متخصصة؟
تعاون بحثي إقليمي؟
إذا حدث ذلك، فإن الطفل الذي جرى إنقاذه لن يكون مجرد قصة نجاح، بل سيصبح مصدرًا لمعرفة طبية جديدة.
خامسًا: من الحالة النادرة إلى رأس مال معرفي وطني
الحالات النادرة تحمل قيمة معرفية استثنائية.
فهي تجبر المؤسسة الطبية على التفكير خارج البروتوكولات المعتادة، وتدفع التخصصات المختلفة إلى التعاون، وتكشف نقاط القوة والضعف في النظام الصحي.
ولهذا ينبغي ألا تُغلق الحالة النادرة بمجرد خروج المريض من المستشفى.
بل ينبغي أن تبدأ بعدها مرحلة أخرى:
مرحلة استخراج المعرفة.
وهنا أقترح مفهومًا يمكن أن يشكل محورًا في تطوير الطب الأردني:
"اقتصاد المعرفة السريرية"
أي أن كل حالة معقدة تُحوَّل إلى معرفة قابلة للتراكم.
الحالة الأولى تنتج خبرة.
والخبرة الثانية تنتج نمطًا.
والخبرات المتراكمة تنتج بروتوكولًا.
والبروتوكولات تنتج مركز تميز.
ومراكز التميز تنتج مدرسة طبية.
والمدرسة الطبية تنتج قيادة إقليمية.
وهكذا يتحول الإنجاز الفردي إلى رأس مال معرفي وطني.
سادسًا: العبقرية الطبية ليست سرعة اليد فقط
ثمة تصور شائع للعبقرية الطبية يربطها بالمهارة الجراحية والقدرة التقنية.
لكن العبقرية الحقيقية أوسع من ذلك.
إنها تتكون من خمسة مستويات متكاملة:
1. عبقرية التشخيص
القدرة على اكتشاف ما قد لا يكون ظاهرًا.
2. عبقرية التنبؤ
القدرة على تصور ما سيحدث إذا لم يتم التدخل.
3. عبقرية القرار
اختيار التدخل المناسب في اللحظة المناسبة.
4. عبقرية التكامل
استدعاء التخصص المناسب وإدارة المعرفة الجماعية.
5. عبقرية ما بعد الإنجاز
تحويل التجربة إلى معرفة وتعليم وبحث وتطوير.
ومن هنا:
الطبيب المتميز ينقذ مريضًا؛ أما الطبيب العبقري مؤسسيًا فيجعل إنقاذ المريض ممكنًا مرة بعد أخرى، وعلى أيدي أطباء آخرين من بعده.
سابعًا: الفريق الطبي بوصفه "جهازًا معرفيًا"
يمكن النظر إلى الفريق الطبي متعدد التخصصات باعتباره جهازًا معرفيًا مركبًا.
فكل عضو لا يحمل فقط اختصاصه، وإنما يحمل جزءًا من الصورة الكلية.
الدكتور عقبة القرعان يلتقط المشكلة من زاوية طب الأم والجنين وجراحة الأجنة.
والدكتورة لبنى الخريشة تحمل المعرفة الجراحية المتعلقة بمجرى الهواء.
والأستاذة الدكتورة إيمان بدران تتولى المعرفة المتخصصة في رعاية حديثي الولادة.
والدكتور عمر عبابنة يدير جانب التخدير والإنعاش والعناية المركزة وتخدير الأطفال.
والدكتورة تهاني خضير توفر المعرفة التشخيصية التصويرية الدقيقة.
لكن القيمة الكبرى لا توجد في هذه المعارف منفردة.
إنها تظهر عندما تتصل هذه المعارف ببعضها في لحظة قرار واحدة.
وهذا هو ما يمكن تسميته:
الذكاء التخصصي المتكامل.
ثامنًا: إدارة "اللحظة الحرجة"
في بعض العمليات لا تكون المشكلة في ندرة الأدوات فقط، وإنما في ضيق الزمن.
وهنا تصبح الدقيقة وحدةً من وحدات العلاج.
في هذا النوع من الحالات، لا يكفي أن يعرف الطبيب ماذا يفعل.
بل يجب أن يعرف:
متى يفعل؟
وهذا فارق جوهري.
فالقرار الصحيح إذا اتُّخذ في التوقيت الخاطئ قد يصبح قرارًا غير صحيح.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة في الطب عالي الخطورة:
دقة التوقيت جزء من دقة العلاج.
ولهذا فإن نجاح التدخل قبل اكتمال انفصال الطفل عن المشيمة يمثل نموذجًا لإدارة اللحظة الحيوية الحرجة، حيث تم الحفاظ على الاتصال بالحبل السري إلى حين تأمين مجرى الهواء.
وقد استغرق الإجراء نحو عشرين دقيقة وفق الإعلان المنشور عن العملية، قبل نقل الطفل إلى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة.
لكن اختزال الإنجاز في "عشرين دقيقة" يخفي الحقيقة الأعمق:
العشرون دقيقة هي قمة جبل المعرفة؛ وليست الجبل كله.
فخلفها تشخيص، وتصوير، وتخطيط، وتنسيق، وتجهيز، وتوزيع أدوار، وتقدير للمخاطر.
تاسعًا: من الخبرة الشخصية إلى البروتوكول المؤسسي
أخطر ما يمكن أن يحدث للإنجاز الطبي أن يبقى في ذاكرة الأشخاص الذين صنعوه.
فالخبرة التي لا تُوثق قد تموت بمغادرة صاحبها.
أما الخبرة التي تُوثق وتُدرّس وتُحاكى وتُقاس، فإنها تتحول إلى مؤسسة.
ومن هنا فإن المرحلة التالية التي ينبغي أن ترافق مثل هذه الإنجازات هي بناء:
"بروتوكولات وطنية للحالات فائقة الندرة."
ويشمل ذلك:
توثيق الحالة.
تحليل القرارات.
تحديد المخاطر.
توثيق أدوار أعضاء الفريق.
تحليل الزمن الطبي.
تقييم النتائج.
بناء سيناريوهات بديلة.
تطوير برامج المحاكاة.
تدريب الفرق المستقبلية.
نشر المعرفة علميًا.
وبذلك تتحول التجربة من نجاح حدث مرة واحدة إلى قدرة وطنية قابلة للتكرار.
عاشرًا: من توطين العلاج إلى توطين المعرفة
لقد كان توطين العلاج هدفًا مهمًا للأنظمة الصحية العربية؛ أي أن يحصل المواطن على العلاج المتقدم داخل بلده بدل اضطراره للسفر.
لكن المستقبل يتطلب هدفًا أعمق:
توطين المعرفة.
فالمطلوب ليس فقط أن نستطيع إجراء العملية في الأردن.
بل أن نمتلك:
المعرفة اللازمة لتشخيصها.
الكوادر القادرة على تنفيذها.
البروتوكولات المنظمة لها.
مراكز التدريب المتخصصة.
قواعد البيانات.
القدرة على البحث والنشر.
القدرة على تعليم الآخرين.
عندها يصبح الأردن ليس مستوردًا للمعرفة الطبية، بل منتجًا لها.
الحادي عشر: الإنجاز الطبي بوصفه قوة ناعمة للأردن
حين يصل الطب إلى مستوى متقدم من الكفاءة، فإنه لا يخدم المريض وحده، بل يضيف إلى القوة الناعمة للدولة.
فالطبيب الذي ينقذ حياة إنسان من بلد آخر، والمؤسسة التي تستقبل الحالات المعقدة، والجامعة التي تنتج المعرفة، والمركز الذي يدرب أطباء من المنطقة؛ كلها أدوات لصناعة الثقة الدولية.
ومن هنا يمكن أن يتحول التميز الطبي الأردني إلى:
دبلوماسية إنسانية قائمة على المعرفة.
فبدل أن تكون الرسالة:
"تعالوا إلينا لأن لدينا مستشفيات."
تصبح:
"تعالوا إلينا لأن لدينا معرفة، وخبرة، وأطباء، ومراكز تميز، ونظامًا قادرًا على التعامل مع الحالات المعقدة."
وهذا انتقال استراتيجي بالغ الأهمية.
الثاني عشر: نحو مراكز أردنية للتميز في الحالات النادرة
إن الحالات النادرة والمعقدة لا ينبغي أن تظل موزعة بين مؤسسات مختلفة دون إطار وطني.
بل يمكن أن تكون هذه التجارب نواة لإنشاء مراكز تميز متخصصة في مجالات مثل:
طب الأجنة وجراحة الأجنة.
تشوهات مجرى الهواء الخِلقية.
جراحات الأطفال فائقة التعقيد.
أمراض حديثي الولادة عالية الخطورة.
الطب التداخلي متعدد التخصصات.
ويجب ألا تُقاس هذه المراكز بعدد العمليات فقط، وإنما بمؤشرات أكثر عمقًا:
النتائج السريرية + البحث العلمي + التدريب + الابتكار + نقل المعرفة + التعاون الدولي.
وهنا يصبح المركز الطبي مدرسة علمية وليس مجرد مكان للعلاج.
الثالث عشر: الدرس الأكبر للأجيال الطبية القادمة
إن أعظم رسالة يحملها هذا الإنجاز إلى الطبيب الشاب ليست:
"كن ماهرًا في تخصصك."
بل:
كن قادرًا على العمل داخل منظومة معرفية أكبر منك.
فالطب المعاصر لم يعد بطولة فردية.
إنه شبكة من العقول.
والطبيب الذي يرفض العمل الجماعي قد يمتلك معرفة عميقة، لكنه يظل محدود الأثر.
أما الطبيب الذي يستطيع أن يدمج معرفته مع معرفة الآخرين، فإنه يرفع قدرة المؤسسة بأكملها.
وهذا هو الانتقال من:
الذكاء الفردي → الذكاء الجماعي → الذكاء المؤسسي.
الرابع عشر: العبقرية عندما تصبح ثقافة
الإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد العباقرة الموجودين في مؤسسة ما، وإنما بقدرتها على إنتاج بيئة تسمح للعبقرية بالظهور والاستمرار.
فالعبقرية تحتاج إلى:
حرية التفكير.
ثقافة علمية.
قيادة داعمة.
فرق متعددة التخصصات.
تدريب مستمر.
بنية تحتية.
بحث علمي.
محاكاة.
توثيق.
تقييم نقدي.
قبول التعلم من الأخطاء.
ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان الطبي لا ينبغي أن يقتصر على المؤتمرات والدورات.
بل يجب أن يتحول إلى استراتيجية وطنية لبناء العقل الطبي الأردني.
الخامس عشر: من إنقاذ حياة إلى بناء حضارة
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد عملية لإنقاذ طفل.
لكن الحضارات لا تُبنى فقط بالمشروعات الضخمة.
إنها تُبنى أيضًا عندما تتراكم آلاف اللحظات التي يثبت فيها الإنسان أنه قادر على تحويل العلم إلى حياة.
كل طفل يُنقذ هو قيمة إنسانية.
وكل طبيب يتعلم هو قيمة معرفية.
وكل بروتوكول يُنتج هو قيمة مؤسسية.
وكل بحث يُنشر هو قيمة علمية.
وكل طبيب شاب يتدرب على حالة معقدة هو استثمار في المستقبل.
ومن هنا فإن العملية الطبية الناجحة يمكن أن تكون خلية صغيرة في مشروع حضاري واسع.
الخلاصة الموسوعية
إن إنجاز مستشفى الجامعة الأردنية، بمشاركة الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، يقدم نموذجًا غنيًا لما ينبغي أن يكون عليه الطب الأردني في مرحلته القادمة.
ليس المطلوب أن نحتفي بالإنجاز ثم نغادره.
المطلوب أن نسأل:
كيف نجعل من هذا الإنجاز مدرسة؟
كيف نحوله إلى بروتوكول؟
كيف نجعله مادة تدريب؟
كيف نستخرج منه بحثًا علميًا؟
كيف نبني عليه مركز تميز؟
كيف ننقل خبرته إلى أطباء المستقبل؟
وكيف نجعل من الحالة النادرة فرصة لتوسيع حدود المعرفة الطبية الأردنية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كنا أمام عملية ناجحة أم أمام لحظة تأسيس في تاريخ الطب الأردني.
الرسالة الفكرية للفصل
العبقرية الطبية لا تُقاس فقط بقدرة الطبيب على إنقاذ حياة، بل بقدرته والمؤسسة التي يعمل فيها على تحويل لحظة الإنقاذ إلى معرفةٍ تُنقذ حياةً أخرى، ثم إلى علمٍ يُعلَّم، وبروتوكولٍ يُعمَّم، ومدرسةٍ تستمر بعد غياب أصحابها.
وهنا تبدأ الريادة الحقيقية.
فحين يتحول الطبيب من ممارس للمعرفة إلى منتج للمعرفة، ويتحول المستشفى من مكان للعلاج إلى مصنع للعلم، وتتحول الحالة النادرة من استثناء سريري إلى منصة للتعلم والابتكار، فإننا لا نكون أمام تطور في الطب فحسب، بل أمام تطور في قدرة الأمة على إنتاج مستقبلها الصحي بنفسها.
وهذا هو المعنى الأعمق للعبقرية الطبية في خدمة الإنسانية.
توثيق الفريق الطبي في هذا الفصل
الدكتور عقبة القرعان
استشاري طب الأم والجنين وجراحة الأجنة.
الدكتورة لبنى الخريشة
استشارية جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران
استشارية أولى في طب حديثي الولادة ورعاية الأطفال الخدّج.
الدكتور عمر عبابنة
استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
الدكتورة تهاني خضير
استشارية الأشعة التشخيصية للأطفال.
المؤسسة الطبية: مستشفى الجامعة الأردنية.
المشروع الموسوعي: موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية.
المؤلف: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
الفصل الثالث والأخير
من الإنجاز السريري إلى صناعة المستقبل الطبي
مستشفى الجامعة الأردنية نموذجًا للعبقرية المؤسسية والريادة الأردنية في خدمة الإنسانية
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
تمهيد: الإنجاز الذي يتجاوز حدود العملية
ليست قيمة الإنجاز الطبي في أن تنجح عملية معقدة فحسب، وإنما في أن تتحول لحظة النجاح إلى معرفةٍ قابلة للتراكم، ومنهجٍ قابل للتعليم، وخبرةٍ قابلة للتكرار، وابتكارٍ قادر على خدمة أجيال قادمة.
وهذا هو المعنى الأعمق للإنجاز النوعي الذي حققه فريق مستشفى الجامعة الأردنية في التعامل مع حالة الانسداد الخِلقي الكامل لمجرى الهواء لدى الجنين؛ حيث تضافرت تخصصات طب الأم والجنين، وجراحة الأنف والأذن والحنجرة، وطب حديثي الولادة، والتخدير والإنعاش، والأشعة التشخيصية، لتأمين مجرى الهواء قبل اكتمال الولادة، في تدخل أُعلن عنه باعتباره الأول من نوعه على مستوى المملكة والمنطقة.
إن العملية انتهت، لكن المعرفة التي أنتجتها يجب ألا تنتهي.
أولًا: من بطولة الطبيب إلى عبقرية الفريق
يكشف هذا الإنجاز أن الطب الحديث لم يعد بطولة فردية، بل أصبح ذكاءً جماعيًا تتكامل فيه التخصصات حول قرار إنساني واحد.
فالدكتور عقبة القرعان مثّل دقة التشخيص والتنبؤ؛ والدكتورة لبنى الخريشة مثّلت القدرة الجراحية على تأمين مجرى الهواء؛ والأستاذة الدكتورة إيمان بدران مثّلت خبرة رعاية حديثي الولادة؛ والدكتور عمر عبابنة مثّل إدارة التخدير والإنعاش والعناية الحرجة؛ والدكتورة تهاني خضير أسهمت في بناء الصورة التشخيصية الدقيقة.
وهنا تتجسد قاعدة جوهرية:
الطبيب المتميز يمتلك معرفة عميقة؛ أما الفريق المتميز فيحوّل تعدد المعارف إلى قدرة واحدة على إنقاذ الحياة.
ثانيًا: هندسة الزمن الحيوي
في الحالات فائقة الخطورة لا تكفي معرفة ماذا نفعل؟ بل يصبح السؤال الحاسم:
متى نفعل؟
لقد تطلبت الحالة تأمين مجرى الهواء في اللحظة التي ظل فيها الجنين متصلًا بالمشيمة، بما يسمح باستمرار الأكسجة عبر الحبل السري إلى حين تأمين الطريق التنفسي. واستغرق التدخل نحو عشرين دقيقة وفق التقرير المنشور عن الحالة.
وهذا يكشف مفهومًا بالغ الأهمية في الطب المتقدم:
التوقيت ليس عنصرًا خارج العلاج؛ بل جزء من العلاج نفسه.
ومن هنا يتحول القرار الطبي إلى هندسة دقيقة للزمن والمخاطر والموارد.
ثالثًا: من الحالة النادرة إلى المعرفة الوطنية
الحالة النادرة لا ينبغي أن تنتهي بخروج المريض من المستشفى.
بل يجب أن تبدأ بعدها مرحلة جديدة:
التوثيق → التحليل → البحث → المحاكاة → التدريب → البروتوكول → الابتكار.
فإذا بقيت الخبرة في ذاكرة أفراد الفريق، فقد تفقد المؤسسة جزءًا من رأس مالها المعرفي.
أما إذا تحولت إلى بحث علمي، وبروتوكول تدريبي، وسيناريو محاكاة، وقاعدة معرفة، فإنها تصبح ذاكرة وطنية قابلة للتراكم.
وهنا ينتقل الطب من:
توطين العلاج
إلى:
توطين المعرفة والابتكار.
رابعًا: المستشفى الجامعي مصنعٌ للمعرفة
المستشفى الجامعي الحقيقي ليس مكانًا للعلاج فقط.
إنه منظومة متكاملة:
علاج + تعليم + بحث + ابتكار.
ولهذا فإن قيمة الإنجاز في مستشفى الجامعة الأردنية لا ينبغي أن تقاس فقط بنجاح التدخل، بل بما يمكن أن ينتج عنه من:
أبحاث علمية.
برامج تدريب.
محاكاة للحالات الحرجة.
بروتوكولات وطنية.
مراكز تميز.
تعاون علمي إقليمي ودولي.
فكل حالة استثنائية يمكن أن تكون مختبرًا لتطوير الطب.
خامسًا: من توطين العلاج إلى صناعة الريادة
إن الطموح الطبي الأردني ينبغي ألا يتوقف عند قدرة المريض على تلقي العلاج داخل الأردن.
المرحلة الأرقى هي أن يصبح الأردن قادرًا على إنتاج المعرفة التي يحتاجها الآخرون.
وهذا يتطلب بناء مراكز تميز في الحالات المعقدة، وقواعد بيانات للحالات النادرة، وبرامج محاكاة متقدمة، وشراكات بحثية دولية، وربط المستشفيات الجامعية بمؤسسات البحث والابتكار.
عندها يصبح الأردن:
وجهة للعلاج، ومركزًا للتدريب، ومنصة للبحث، ومصدرًا للمعرفة الطبية.
وهذه هي الريادة التي تستحق أن تُبنى عليها استراتيجية وطنية.
سادسًا: الطبيب الذي يصنع المستقبل
الطبيب المستقبلي ليس من يحفظ أكبر قدر من المعلومات فقط، وإنما من يستطيع أن:
يشخّص، ويتنبأ، ويحلل، ويتعاون، ويبحث، ويبتكر، ويعلّم.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والهندسة الحيوية إلى قلب الممارسة الطبية، سيزداد احتياجنا إلى طبيب يجمع بين ذكاء التقنية وحكمة الإنسان.
فالآلة تستطيع أن تحلل البيانات، لكنها لا تحمل وحدها المسؤولية الأخلاقية عن القرار.
ولهذا ستظل إنسانية الطبيب جزءًا من جوهر المهنة مهما تطورت التكنولوجيا.
سابعًا: الطب بوصفه قوة ناعمة للأردن
حين تتحول الخبرة الطبية إلى معرفة، والمعرفة إلى تميز، والتميز إلى مرجعية إقليمية، يصبح الطب أحد أدوات القوة الناعمة للدولة.
فالمرضى الذين يأتون للعلاج، والأطباء الذين يأتون للتدريب، والباحثون الذين يتعاونون مع المؤسسات الأردنية، جميعهم يشكلون جسورًا علمية وإنسانية تتجاوز الحدود.
وهكذا يمكن أن ينتقل الأردن من مفهوم:
السياحة العلاجية
إلى مفهوم أوسع:
الدبلوماسية الطبية والمعرفية.
ثامنًا: العبقرية التي تستمر بعد أصحابها
إن التكريم الحقيقي للأطباء لا يكون فقط بتوثيق أسمائهم، وإنما بتحويل إنجازاتهم إلى إرث مؤسسي.
فالإنجاز الذي يموت مع صاحبه يصنع ذكرى.
أما الإنجاز الذي يتحول إلى علم وتدريب وبروتوكول ومدرسة طبية، فإنه يصنع تاريخًا.
ولهذا فإن أسماء الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، ينبغي أن تُقرأ في سياق أوسع: سياق تطور العقل الطبي الأردني وقدرته على العمل الجماعي وصناعة الحلول في الحالات شديدة التعقيد.
الخاتمة: من إنقاذ حياة إلى بناء حضارة
إن الطفل الذي أُنقذت حياته لم يكن مجرد حالة طبية.
كان اختبارًا لقدرة العلم على مواجهة المستحيل.
وكان فريقه الطبي نموذجًا لما يمكن أن يفعله العقل الجماعي عندما تتكامل المعرفة حول قيمة إنسانية واحدة: الحياة.
ومن هنا فإن الرسالة الأعمق لهذا الجزء من الموسوعة هي:
لا تُقاس نهضة الطب بعدد العمليات الناجحة فقط، بل بقدرته على تحويل النجاح إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى مدرسة، والمدرسة إلى إرث يخدم الإنسان.
وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الطب الأردني:
من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها،
ومن استيراد الابتكار إلى صناعته،
ومن توطين العلاج إلى توطين المعرفة،
ومن الإنجاز الفردي إلى التميز المؤسسي،
ومن الريادة المحلية إلى الحضور الإقليمي والدولي.
فالأطباء يرحلون، والأجيال تتعاقب، لكن العلم الذي نؤسسه اليوم يمكن أن يبقى.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال:
"هل نجحنا في إنقاذ هذه الحياة؟"
بل السؤال الأكبر:
"ماذا سنبني من المعرفة التي أنقذت هذه الحياة؟"
وهنا تحديدًا تتحول العبقرية الطبية من إنجاز عابر إلى مشروع حضاري لخدمة الإنسانية.
الحكمة الختامية للجزء الأول
الطبيب العظيم ينقذ حياة؛ والطبيب العبقري يضيف إلى العلم؛ أما الطبيب الذي يصنع التاريخ فهو الذي يحوّل إنقاذ الحياة إلى معرفة، والمعرفة إلى مدرسة، والمدرسة إلى إرثٍ يبقى بعد غياب أصحابها في خدمة الإنسان.
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
المؤلف:
العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
الكلمة الختامية للجزء الأول
حين ينتصر العلم للحياة
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
لم نكتب هذا الجزء احتفاءً بإنجازٍ طبي، بقدر ما كتبناه احتفاءً بالعقل الذي يجعل من العلم فعلًا لإنقاذ الإنسان.
فالطب في أرقى صوره ليس معرفةً بالمرض، بل معرفةٌ بالإنسان حين يكون أكثر هشاشة؛ وليس انتصارًا على الموت، بل انحيازًا للحياة.
لقد كشفت لنا تجربة مستشفى الجامعة الأردنية أن العبقرية لا تسكن عقلًا منفردًا؛ إنها تولد حين تتآلف عقول متعددة حول غاية واحدة، وحين تتحول الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى إرث تتناقله الأجيال.
إن أعظم إنجاز للطبيب ليس أن يُنقذ حياةً فحسب، وإنما أن يترك وراءه علمًا يجعل إنقاذ الحياة ممكنًا لمن يأتي بعده.
ومن هنا، فإننا لا نريد للطب الأردني أن يكون مستهلكًا للمعرفة، بل صانعًا لها؛ ولا أن يكتفي بتوطين العلاج، بل أن يؤسس لتوطين المعرفة والابتكار والريادة.
فالأمم لا تُقاس بما تملك من مستشفيات فقط، وإنما بما تستطيع أن تمنحه للإنسان عندما يصبح الألم أقوى من قدرته على الاحتمال.
إن الطبيب الذي ينقذ إنسانًا يحفظ حياة؛
والطبيب الذي يصنع معرفةً يحفظ مستقبلًا؛
أما الطبيب الذي يوحّد العلم والضمير، فإنه يترك أثرًا في تاريخ الإنسانية.
ولهذا نختتم الجزء الأول من «موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية» لا بنقطة، بل بعهد:
أن يبقى الإنسان غاية العلم، وأن تبقى الحياة أقدس ثماره، وأن تتحول العبقرية الطبية من إنجازٍ عابر إلى معرفةٍ باقية، ومن معرفةٍ باقية إلى حضارةٍ تحمي الإنسان.
فحين يتحالف العقل مع الرحمة، لا يعود الطب علاجًا للمرض فحسب؛ بل يصبح أحد أرقى أشكال انتصار الإنسان على هشاشته.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
مستشفى الجامعة الأردنية يصنع إنجازًا نوعيًا في الطب الأردني
د. عقبة القرعان، د. لبنى الخريشة، أ.د. إيمان بدران، د. عمر عبابنة، ود. تهاني خضير
من إنقاذ مجرى التنفس لجنين أثناء الولادة إلى بناء نموذج أردني متقدم للطب التكاملي وصناعة المعرفة الطبي
( الجزء الاول )
مدخل الفصل: حين تتحول الكفاءة الطبية إلى إنجاز وطني
في تاريخ الطب، توجد لحظات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نجاحًا سريريًا منفردًا، لأن دلالتها الحقيقية تتجاوز المريض والحالة والإجراء إلى المؤسسة والمنظومة والوطن ومستقبل المعرفة الطبية.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الإنجاز الذي حققه الفريق الطبي المتخصص في مستشفى الجامعة الأردنية أهمية استثنائية؛ إذ نجح الفريق، وفق ما أُعلن، في تأمين مجرى التنفس لجنين يعاني انسدادًا خلقيًا كاملًا في الحنجرة والقصبة الهوائية أثناء الولادة القيصرية وقبل فصله عن المشيمة، في إنجاز وُصف بأنه الأول من نوعه على مستوى المملكة والمنطقة.
وقد شارك في تقييم الحالة ووضع الخطة وتنفيذها كل من:
الدكتور عقبة القرعان
استشاري طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين،
الدكتورة لبنى الخريشة
استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة،
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران
استشاري أول خداج الأطفال،
الدكتور عمر عبابنة
استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال،
الدكتورة تهاني خضير
استشاري الأشعة التشخيصية للأطفال.
إن أهمية هؤلاء الأطباء لا تكمن فقط في مشاركتهم في إجراء طبي بالغ التعقيد، وإنما في أنهم قدموا نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتكامل المعرفة التخصصية مع التخطيط المؤسسي والعمل الجماعي والقرار السريري الاستباقي.
وهنا تبدأ القيمة الموسوعية لهذا الإنجاز.
فالقصة ليست قصة طفلٍ أُنقذت حياته فحسب؛ إنها قصة طب أردني استطاع أن يرفع سقف الممكن.
أولًا: من الحالة النادرة إلى المؤشر الحضاري لتطور الطب
إن الدول المتقدمة طبيًا لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأجهزة أو الأطباء، وإنما بقدرتها على التعامل مع الحالات التي تتطلب مستويات استثنائية من المعرفة والتنسيق والدقة.
الحالات النادرة تمثل، في هذا السياق، اختبارًا حقيقيًا لنضج النظام الصحي؛ لأنها لا تسمح بالاعتماد على الحلول الروتينية.
والحالة التي تعامل معها فريق مستشفى الجامعة الأردنية تمثل نموذجًا واضحًا لذلك.
فوجود انسداد خلقي كامل في مجرى التنفس يجعل لحظة الولادة لحظة حرجة للغاية؛ إذ يصبح الانتقال من الاعتماد على الأكسجة عبر المشيمة إلى التنفس المستقل تحديًا وجوديًا.
لذلك لم يكن الحل مجرد «إجراء جراحي»، وإنما كان إعادة تصميم للولادة نفسها باعتبارها حدثًا طبيًا عالي الخطورة يحتاج إلى هندسة دقيقة للزمن والمخاطر والتدخل.
ثانيًا: عبقرية التشخيص المبكر
بدأت القصة قبل غرفة العمليات.
فقد أُحيلت الحالة إلى مستشفى الجامعة الأردنية خلال الشهر السادس من الحمل، وبعد تقييمها بواسطة الدكتور عقبة القرعان تم الاشتباه بالانسداد الخلقي الكامل في مجرى التنفس، ثم جرى تأكيد التشخيص بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي الجنيني.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الطب الحديث:
التشخيص لم يعد وصفًا للمرض، بل أصبح أداة لصناعة القرار.
فالفرق بين الطب التقليدي والطب الاستباقي أن الأول قد ينتظر ظهور الأزمة، بينما يسعى الثاني إلى اكتشاف الأزمة قبل وقوعها وتصميم الاستجابة قبل الوصول إليها.
وهذا بالضبط ما حدث.
لقد تحول التشخيص المبكر إلى خطة ولادة.
وتحولت الصورة التشخيصية إلى قرار جراحي.
وتحولت المعرفة المسبقة بالمشكلة إلى فرصة لإنقاذ الحياة.
ثالثًا: المشيمة كجسر زمني للحياة
ربما تكمن أكثر النقاط إثارة للاهتمام علميًا في الطريقة التي صُممت بها الولادة.
فقد جرى توليد الطفل بصورة جزئية مع إبقاء جزء منه داخل الرحم واستمرار اتصاله بالمشيمة، بما حافظ على تزويده بالأكسجين عبر الحبل السري، وأتاح للفريق تأمين مجرى التنفس قبل إتمام الولادة.
وهنا تتحول المشيمة من مفهوم تشريحي إلى عنصر في هندسة الإنقاذ الطبي.
لقد تم استثمار الوظيفة الفسيولوجية الطبيعية للمشيمة لتوفير نافذة زمنية آمنة نسبيًا، تسمح بإجراء التدخل قبل انتهاء الدعم الجنيني.
وهذا يقودنا إلى مفهوم بالغ الأهمية في الطب عالي الخطورة:
إدارة الزمن الحيوي.
ففي بعض الحالات لا تكون المشكلة في عدم وجود العلاج، وإنما في أن العلاج يجب أن يتم في اللحظة الصحيحة تمامًا.
وهكذا يصبح الزمن نفسه جزءًا من العلاج.
رابعًا: الفريق الطبي بوصفه «عقلًا سريريًا واحدًا»
إن اجتماع خمسة تخصصات دقيقة في حالة واحدة يوضح أن الطب المعاصر لم يعد يقوم على بطولة الفرد، وإنما على ذكاء الفريق.
فالدكتور عقبة القرعان يمثل محور التشخيص والتخطيط في طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين.
والدكتورة لبنى الخريشة تمثل محور التدخل الجراحي المتعلق بتأمين مجرى الهواء.
والأستاذة الدكتورة إيمان بدران تمثل خبرة رعاية الخداج وحديثي الولادة.
والدكتور عمر عبابنة يضيف البعد المتعلق بالتخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
أما الدكتورة تهاني خضير فتمثل البعد التشخيصي المتخصص في الأشعة للأطفال.
إن قوة هذا النموذج لا تأتي من جمع أسماء كثيرة، بل من تفاعل المعارف المختلفة داخل خطة واحدة.
وهذا هو الفرق بين:
تعدد التخصصات
و
تكامل التخصصات.
فالتعدد يجمع الخبرات.
أما التكامل فيحوّلها إلى قدرة سريرية مشتركة.
خامسًا: الدكتورة لبنى الخريشة والانتقال من التشخيص إلى الإنقاذ
في لحظة التدخل الحاسمة، تولت الدكتورة لبنى الخريشة إجراء التداخل الجراحي لتأمين مجرى هوائي للطفل، من خلال إجراء فتحة رغاميّة ووضع أنبوب رغامي، ثم دعم الطفل بالتنفس الاصطناعي بصورة احترازية قبل استكمال الولادة.
وهنا تتجسد قيمة التخصص الدقيق.
فالمعرفة الطبية تصبح ذات معنى كامل عندما تستطيع أن تتحول، في اللحظة المناسبة، إلى فعل ينقذ الحياة.
إن الجراحة في مثل هذه الحالات ليست مهارة يدوية فحسب؛ إنها قرارٌ فيزيولوجي وزمني وإنساني بالغ الحساسية.
سادسًا: عشرون دقيقة تختصر أشهرًا من العلم
استغرق تأمين مجرى التنفس قرابة عشرين دقيقة وفق التقرير المنشور.
لكن من الخطأ أن ننظر إلى هذه الدقائق بمعزل عن الأشهر التي سبقتها.
فوراء الدقائق العشرين:
تشخيص.
وتصوير.
وتقييم.
واجتماعات.
وتخطيط.
وتحديد أدوار.
واستعداد للطوارئ.
ومراجعة للبدائل.
وتنسيق بين تخصصات متعددة.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة مهمة في الطب عالي الخطورة:
كلما بدا التدخل المعقد بسيطًا في لحظة التنفيذ، كان ذلك في كثير من الأحيان نتيجة لتعقيدٍ أكبر أُنجز مسبقًا في مرحلة التخطيط.
سابعًا: ماذا يقول هذا الإنجاز عن مستقبل الطب الأردني؟
هنا تنتقل القضية من المستوى السريري إلى المستوى الوطني.
إن القيمة الاستراتيجية لهذا الإنجاز تتمثل في إثبات أن الأردن يمتلك قاعدة بشرية وعلمية يمكنها التعامل مع حالات طبية نادرة ومعقدة داخل مؤسساته الوطنية.
لكن التحدي الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند الاحتفال.
بل يجب أن نسأل:
كيف نحول النجاح من حالة استثنائية إلى قدرة مؤسسية مستدامة؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعات والمستشفيات وصناع القرار الصحي.
ثامنًا: من الكفاءة الفردية إلى التميز المؤسسي
قد يستطيع طبيب متميز أن يصنع إنجازًا.
لكن الدولة الطبية المتقدمة هي التي تستطيع أن تجعل الإنجاز قابلًا للتكرار والتعليم والتطوير.
ولهذا ينبغي أن تتحول هذه التجربة إلى:
بروتوكول سريري.
ثم إلى:
برنامج تدريبي.
ثم إلى:
قاعدة بحثية.
ثم إلى:
نموذج تعليمي لطلاب الطب والأطباء المقيمين.
ثم إلى:
خبرة أردنية قابلة للنقل إلى المنطقة.
وهنا يتحول الإنجاز من نجاح طبي إلى بنية تحتية معرفية للطب الأردني.
تاسعًا: مستشفى الجامعة الأردنية كمنصة لصناعة المعرفة
إن المستشفى الجامعي لا ينبغي أن يكون مجرد مكان لعلاج المرضى.
وظيفته الأعمق أن يكون:
مستشفى + جامعة + مختبرًا للمعرفة + مدرسة للأجيال + مركزًا للابتكار.
وعندما تنجح مؤسسة جامعية في التعامل مع حالة نادرة بهذا المستوى من التعقيد، فإنها تمتلك فرصة علمية ينبغي ألا تضيع.
فالحالة يمكن أن تصبح:
بحثًا علميًا.
وتقريرًا سريريًا.
ومادة تدريبية.
ودراسة متعددة التخصصات.
وبروتوكولًا.
وقاعدة بيانات.
ومنصة للتدريب والمحاكاة.
وهكذا تتحول حياة طفل إلى معرفة قد تنقذ أطفالًا آخرين في المستقبل.
عاشرًا: الأردن من «توطين العلاج» إلى «توطين المعرفة»
التقدم الطبي الحقيقي لا يعني فقط أن يستطيع المريض الحصول على العلاج داخل وطنه.
بل يعني أن يستطيع الوطن إنتاج المعرفة التي يحتاج إليها لعلاج الحالات المعقدة.
وهذا فرق جوهري.
فتوطين العلاج:
يعني أن نعالج المريض في الأردن.
أما توطين المعرفة:
فيعني أن نمتلك القدرة على تشخيص الحالة، وفهمها، ووضع بروتوكول علاجها، وتدريب الأطباء عليها، والبحث فيها، ونشر المعرفة الناتجة عنها.
وهنا يكمن مستقبل الطب الأردني.
الحادي عشر: من السياحة العلاجية إلى الريادة الطبية
يمتلك الأردن سمعة طبية إقليمية مهمة.
لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مفهوم السياحة العلاجية إلى مفهوم أوسع هو:
الريادة الطبية الإقليمية.
والريادة لا تُبنى بالسمعة وحدها.
إنها تُبنى بالتميز في:
التخصصات الدقيقة.
والحالات النادرة.
والبحث العلمي.
والابتكار.
والتدريب.
والنشر الدولي.
والبنية المؤسسية.
والقدرة على إنتاج البروتوكولات.
وإذا نجح الأردن في بناء مراكز تميز متخصصة في مجالات محددة، فإن قدرته على المنافسة الطبية إقليميًا ستتضاعف.
الثاني عشر: العبقرية الطبية في بعدها الإنساني
إن عنوان هذه الموسوعة، «عباقرة الطب في خدمة الإنسانية»، لا يقصد بالعبقرية مجرد الذكاء أو المهارة التقنية.
العبقرية الطبية الحقيقية هي:
أن ترى ما لا يراه الآخرون.
وأن تتنبأ بما قد يحدث.
وأن تخطط قبل وقوع الأزمة.
وأن تجمع العلوم المختلفة حول حياة إنسان واحد.
وأن تحول المعرفة إلى فعل.
وأن تجعل المستحيل السريري قابلًا للمحاولة.
ثم أن تنقل ما تعلمته إلى الآخرين.
ولهذا فإن قيمة الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، لا تُختزل في أسماء المشاركين في عملية ناجحة، وإنما في النموذج العلمي والإنساني الذي قدموه عن الطبيب الأردني القادر على العمل ضمن منظومة متقدمة لخدمة الحياة.
الخلاصة الكبرى للفصل الأول
إن إنجاز مستشفى الجامعة الأردنية، بقيادة وتكامل خبرات الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، ينبغي ألا يبقى خبرًا طبيًا عابرًا.
إنه فرصة لإعادة تعريف معنى التقدم الطبي الأردني.
فالتقدم ليس في امتلاك الأجهزة فقط.
وليس في عدد العمليات.
وليس في كثرة التخصصات.
بل في القدرة على دمج المعرفة والتكنولوجيا والإنسان والخبرة والعمل الجماعي داخل منظومة واحدة قادرة على إنقاذ الحياة.
وهذا الإنجاز يقدم لنا معادلة يمكن أن تصبح إحدى ركائز تطوير الطب الأردني:
التشخيص المبكر
↓
المعرفة التخصصية
↓
التكامل متعدد التخصصات
↓
التخطيط الاستباقي
↓
التدخل الدقيق
↓
التوثيق العلمي
↓
التعليم والتدريب
↓
إنتاج المعرفة
↓
الريادة الطبية الإقليمية
إن هذه السلسلة هي التي تنقل الطب من الممارسة إلى العلم، ومن العلم إلى الابتكار، ومن الابتكار إلى الريادة.
ولذلك فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن نستخلصها من هذا الإنجاز هي:
لا يكفي أن يمتلك الأردن أطباء عباقرة؛ المطلوب أن يبني مؤسسات قادرة على تحويل عبقرية أطبائه إلى معرفة وطنية مستدامة، ومن المعرفة الوطنية إلى مرجعية إقليمية، ومن المرجعية الإقليمية إلى خدمة إنسانية عابرة للحدود.
وهنا يصبح إنقاذ طفل واحد أكثر من إنقاذ حياة.
يصبح إشارة إلى إمكانية بناء مستقبل طبي كامل.
فحين تستطيع مؤسسة أردنية أن تتعامل مع حالة نادرة بهذه الدرجة من التعقيد، فإن السؤال لم يعد:
هل يستطيع الطب الأردني أن يفعل ذلك؟
بل يصبح السؤال الأكثر طموحًا:
كم إنجازًا آخر يستطيع الطب الأردني أن يصنعه إذا منحناه المعرفة، والبحث، والدعم المؤسسي، والبيئة التي تستحقها كفاءاته؟
وهنا تبدأ مسؤوليتنا جميعًا.
لأن الطبيب يصنع الإنجاز، والمؤسسة تحفظه، والجامعة تدرّسه، والبحث العلمي يطوره، والوطن يحوّله إلى قوة معرفية، والإنسانية هي الغاية الأخيرة لكل ذلك.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
الفصل الأول: من إنقاذ حياة جنين إلى صناعة الريادة الطبية الأردنية
مستشفى الجامعة الأردنية يصنع إنجازًا طبيًا نوعيًا
الدكتور عقبة القرعان، الدكتورة لبنى الخريشة، الأستاذة الدكتورة إيمان بدران، الدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير
نموذج أردني في الطب الاستباقي، والتكامل التخصصي، وهندسة القرار الطبي لخدمة الإنسانية
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
مدخل الفصل: حين يصبح إنقاذ الحياة شهادةً على تطور أمة
في مسيرة الطب الإنساني، لا تُقاس قيمة الإنجازات الطبية الكبرى بعدد الأدوات التي استُخدمت في غرفة العمليات، ولا بعدد الدقائق التي استغرقها التدخل، وإنما بمدى قدرة الإنسان على توسيع حدود الممكن أمام الحياة.
ومن هذه الزاوية، فإن الإنجاز الطبي النوعي الذي حققه فريق متخصص في مستشفى الجامعة الأردنية، والمتمثل في تأمين مجرى التنفس لجنين يعاني انسدادًا خلقيًا كاملًا في الحنجرة والقصبة الهوائية أثناء الولادة القيصرية، وقبل فصله عن المشيمة، يمثل أكثر من نجاح جراحي بالغ التعقيد.
إنه حدث طبي يحمل دلالات علمية ومؤسسية ووطنية وإنسانية متشابكة.
فوراء لحظة التدخل الناجح منظومة كاملة من المعرفة: تشخيص جنيني دقيق، وتصوير متخصص، وتقدير للمخاطر، وتخطيط للولادة، وتكامل بين تخصصات متعددة، وإدارة للزمن الحيوي، واستعداد للتعامل مع واحدة من أكثر اللحظات حساسية في حياة الإنسان.
وقد شارك في تقييم الحالة ووضع الخطة الطبية والجراحية وتنفيذها فريق ضم:
الدكتور عقبة القرعان، استشاري طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين؛
الدكتورة لبنى الخريشة، استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة؛
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران، استشاري أول خداج الأطفال؛
الدكتور عمر عبابنة، استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال؛
الدكتورة تهاني خضير، استشاري الأشعة التشخيصية للأطفال.
إن اجتماع هذه الخبرات في منظومة واحدة يقدم نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه الطب في القرن الحادي والعشرين: طبًّا لا ينتظر الأزمة، بل يتنبأ بها؛ ولا يعالج المشكلة بعد وقوعها فقط، بل يعيد تصميم المسار السريري بحيث تصبح فرص النجاة أعلى وأكثر أمانًا.
ومن هنا تبدأ القيمة الحقيقية لهذه التجربة.
المبحث الأول
الولادة بوصفها لحظةً طبيةً أعيدت هندستها
الولادة في الحالات الطبيعية انتقال فسيولوجي من الحياة داخل الرحم إلى الحياة المستقلة خارجه.
أما في هذه الحالة، فقد تحولت الولادة نفسها إلى عملية طبية عالية التخطيط.
فالجنين الذي يعاني انسدادًا خلقيًا كاملًا في مجرى التنفس لا يستطيع، بعد انفصاله عن المشيمة، أن يعتمد على التنفس الطبيعي عبر مجراه الهوائي.
وبذلك أصبح التحدي الطبي مركبًا:
كيف تتم الولادة؟
وكيف يُحافظ على الأكسجة؟
وكيف يُؤمَّن مجرى التنفس؟
وكيف تُدار هذه الإجراءات في نافذة زمنية قصيرة؟
الحل لم يكن انتظار الطفل حتى يولد كاملًا ثم محاولة إنقاذه، بل تم تصميم الولادة بحيث يُولد الطفل جزئيًا مع استمرار اتصاله بالمشيمة، بما يسمح باستمرار الأكسجة عبر الحبل السري، بينما يعمل الفريق على إنشاء مجرى تنفسي آمن.
وهنا تظهر إحدى أكثر الأفكار أهمية في الطب الحديث:
«هندسة اللحظة الحرجة».
فالطبيب لم يعد يتعامل فقط مع المرض، وإنما أصبح يعيد تنظيم الزمان والمكان والتتابع الإجرائي حول المرض.
وهذا شكل متقدم من التفكير السريري؛ لأن العلاج لم يعد مجرد إجراء منفصل، وإنما أصبح منظومة قرارات مترابطة.
المبحث الثاني
الدكتور عقبة القرعان: التشخيص الذي سبق الأزمة
تبدأ الإنجازات الطبية الكبرى غالبًا قبل غرفة العمليات بزمن طويل.
وفي هذه الحالة، كان التشخيص المبكر نقطة الانطلاق.
فقد جرى تحويل الحالة خلال الشهر السادس من الحمل، وبعد التقييم المتخصص بواسطة الدكتور عقبة القرعان أمكن تحديد طبيعة الانسداد الخلقي الكامل في مجرى التنفس، ثم تأكيد التشخيص بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي الجنيني.
وهنا تكمن قيمة التشخيص المتقدم.
إن الصورة الطبية ليست مجرد صورة.
إنها، عندما تُقرأ بواسطة عقل سريري قادر على الربط بين المعطيات، تتحول إلى أداة للتنبؤ وصناعة القرار.
وهذا يمثل انتقالًا من:
التشخيص الوصفي
إلى:
التشخيص التنبؤي.
ومن:
اكتشاف المرض
إلى:
توقع ما سيحدث عند الولادة والاستعداد له قبل حدوثه.
وهذه النقلة هي إحدى سمات الطب المتقدم.
المبحث الثالث
الدكتورة لبنى الخريشة: عندما تتحول المعرفة الجراحية إلى طريق للحياة
في اللحظة الأكثر حساسية، جاء دور تأمين مجرى التنفس.
فقد أجرت الدكتورة لبنى الخريشة التداخل الجراحي لتأمين مجرى هوائي للطفل من خلال إجراء فتحة رغاميّة ووضع أنبوب رغامي، بما أتاح للطفل البدء بالتنفس والاستجابة للتدخل، قبل استكمال عملية الولادة.
وهنا لا ينبغي النظر إلى الجراحة بوصفها حركة تقنية فحسب.
ففي الحالات عالية الخطورة، تصبح الجراحة قرارًا زمنيًا وفسيولوجيًا وأخلاقيًا في آن واحد.
فالخطأ في التوقيت قد يكون بالغ العواقب.
والتأخير قد يحول فرصة النجاة إلى خطر حقيقي.
أما النجاح فيعني أن المعرفة المتراكمة عبر سنوات من الدراسة والتخصص تتحول، خلال دقائق، إلى فعل يحمي حياة إنسان لم يبدأ بعد مسيرته خارج الرحم.
وهذه إحدى أجمل صور الطب الإنساني:
أن تتحول يد الطبيب إلى امتداد مباشر للعلم عندما تكون الحياة معلقة بين احتمالين.
المبحث الرابع
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران: رعاية الحياة بعد عبور العتبة الأولى
لا تنتهي مهمة الإنقاذ بمجرد تأمين مجرى التنفس.
فالطفل بعد هذه المرحلة يحتاج إلى رعاية دقيقة ومراقبة متخصصة ودعم فسيولوجي يتناسب مع حالته.
وهنا تظهر أهمية تخصص الخداج وحديثي الولادة.
إن انتقال الطفل من البيئة الرحمية إلى بيئة الرعاية الطبية يمثل مرحلة جديدة من التحدي، تحتاج إلى مراقبة التنفس والدورة الدموية والاستقرار الحيوي والاستجابة للعلاج.
وهذا يوضح أن الإنجاز لم يكن عملية جراحية منفردة، بل سلسلة متصلة من القرارات السريرية تبدأ بالتشخيص ولا تنتهي إلا باستقرار الطفل ووضع الخطة المستقبلية لعلاجه.
المبحث الخامس
الدكتور عمر عبابنة: التخدير والإنعاش كعلم لإدارة الهشاشة الحيوية
في الحالات الجراحية المعقدة عند حديثي الولادة، لا يكون التخدير تخصصًا مساعدًا بالمعنى التقليدي، وإنما يمثل أحد الأعمدة الأساسية في منظومة الإنقاذ.
فإدارة مجرى التنفس، والاستقرار الفيزيولوجي، والإنعاش، ودعم الوظائف الحيوية، والتعامل مع التغيرات الدقيقة خلال التدخل، كلها تتطلب معرفة متخصصة ودقيقة.
ومن هنا تبرز أهمية مشاركة الدكتور عمر عبابنة في منظومة التخطيط والتنفيذ.
إن الطب الحديث لم يعد ينظر إلى التخدير باعتباره مرحلة تسبق الجراحة، وإنما باعتباره علمًا مستقلًا لإدارة الوظائف الحيوية والمخاطر أثناء التدخل وبعده.
المبحث السادس
الدكتورة تهاني خضير: الصورة التي تحولت إلى معرفة
في الطب الحديث، أصبحت الأشعة جزءًا من عملية التفكير السريري، وليس مجرد مرحلة تشخيصية منفصلة.
فالتصوير الجنيني المتقدم يوفر معلومات تشريحية حاسمة تساعد الفريق على فهم طبيعة المشكلة، وتقدير مدى انسداد مجرى التنفس، وبناء خطة أكثر دقة.
وهنا تظهر قيمة التخصصات التي تعمل خلف المشهد.
فقد لا يرى المريض الصورة التشخيصية بوصفها «لحظة إنقاذ»، لكنها قد تكون في الواقع أحد أهم الأسباب التي جعلت الإنقاذ ممكنًا.
إن المعرفة التشخيصية الدقيقة تقلل مساحة المجهول.
وكلما تقلص المجهول، ازدادت قدرة الفريق على التخطيط.
وكلما تحسن التخطيط، ارتفعت قدرة الطب على إدارة المخاطر.
المبحث السابع
خمسة تخصصات... عقل طبي واحد
من أعمق الدروس التي تقدمها هذه الحالة أن الإنجاز الطبي الحديث لا يقوم على «البطل المنفرد».
إنه يقوم على الذكاء الجماعي للفريق الطبي.
لقد التقت في هذه التجربة تخصصات مختلفة، لكنها لم تعمل في جزر منفصلة.
بل عملت ضمن هدف واحد:
حماية حياة الجنين وتأمين انتقاله الآمن إلى الحياة خارج الرحم.
وهذا هو جوهر الطب التكاملي.
فالطبيب المتخصص يعرف مجاله بعمق.
لكن الفريق المتكامل يعرف كيف يجعل هذه المعارف تعمل معًا في اللحظة المناسبة.
ومن هنا فإن قوة المنظومة الطبية لا تقاس فقط بمستوى أفرادها، بل بمقدار قدرتها على خلق ذكاء مؤسسي جماعي.
المبحث الثامن
عشرون دقيقة... ولكن خلفها أشهر من التفكير
قد يبدو أن إجراءً جراحيًا استغرق نحو عشرين دقيقة هو إنجاز مرتبط بالسرعة.
لكن القراءة العلمية الأكثر دقة تكشف أن السرعة في غرفة العمليات غالبًا ما تكون نتيجة بطء محسوب في مرحلة الإعداد والتخطيط.
فكل دقيقة جراحية ناجحة تقف خلفها ساعات طويلة من التفكير والتحليل والتنسيق.
وكل إجراء سريع وآمن هو في الغالب ثمرة استعداد طويل.
ولهذا يمكن صياغة قاعدة في الطب عالي الخطورة:
السرعة الطبية الحقيقية لا تعني التعجل؛ إنها تعني أن تكون المنظومة قد فكرت مسبقًا في كل ما يمكن أن يحدث.
وهذا هو معنى الجاهزية السريرية.
المبحث التاسع
من إنقاذ طفل إلى تطوير الطب الأردني
هنا تنتقل أهمية الإنجاز من المستوى السريري إلى المستوى الوطني.
إن امتلاك الأردن فريقًا قادرًا على التعامل مع حالة جنينية نادرة ومعقدة يعني أن البلاد لا تمتلك فقط كوادر طبية جيدة، وإنما تمتلك قابلية لبناء مراكز تميز في تخصصات دقيقة.
لكن الإنجاز الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند التصفيق له.
بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لسؤال أكبر:
كيف نحول هذا النجاح إلى استراتيجية وطنية لتطوير الطب الأردني؟
والجواب يبدأ من تحويل التجربة إلى معرفة.
فالإنجاز يجب أن يُوثق.
والتوثيق يجب أن يتحول إلى بحث.
والبحث إلى بروتوكول.
والبروتوكول إلى تدريب.
والتدريب إلى قدرة مؤسسية.
والقدرة المؤسسية إلى مرجعية إقليمية.
وهنا يصبح الإنجاز الفردي لبنة في بناء منظومة صحية وطنية أكثر تقدمًا.
المبحث العاشر
من «توطين العلاج» إلى «توطين المعرفة»
ثمة فرق جوهري بين أن يستطيع بلد ما علاج مريض داخل حدوده، وبين أن يمتلك المعرفة العلمية التي تمكنه من تطوير العلاج وتعليمه وإنتاج المعرفة حوله.
توطين العلاج يعني:
أن يبقى المريض في وطنه.
أما توطين المعرفة فيعني:
أن تبقى الخبرة العلمية في وطنه أيضًا.
وهذا هو المستقبل الحقيقي للطب الأردني.
فالأردن بحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من نموذج:
نستقبل المعرفة الطبية
إلى نموذج:
ننتج المعرفة الطبية ونشارك فيها.
وهذه النقلة هي التي تصنع الدول الطبية الكبرى.
المبحث الحادي عشر
المستشفى الجامعي بوصفه مصنعًا للمعرفة
إن مستشفى الجامعة الأردنية يمتلك بحكم طبيعته الجامعية فرصة استراتيجية لا ينبغي إغفالها.
فالمستشفى الجامعي ليس مؤسسة علاجية فقط.
إنه مساحة تلتقي فيها:
الممارسة السريرية + التعليم الطبي + البحث العلمي + الابتكار + تدريب الأجيال.
ومن هنا ينبغي أن تتحول الحالات النادرة والمعقدة إلى مدارس علمية.
فكل حالة نادرة يمكن أن تصبح بحثًا.
وكل تجربة ناجحة يمكن أن تصبح بروتوكولًا.
وكل بروتوكول يمكن أن يصبح منهجًا تدريبيًا.
وكل منهج يمكن أن يصنع طبيبًا جديدًا قادرًا على تكرار النجاح وتطويره.
وهنا يتحول المستشفى من مكان لعلاج الإنسان إلى مؤسسة لصناعة مستقبل الطب.
المبحث الثاني عشر
نحو مراكز تميز أردنية للحالات النادرة
إن أحد الدروس الاستراتيجية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة هو أهمية بناء مراكز متخصصة للحالات النادرة والمعقدة.
فبدل أن تكون الخبرة موزعة، يمكن أن تتجمع في مراكز وطنية تُبنى حولها:
الخبرات.
والتجهيزات.
والبروتوكولات.
والبحث.
والتدريب.
وقواعد البيانات.
والشبكات الدولية.
وبذلك يستطيع الأردن أن يبني مراكز مرجعية إقليمية في تخصصات مختارة.
فالريادة لا تتطلب أن نكون الأفضل في كل شيء.
بل أن نكون متميزين عالميًا في مجالات محددة.
المبحث الثالث عشر
البعد الاقتصادي والاستراتيجي للتميز الطبي
إن الاستثمار في الطب عالي التخصص ليس إنفاقًا صحيًا فقط.
إنه استثمار في:
الاقتصاد المعرفي، ورأس المال البشري، والأمن الصحي، والبحث العلمي، والسياحة العلاجية، والسمعة الدولية للدولة.
كل حالة يمكن علاجها محليًا تعني تقليل الحاجة إلى العلاج خارج الوطن.
وكل تخصص نادر يتم تطويره محليًا يعني تراكم خبرة جديدة.
وكل طبيب يتدرب في بيئة متقدمة يصبح جزءًا من رأس المال المعرفي الوطني.
ومن هنا فإن دعم الطب المتقدم ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا تنمويًا وطنيًا وليس مجرد بند في الموازنة الصحية.
المبحث الرابع عشر
من السياحة العلاجية إلى الدبلوماسية الطبية
لقد عرف الأردن إقليميًا بتميز قطاعه الطبي واستقطابه للمرضى من دول مختلفة.
لكن المستقبل يمكن أن يفتح مفهومًا أوسع:
الدبلوماسية الطبية.
فعندما يأتي طبيب عربي أو إقليمي إلى الأردن للتدرب على تقنية متقدمة، فإن الأردن لا يقدم له علاجًا فقط؛ بل ينقل إليه معرفة.
وعندما يأتي فريق طبي للتدريب في مركز أردني متخصص، تتحول المؤسسة الطبية إلى منصة للتبادل العلمي.
وعندما تنشر تجربة أردنية في مجلة علمية دولية، يصبح الإنجاز جزءًا من المعرفة الإنسانية العالمية.
وهنا تتحول القوة الطبية إلى قوة ناعمة للدولة.
المبحث الخامس عشر
العبقرية الطبية: من الذكاء إلى المسؤولية
إن العبقرية الطبية، في المفهوم الذي تتبناه هذه الموسوعة، ليست مجرد ارتفاع مستوى الذكاء أو امتلاك مهارة جراحية نادرة.
العبقرية الطبية هي القدرة على الجمع بين:
العلم والدقة.
المعرفة والحدس السريري.
التكنولوجيا والإنسانية.
التخصص والعمل الجماعي.
الجرأة والمسؤولية.
الابتكار والانضباط.
فالطبيب العبقري لا يسأل فقط:
ماذا أستطيع أن أفعل؟
بل يسأل أيضًا:
كيف أفعله بأعلى درجة من الأمان؟
و:
كيف أحول ما تعلمته إلى معرفة يستفيد منها الآخرون؟
وهنا تتحول العبقرية من امتياز فردي إلى أمانة تجاه الإنسانية.
المبحث السادس عشر
الطفل الذي أصبح شاهدًا على مستقبل الطب الأردني
في نهاية هذه القصة يوجد طفل.
طفل لم يكن يعرف شيئًا عن التشخيص، ولا الجراحة، ولا الأجهزة، ولا الفريق الطبي.
لكنه أصبح محورًا لعملية علمية وإنسانية شديدة التعقيد.
لقد اجتمعت حول حياته مجموعة من العقول والخبرات.
وهذه هي الصورة الأصدق لمعنى الطب:
أن تتضافر المعرفة الإنسانية كلها حول حياة إنسان واحد.
وقد يكون هذا الطفل هو أكثر من مجرد ناجٍ من حالة نادرة.
قد يصبح، رمزيًا، شاهدًا على مرحلة جديدة في الطب الأردني:
مرحلة يصبح فيها التخصص الدقيق، والبحث، والتكامل، والتكنولوجيا، والإنسانية، أجزاء من منظومة واحدة.
الخاتمة
الإنجاز الذي يجب ألا ينتهي بانتهاء العملية
إن أعظم خطأ يمكن أن نرتكبه تجاه إنجاز طبي من هذا النوع هو أن نختصره في خبر صحفي أو صورة تذكارية أو كلمات تهنئة.
الإنجاز الحقيقي يبدأ بعد نجاح العملية.
فالسؤال العلمي ليس فقط:
كيف نجح الفريق؟
بل:
لماذا نجح؟
ما العوامل التي صنعت النجاح؟
كيف يمكن توثيقها؟
كيف يمكن تدريب الآخرين عليها؟
كيف يمكن تطويرها؟
كيف يمكن تحويلها إلى بروتوكول؟
وكيف يمكن أن تصبح هذه التجربة جزءًا من منظومة وطنية للتميز الطبي؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الإنجاز سيبقى لحظة مضيئة أم سيتحول إلى مسار تاريخي في تطور الطب الأردني.
ومن هنا فإنني، في إطار موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية، لا أقرأ تجربة مستشفى الجامعة الأردنية باعتبارها قصة نجاح سريري فحسب.
بل أقرأها باعتبارها رسالة إلى الأردن:
إن الاستثمار في الطبيب الأردني هو استثمار في مستقبل الوطن، وإن دعم التخصصات الدقيقة والبحث العلمي والمستشفيات الجامعية يمكن أن يحول الكفاءة الطبية الأردنية من قوة فردية إلى قوة مؤسسية، ومن قوة مؤسسية إلى مرجعية إقليمية، ومن مرجعية إقليمية إلى إسهام إنساني عالمي.
لقد أنقذ هذا الفريق حياة طفل.
لكن الإنجاز الأكبر الذي ينبغي أن نطمح إليه هو أن تتحول هذه التجربة إلى معرفة تنقذ أطفالًا آخرين، وتدريب يصنع أطباء آخرين، ومؤسسات أقوى، وأبحاث أكثر، وطب أردني أكثر قدرة على صناعة المستقبل.
وهنا تختصر فلسفة هذا الفصل في معادلة واحدة:
إنقاذ حياة
↓
توثيق المعرفة
↓
تطوير الممارسة
↓
تدريب الأجيال
↓
بناء التميز المؤسسي
↓
صناعة المرجعية الطبية
↓
خدمة الإنسانية
وهذا هو الفارق بين إنجاز طبي عظيم ومشروع حضاري طبي.
فالأول ينقذ إنسانًا.
أما الثاني فيبني قدرةً على إنقاذ الإنسان.
وفي كل مرة ينجح فيها العلم في توسيع مساحة الحياة، تكون الإنسانية هي المنتصر الأكبر.
توثيق أسماء الفريق الطبي
الدكتور عقبة القرعان
استشاري طب الأم والجنين والتداخلات الجراحية للجنين.
الدكتورة لبنى الخريشة
استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران
استشاري أول خداج الأطفال.
الدكتور عمر عبابنة
استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
الدكتورة تهاني خضير
استشاري الأشعة التشخيصية للأطفال.
المؤسسة الطبية: مستشفى الجامعة الأردنية.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
الفصل الثاني
من الفريق الطبي إلى العقل الطبي المؤسسي
كيف تتحول الكفاءة الفردية إلى منظومة وطنية للابتكار والريادة؟
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
تمهيد: العبقرية التي لا تنتهي بانتهاء العملية
ليست العبقرية الطبية في قدرتها على إجراء عملية معقدة فحسب، وإنما في قدرتها على تحويل الموقف السريري الاستثنائي إلى معرفة قابلة للتعلم، والتطوير، والتكرار، والتوطين، ثم إلى نموذج مؤسسي يخدم أجيالًا من المرضى والأطباء.
ومن هنا فإن الإنجاز الذي حققه فريق مستشفى الجامعة الأردنية في التعامل مع انسداد مجرى الهواء الخِلقي الكامل لدى الجنين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثة طبية ناجحة وانتهت، بل باعتباره مؤشرًا على انتقال الطب الأردني من مستوى ممارسة المعرفة إلى مستوى صناعة المعرفة.
فالعملية الجراحية تنتهي في غرفة العمليات، أما المعرفة التي تنتج عنها فيمكن أن تستمر لعقود.
وهنا يكمن الفارق بين الإنجاز الطبي والريادة الطبية.
أولًا: من الطبيب العبقري إلى العقل الجماعي
اعتاد الخطاب الطبي والإعلامي أن يربط الإنجاز باسم طبيب واحد، لأن العقل البشري يميل إلى اختزال النجاح في بطل فرد.
غير أن الطب الحديث، وخصوصًا في الحالات النادرة والمعقدة، تجاوز نموذج "الطبيب المنقذ" إلى نموذج أكثر تطورًا هو:
العقل الطبي الجماعي.
في الحالة التي تعامل معها مستشفى الجامعة الأردنية، لم تكن المعرفة موزعة بصورة عشوائية، بل تكاملت تخصصات دقيقة في سلسلة واحدة من القرار:
طب الأم والجنين وجراحة الأجنة.
جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
طب حديثي الولادة.
التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
الأشعة التشخيصية للأطفال.
وقد شارك في هذا التكامل الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الطب المتقدم:
لا يتفوق الطب الحديث عندما يعرف الطبيب كل شيء، بل عندما يعرف كل اختصاص حدوده، ويعرف في الوقت ذاته كيف يستدعي معرفة الاختصاص الآخر في اللحظة المناسبة.
وهذا هو جوهر العمل الطبي متعدد التخصصات.
ثانيًا: هندسة القرار الطبي
في الحالات التقليدية قد يكون القرار الطبي خطيًا:
تشخيص ← علاج ← متابعة.
أما في الحالات شديدة التعقيد، فإن القرار يصبح أشبه بمنظومة هندسية:
اكتشاف مبكر ← تصوير دقيق ← تقدير المخاطر ← بناء سيناريوهات ← تشكيل فريق ← محاكاة القرار ← تدخل في اللحظة الحرجة ← إنعاش ← رعاية مركزة ← إعادة تقييم ← إعادة بناء الخطة العلاجية.
وهنا يتحول الطب من مجرد تطبيق بروتوكول إلى هندسة للقرار تحت ضغط الزمن والمخاطر.
فالجنين الذي يعاني انسدادًا كاملًا في مجرى الهواء لا يمنح الفريق الطبي رفاهية الخطأ أو التأجيل؛ لأن لحظة انفصاله عن المشيمة تعني الانتقال من بيئة يحصل فيها على الأكسجين عبر الحبل السري إلى ضرورة التنفس عبر مجرى هوائي مفتوح.
وبالتالي فإن نجاح التدخل يعتمد ليس فقط على مهارة الجراح، وإنما على التزامن الدقيق بين التشخيص، والتخدير، والجراحة، والإنعاش، وطب حديثي الولادة، والتصوير.
إنها عملية يمكن وصفها علميًا بأنها:
إدارة للزمن الحيوي قبل أن تكون إدارة للجراحة.
ثالثًا: قيمة التشخيص الذي يسبق الكارثة
من أهم الدروس التي يقدمها هذا الإنجاز أن التشخيص المبكر ليس مرحلة تمهيدية للعمل الطبي، بل قد يكون في بعض الحالات العلاج الأول للحياة.
لقد أتاح اكتشاف الانسداد الكامل لمجرى الهواء قبل الولادة بناء خطة للتدخل بدل انتظار حدوث الاختناق بعد الولادة.
وهنا تتجلى فلسفة الطب الاستباقي:
الطب التقليدي يتعامل مع المشكلة عندما تظهر؛ أما الطب المتقدم فيحاول أن يرى المشكلة قبل أن تصبح أزمة.
وهذه النقلة الفكرية شديدة الأهمية في تطوير النظام الصحي.
فكلما انتقلنا من:
رد الفعل → الاستباق
ومن:
العلاج → الوقاية
ومن:
التعامل مع الأزمة → هندسة السيناريو قبل الأزمة
اقتربنا من مفهوم الطب المستقبلي.
رابعًا: المستشفى الجامعي ليس مبنى للعلاج
إن أعظم خطأ يمكن أن تقع فيه المؤسسات الصحية هو اختزال المستشفى الجامعي في عدد الأسرة أو غرف العمليات أو الأجهزة.
المستشفى الجامعي الحقيقي هو منظومة تتقاطع فيها أربعة أدوار:
العلاج + التعليم + البحث + الابتكار.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن فقط في إنقاذ طفل، وإنما في السؤال الذي ينبغي أن يأتي بعد الإنجاز:
ماذا سيتعلم الطب الأردني من هذه الحالة؟
هل ستتحول إلى:
بروتوكول وطني للحالات المشابهة؟
مادة تدريبية للأطباء المقيمين؟
سيناريو لمحاكاة طبية؟
دراسة علمية؟
قاعدة بيانات للحالات النادرة؟
برنامج تدريب متعدد التخصصات؟
نموذج لتطوير مراكز متخصصة؟
تعاون بحثي إقليمي؟
إذا حدث ذلك، فإن الطفل الذي جرى إنقاذه لن يكون مجرد قصة نجاح، بل سيصبح مصدرًا لمعرفة طبية جديدة.
خامسًا: من الحالة النادرة إلى رأس مال معرفي وطني
الحالات النادرة تحمل قيمة معرفية استثنائية.
فهي تجبر المؤسسة الطبية على التفكير خارج البروتوكولات المعتادة، وتدفع التخصصات المختلفة إلى التعاون، وتكشف نقاط القوة والضعف في النظام الصحي.
ولهذا ينبغي ألا تُغلق الحالة النادرة بمجرد خروج المريض من المستشفى.
بل ينبغي أن تبدأ بعدها مرحلة أخرى:
مرحلة استخراج المعرفة.
وهنا أقترح مفهومًا يمكن أن يشكل محورًا في تطوير الطب الأردني:
"اقتصاد المعرفة السريرية"
أي أن كل حالة معقدة تُحوَّل إلى معرفة قابلة للتراكم.
الحالة الأولى تنتج خبرة.
والخبرة الثانية تنتج نمطًا.
والخبرات المتراكمة تنتج بروتوكولًا.
والبروتوكولات تنتج مركز تميز.
ومراكز التميز تنتج مدرسة طبية.
والمدرسة الطبية تنتج قيادة إقليمية.
وهكذا يتحول الإنجاز الفردي إلى رأس مال معرفي وطني.
سادسًا: العبقرية الطبية ليست سرعة اليد فقط
ثمة تصور شائع للعبقرية الطبية يربطها بالمهارة الجراحية والقدرة التقنية.
لكن العبقرية الحقيقية أوسع من ذلك.
إنها تتكون من خمسة مستويات متكاملة:
1. عبقرية التشخيص
القدرة على اكتشاف ما قد لا يكون ظاهرًا.
2. عبقرية التنبؤ
القدرة على تصور ما سيحدث إذا لم يتم التدخل.
3. عبقرية القرار
اختيار التدخل المناسب في اللحظة المناسبة.
4. عبقرية التكامل
استدعاء التخصص المناسب وإدارة المعرفة الجماعية.
5. عبقرية ما بعد الإنجاز
تحويل التجربة إلى معرفة وتعليم وبحث وتطوير.
ومن هنا:
الطبيب المتميز ينقذ مريضًا؛ أما الطبيب العبقري مؤسسيًا فيجعل إنقاذ المريض ممكنًا مرة بعد أخرى، وعلى أيدي أطباء آخرين من بعده.
سابعًا: الفريق الطبي بوصفه "جهازًا معرفيًا"
يمكن النظر إلى الفريق الطبي متعدد التخصصات باعتباره جهازًا معرفيًا مركبًا.
فكل عضو لا يحمل فقط اختصاصه، وإنما يحمل جزءًا من الصورة الكلية.
الدكتور عقبة القرعان يلتقط المشكلة من زاوية طب الأم والجنين وجراحة الأجنة.
والدكتورة لبنى الخريشة تحمل المعرفة الجراحية المتعلقة بمجرى الهواء.
والأستاذة الدكتورة إيمان بدران تتولى المعرفة المتخصصة في رعاية حديثي الولادة.
والدكتور عمر عبابنة يدير جانب التخدير والإنعاش والعناية المركزة وتخدير الأطفال.
والدكتورة تهاني خضير توفر المعرفة التشخيصية التصويرية الدقيقة.
لكن القيمة الكبرى لا توجد في هذه المعارف منفردة.
إنها تظهر عندما تتصل هذه المعارف ببعضها في لحظة قرار واحدة.
وهذا هو ما يمكن تسميته:
الذكاء التخصصي المتكامل.
ثامنًا: إدارة "اللحظة الحرجة"
في بعض العمليات لا تكون المشكلة في ندرة الأدوات فقط، وإنما في ضيق الزمن.
وهنا تصبح الدقيقة وحدةً من وحدات العلاج.
في هذا النوع من الحالات، لا يكفي أن يعرف الطبيب ماذا يفعل.
بل يجب أن يعرف:
متى يفعل؟
وهذا فارق جوهري.
فالقرار الصحيح إذا اتُّخذ في التوقيت الخاطئ قد يصبح قرارًا غير صحيح.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة في الطب عالي الخطورة:
دقة التوقيت جزء من دقة العلاج.
ولهذا فإن نجاح التدخل قبل اكتمال انفصال الطفل عن المشيمة يمثل نموذجًا لإدارة اللحظة الحيوية الحرجة، حيث تم الحفاظ على الاتصال بالحبل السري إلى حين تأمين مجرى الهواء.
وقد استغرق الإجراء نحو عشرين دقيقة وفق الإعلان المنشور عن العملية، قبل نقل الطفل إلى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة.
لكن اختزال الإنجاز في "عشرين دقيقة" يخفي الحقيقة الأعمق:
العشرون دقيقة هي قمة جبل المعرفة؛ وليست الجبل كله.
فخلفها تشخيص، وتصوير، وتخطيط، وتنسيق، وتجهيز، وتوزيع أدوار، وتقدير للمخاطر.
تاسعًا: من الخبرة الشخصية إلى البروتوكول المؤسسي
أخطر ما يمكن أن يحدث للإنجاز الطبي أن يبقى في ذاكرة الأشخاص الذين صنعوه.
فالخبرة التي لا تُوثق قد تموت بمغادرة صاحبها.
أما الخبرة التي تُوثق وتُدرّس وتُحاكى وتُقاس، فإنها تتحول إلى مؤسسة.
ومن هنا فإن المرحلة التالية التي ينبغي أن ترافق مثل هذه الإنجازات هي بناء:
"بروتوكولات وطنية للحالات فائقة الندرة."
ويشمل ذلك:
توثيق الحالة.
تحليل القرارات.
تحديد المخاطر.
توثيق أدوار أعضاء الفريق.
تحليل الزمن الطبي.
تقييم النتائج.
بناء سيناريوهات بديلة.
تطوير برامج المحاكاة.
تدريب الفرق المستقبلية.
نشر المعرفة علميًا.
وبذلك تتحول التجربة من نجاح حدث مرة واحدة إلى قدرة وطنية قابلة للتكرار.
عاشرًا: من توطين العلاج إلى توطين المعرفة
لقد كان توطين العلاج هدفًا مهمًا للأنظمة الصحية العربية؛ أي أن يحصل المواطن على العلاج المتقدم داخل بلده بدل اضطراره للسفر.
لكن المستقبل يتطلب هدفًا أعمق:
توطين المعرفة.
فالمطلوب ليس فقط أن نستطيع إجراء العملية في الأردن.
بل أن نمتلك:
المعرفة اللازمة لتشخيصها.
الكوادر القادرة على تنفيذها.
البروتوكولات المنظمة لها.
مراكز التدريب المتخصصة.
قواعد البيانات.
القدرة على البحث والنشر.
القدرة على تعليم الآخرين.
عندها يصبح الأردن ليس مستوردًا للمعرفة الطبية، بل منتجًا لها.
الحادي عشر: الإنجاز الطبي بوصفه قوة ناعمة للأردن
حين يصل الطب إلى مستوى متقدم من الكفاءة، فإنه لا يخدم المريض وحده، بل يضيف إلى القوة الناعمة للدولة.
فالطبيب الذي ينقذ حياة إنسان من بلد آخر، والمؤسسة التي تستقبل الحالات المعقدة، والجامعة التي تنتج المعرفة، والمركز الذي يدرب أطباء من المنطقة؛ كلها أدوات لصناعة الثقة الدولية.
ومن هنا يمكن أن يتحول التميز الطبي الأردني إلى:
دبلوماسية إنسانية قائمة على المعرفة.
فبدل أن تكون الرسالة:
"تعالوا إلينا لأن لدينا مستشفيات."
تصبح:
"تعالوا إلينا لأن لدينا معرفة، وخبرة، وأطباء، ومراكز تميز، ونظامًا قادرًا على التعامل مع الحالات المعقدة."
وهذا انتقال استراتيجي بالغ الأهمية.
الثاني عشر: نحو مراكز أردنية للتميز في الحالات النادرة
إن الحالات النادرة والمعقدة لا ينبغي أن تظل موزعة بين مؤسسات مختلفة دون إطار وطني.
بل يمكن أن تكون هذه التجارب نواة لإنشاء مراكز تميز متخصصة في مجالات مثل:
طب الأجنة وجراحة الأجنة.
تشوهات مجرى الهواء الخِلقية.
جراحات الأطفال فائقة التعقيد.
أمراض حديثي الولادة عالية الخطورة.
الطب التداخلي متعدد التخصصات.
ويجب ألا تُقاس هذه المراكز بعدد العمليات فقط، وإنما بمؤشرات أكثر عمقًا:
النتائج السريرية + البحث العلمي + التدريب + الابتكار + نقل المعرفة + التعاون الدولي.
وهنا يصبح المركز الطبي مدرسة علمية وليس مجرد مكان للعلاج.
الثالث عشر: الدرس الأكبر للأجيال الطبية القادمة
إن أعظم رسالة يحملها هذا الإنجاز إلى الطبيب الشاب ليست:
"كن ماهرًا في تخصصك."
بل:
كن قادرًا على العمل داخل منظومة معرفية أكبر منك.
فالطب المعاصر لم يعد بطولة فردية.
إنه شبكة من العقول.
والطبيب الذي يرفض العمل الجماعي قد يمتلك معرفة عميقة، لكنه يظل محدود الأثر.
أما الطبيب الذي يستطيع أن يدمج معرفته مع معرفة الآخرين، فإنه يرفع قدرة المؤسسة بأكملها.
وهذا هو الانتقال من:
الذكاء الفردي → الذكاء الجماعي → الذكاء المؤسسي.
الرابع عشر: العبقرية عندما تصبح ثقافة
الإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد العباقرة الموجودين في مؤسسة ما، وإنما بقدرتها على إنتاج بيئة تسمح للعبقرية بالظهور والاستمرار.
فالعبقرية تحتاج إلى:
حرية التفكير.
ثقافة علمية.
قيادة داعمة.
فرق متعددة التخصصات.
تدريب مستمر.
بنية تحتية.
بحث علمي.
محاكاة.
توثيق.
تقييم نقدي.
قبول التعلم من الأخطاء.
ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان الطبي لا ينبغي أن يقتصر على المؤتمرات والدورات.
بل يجب أن يتحول إلى استراتيجية وطنية لبناء العقل الطبي الأردني.
الخامس عشر: من إنقاذ حياة إلى بناء حضارة
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد عملية لإنقاذ طفل.
لكن الحضارات لا تُبنى فقط بالمشروعات الضخمة.
إنها تُبنى أيضًا عندما تتراكم آلاف اللحظات التي يثبت فيها الإنسان أنه قادر على تحويل العلم إلى حياة.
كل طفل يُنقذ هو قيمة إنسانية.
وكل طبيب يتعلم هو قيمة معرفية.
وكل بروتوكول يُنتج هو قيمة مؤسسية.
وكل بحث يُنشر هو قيمة علمية.
وكل طبيب شاب يتدرب على حالة معقدة هو استثمار في المستقبل.
ومن هنا فإن العملية الطبية الناجحة يمكن أن تكون خلية صغيرة في مشروع حضاري واسع.
الخلاصة الموسوعية
إن إنجاز مستشفى الجامعة الأردنية، بمشاركة الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، يقدم نموذجًا غنيًا لما ينبغي أن يكون عليه الطب الأردني في مرحلته القادمة.
ليس المطلوب أن نحتفي بالإنجاز ثم نغادره.
المطلوب أن نسأل:
كيف نجعل من هذا الإنجاز مدرسة؟
كيف نحوله إلى بروتوكول؟
كيف نجعله مادة تدريب؟
كيف نستخرج منه بحثًا علميًا؟
كيف نبني عليه مركز تميز؟
كيف ننقل خبرته إلى أطباء المستقبل؟
وكيف نجعل من الحالة النادرة فرصة لتوسيع حدود المعرفة الطبية الأردنية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كنا أمام عملية ناجحة أم أمام لحظة تأسيس في تاريخ الطب الأردني.
الرسالة الفكرية للفصل
العبقرية الطبية لا تُقاس فقط بقدرة الطبيب على إنقاذ حياة، بل بقدرته والمؤسسة التي يعمل فيها على تحويل لحظة الإنقاذ إلى معرفةٍ تُنقذ حياةً أخرى، ثم إلى علمٍ يُعلَّم، وبروتوكولٍ يُعمَّم، ومدرسةٍ تستمر بعد غياب أصحابها.
وهنا تبدأ الريادة الحقيقية.
فحين يتحول الطبيب من ممارس للمعرفة إلى منتج للمعرفة، ويتحول المستشفى من مكان للعلاج إلى مصنع للعلم، وتتحول الحالة النادرة من استثناء سريري إلى منصة للتعلم والابتكار، فإننا لا نكون أمام تطور في الطب فحسب، بل أمام تطور في قدرة الأمة على إنتاج مستقبلها الصحي بنفسها.
وهذا هو المعنى الأعمق للعبقرية الطبية في خدمة الإنسانية.
توثيق الفريق الطبي في هذا الفصل
الدكتور عقبة القرعان
استشاري طب الأم والجنين وجراحة الأجنة.
الدكتورة لبنى الخريشة
استشارية جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
الأستاذة الدكتورة إيمان بدران
استشارية أولى في طب حديثي الولادة ورعاية الأطفال الخدّج.
الدكتور عمر عبابنة
استشاري التخدير والإنعاش والعناية الحثيثة وتخدير الأطفال.
الدكتورة تهاني خضير
استشارية الأشعة التشخيصية للأطفال.
المؤسسة الطبية: مستشفى الجامعة الأردنية.
المشروع الموسوعي: موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية.
المؤلف: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
الفصل الثالث والأخير
من الإنجاز السريري إلى صناعة المستقبل الطبي
مستشفى الجامعة الأردنية نموذجًا للعبقرية المؤسسية والريادة الأردنية في خدمة الإنسانية
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
تمهيد: الإنجاز الذي يتجاوز حدود العملية
ليست قيمة الإنجاز الطبي في أن تنجح عملية معقدة فحسب، وإنما في أن تتحول لحظة النجاح إلى معرفةٍ قابلة للتراكم، ومنهجٍ قابل للتعليم، وخبرةٍ قابلة للتكرار، وابتكارٍ قادر على خدمة أجيال قادمة.
وهذا هو المعنى الأعمق للإنجاز النوعي الذي حققه فريق مستشفى الجامعة الأردنية في التعامل مع حالة الانسداد الخِلقي الكامل لمجرى الهواء لدى الجنين؛ حيث تضافرت تخصصات طب الأم والجنين، وجراحة الأنف والأذن والحنجرة، وطب حديثي الولادة، والتخدير والإنعاش، والأشعة التشخيصية، لتأمين مجرى الهواء قبل اكتمال الولادة، في تدخل أُعلن عنه باعتباره الأول من نوعه على مستوى المملكة والمنطقة.
إن العملية انتهت، لكن المعرفة التي أنتجتها يجب ألا تنتهي.
أولًا: من بطولة الطبيب إلى عبقرية الفريق
يكشف هذا الإنجاز أن الطب الحديث لم يعد بطولة فردية، بل أصبح ذكاءً جماعيًا تتكامل فيه التخصصات حول قرار إنساني واحد.
فالدكتور عقبة القرعان مثّل دقة التشخيص والتنبؤ؛ والدكتورة لبنى الخريشة مثّلت القدرة الجراحية على تأمين مجرى الهواء؛ والأستاذة الدكتورة إيمان بدران مثّلت خبرة رعاية حديثي الولادة؛ والدكتور عمر عبابنة مثّل إدارة التخدير والإنعاش والعناية الحرجة؛ والدكتورة تهاني خضير أسهمت في بناء الصورة التشخيصية الدقيقة.
وهنا تتجسد قاعدة جوهرية:
الطبيب المتميز يمتلك معرفة عميقة؛ أما الفريق المتميز فيحوّل تعدد المعارف إلى قدرة واحدة على إنقاذ الحياة.
ثانيًا: هندسة الزمن الحيوي
في الحالات فائقة الخطورة لا تكفي معرفة ماذا نفعل؟ بل يصبح السؤال الحاسم:
متى نفعل؟
لقد تطلبت الحالة تأمين مجرى الهواء في اللحظة التي ظل فيها الجنين متصلًا بالمشيمة، بما يسمح باستمرار الأكسجة عبر الحبل السري إلى حين تأمين الطريق التنفسي. واستغرق التدخل نحو عشرين دقيقة وفق التقرير المنشور عن الحالة.
وهذا يكشف مفهومًا بالغ الأهمية في الطب المتقدم:
التوقيت ليس عنصرًا خارج العلاج؛ بل جزء من العلاج نفسه.
ومن هنا يتحول القرار الطبي إلى هندسة دقيقة للزمن والمخاطر والموارد.
ثالثًا: من الحالة النادرة إلى المعرفة الوطنية
الحالة النادرة لا ينبغي أن تنتهي بخروج المريض من المستشفى.
بل يجب أن تبدأ بعدها مرحلة جديدة:
التوثيق → التحليل → البحث → المحاكاة → التدريب → البروتوكول → الابتكار.
فإذا بقيت الخبرة في ذاكرة أفراد الفريق، فقد تفقد المؤسسة جزءًا من رأس مالها المعرفي.
أما إذا تحولت إلى بحث علمي، وبروتوكول تدريبي، وسيناريو محاكاة، وقاعدة معرفة، فإنها تصبح ذاكرة وطنية قابلة للتراكم.
وهنا ينتقل الطب من:
توطين العلاج
إلى:
توطين المعرفة والابتكار.
رابعًا: المستشفى الجامعي مصنعٌ للمعرفة
المستشفى الجامعي الحقيقي ليس مكانًا للعلاج فقط.
إنه منظومة متكاملة:
علاج + تعليم + بحث + ابتكار.
ولهذا فإن قيمة الإنجاز في مستشفى الجامعة الأردنية لا ينبغي أن تقاس فقط بنجاح التدخل، بل بما يمكن أن ينتج عنه من:
أبحاث علمية.
برامج تدريب.
محاكاة للحالات الحرجة.
بروتوكولات وطنية.
مراكز تميز.
تعاون علمي إقليمي ودولي.
فكل حالة استثنائية يمكن أن تكون مختبرًا لتطوير الطب.
خامسًا: من توطين العلاج إلى صناعة الريادة
إن الطموح الطبي الأردني ينبغي ألا يتوقف عند قدرة المريض على تلقي العلاج داخل الأردن.
المرحلة الأرقى هي أن يصبح الأردن قادرًا على إنتاج المعرفة التي يحتاجها الآخرون.
وهذا يتطلب بناء مراكز تميز في الحالات المعقدة، وقواعد بيانات للحالات النادرة، وبرامج محاكاة متقدمة، وشراكات بحثية دولية، وربط المستشفيات الجامعية بمؤسسات البحث والابتكار.
عندها يصبح الأردن:
وجهة للعلاج، ومركزًا للتدريب، ومنصة للبحث، ومصدرًا للمعرفة الطبية.
وهذه هي الريادة التي تستحق أن تُبنى عليها استراتيجية وطنية.
سادسًا: الطبيب الذي يصنع المستقبل
الطبيب المستقبلي ليس من يحفظ أكبر قدر من المعلومات فقط، وإنما من يستطيع أن:
يشخّص، ويتنبأ، ويحلل، ويتعاون، ويبحث، ويبتكر، ويعلّم.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والهندسة الحيوية إلى قلب الممارسة الطبية، سيزداد احتياجنا إلى طبيب يجمع بين ذكاء التقنية وحكمة الإنسان.
فالآلة تستطيع أن تحلل البيانات، لكنها لا تحمل وحدها المسؤولية الأخلاقية عن القرار.
ولهذا ستظل إنسانية الطبيب جزءًا من جوهر المهنة مهما تطورت التكنولوجيا.
سابعًا: الطب بوصفه قوة ناعمة للأردن
حين تتحول الخبرة الطبية إلى معرفة، والمعرفة إلى تميز، والتميز إلى مرجعية إقليمية، يصبح الطب أحد أدوات القوة الناعمة للدولة.
فالمرضى الذين يأتون للعلاج، والأطباء الذين يأتون للتدريب، والباحثون الذين يتعاونون مع المؤسسات الأردنية، جميعهم يشكلون جسورًا علمية وإنسانية تتجاوز الحدود.
وهكذا يمكن أن ينتقل الأردن من مفهوم:
السياحة العلاجية
إلى مفهوم أوسع:
الدبلوماسية الطبية والمعرفية.
ثامنًا: العبقرية التي تستمر بعد أصحابها
إن التكريم الحقيقي للأطباء لا يكون فقط بتوثيق أسمائهم، وإنما بتحويل إنجازاتهم إلى إرث مؤسسي.
فالإنجاز الذي يموت مع صاحبه يصنع ذكرى.
أما الإنجاز الذي يتحول إلى علم وتدريب وبروتوكول ومدرسة طبية، فإنه يصنع تاريخًا.
ولهذا فإن أسماء الدكتور عقبة القرعان، والدكتورة لبنى الخريشة، والأستاذة الدكتورة إيمان بدران، والدكتور عمر عبابنة، والدكتورة تهاني خضير، ينبغي أن تُقرأ في سياق أوسع: سياق تطور العقل الطبي الأردني وقدرته على العمل الجماعي وصناعة الحلول في الحالات شديدة التعقيد.
الخاتمة: من إنقاذ حياة إلى بناء حضارة
إن الطفل الذي أُنقذت حياته لم يكن مجرد حالة طبية.
كان اختبارًا لقدرة العلم على مواجهة المستحيل.
وكان فريقه الطبي نموذجًا لما يمكن أن يفعله العقل الجماعي عندما تتكامل المعرفة حول قيمة إنسانية واحدة: الحياة.
ومن هنا فإن الرسالة الأعمق لهذا الجزء من الموسوعة هي:
لا تُقاس نهضة الطب بعدد العمليات الناجحة فقط، بل بقدرته على تحويل النجاح إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى مدرسة، والمدرسة إلى إرث يخدم الإنسان.
وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الطب الأردني:
من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها،
ومن استيراد الابتكار إلى صناعته،
ومن توطين العلاج إلى توطين المعرفة،
ومن الإنجاز الفردي إلى التميز المؤسسي،
ومن الريادة المحلية إلى الحضور الإقليمي والدولي.
فالأطباء يرحلون، والأجيال تتعاقب، لكن العلم الذي نؤسسه اليوم يمكن أن يبقى.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال:
"هل نجحنا في إنقاذ هذه الحياة؟"
بل السؤال الأكبر:
"ماذا سنبني من المعرفة التي أنقذت هذه الحياة؟"
وهنا تحديدًا تتحول العبقرية الطبية من إنجاز عابر إلى مشروع حضاري لخدمة الإنسانية.
الحكمة الختامية للجزء الأول
الطبيب العظيم ينقذ حياة؛ والطبيب العبقري يضيف إلى العلم؛ أما الطبيب الذي يصنع التاريخ فهو الذي يحوّل إنقاذ الحياة إلى معرفة، والمعرفة إلى مدرسة، والمدرسة إلى إرثٍ يبقى بعد غياب أصحابها في خدمة الإنسان.
موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية
الجزء الأول: العبقرية الطبية الأردنية وصناعة المستقبل الصحي
المؤلف:
العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
الكلمة الختامية للجزء الأول
حين ينتصر العلم للحياة
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
لم نكتب هذا الجزء احتفاءً بإنجازٍ طبي، بقدر ما كتبناه احتفاءً بالعقل الذي يجعل من العلم فعلًا لإنقاذ الإنسان.
فالطب في أرقى صوره ليس معرفةً بالمرض، بل معرفةٌ بالإنسان حين يكون أكثر هشاشة؛ وليس انتصارًا على الموت، بل انحيازًا للحياة.
لقد كشفت لنا تجربة مستشفى الجامعة الأردنية أن العبقرية لا تسكن عقلًا منفردًا؛ إنها تولد حين تتآلف عقول متعددة حول غاية واحدة، وحين تتحول الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى إرث تتناقله الأجيال.
إن أعظم إنجاز للطبيب ليس أن يُنقذ حياةً فحسب، وإنما أن يترك وراءه علمًا يجعل إنقاذ الحياة ممكنًا لمن يأتي بعده.
ومن هنا، فإننا لا نريد للطب الأردني أن يكون مستهلكًا للمعرفة، بل صانعًا لها؛ ولا أن يكتفي بتوطين العلاج، بل أن يؤسس لتوطين المعرفة والابتكار والريادة.
فالأمم لا تُقاس بما تملك من مستشفيات فقط، وإنما بما تستطيع أن تمنحه للإنسان عندما يصبح الألم أقوى من قدرته على الاحتمال.
إن الطبيب الذي ينقذ إنسانًا يحفظ حياة؛
والطبيب الذي يصنع معرفةً يحفظ مستقبلًا؛
أما الطبيب الذي يوحّد العلم والضمير، فإنه يترك أثرًا في تاريخ الإنسانية.
ولهذا نختتم الجزء الأول من «موسوعة عباقرة الطب في خدمة الإنسانية» لا بنقطة، بل بعهد:
أن يبقى الإنسان غاية العلم، وأن تبقى الحياة أقدس ثماره، وأن تتحول العبقرية الطبية من إنجازٍ عابر إلى معرفةٍ باقية، ومن معرفةٍ باقية إلى حضارةٍ تحمي الإنسان.
فحين يتحالف العقل مع الرحمة، لا يعود الطب علاجًا للمرض فحسب؛ بل يصبح أحد أرقى أشكال انتصار الإنسان على هشاشته.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر