أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٤ أيلول من كل عام

١
يحبونني ميتا :"نا سيزيف فلسطيني " :

يحبونني ميتا ليقولوا : لقد كان منا وكان لنا
" سمعت الخطى ذاتها منذ عشرين عاما تدق على حائط الليل . تأتي
ولا تفتح الباب . لكنها تدخل الآن . يخرج منها الثلاثة : شاعر,قاتل ،قاريء . "
( هل أحور وأكتب: طابع وناشر )

أنا يوسف يا أبي :

"أنا يوسف يا أبي ,يا أبي ، إخوتي لا يحبونني ، لا يريدونني بينهم يا أبي
يا أبي : يعتدون علي ويرمونني بالحصى والكلام . يريدونني أن أموت لكي
يمدحوني .... هم سمموا عنبي يا أبي ، وهم حطموا لعبي ...
( هل أقول : هم شوهوا كتبي يا أبي )
"
أنت منذ ، الآن ، غيرك

كنا كذبنا حين قلنا ..إننا استثناء .
أن نكون ودودين مع من يكرهوننا ، وقساة
مع من يحبوننا - تلك دونية المتعالي
وغطرسة الوضيع .
لولا أن محمدا هو خاتم الأنبياء ، لصار
لكل عصابة نبي ، ولكل صحابي ميليشيا .
ما حاجتنا للنرجس ما دمنا فلسطينيين ؟ "
(هل أحور .. ما دمنا ساديين؟)
٢٠١٢

٢
" جدل الشعر والسياسة والذائقة : دراسة في ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار محمود درويش " :
( يحبونني ميتا...انا سيزيف فلسطيني )

قصة الكتاب :

في حزيران 1999 أنجزت مسودة الكتاب وهيأتها للنشر وأرسلت صورة منها ليعقوب حجازي صاحب دار الأسوار الذي نشر لي كتابين ، ولكنه رأى أن كتابي عن درويش قد يسيء إليه ، فلم يدفع بالكتاب إلى النشر ، وما زلت احتفظ بنسخة المخطوط الأصلية .
في العام 2008 اتفقت مع السيد محمد الشرقاوي صاحب دار " ورد " للنشر على نشر الكتاب ، وكان يفترض أن ينشر ويصدر عن الدار لولا الخبر المزعج في آب حيث توفي الشاعر ، ما جعل الناشر يتراجع عن اتفاقه ، لأنه رأى أن إصدار الكتاب بعد وفاة الشاعر قد يعد إساءة - عن قصد - له ، علما بأن الشاعر أدرك متأخرا أن ما أكتبه عنه من دراسات لا يرمي إلى الإساءة إليه ، فالأمر ، كما كتب في قصيدة " اغتيال " في " أثر الفراشة " ( 2006 ) هو سوء تفاهم ، وقد شكرنا لهذا ومضى إلى قصيدته الجديدة ، بل إنه في إحدى مقابلاته مع حسن نجمي -كما أظن - حين سئل عن دراساتي قال :
" كنت أعتقد أن هناك جهات سياسية تقف وراء مثل هذه الدراسات ، ثم تبين لي أنها دراسات غير مسيسة " .
وكنت تحدثت بشأن الكتاب مع السيد أحمد أبو طوق صاحب الدار الأهلية للنشر وأعطيته قرصا خاليا من الأخطاء - نشرت الكتاب الكترونيا في موقع " ديوان العرب " وهو بلا أخطاء إلا ما ندر - ولما لم ينشر أبو طوق الكتاب طابت القرص منه ، فوعد أن يعيده لي في معرض الكتاب في رام الله ، ولم أذهب إلى معرض الكتاب ولم أحصل منه على القرص .
جامعة النجاح التي تريد أن تحقق مكانة تميز بين الجامعات طلبت من أعضاء هيأة التدريس فيها أن يدرجوا أبحاثهم ومقالاتهم وكتبهم على موقعها ، وهكذا أدرجت أعمالي التي أنجزتها على موقع الجامعة .
ذات نهار سألني موظف المكتبة عامر إن كنت أراجع أعمالي بعد إدراجها على الشبكة العنكبوتية ، واتفق أن كنت قررت إصدار كتابي هذا ورقيا ، ولما راجعته وجدته يحفل بالأخطاء النحوية والطباعية ، وهكذا ذهبت إلى أحد معارفي وصححت الكتاب من جديد .
هذه الأيام قررت أن أنشر الكتاب ورقيا ، ولأن المؤمن الذكي لا يلدغ من جحر واحد مرتين ، فقد قررت أن أقرأ الكتاب واراجعه قبل دفعه للنشر ، فماذا وجدت؟
وجدت الأخطاء السابقة نفسها - وأخطاء أخرى جديدة .
يا الهي !
ما هذا؟
سأكتشف أنني ( سيزيف) فلسطيني , وأن الفلسطينيين يمارسون معي لعبة عبثية . هل هم ساديون إلى هذه الدرجة؟ هل هم حريصون على محمود درويش أكثر مني؟ ( للكتابة بقية )

٣
ادونيس وشعر المقاومة : سميح القاسم :

" الملاحظة الأخيرة هي أن هذا النتاج محافظ ، منطقي ، مباشر ، فهذا النتاج يندرج في الإطار الأيديولوجي السائد ، يحاول أن يصنع الثورة بوسائل غير ثورية ، إنه مثلا ينطق بالقيم التقليدية التي تتبناها القوى المحافظة ، القيم الماضوية الدينية والقومية ، يستلهم شعراء الأرض المحتلة أحيانا أحداثا ماضية ذات بعد واطار دينيين ، وأحيانا يستلهمون الأنبياء انفسهم،وأحيانا يعكسون فكرة الثأر ، والثورة لا تقوم باحياء الماضي أو استدعائه"ادونيس ، زمن الشعر " ، ص107.
هل ينطبق ما كتبه أدونيس على شعر المقاومة حقا ؟ أعني على سميح ومحمود وفدوى أيضا ؟
ماذا كتب مريد عن القبيلة ومحمود ايضا ، ولكن في فترات متأخرة ، ولكن في المقابل ماذا كتب سميح القاسم في معلقته المعاصرة بغداد ( 2008 ) ؟.
ربما سأكتب في هذا ليوم الأحد في الأيام الفلسطينية.

٤
سائق الصباح :

سائق الصباح بدأ حديثه عن قلة الحركة ، فلا ركاب هذا الصباح . كأن اليوم الخميس يوم جمعة أو يوم سبت .
ماذا جرى للناس ؟
فجأة رأى السائق راكبا يرتدي شورتا فسأله الراكب إن كان مستعدا للذهاب عن طريق بلاطة .
اعتذر السائق ﻷنه لا يريد تغيير خط سيره . قال السائق :
- كما قلت : إنه ذاهب للمخيم لا إلى المدينة . هذا ما قاله لبس الشورت لي .
وأنا لم يرق لي كلامه فعقبت :
- ولكني من فترة رأيت طالبا في الجامعة يرتدي شورتا .
تدخل طالب كان في السيارة وقال :
- وأمس رأيت طالبة بالبرمودا وهكذا عدنا إلى زمن ( الميني جوب ) و ( المايكرو جوب ) و ... 60 ق 20 .
ما الذي جعل السائق يخوض في الحديث عن تلك الفترة وعملاء إسرائيل منا في حينه ؟السائق تحدث عما سمع عن داعش ، فقال إن هؤلاء ليسوا مسلمين ، وإنهم صناعة أمريكية مثلهم مثل جواسيس إسرائيل التي زرعتها بيننا بعد النكبة . وذكر اسم صاحب بيارة في الغور وقال إنه كان يهوديا ، وقص قصة صاحب البيارة الذي فاوضته جامعة النجاح على بيارته حتى يبيعها للجامعة أو يتبرع بها بعد موته فكان رده :
- هذه لها أصحابها - يقصد قومه اليهود .
وظل السائق يتحدث وقال إن أم القذافي يهودية ولذلك ألغى السنة وأراد إلغاء القرآن أيضا ، وأضاف إن أم هتلر يهودية وقد أراد خدمة اليهود حتى اﻷبد ، فقد أراد هتلر أن يظل الألمان يدفعون لليهود تعويضات حتى اﻷبد .
أنا ذكرت كوهين ، فسألني السائق إن كنت أعرف من ألقى القبض عليه ولم يترك لي فرصة للإجابة .
قال السائق إن المصريين الذين زاروا الجبهة رأوا كوهين هناك فسألوا السوريين :
- ماذا يفعل هذا هنا ؟فأجابه السوريون :
- إنه رفيق في الحزب . هنا أفشى المصريون سر كوهين .
والسائق قال وقال .
لكن الطريق قصرت وكان لا بد من النزول من الحافلة .
الآن تذكرت قصيدة محمود درويش :
" لا شيء يعجبني " .
وأنا .
أنا تعبت من السفر و
" لا شيء يعجبني " .
٢٠١٤

٥
" أسامينا " : فيروز

فيروز تغني أسامينا والاسم هوية والاسم لا يدل على صاحبه قدر ما يعبر عن طبيعة مختاره وأفكاره ونظرته إلى الحياة ، بل وأمنياته المستقبلية له ولابنه .
في العام 1967 ولدت أختي كفاح بعد حزيران واختار لها أبي المعجب بجمال عبد الناصر الاسم كفاح على أمل أن يواصل العرب الكفاح .
من الاسم يمكن أن تدرس تفكير اﻷهل كما ذكرت . إنه دال وواجهة كما يقول السيميائيون . وأحيانا كما في الحرب اﻷهلية اللبنانية يتم القتل على الاسم ، وهذا ما التفت إليه أمين معلوف في " هويات قاتلة " وجسده جبور الدويهي في روايته " شريد المنازل " .
كانت العرب تقول :
" لكل امريء من اسمه نصيب " ،
مع أنها كانت تسمي أحيانا أسماء يكون أصحابها أبعد شيء عن أسمائهم .
أحيانا يقول الناس :
" لو اﻷسماء بتنباع وبتنشرى كان سمى الناس خرى " .
أحيانا يقولون ما سبق وخاصة حين يتفنن بعضنا في التسمية التي تعبر أيضا عن خلاف أجيال وعن الموضة .
" أسامينا " تغني فيروز وحنظلة السوري ، عن غير وعي وقصد وإرادة ورغبة ، أدار ظهوره لنا وربما وجب أن نتذكر ما قاله معين بسيسو في حافظ اﻷسد في 1976.
غير قادر أنا على الدفاع عن الدكتاتور حتى لو حرر فلسطين من البحر حتى كينيا .

٦
مصائر ربعي المدهون ( 1 ) :

لم أقرأ كل ما كتبه الناقد فيصل دراج عن رواية مصائر للروائي ربعي المدهون . قرأت فقط الفقرة التي أدرجها ربعي نفسه على صفحته وفهمت منها أن هذه الرواية متميزة وأنها أضافت علامة جديدة إلى روايات كنفاني وحبيبي وجبرا وأنها من روايات الحنين والذاكرة .
أنا شخصيا أقدر آراء الناقد دراج وغالبا ما تروق لي عموما ، وهو بذلك يحثني على قراءة الرواية .
هل اقتصر دراج في حكمه على جانب محدد ؟ فكرة الرواية مثلا ؟ أم أنه رأى في بنائها أيضا شيئا جديدا لافتا ؟
يجدر أن أطلع على ما قاله الناقد كاملا،ذلك أنه ، من قبل ، مدح روايات أخرى لروائيين فلسطينيين آخرين مثل سحر خليفة ، ولم أتفق معه فيما ذهب إليه . وهذا رأي ، والخلاف في الرأي لا يقلل من تقديري للناقد .
أنا قرأت أول 66 صفحة من مصائر وراق لي نصفها ، فيما رأيت في نصفها الثاني إشكالات فنية تقول إن الروائي كتب روايته على عجل .
هناك إشكالات ستثار على صعيد السرد وأخرى على صعيد اللغة الروائية وثالثة على مستوى جدة الموضوعات في الرواية ، وأعتقد أن ما قاله الناقد فيصل دراج فيه قدر من المجاملة .
لم أر قدرا من البناء الهندسي على مستوى السرد ، وهناك خلل فاضح ، ولم أر الشيء نفسه على صعيد اللغة . هناك فذلكات وعدم ظهور عقلية هندسية مقنعة على مستوى لغة الشخصيات ، وثمة مفارقات في لغة الشخصية الواحدة تبدو غير مقنعة أصلا ، مثل لغة جولي التي لو تتبعها المرء في الصفحات 33 - 66 لوجد خللا فيها ، تارة يؤسلب ربعي لغة جولي وطورا لا . تارة نجدها عربية فصيحة وطورا على قدر من الضعف . هل كان يؤسلبها حين يروق له اﻷمر بعد أن يترجمها ولا يفعل ذلك ثانية فيتركها كما هي ... إلخ ؟
ثمة لعبة روائية يمارسها المؤلف حين تتناص روايته هذه مع روايته " السيدة من تل أبيب " ، واﻷمر ليس جديدا في الرواية الفلسطينية ، فقد بدأه آميل حبيبي و واصله كثيرون بعده ، ولا أريد أن أتحدث عن تجربتي فلست الوحيد الذي فعل هذا .
أمر آخر جعلني وأنا أقرأ هذه الصفحات أرى تكرارا في الكتابة .
إن زيارة وليد دهمان إلى مجدل عسقلان ذكرتني برواية إلياس خوري " باب الشمس " وشخصية الفلسطينية أم حسن .
وأخيرا:
لو كان غسان كنفاني مازال موجودا ، هل كان سيقتل أبطال روايته " رجال في الشمس " ﻷنهم بحثوا عن حلول فردية بعيدا عن فلسطين ؟
وليد دهمان الآن يواصل سلوك أبو قيس ، بل وأبو الخيرزان ، وينظر لهذا ويتخلى عن فلسطينيته لصالح جنسية بريطانية . إنه مثل آيفانا الفلسطينية اﻷرمنية التي باعت أهلها ووطنها ﻷجل الضابط اﻷنجليزي ، وضحت بوطنها ﻷجل ما بين ساقيها ، ما دفع والديها للتخلي عنها . لقد ماتا لاجئين في لبنان ، فيم كانت هي تعيش مسرورة مع ضابط بريطاني سلم فلسطين للحركة الصهيونية . هل يختلف وليد دهمان عن آيفانا هو الذي تزوج من ابنتها جولي وغدا بريطانيا .
اليوم قرأت على صفحة ربعي المدهون أن العرب والمسلمين أصفار . هل صار بطله وليد مثل خلدون / دوف في رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " ؟ وحتى لا يغضب ربعي من هذه القراءة فلعلني أفلح الليلة في إدراج مقال كتبته قبل عامين عنوانه
" هل أنا سعد .. هل أنا دوف ؟ " .
٢٠١٥

٧
حول ذكر أسماء النساء في قوائم الانتخابات وعدمه وأن الأمر صبياني أنصحكم بقراءة قصة محمد علي طه "وصار اسمه فارس أبو عرب" ،كما أنصح مراسلي الصحف مقابلة حمودة أبو العارف (محمد) من مخيم عسكر القديم، ليروي لهم قصص الطفولة في هذا الجانب.
إنه زمن الخيبة
وليل الضفة الطويل
وتاسيس الجامعات في العالم العربي وفلسطين
وزمن الفصائل الفلسطينية.
مرة كتب الشاعر توفيق زياد عن هزيمة حزيران 1967:
إنها الخلف خطوة من أجل عشر للأمام.
ونحن نحور:
إنها للخلف خطوة
من أجل عشر لل. ......وراء.
٤/ ٩ /٢٠١٦

٨
كنت أود أن أطلب من الله ألا يقبل أضحية من مسلم للأذى الذي يلحق بنا من وراء ذبحها في البيوت حيث يتكاثر البعوض والهسهس وما شابه ثم أصغيت إلى امرأة عربية سورية كردية في الثالثة والخمسين من عمرها تعاني من إقامتها في ألمانيا فتصب جام غضبها على اللبنانيين وبشار الأسد وحسن نصر الله و " خاين الحرمين " - العبارة لها نقلا عن صدام - .
المرأة تتمنى لو احترمها اللبنانيون فظلت في لبنان أو لو فتح السعوديون أبواب دولتهم للسوريين لكانت على الأقل حجت وصلت و ... و ...
أشادت المرأة بتركيا التي هي أفضل من اللبنانيين والسعوديين الايرانيين و .. و ..
وتمنت المرأة لو تحمل الجنسية الإسرائيلية فهي أفضل من الحكام العرب ونصرالله وعون وبشار وأبيه و " خاين الحرمين " .
منذ بداية المأساة السورية ومن قبلها العراقية كان أكثر الكتاب والمنظرين ينسون مأساة هؤلاء الملايين الذين لا ناقة لهم في الحرب ولا بعير .
مأساة العالم العربي أكبر بكثير مما نتصور .
اللهم لا تتقبل أضحية من أحد ، وماذا يجدي إن قلت : لعنة الله على الحكام العرب قاطبة .
4 / 9 / 2017

٩
٤ أيلول ٢٠١٨
من يوميات السكاكيني ( 5 نيسان )
عن القدس :
" لا تلوح لي بارقة أمل يوما إلا توالت بعدها صدمات اليأس أياما . هكذا كنت ولا أزال منذ عشرين سنة ، ولولا غضاضة الشباب وعنفوان الصبا ، لأصبحت خرقة بالية . نزلت أمس إلى البلد فلم تقع عيني على أحد إلا اشمأزت نفسي وانقبض صدري . لا أتصفح الوجوه إلا رأيت علائم الانحطاط . كان يجب أن أرحل عن القدس من زمان طويل ، لأنها بلد لا يستطيب الحياة فيه إلا أصحاب العقول السخيفة والنفوس الصغيرة ، والوجدانات البالية والمباديء الساقطة . لا أستطيع أن أشتغل فيه وحدي ولا أستطيع أن اخالط الناس . إن الحياة في مثل هذا الوسط لمرة على من كان مثلي ".

هل أنجزت دراسات عن صورة القدس في يوميات السكاكيني ؟
الموضوع يستحق دراسة .
لماذا رسم السكاكيني هذه الصورة للقدس في يومياته ؟
4 أيلول 2018

١٠
طلاب قسم اللغة العربية والكتابة :

أعتقد أن على طلاب قسم اللغة العربية الذين يكتبون في صفحة " ملتقى اللغة العربية وطلابها " أعتقد أن عليهم أن يكتبوا باللغة العربية الفصيحة .
منذ فترة وأنا أتابع صفحة طلاب قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية لكي أتعرف على تفكيرهم ولغتهم ولقد لاحظت أن جل تفكيرهم ينحصر في مواد التدريس والأساتذة وطلب المقررات من بعضهم والأسئلة المتوقعة ومدرس المادة وصرامته وعدمها وما شابه .
ما أفجعني هو أنهم يكتبون بالعامية وأن ما يكتبونه يحفل بالأخطاء الإملائية والنحوية ويعبر عن ضعف ثقافي ومعرفي .
أتمنى أن يجرب الطلاب الكتابة بلغة عربية فصيحة بسيطة .
الفاجعة الأكبر تكمن في أبحاث كثير من أساتذة الجامعات في كليات الآداب ولا أدري كيف يدرس قسم منهم مواد دراسات عليا والحمد لله على ....
٤ أيلول ٢٠١٩

١١
الست كورونا : الكمامات في حر أيلول اللاهب ( 65 )

حديث الناس أمس كان عن موجة الحر اللاهب . كانت الشوارع في وقت الظهيرة شبه خالية من المارة ، فقد التزم كثير من المواطنين بيوتهم ، وفي المساء اختلف الأمر ، فقد كان وسط المدينة مزدحما بالمتسوقين الذين أرادوا التبضع استعدادا ليوم الجمعة ، فنصف الراتب الذي صرفته الحكومة لموظفيها نشط الوضع الاقتصادي ، ومثلنا يقول " نصف البطن بغني عن ملوته " ونصف راتب أفضل من " بلاش " و " الريحة ولا العدم " و " ظل راجل ولا ظل حيطة " و " قوت ولا تموت " وفي زمن الاحتلال كانت هناك وظائف " نص وظيفة " ومعلم ب " نصف معلم " - أي نصف وظيفة .
الأرقام التي أعلنتها الجهات المسؤولة عن عدد الإصابات بالكورونا كانت مرتفعة ، وهكذا لم يقتل الحر الكورونا ولم يخفف من الوباء .
ما كنت أرغب في هذا الصباح في الكتابة لولا الكاريكاتير الذي أرسله إلي ابن خالتي السيد Muneer Quqa والكاريكاتير حوار بين أب وابنته .
في الحر اللاهب ترتدي الشابة ملابس لا تستر جسدها ؛ ملابس أقرب إلى المايو ، فلا يعترض الأب الذي يسألها :
- يا بنت الحرام ليش طالعة هيك ؟ .
فتجيبه:
- بابا الدنيا شوب .
و هنا يعترض الأب :
- ليش مش واضعة الكمامة يا بنت العرص ؟
بعض الفتيات يرتدين بنطال ( تايت ) يفصل ملامح الجسد كله وبلوزة لافتة ومغرية ويرتدين الشال علامة على التحجب و .. و ..
٤ أيلول ٢٠٢٠

١٢
الست كورونا : الهجرة إلى كندا ( 66 )

أرسل إلي الصديق شجاع الصفدي شريط فيديو يتحدث فيه مواطن لبناني يقيم في كندا عن المساعدات التي تقدمها الحكومة الكندية لمواطنيها في ظل جائحة الكورونا .
الشريط الذي لا يظهر فيه المتكلم يعرض المساعدات المقدمة من أطعمة وعصائر ومعلبات وفواكه و .. و ..
المتحدث يقول إن الحكومة تعرف أن هناك مواطنين مسلمين لا يأكلون لحم الخنزير أو الذبائح المذبوحة على الطريقة الإسلامية ، ولذلك ترسل لحما أو دجاجا روعي في أثناء ذبحه الطريقة الإسلامية ، والمتحدث يقارن بين حكومة الكفار الكندية وحكومات العالم العربي ؛ الإسلامية أو المسيحية ، ويقف بالطبع إلى جانب كندا ضد لصوص بلاده ؛ مسلمين ومسيحيين .
الأغذية المعروضة وما قاله الرجل يغريان بالهجرة إلى كندا ، فما بالك إن شاهد المعروض وأصغى إلى الحديث مواطن من غزة المنكوبة .
الشريط لي ليس جديدا ، فقد شاهدته في آذار أو نيسان ، وأظن أن ابن خالتي السيد Muneer Quqa الذي كان في تلك الأيام في كندا أرسله إلي . الجديد هو إرساله إلي من مواطن فلسطيني يقيم في غزة .
عندما أصغيت إلى الشريط ثانية وشاهدت المعروضات عقبت :
هههههههههه
أكيد حكومة حماس في غزة ترى في الشريط إعلانا ممولا ومغرضا هدفه تشجيع مواطني غزة الهجرة إلى كندا .
الصديق شجاع الذي يعاني معاناة مزدوجة تعود إلى قطع السلطة الفلسطينية راتبه منذ سنوات وإلى إقامته في قطاع غزة تحت حصار قارب الأربعة عشر عاما عقب على تعقيبي قائلا إن الجهات المحاصرة إن سمحت لأهل غزة بالخروج فسيغدو القطاع مثل صحراء الربع الخالي .
طبعا قد تحتج دولة قطر وحكومة حماس وتقول إن كلام الصديق شجاع مبالغ فيه وإن الطرفين ؛ قطر وحكومة حماس ، يفعلان ما تفعله الحكومة الكندية ، فقطر تقدم معونة شهرية لأهل القطاع ، وحكومة حماس توزعها ، والناس تشتري ما تريد من أطعمة وعصائر ومعلبات وفواكه و .. و .. وقد تزعمان ؛ دولة قطر وحكومة حماس أن الأغذية التي تقدمها الحكومة الكندية منتهية الصلاحية و .. و .. إلخ .
لا أعرف إلام آل مصير صندوق " وقفة عز " في الضفة الغربية .
على فكرة فأنا عندما كنت في ألمانيا أزور عائلة كردية - فلسطينية تعيش اللجوء السياسي ، كنت أصغي إلى شكواها من الألمان الذين كانوا يضعون لهم الأطعمة والعصائر والمعلبات أمام منزلهم ويرون في ذلك إهانة لهم .
هل الإعلان الذي يتحدث فيه المواطن اللبناني إعلان ممول ومغرض ؟ وهل ما تقوم به حكومة دولة قطر وحكومة حماس كلما حان موعد المساعدة ليس مغرضا وخاليا من أي سوء .
كان الله في عون الفلسطينيين في غزة وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وفي الدول الاسكندنافية وغيرها ، ورحم الله " أم سعد " بطلة رواية غسان كنفاني " أم سعد " فقد لخصت الحكاية منذ ١٩٤٨ حتى الآن :
- ماذا أقول يا ابن عمي ؟ في الليل أحسست بأنني قريبة من النهاية ... ما النفع ؟ أريد أن أعيش حتى أراها . لا أريد أن أموت هنا ، في الوحل ووسخ المطابخ .. هل تفهم ذلك يا ابن عمي ؟"
٤ أيلول ٢٠٢٠

١٣
صورة الفلسطيني في الرواية العربية : سلسلة مقالات ودراسات سوف تجمع في كتاب.

حيدر حيدر في " شموس الغجر " : ماجد زهوان وماجد أبو شرار

أنهى الروائي السوري حيدر حيدر روايته " شموس الغجر " في آب ١٩٩٧ وصدرت الطبعة الثانية منها في العام ٢٠٠٠ ، وتعد الرواية واحدة من أهم الروايات العربية التي تأتي على موضوع تحول اليسار العربي إلى نقيضه ، فهي ترصد من خلال شابة سورية ، درست في الجامعة علم النفس ، تجربتها مع أبيها الذي بدأ حياته يساريا علمانيا وربى أبناءه على التحرر وعدم الخضوع إلى العادات والتقاليد ، ثم سجن ولم يطلق سراحه إلا بعد أن انسحب من الحزب وخضع لرجال الطائفة الشيعية الكبار وأفكارهم ومعتقداتهم ، متخليا عن ماضيه اليساري ، وهو ما لم يرق لابنته راوية التي تروي حكايتها معه ومع أخيها نذير الذي يلتحق بالجيش ولا يروق له أن تكون أخته خليلة لشاب " فلسطيني مشرد وشيوعي سافل " ، علما بأن والده هاجر في النصف الثاني من القرن العشرين من دمشق إلى بيروت ، وفي بيروت " تعرفت على رجال من الثورة الفلسطينية : هؤلاء المقاومون في عصر الخضوع والعار العربي سيكونون منارة الظلمة والخندق الأخير " .
تعجب راوية ، في الجامعة ، منذ اللقاء الأول بماجد زهوان ، وتنبهر به ، فقد كان يدرس التاريخ ولوهلة بدا لها متعصبا وعنيفا " قالت النفس معللة حالته : الفلسطيني الجريح " . ومع ذلك أحست " بأنه يحترم الآخر إذ ينصت إلى ما يقول " ، وحين تتهافت عليه تتساءل عن السبب ، فهو " رجل غارق في بحار همومه ومنافيه ومسؤولياته الوطنية " .
كان ماجد يقول إنه لا يصلح للحب وللزواج ، وحين تسأله راوية عن السبب يجيب :
" أنا إنسان مهدم . مفكك من الداخل ثقتي بنفسي مفقودة . وأنا أقف في الريح لأنني بلا وطن . شيء واحد أراه في الأفق " الموت " . وحين تسأله لماذا تكون معادلة الفلسطيني الموت وليس الحياة يجيب :
" إما نحن أو هم . هذا قانونهم في توراتهم . الدم بالدم . منذ أكثر من نصف قرن وهم يلغون في دمائنا ." .
وترى راوية فيه شخصا " يشبه نجما في سماء " وتراه وهي على سطح بيتها " في عيون الريم . كوكب بعيد شحيح الضوء في ظلمة كون شاسع . منهمك في اللوغارتيمات والخرائط وأحلام التخطيط لتدمير إسرائيل " وحلمه الذي لا يتحقق " هو الالتحاق بتشي غيفارا في غابات بوليفيا زمن الفتوة والنهوض " .
وحين يكتب ماجد ، وهو في قبرص ، رسالة إليها يأتي على حياته منذ الخروج من بيروت في ١٩٨٢ ، " حيث لا شيء سوى الثرثرة واغتياب الآخرين واحتساء الشاي " ويعبر عن مواقفه السياسية . إنه مع المنظمة ولكنه ضد اتفاق " أوسلو " ، وهو غير راض عن وظيفته في مكتب المنظمة في قبرص ، ما يجعله يشعر بالغربة :
" الآن سأخرج من هذا الهذيان الأخرق اللامجدي . بعيدا عن الحالة الفلسطينية الميلودرامية الباعثة على الشفقة ( هكذا حدث الأمر بعد أن مسخت الثورة إلى سلطة بائسة وخراء انتهازي وقوافل ضباع مجيفة تراكم الأرصدة زاحفة نحو سلام المهزومين لا سلام الشجعان ، لأن الشجعان اغتيلوا واستشهدوا ثم اختلطوا كأسلافهم في رماد العصور والأزمنة المنسية ) .
وكان مضادا ومشاغبا وصداميا ، مرمى (؟) تحت الريح الخطرة في مهب الأعاصير ! إنه يتساءل لماذا كان هكذا ويتساءل أحيانا عن مكمن الخطأ ؟! أكان الخطأ في خلايا تكوينه أم في العالم المحيط ؟ وهل كل ما أسس وما قد يؤسس كان سدى وبلا معنى ؟
تصف راوية ملامح ماجد الخارجية ، فهو ذو قامة باسقة وابتسامة لافتة وعينان مضيئتان كصقر . وسيكون لها حبل إنقاذ من ورطتها بعد ارتداد أبيها ومحاولة أخيها التحكم بسلوكها ومعاقبتها . لقد أحبته ورأت فيه نوعا من الحنين إلى أب مفتقد أحبته حين كان شيوعيا ومتحررا قبل أن يرتد إلى الطائفة ، ورأت في ماجد ما كان عليه أبوها يوم رباها على الحرية ، وتلتحق به لاحقا في قبرص وتتوطد علاقتهما معا وينفقان أوقاتا سعيدة جدا ، ففي " ليلة قمرية ونحن نشرب الأوزو اليوناني على شرفة بيتنا في نيقوسيا خطر لي أن أفكر قليلا صفاء بحيرة الرجل الحكيم والمكتنف بالصمت غالبا " وتكرر ما رأته فيه وتقر أنه صديقها الرائع " وتعويضي الأبوي ، والحنين الجارح إلى إخوتي وأمي وجدتي " .
ومرة تسأله :
- ما الذي يصلك بوطن أنت لم تولد فيه ؟
ويباغته السؤال ، فقد بدا له عبثيا بلا معنى ، وهنا يجيبها :
- وهل يسأل الفلسطيني عن علاقته بوطنه ؟
ولا يبدو ماجد متفائلا . إنه متشائم سوداوي . وسيقول لها مرة بعد حوار ساخن بينهما بأن بلاد العرب تسير نحو حافة الانقراض ووجهة نظره في هذا هي " الفرد - الطاغية هو ذلك التجسيد . أما البشر فقد ولدوا ليسبحوا باسمه " .
ليست راوية هي الوحيدة المعجبة بالفلسطيني ، فالنادل ( باندريو ) في البار والديسكو الذي يترددان عليه في قبرص يرحب بهما ويعدهما من الأصدقاء ويعاملهما معاملة خاصة ، ويخاطب ماجدا بلفظة مسيو ويراه " حبيبنا الفلسطيني " ويعرض على ماجد خدماته . وفي قبرص ينفق الحبيبان معا وقتا جميلا ، وتصف راوية الليلة التي قضياها معا في البار ، وأكملاها في البيت ، بالآتي :
" في تلك الليلة اللاتنسى ، انغمرنا عاريين في ابتهاج جسدين ، ذراتهما المنصهرة كأنما أعادتا خلق العالم كما في بداية التكوين الأول " .
ولكن ماذا عن أسرة ماجد ؟
هو طفل لأسرة فلسطينية أحب أبوه أمه حين داهمتهما في سن المراهقة الشهوة والعشق المبكر ، ثم اكتشفا ، بعد أقل من عام ، البرزخ الفاصل بينهما ، فالأم امرأة شرقية تهتم " بالبيت والاستهلاك وتعمير الدنيا بالأطفال . امرأة السكينة الشغوفة بامتلاك الأشياء و تأثيث البيت " والأب رجل طموح ومغامر وتستبد به رغبة حارة لارتياد الآفاق المجهولة . الأم امرأة من " نساء الشرق الخاويات من رشيم العقل والمليئات بالمظاهر الشكلية الفارغة " و .. وهذا ما لا يعني الأب كثيرا ، وهكذا يغادر في السنة الثالثة من الزواج مخلفا طفلا في الثالثة من عمره ، ما دفع الأم للعمل خادمة في بيوت الآخرين ، " متهمة ببيع جسدها لتحيا مع ابنها " .
يروي ماجد وهو حزين " عن الولد الذي لا وطن له ولا أب . سمع ما يكفي من المهانات الذاتية والوطنية .. عن الفلسطينيين اللاجئين والذين باعوا أراضيهم لليهود ، وبعد أن شب وانتسب إلى الجامعة عرف وشاهد ما حل بقومه من الذل والتعذيب والقتل من الحكام العرب الأشاوس . حولته الصدمات إلى انسان عصابي سريع الانفعال سوداوي المزاج جاهز للاستثارة والضرب بوحشية تصل حدود القتل " وماجد " علماني ، وبيني وبين الله ما بين الأرض والسماء من مسافة " ويعزو المجازر البشرية إلى " البنتاغون والسي . آي. ايه والماسونية والصهيونية " .
فما صلته بماجد أبو شرار ؟
ماجد زهوان الثوري دارس التاريخ اللاجيء والمثقف الذي لم يرق له " أوسلو " ، المحب لوطنه والعاشق لراوية يفجر نفسه في السفارة الإسرائيلية في قبرص في الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد المثقف الفلسطيني ماجد أبو شرار القائد في حركة فتح الذي اغتاله الموساد في روما في بداية تشرين الأول من العام ١٩٨١ يوم اغتيال الرئيس أنور السادات . فهل عبثا اختار حيدر حيدر اسم ماجد اسما لشخصية روايته وجعله يتطابق في ثوريته مع ثورية ماجد ؟
هذه الصورة لماجد وهذه العلاقة بينه وبين راوية سوف نقرأ شبيها لها في رواية فواز حداد " المترجم الخائن " ولكن مع اختلاف النهايات ؛ نهاية ماجد ونهاية الثورة الفلسطينية ونهاية العلاقة بين الحبيبين . وما يلفت النظر بين الروايتين أن الحبيب هو فدائي فلسطيني وأن المحبوبة هي فتاة سورية تهجر أهلها وتلتحق بحبيبها .

الجمعة والسبت
٤ و ٥ أيلول ٢٠٢٠ .

١٤
الفنادق في بيت لحم : أماكن موحشة

افتتح أمس في مدينة بيت لحم ، في قاعة بوتين ، مهرجان القدس الثاني عشر للشعر ، وقد شاركت فيه بعد تردد كبير .
كان الحضور لافتا إذ يبدو أن الناس ملت من الجلوس في البيت منذ بدأت جائحة الكورونا ، ويبدو أن نسبة المتطعمين منهم عالية ، وأن نسبة الاطمئنان إلى السلامة وعدم الخوف من المرض مرتفعة ، فقلة من الحاضرين من حصن نفسه بكمامة أو حافظ على مسافة بينه وبين الآخرين ، بل إنني لاحظت أن قسما من الحاضرين مارس عادة العناق .
غنت المطربة عبير منصور وطمعت في تجاوب الجمهور معها ، ولكن ما بدا لي هو أن القلوب ما زالت ، بسبب الكورونا ، كسيرة ، فالتجاوب لم يكن كما توقعت .
أكثر ما لفت نظري هو حالة فندق ( شبرد ) فرواده لم يكونوا إلا قلة قليلة ، ويبدو أن السواح الأجانب مترددون في زيارة مدينة السيد المسيح ، وقطاع الفنادق أكثر القطاعات تضررا منذ بدء الجائحة .
كانت تنتابني شخصيا حالة من الخوف ، ولعلها حالة مبالغ فيها أو أنه التقدم في السن أو عدم السفر منذ عشرين شهرا ، فالمشاركون في المهرجان شكلوا دائرة في بهو الفندق وواصلوا النقاش والفرح . كما لو أن ما بدأ في صالة بوتين لم ينجز تماما .
منذ العام ٢٠٠٤ وأنا أتردد على مدينة بيت لحم أشارك في مهرجاناتها وفي مؤتمرات جامعتها ، وأنجزت بسبب تلك المشاركة العديد من الأوراق ، ويبدو أن مشاركتي الأخيرة ستسفر عن إنجاز كتاب عنوانه " الرواية الفلسطينية في المنفى " . ( كانت أول مشاركة لي للحديث عن رواية ليلى الأطرش " مرافيء الوهم " بحضورها وحضور الكاتب محمود شقير )
أكثر ما كان يلفت نظري هو مراقبة بعض الحضور لجيبي بنطالي الخلفيين . من المؤكد أنهم لم يكونوا ينظرون إلى مؤخرة ابن خلدون ، فهي ليست لافتة مثل مؤخرة الراقصة روبي ، وإنما كانوا يريدون التأكد إن كنت أخفي فيهما - أي الجيبين - شيئا ما . هل أبالغ ؟ هل صرت مصابا بالبارانويا ؟ ولكن ما لا أشك فيه أن تجربة أبطال ( فرانز كافكا ) لا تكاد تذكر أمام تجربتي السخصية . إما أنني مريض أو أن مجتمعنا ، بسبب التخلف الاجتماعي وطول فترة الاحتلال ، مريض ويحتاج إلى اثني عشر مليون ( فرويد ) !
لماذا ذكرت الراقصة روبي ؟ وأنا أكتب عن مؤخرة ابن خلدون - أي مؤخرتي التي تشغل تفكير كثيرين - تذكرت مقال الكاتبة أحلام مستغانمي عن مقدمة ابن خلدون ومؤخرة روبي .
صباح الخير من فندق ( شبرد )
في بيت لحم .
السبت ٤ أيلول ٢٠٢١ .

١٥
الدكتور سعيد عياد و " المهمشون " والشنفرى :

أول ما لفت نظري وأنا أتصفح عناوين المجموعة القصصية للدكتور سعيد عياد " المهمشون " ( ٢٠٢١ ) عنوان " الشنفرى " .
القراءة البدئية للعنوان أوحت إلي أن القاص سيستوحي شخصية الشاعر الجاهلي الصعلوك " الشنفرى " ، ولكن ما إن قرأت القصة حتى وجدت أن ما أوحى به العنوان خادع ، فالقصة تتحدث عن مراب يسلب الناس أراضيهم حين يعجزون عن سداد ديونهم .
المهمش في القصة هو محمود المزارع الذي يعجز عن سداد دينه ، فيفكر في قتل الشنفرى ، ولكنه يتخيل أخته تمنعه من الإقدام على القتل بإعطائها الاسوارة الذهبية ليسد بها ما عليه .
يموت الإقطاعي الشنفرى بلدغة بعوضة ويرتاح منه أهل القرية .
أحيانا تكون العناوين خادعة .
والقصة أقرب إلى الحكاية منها إلى القصة القصيرة ، وهي مصوغة بلغة بسيطة سهلة مثل لغة الحكاية .
أمس التقيت في مهرجان القدس الثاني عشر للشعر بالدكتور سعيد عياد .
مبروك إصدار المجموعة .
٢٠٢١

١٦
المرحوم عبد اللطيف عقل :

مرت في الشهر الماضي الذكرى الثلاثون لرحيل الشاعر عبد اللطيف عقل ، وقد تذكره بعض معارفه ومحبيه فكتبوا فقرات أو أعادوا إدراج مقالات قديمة .
منذ ثلاثة أيام وأنا أفكر في الكتابة عن المثقف الفلسطيني مقاتلا ، متكئا على رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " التي أعدت قراءتها بسبب خطأ في المعلومات ورد في مقال الدكتور محمد القواسمة المنشور يوم الجمعة الماضي في " الدستور " الأردنية ( ١ / ٩ / ٢٠٢٣ ) ، ومتكئا أيضا على تنظير الشاعر زكريا محمد لإمكانيات كون الشاعر مقاتلا أيضا .
اليوم صباحا تذكرت قصيدة عبد اللطيف " بيان العار والرجوع " ، وتحديدا المقطع :
" هو الشعر لما يقاتل يزهو ،
ولما يداهن يكبو
ولما ينافق أقسى من الطعن في الخاصرة " .

أين ذلك الزمان الذي كان النقاد يكتبون فيه عن شعر القضايا العامة ويقسون على الشعر الذاتي الذي يعبر عن هموم فردية ذاتية بعيدة عن الهم العام ؟
لطالما قسا النقاد الأيديولوجيون على فدوى طوقان وأشعارها قبل ١٩٦٧ ، ثم أخذوا يمجدونها وأشعارها بعد ١٩٦٧ !!
رحم الله الشاعر عبد اللطيف عقل .
٤ / ٩ / ٢٠٢٣

١٧

غسان كنفاني : القراءة وإساءة القراءة والذاكرة الخداعة

أفدت ، وأنا أكتب عن أدب غسان كنفاني ، من الدراسات السابقة التي أنجزت عنه . أقرأ الأعمال أولا - أي المتن ، ثم أقرأ الهامش - أي الدراسات ، ولم أكن لأسلم باستنتاجات الدارسين ، إذ كنت أتأكد من المتن . هكذا فعلت عندما كتبت عن البنية السردية في الرواية الفلسطينية . قرأت دراسة رأى صاحبها وهو يدرس " ما تبقى لكم " الآتي :
" يختفي الراوي كلية في رواية " ما تبقى لكم " . ولما عدت إلى الرواية وجدت أن السارد حاضر في صفحاتها الأولى . ( فيحاء عبد الهادي ، غسان كنفاني ، الروايات والقصص القصيرة )
وأردت مرة أن أتأكد من دقة أحكام ناقد أصدر كتابا عن غسان دون أن يفيد من الدراسات السابقة ، فعدت إلى المتن ، وهو " رجال في الشمس " ، للتأكد من استنتاجاته - أي الناقد . يورد الناقد الآتي :
" لم تحدد الرواية عبر السرد الزمن الذي حدثت فيه الأحداث بالضبط ، ولكن سياق السرد والأحداث والقرائن تشير إلى أن الأحداث حدثت بعد النكبة ، وربما يصح اعتبار سنة النشر الأولى ١٩٦٣ زمنا روائيا - أي زمن القص ( زمن وقوع الأحداث ) بلغة النقد الروائي .." .
وإذا كانت النكبة حدثت في ١٩٤٨ فإن المتن يخبرنا أن سفر الفلسطينيين الثلاثة إلى الكويت كان بعد عشر سنوات تماما - أي في ١٩٥٨ ، لا في سنة ١٩٦٣ . لقد اختلطت على الناقد مصطلحات الزمن فلم يميز تمييزا دقيقا بينها ؛ زمن الكتابة وزمن النشر وزمن السرد والزمن الروائي ، ولا أريد أن أكتب هنا عن الزمن النفسي وهو في الرواية مهم جدا .
الناقد نفسه لم يكن ملما إلماما كافيا بحياة غسان واللغات التي أتقنها وقرأ فيها . مثلا يذهب إلى أن غسان يناقش " أثر الأدب المكتوب باللغة العبرية في الحركة الصهيونية " وأنه - أي غسان - يعد " من الرواد الذين اهتموا بالأدب العبري ... " ولم يكن غسان يقرأ بالعبرية ، بل بالإنجليزية .
في موطن ثالث يخلط بين مروان وأبيه ، فأبو مروان هو من كان يطمح أن يتحرك من بيت الطين الذي يشغله في المخيم ، لا ابنه مروان " ويصورها غسان بقوله متحدثا عن مروان... " . إن الكلام هو كلام مروان في رسالته إلى أمه حين يأتي على ذكر أبيه الذي ترك عائلته ليتزوج من امرأة تملك البيت . ( فراس عمر حج محمد ، استعادة غسان كنفاني )
في كتاب صدر مؤخرا في طبعتين يقول مؤلفه إنه يقدم قراءة مختلفة يتكرر الخطأ نفسه في أربعة مواقع ، فخلدون / دوف الجندي يصبح خالد الفدائي ، وخالد الفدائي يصبح الجندي الإسرائيلي . ( الدكتور محمد عبد القادر طرخان ، غسان كنفاني ، جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية ٢٠١٥ / ٢٠٢٣)
وفي إحدى الدراسات ل " عائد إلى حيفا " يعود فارس اللبدة إلى بيته في حي العجمي في عكا ، ويعيد صورة أخيه بدر " لأنه لم يحافظ على البيت وعكا " ، علما بأن مدينة فارس التي يزورها هي يافا . ( يوسف حطيني ، كنعان ساردا روائيا)
وثمة باحث يكتب عن " ما تبقى لكم " ويشير إلى تأثرها ب " الصخب والعنف " لفوكنر ودائرة الطباشير القوقازية " لبريخت ، والصحيح هو أن غسان أفاد من بريخت في " عائد إلى حيفا " .( عدنان عثمان الجواريش ، التجريب في الروايةالفلسطينية منذ الستينيات حتى ١٩٩٥ )
وفي كتاب عن الرواية الفلسطينية باللغة الإنجليزية نقل إلى العربية صار الأستاذ سليم في " رجال في الشمس " " أبو سليم " ، وصارت الرواية نفسها " في صميمها رواية الطبقة العاملة وقصة العمالة المهاجرة التي يمكن الاستغناء عنها ولفظها . وليس في الرواية شيء من هذا ، فلا كتابة عن طبقة عاملة ولا هناك من يستغني عنها ويلفظها .( بشير أبو منة ، الرواية الفلسطينية من سنة ١٩٤٨ حتى الحاضر ، ترجمة مصعب حياتلي )
الجمعة ١ / ٩ / ٢٠٢٣ قرأت مقالة عن غسان في جريدة أردنية لأكاديمي يتناول فيها شخصية أبو الخيزران في " رجال في الشمس " وفيها يرد الآتي :
" فالرجل كما تصوره الرواية وكما دل عليه عنوانها فاقد الرجولة ... وفي تاريخه أنه عمل قبل العام ١٩٤٨ مع الجيش البريطاني ولم يساعد المجاهدين الفلسطينيين على مقاومة العصابات الصهيونية ." .( دكتور محمد قواسمة ) .
وعدا أن عنوان الرواية لا يدل على أن أبو الخيزران فاقد الرجولة ، فنحن نعرف هذا من المتن ، فإن الرجل انضم إلى المجاهدين ولبى دعوتهم وقاد المصفحة وفي المعركة فقد رجولته .
لا أريد أن أبريء نفسي أيضا ، فمرة وأنا أكتب عن " غسان ساخرا " ذهبت إلى أنه كذلك في كتابه " فارس .. فارس " ولم تبد السخرية في رواياته ، ثم وأنا أعيد مؤخرا قراءة " رجال في الشمس " عثرت على مواطن قليلة ساخرة . كما أخطأت مرة حين ذهبت إلى أن المرحومة شادية أبو غزالة هي الشخصية النسوية في " برقوق نيسان " ثم عرفت أنها وداد قمري .
ترى ما الذي يجعلنا نقع في إساءة القراءة هذه ؟
يكتب ( بيرسي لوبوك ) في كتابه " صنعة الرواية " فصلا عنوانه " قراءة الرواية " يرى فيه " أن بداية النقد هي القراءة السليمة " فالذاكرة خداعة ، والاعتماد عليها وحدها في النقد لا يكفي ، وأننا حين نكتب عن رواية نكتب عما بقي عالقا منها في أذهاننا ، ولذا لا بد من أن تقرأ بتأمل " إن الصفحة التي قرئت بتأمل هي التي تتوفر لها فرصة البقاء ... " .
ويرى التفكيكيون أن كل قراءة هي إساءة قراءة ، وأن القاريء قد يعود إلى قراءته في وقت لاحق فينقضها ، إذ من الممكن أنه في لحظة قراءته الأولى كان يقرأ ما في عقله أيضا ، وما في عقله قد يختلف من وقت إلى آخر .
هناك اجتهاد آخر هو أن كثيرا من الدارسين يعتمدون على قراءة دراسات سابقة عن النصوص ولا يعودون إلى النصوص للتأكد منها ، فقد يكون الدارس سها وهو ينقل نصا وقد يكون أخطأ في النقل أو أنه اجتهد ولم يحسن الاجتهاد .
هل اقتصر هذا على غسان كنفاني ونصوصه ؟
يبدو أنه من الملح التوقف أيضا أمام إميل حبيبي وروايته " المتشائل " فقد تكتمل الصورة ويتحقق الغرض من وراء كتابة هذه الكتابة .


الاثنين والثلاثاء والأربعاء ٤ و ٥ و ٦ / ٩ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٠ / ٩ / ٢٠٢٣ ) .
المراجع المعتمدة لكتابة المقال :
- فيحاء عبد الهادي ، غسان كنفاني : الرواية والقصة القصيرة ، القدس ، ١٩٩٠
- فراس عمر حج محمد ، استعادة غسان كنفاني ، رام الله ، ٢٠٢١
- الدكتور محمد عبد القادر طرخان ، غسان كنفاني ، جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية ، ٢٠١٥ و وزارة الثقافة الفلسطينية ٢٠٢٣ .
- محمد قواسمة ، الدستور الأردنية ، ١ / ٩ / ٢٠٢٣
- عدنان عثمان الجواريش ، التجريب في الرواية الفلسطينية منذ الستينيات حتى ١٩٩٥
- الدكتور يوسف حطيني ، كنعان ساردا روائيا ، دراسات في الرواية الفلسطينية ، ٢٠٢١ .

١٨
غسان كنفاني : القراءة وإساءة القراءة ( ٢ )

" فارس اللبدة يعود إلى منزله في حي العجمي في عكا ؛ ليجد عربيا آخر يستأجره : " لا حاجة لتصب غضبك علي فأنا عربي أيضا ، ويافاوي مثلك ، وأعرفك فأنت ابن اللبدة . أدخل لشرب قهوة " .
" وحين كاد فارس أن يصل إلى رام الله شعر بأنه لا يمتلك الحق بصورة الشهيد ؛ لأنه لم يحافظ على البيت وعكا ...... " وفي الليل قلت لزوجتي ، إنه كان يتعين عليكم إذا أردتم استرداده أن تستردوا البيت ويافا ونحن " .
الاقتباسات من دراسة الدكتور يوسف حطيني " كنعان ساردا روائيا : قراءات في الرواية الفلسطينية " الصادرة عن دار الأسوار في عكا في ٢٠١٩ .
والسؤال هو :
ما تفسير ظاهرة الخطأ المكرر ، حيث يقتبس الدارس نصين من رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " يرد فيهما ذكر مدينة يافا ، وحين يشرح الدكتور النص يذكر عكا لا يافا .
هل هو تفكيره في عكا أكثر من تفكيره في يافا ؟
هل هو خطأ الناشر مثلا ؟
عندنا مقولة نرددها هي " شدة القرب حجاب " .
أرجو من القراء إن كان لديهم تفسير أن يعلقوا ، وأرجو الابتعاد عن أي تجريح ، فيمكن أن نقع نحن في الخطأ نفسه أيضا .
٤ / ٩ / ٢٠٢٣

١٩
كميل أبو حنيش " الجهة السابعة " : التعجل في الكتابة وعدمه

كنا لاحظنا ، ونحن نقرأ ما كتبه الكاتب عن روايتيه الأولى " خبر عاجل " و " بشائر " ، إقراره بالتعجل في نشرهما . وعموما فإن أكثر الكتاب يتعجلون في إصدار كتابهم الأول .
عندما أصدر كميل رواياته اللاحقة صار يعرضها قبل نشرها على قراء نقاد أو قراء سياسيين وهو ما فعله أيضا مع روايته هذه " الجهة السابعة " :
" لم أكن متعجلا في إصدارها لأكثر من سبب أولها : إن مجرد تسريبها للخارج بعد عناء كبير يعد نجاحا ، وستجد طريقها للطباعة في يوم ما . المهم أنها لم تضع ، أما السبب الثاني يتعلق بتراكم بضعة أعمال كتابية تنتظر الإصدار.... أما السبب الثالث يرتبط بأزمة تفشي وباء الكورونا الذي عرقل الكثير من إصدار بعض المطبوعات ، وأخيرا لكي أتيح لأكبر عدد من الأصدقاء الاطلاع عليها ، وإحاطتي بملاحظاتهم المهمة التي تفيدني في تجاوز الكثير من الأخطاء " .
ويتابع :
" أرسلتها للأصدقاء الأعزاء حسن عبادي ورائد الحواري والدكتور عادل الأسطة والدكتور فيصل دراج وعفاف خلف وفراس حج محمد وأمل أبو حنيش وأيضا إلى صفا في تركيا ." .
كانت ردود القراء متباينة " لكني أخذت جميع ملاحظاتهم في الحسبان في إعادة تدقيقها وإجراء بعض التعديلات ... وتولت تدقيقها لغويا الأستاذة منال الزعبي " .
وأظن أن كميل جانب الصواب فيما يخص التدقيق اللغوي ، فمن دققها لغويا هو أنا ولذلك حكاية .
عندما أرسل كميل إلي الرواية إلكترونيا اعتذرت عن قراءتها وطلبت نسخة ورقية فوفرتها لي الدكتورة Amal Abu Hanesh قريبته وتلميذتي في الماجستير .
أنفقت أربعة أيام في قراءة المخطوط وكنت أصححه لغويا ولاحظت تعدد اللهجات واختلاف كتابة بعض الحروف من فصل إلى آخر مثل حرفي الضاد والظاء ( ضرب / ظرب ) .
عندما اتصل بي كميل من السجن هاتفيا وسألني عن رأيي في الرواية أخبرته بملاحظاتي وأعدت النسخة مصححة . وعندما سألني إن كنت أشجعه على نشرها أجبت بالإيجاب فطار فرحا وقال لي :
- لقد رفعتني من الأرض إلى السماء .
كان كميل عرض الرواية على الناقد فراس حاج محمد فاقترح عليه إجراء تعديلات جوهرية عليها ورأى أنه متسرع في كتابته ، ثم كان رأيي مختلفا تماما . وهكذا كان .
واللافت أن كميل أتى ، في كتابته عن اختلاف مستويات الكتابة كتابيا وتعدده ، على الأسباب ، وهي أن من كان يفرغ أشرطة التسجيل لم يكن شخصا واحدا ، بل عدة أشخاص .
نابلس ٤ / ٩ / ٢٠٢٤ .

٢٠
يوميات غزة ٣٣٤ :
إنهم شعب الله المختار

وأنا أشاهد الطفلة الصغيرة تودع أباها وتبكي بحرقة وتصرخ :
اصح يابا . وجعت لي قلبي . اصح قل صباح الخير . قل لنا اعملوا لي فطور . اصح يابا أشوفك بس آخر مرة . مش رح أشوفك بعد الآن . إن شاء الله تأكل كل شيء في الجنة . فواكه و ... .
وأنا أشاهدها وأسمع صراخها وأرى دموعها وإلى جانبها أخوها الصغير صامت وجدتها تطلب منها أن تكف عن الصراخ قليلا ، فقد أوجعت قلب الأب / الابن ، أجدني أكرر عبارة واحدة :
- إنهم - أي اليهود شعب الله المختار .
ثم أتساءل :
- كيف لو لم يكونوا كذلك ؟!

وعندما أشاهد الجرافات الإسرائيلية تجرف واجهات المحلات في مدينة جنين والبيوت في مخيمها ، أجدني أيضا أكرر العبارة نفسها :
- إنهم شعب الله المختار .

هل اختلف الأمر في مدينة طولكرم ومخيميها ؟
ربما يحقق هذا الخراب لشعب الله المختار قدرا من اللذة ! ربما ! أهي ساديتهم أم شعورهم الموروث بالذل نتيجة احتقار الشعوب الغربية في القرون الماضية لهم ؟ أهي عقد الغيتو المتراكمة تتوارث جيلا فجيل ؟
اليوم جرفوا في طولكرم دوار شويكة . هل يسوؤهم رؤية مناظر مباني تثبت ان الفلسطينيين شعب حضاري لا كما كتبوا عنه في أدبياتهم الصهيونية ؟
هل كان أجدادنا ، دون أن نعلم ، يعذبون اليهود في معسكرات الإبادة ويسوقونهم إلى غرف الغاز ؟
كل ما أعرفه أن العمال الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية والمناطق الفلسطينية في ١٩٤٨ أقاموا علاقات ودية مع أصحاب العمل اليهود . ألم تشفع هذه العلاقات لهم ؟
رحم الله الكاتب الغزي العسقلاني غريب عسقلاني الذي كتب " وردة بيضاء من أجل ديفيد " . هل كنت يا غريب ، لو شاهدت ما ألم بالقطاع منذ ٧ أكتوبر ، هل كنت ستكتب قصتك وستهدي ديفيد وردة بيضاء ؟
ربما كان الكاتب التشيكي اليهودي ( فرانز كافكا ) أعرف ببني جنسه منك حين كتب قصته " بنات آوى وعرب " ورأى أن العداوة في الدم .
لم يجاف الطبيب النفسي لبنيامين نتنياهو الحقيقة حين قال عنه إنه ثقب أسود وبلا قلب . قلب من حديد لا يشعر ولا يلين .
٤ / ٩ / ٢٠٢٤ .

٢١
غزة 699 :
تمني الموت

في ٣ / ٩ / ٢٠٢٥ كتبت غانية ملحيس Ghania Malhees مقالا تحت عنوان " الكتابة في زمن الإبادة : جدوى الكلمة أمام الموت " وأشارت فيه إلى أسماء بعض نشطاء غزة ممن يواصلون الكتابة على الرغم من حياة الدمار والرعب والموت التي يعبشونها ، مثمنة جهدهم ومحيية روحهم ومؤكدة على ضرورة الكتابة وجدواها .
عندما قرأت ما كتبت غانية علقت مشيرا إلى بعض الأسماء التي ذكرتها ، حتى يقرأ المشار إليهم المقال ويواصلوا الكتابة ويكونوا شهودا على ما يجري من داخل المحرقة .
من ضمن الأسماء التي أشرت إليها اسم الدكتورة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri .
قرأت الدكتورة المقال وكتبت التعليق الآتي :

" أشكر دكتورة غانية .. أشكرك دكتور عادل الأسطة وجميع المتواجدين على الصفحة .
هذا ما حدث معنا مساء اليوم ونحن نتناول طعام الغداء الذي كان عبارة عن حساء العدس .. من كثرة الضغط الذي نعيشه اليوم ، ونحن نفكر في النزوح القسري المجهول الوجهة والعدد ، بعد أن فقدنا منزلنا وكل ما نملك في بيت لاهيا مسقط رأسنا الذي صار الوصول إليه بين قوسين يعني الموت .
تغمرنا الأسئلة التي لا تهدأ :
أين سنذهب ؟
كم سيكلف الأمر ماديا ؟
ماذا سنأخذ معنا ؟
أسئلة تنهش أعصابنا وتضع نفوسنا تحت الصفر ، بينما أصوات القذائف من حولنا ترفع هرمون الادرينالين إلى السماء .
وسط هذا الضغط تلفظ علاء أكبر شباب العائلة بأمنية الموت ، بعدما أثقله حمل المسؤولية .
اعترضنا جميعا دفعة واحدة . نهرناه كيف يتمنى الموت وهو أب لطفلتين ؟ إحداهما جاءت إلى الدنيا قبل عام في عز مجاعة شمال غزة ، والأخرى ما زالت تحتفظ بفتات من الذاكرة عن حياتها قبل الحرب .

علاء فقد سنده بعد أسر الاحتلال لأخيه بلال قبل قرابة العام ، وحمل عبء رعاية أكثر من خمسة عشر فردا ، بينهم أخته المتزوحة وأولادها بعد أسر زوجها أيضا . الضغوط جعلته يتمنى الموت ، لكننا ذكرناه أن البقاء أمانة وان الحياة رغم قسوتها لا تزال تستحق .
قلت له : " إن شاء الله سنبقى ، سنتخطى ، وسنعيش لنروي قصصنا لأبنائنا واحفادنا . هم يريدون موتنا دفعة واحدة حتى يطوي العالم حكايتنا ، لكن الله سيبقينا بإذنه ، لنكون نحن اصل الحكاية للأجيال القادمة ".

عندما أقرأ شخصيا جدلا حول جدوى الكتابة ، وقد شارك فيه كتاب كثر منهم صديقنا الشاعر سميح محسن وصديقنا الشاعر أيضا شجاع الصفدي أتذكر قول والد محمود درويش له في نكبة العام ١٩٤٨ ، في قصيدته " أبد الصبار " من ديوان " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟" :
" إلى أين تأخذني يا أبي ؟
إلى جهة الريح يا ولدي ...

... وهما يخرجان من السهل ، حيث
أقام جنود بونابرت تلا لرصد
الظلال على سور عكا القديم -
يقول أب لابنه : لا تخف . لا
تخف من أزيز الرصاص ....
.....
سوف تكبر يا ابني ، وتروي لمن يرثون بنادقهم
سيرة الدم فوق الحديد ... "
كم مرة اقتبست من قصيدة الشاعر نفسه " قال المسافر للمسافر : لن نعود كما " المقطع الآتي :
" فكتبت : من يكتب حكايته يرث
أرض الكلام ، ويملك المعنى تماما !" ؟!
٤ / ٩ / ٢٠٢٥

٢٢
الدكتور عمر حرب يرتقي اليوم من سوء التغذية

إعادة إدراج

غزة 678 :
" الضفتان لنا : هذه وتلك "

لم يتوقف القتل ولم تتوقف الإبادة ، وعدد المرتقين لم يشهد انخفاضا عن الأيام السابقة .
اللافت هو ما قرأته في صفحة أبو أحمد سمور عن ارتقاء خمسة عشر شابا من شباب " تأمين المساعدات من النهب والسرقة " . دخلت عدة شاحنات لتجار قام الشباب بتأمينها فقصفهم جيش الاحتلال الإسرائيلي وقتل منهم العدد المذكور .
ما اهتمت به وسائل الإعلام أمس ، في الأردن ومصر ، وظهر في وسائل التواصل الاجتماعي وكتب عنه الناشطون هو تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) من أنه يشعر بأن مهمة روحانية وتاريخية تقع عليه ويجب أن ينفذها ، وهي إقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تتطلب ضم أراض من الأردن ومصر وسورية ولبنان .
غير مرة كتبت من قبل عن أغنية عبرية تعود كلماتها إلى ( جابوتنسكي ) النموذج الذي يحتذي به ( نتنياهو ) ، وتقول " الضفتان لنا : هذه وتلك " .
وأنا في الحافلة تحدث معي السائق عما سبق وتمنى أن يلم بالعرب ما ألم بغزة وبنا ، فقلت له :
- لا تتمن هذا ، وتمنى أن تزول الدولة المحتلة ، فهي " أم المشاكل " .
واهتم الناشطون أمس بتصريحات الأسير المحرر زكريا الزبيدي لمجلة نيويورك تايمز الأمريكية ؛ تصريحاته التي عبر فيها عن ياس واحباط من المقاومة المسلحة والثقافية أيضا . ( أنظر مثلا مقال شجاع الصفدي ) ( زكريا فقد أخاه وابنه وماتت أمه وهو في السجن ) .
أمس أدرجت شريط فيديو لأستاذ جامعي من غزة فقد عائلته كلها البالغ عددها ستة وعشرين فردا ولم يبق له أحد يهتم به سوى أمه البالغ عمرها ثمانين عاما . الأستاذ مصاب ولا يجد ما يأكل سوى بضع حبات من التمر تمده بالطاقة .
أحد أصدقائي ممن يقيمون في خارج قطاع غزة كتب إلي :
" عمر محمد.حرب .
كان وزنه ١٢٠ كغم ، فقد أخاه في الانتفاضة الأولى . أكمل تعليمه ، فحصل على الماجستير والدكتوراه . كان زميلي في المدرسة قبل أن استقيل ...رجل بألف رجل . أعانه الله " .
حالة تعبانة يا ليلى .
١٤ / ٨ / ٢٠٢٥

عادل الأسطةالأستاذ الجامعي الدكتور عمر حرب يرتقي اليوم بسبب سوء التغذية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى