محمد عيسى مهنى (محمد مهنا) - قراءة نقدية في مقال: (عُنْصُرِيَّةُ الجَمَالِ.. نَقْدٌ لِسُلْطَةِ المَظْهَرِ فِي المُجْتَمَعِ المُعَاصِرِ) ل مجيدة محمدي

يأتي نص الشاعرة مجيدة محمدي في منطقة تتقاطع فيها المقالة الفكرية مع الحس الأدبي، فهو لا يكتفي بعرض فكرة اجتماعية، وإنما يسعى إلى تفكيك بنية ثقافية راسخة، تتمثل في هيمنة المظهر على جوهر الإنسان. ولعل أجمل ما في هذا النص أنه لا ينطلق من موقف انفعالي ضد الجمال، بل من دفاع عقلاني عن العدالة الإنسانية، وهو ما منح المقال توازنه الفكري وأفقه الأخلاقي.
منذ العنوان: «عنصرية الجمال.. نقد لسلطة المظهر في المجتمع المعاصر»، تضع الكاتبة القارئ أمام مفارقة لافتة؛ فهي تستعير مصطلحًا شديد الحمولة التاريخية، هو "العنصرية"، لتعيد توظيفه في سياق جديد. وقد نجحت في تبرير هذا الاختيار منذ التمهيد، عندما فرّقت بوضوح بين العنصرية التاريخية بوصفها منظومة قمع، وبين التحيز الجمالي بوصفه نمطًا من أنماط الإقصاء الاجتماعي. هذا التمهيد لم يكن مجرد مدخل، بل كان دفاعًا استباقيًا عن أطروحة النص.
ويحسب للكاتبة أنها بنت مقالها بناءً تصاعديًا محكمًا؛ فقد انتقلت من التأصيل المفاهيمي إلى التفسير السوسيولوجي، ثم إلى التحليل النفسي، فالتطبيق الاجتماعي، قبل أن تختم بالرؤية الفلسفية والبعد الإنساني. هذا التدرج منح النص وحدة عضوية جعلت كل محور يمهد لما بعده، دون قفز أو تفكك.
أما على المستوى اللغوي، فقد حافظت مجيدة محمدي على لغة تجمع بين الرصانة الأكاديمية والعذوبة الأدبية. فهي لا تغرق في المصطلحات، ولا تستسلم للإنشاء البلاغي، بل توظف الصورة حين يحتاجها المعنى، كما في قولها:
"يتحول الوجه إلى وثيقة غير مكتوبة، تُقرأ قبل السيرة الذاتية." فهذه العبارة تختزل، في صورة واحدة، مأساة الإنسان المعاصر الذي أصبح يُحاكم من ملامحه قبل أفكاره.
وكذلك قولها:
"لم يعد السؤال: كيف أعيش؟ بل أصبح: كيف أبدو؟". وهي جملة ذات كثافة فلسفية عالية، تلخص أزمة العصر في انتقال الإنسان من البحث عن معنى الحياة إلى البحث عن صورة الحياة.
ومن أبرز نقاط القوة في النص استدعاء المرجعيات الفكرية دون استعراض معرفي؛ فالإشارة إلى بيير بورديو ودانيال كانيمان جاءت موظفة لخدمة الفكرة، لا لإثقالها، وهو ما يعكس وعيًا بمنهج الكتابة الفكرية الحديثة التي تجعل المرجع سندًا للحجة، لا غاية في ذاته.
كما أن الكاتبة اتسمت بالإنصاف؛ فلم تجعل المرأة وحدها ضحية سلطة الجمال، بل التفتت أيضًا إلى الصور النمطية التي قد تطال الرجل الوسيم، وهو ما أضفى على النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز الخطابات الأحادية.
ومع كل هذه المزايا، فإن النص كان يمكن أن يزداد ثراءً لو توسع قليلًا في بيان أثر هذه "العنصرية الجمالية" على المؤسسات، كالتوظيف والتعليم والقضاء والإعلام، لأن الفكرة التي طرحتها الكاتبة تتجاوز العلاقات الاجتماعية الفردية إلى البنى المؤسسية التي قد تُعيد إنتاج هذا التحيز بصورة غير واعية.
وفي جانب آخر، فإن استعمال مصطلح "عنصرية الجمال" يظل اختيارًا جريئًا، لكنه يظل قابلًا للنقاش؛ إذ قد يرى بعض الباحثين أن مصطلحات مثل "التمييز القائم على المظهر" أو "التحيز الجمالي" أدق من الناحية العلمية، لأن كلمة "العنصرية" ترتبط تاريخيًا بسياقات قانونية وسياسية مختلفة. غير أن الكاتبة نجحت إلى حد كبير في احتواء هذا الإشكال عبر التمهيد الذي سبق به المقال.
في مجمله، يمثل هذا النص نموذجًا للمقالة الفكرية ذات النفس الأدبي؛ إذ استطاعت مجيدة محمدي أن تحول قضية تبدو هامشية إلى سؤال فلسفي عميق عن قيمة الإنسان. وهي لا تدعو إلى إنكار الجمال، بل إلى تحريره من سلطة التصنيف، وإعادة الاعتبار للعقل والخلق والعمل بوصفها المعايير التي تمنح الإنسان مكانته الحقيقية.
إنه نص يكتب دفاعًا عن الإنسان قبل أن يكتب عن الجمال، ويعيد التذكير بحقيقة خالدة: أن الملامح قد تفتح الأبواب، لكن الشخصية وحدها هي التي تستحق البقاء في الذاكرة.
واذا اردت إقرانه بنصي الاصلي
اليك النص الاصلي
عُنْصُرِيَّةُ الجَمَالِ: نَقْدٌ لِسُلْطَةِ المَظْهَرِ فِي المُجْتَمَعِ المُعَاصِرِ
|مجيدة محمدي






تمهيد
ظلَّ مفهوم العنصرية، عبر التاريخ، مرتبطًا بالتمييز القائم على العِرق أو اللون أو الدين أو الجنس، غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم اليوم تدفعنا إلى إعادة النظر في أشكال التمييز المستحدثة، والتي لا تقل تأثيرًا في حياة الأفراد، وإن كانت أقل وضوحًا. ومن بين هذه الأشكال ما يمكن تسميته بـ «عنصرية الجمال»؛ أي ذلك النسق الخفي من الأحكام والممارسات الذي يمنح امتيازات أو يفرض عقوبات اجتماعية استنادًا إلى المظهر الخارجي.
ولا يُقصد بهذا المفهوم مساواة هذا النوع من التحيز بأشكال العنصرية التاريخية التي قامت على الاستعباد أو الإقصاء الممنهج، بل الإشارة إلى أنه يمثل صورة من صور التمييز الاجتماعي والتحيز القائم على المظهر، وهو تحيز تؤكده دراسات علم النفس والاجتماع، ويتجلى في الحياة اليومية بطرائق متعددة.
أولًا: الجمال بوصفه سلطة رمزية
لم يعد الجمال مجرد صفة جمالية، بل أصبح رأسمالًا اجتماعيًا. فالمجتمع يمنح الأشخاص الجذابين، في كثير من الأحيان، ثقةً وفرصًا لا تستند إلى الكفاءة، وإنما إلى الانطباع الأول.
ويرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المجتمعات لا تقوم على رأس المال الاقتصادي وحده، بل على رؤوس أموال رمزية تمنح أصحابها النفوذ والقبول. ويمكن النظر إلى الجمال بوصفه أحد هذه الرؤوس؛ فهو يفتح الأبواب، ويصنع توقعات إيجابية، ويمنح صاحبه حضورًا اجتماعيًا قد لا يرتبط بإنجازاته الفعلية.
غير أن هذه السلطة ليست مستقرة، لأنها قائمة على معايير متغيرة، تحددها الثقافة والإعلام والذوق العام، لا الطبيعة الإنسانية.
ثانيًا: علم النفس... كيف يخدعنا الوجه؟
تؤكد أبحاث علم النفس الاجتماعي وجود ما يعرف بـ «تأثير الهالة»، وهو ميل العقل إلى تعميم صفة إيجابية واحدة على بقية الصفات. فإذا بدا الشخص جميلًا، افترض كثيرون – دون وعي – أنه أكثر ذكاءً أو نجاحًا أو لطفًا.
كما يوضح عالم النفس دانيال كانيمان أن الدماغ يعتمد على التفكير السريع، الذي يبني أحكامه من خلال 1786304454342.png 1786304524484.png


الانطباعات الأولية والاختصارات الذهنية، وهو ما يجعل المظهر عنصرًا مؤثرًا في قراراتنا اليومية، حتى عندما نعتقد أننا موضوعيون.
وهكذا، يتحول الوجه إلى وثيقة غير مكتوبة، تُقرأ قبل السيرة الذاتية، وأحيانًا قبل الكلمة الأولى.
ثالثًا: المرأة الجميلة... بين الامتياز والاختزال
تُواجه المرأة الجميلة مفارقة قاسية؛ فهي قد تحظى بالقبول السريع، لكنها تُحرم في المقابل من الاعتراف الكامل بجهدها.
فكم من امرأة ناجحة وُوجهت بتلميحات تقلل من قيمة إنجازها، وكأن جمالها هو التفسير الوحيد لما حققته. وكم من امرأة اضطرت إلى بذل جهد مضاعف لإثبات أن عقلها لا يقل حضورًا عن ملامحها.
إن اختزال المرأة في جمالها ليس تكريمًا لها، بل هو شكل آخر من أشكال سلب هويتها الإنسانية، لأنها تُختصر في ما يُرى، لا في ما تفكر فيه أو تصنعه.
رابعًا: الرجل الوسيم... ضحية الصور النمطية أيضًا
على الرغم من أن الحديث عن الرجل الوسيم أقل حضورًا في الدراسات الاجتماعية، فإنه لا يخلو من التحيزات.
فقد يُنظر إليه باعتباره سطحيًا أو مغرورًا أو أقل جدية، وقد يُساء تقدير كفاءته المهنية بسبب مظهره. كما قد يُحمَّل توقعات اجتماعية مبالغًا فيها، فيصبح مطالبًا بالحفاظ على صورة مثالية لا تعبّر بالضرورة عن شخصيته الحقيقية.
وهذا يكشف أن التحيز المرتبط بالمظهر لا يقتصر على النساء، وإن اختلفت أشكاله وحدته.
خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الجمال
لم يعرف التاريخ سلطة للجمال كالتي نعيشها اليوم.
فالمنصات الرقمية لا تعرض الجمال فحسب، بل تعيد إنتاجه وفق معايير تجارية دقيقة، تعتمد على الخوارزميات والإعلانات وتقنيات التعديل البصري.
ومع الوقت، أصبح الإنسان يقارن حياته الحقيقية بصور مصممة بعناية، فتتراجع ثقته بنفسه، ويغدو الجسد مشروعًا دائمًا للتحسين، لا بيتًا تسكنه الروح.
وهكذا، لم يعد السؤال: «كيف أعيش؟»، بل أصبح: «كيف أبدو؟».
سادسًا: هل الجمال فضيلة؟
من الناحية الفلسفية، لا يمكن اعتبار الجمال فضيلة أخلاقية، لأنه ليس ثمرة اختيار حر، بل هو، إلى حد بعيد، معطى بيولوجي.
فالفضائل الحقيقية هي ما يكتسبه الإنسان بالإرادة: الحكمة، والعدل، والشجاعة، والصدق، والرحمة.
أما الجمال، فهو أشبه بموهبة طبيعية؛ قد تمنح صاحبها فرصًا، لكنها لا تمنحه قيمة أخلاقية، كما أن غيابها لا ينتقص من إنسانية أحد.
خاتمة
إن أخطر ما في التحيز القائم على الجمال أنه يجعل الإنسان أسيرًا لشيء لم يختره. فالجميل قد يُختزل في ملامحه، وغير الجميل قد يُقصى بسببها، وفي الحالتين يُختزل الإنسان في قشرة خارجية، بينما تتوارى شخصيته الحقيقية خلف الأحكام المسبقة.
إن المجتمع الذي يقيس قيمة الإنسان بوجهه، لا يظلم الأفراد فحسب، بل يظلم نفسه أيضًا؛ لأنه قد يخسر العقول المبدعة، والطاقات الخلاقة، والقلوب النبيلة، فقط لأنها لم تُولد وفق معايير جمالية عابرة.
ولعل العدالة الإنسانية تبدأ عندما يصبح السؤال الأول: «ماذا يحمل هذا الإنسان من فكر وقيم؟»، لا: «كيف يبدو؟». فالجمال قد يجذب العين لحظة، أما الفكر والأخلاق فيصنعان أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تتغير الملامح ويذبل الجسد.
المراجع
دانيال كانيمان، التفكير، السريع والبطيء.
بيير بورديو، التمييز: نقد اجتماعي لملكة الحكم.
إرفنغ غوفمان، عرض الذات في الحياة اليومية.
ناعومي وولف، أسطورة الجمال.
إريك فروم، فن الحب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى