يحيى بركات - حين خرج السؤال من المقال… من «الجبهة الإنسانية» إلى قاعة في برايتون

قبل أيام كان السؤال على الورق.
كتب الصديق العزيز السفير د. عبد الرحمن بسيسو مقالًا حمل عنوان «الجبهة الإنسانية لمناهضة الصهيونية».
لم يكن يكتب عن حكومة إسرائيلية بعينها، ولا عن اسم يرحل ليأتي اسم آخر، ولا عن حرب بوصفها حادثة منفصلة عما سبقها وما سيأتي بعدها.
كان يحاول أن يعود إلى الجذر.
إلى الصهيونية نفسها.
رأى فيها مشروعًا سياسيًا استعماريًا وعنصريًا لا تقف آثاره عند حدود فلسطين، ودعا إلى أن تخرج مواجهتها من الدائرة الفلسطينية والعربية إلى فضاء إنساني أوسع، وأن تتشكل «جبهة إنسانية لمناهضة الصهيونية» تجمع البشر، عبر القارات والثقافات، في ميادين الفكر والعلم والفن والقانون والسياسة وحقوق الإنسان.
توقفت عند مقاله طويلًا.
ولم تستوقفني كلمة «الصهيونية» وحدها.
استوقفتني الكلمة التي وضعها قبلها:
«الإنسانية».
كتبت قراءة في مقاله، وبدأ السؤال يكبر أمامي.
إذا كانت الجبهة إنسانية حقًا، فهي لا يمكن أن تكون جبهة الفلسطيني ضد اليهودي، ولا العربي ضد الغربي، ولا المسلم ضد اليهودي أو المسيحي.
إنها، كما أراها، جبهة الإنسان في مواجهة الاستعمار والعنصرية وسلب الإنسان حريته وحقه في أرضه وحياته.
ومن هنا سألت:
ما الصهيونية التي نريد أن نناهضها؟
كيف نعرّفها سياسيًا وتاريخيًا وفكريًا؟
كيف نفصل بين اليهودية كدين، واليهود كبشر ينتمون إلى شعوب وثقافات وأوطان متعددة، وبين الصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا؟
ومن يستطيع أن يدخل هذه الجبهة؟
هل تتسع لليهودي المناهض للصهيونية؟
قلت نعم.
بل رأيت أن وجوده فيها ليس تفصيلًا تجميليًا، ولا شاهدًا نستدعيه لنثبت أننا لسنا ضد اليهود.
إنه شريك.
فالجبهة التي تسمي نفسها إنسانية لا تسأل الإنسان عن دينه قبل أن تفتح له الباب.
تسأله:
أين تقف من الاحتلال؟
أين تقف من الاستعمار والعنصرية؟
أين تقف حين يُقتلع إنسان من أرضه؟
حين يُهدم بيته؟
حين يتحول موته إلى رقم؟
وحين يصبح الجوع وسيلة لإخضاعه؟
ثم ذهبت في قراءتي خطوة أخرى.
قلت إن الجبهة إذا أرادت أن تخرج من المقال إلى الحياة، فلا يكفي أن يكون لها اسم.
نحتاج إلى تعريف.
إلى ميثاق أخلاقي.
إلى برنامج.
إلى محامين وأكاديميين وطلاب ونقابيين وكتاب وفنانين ومخرجين ومؤسسات حقوقية.
تخيلت طالبًا يفتح ملفًا عن فلسطين في جامعة بعيدة.
وأستاذًا يرفض أن يخاف الباحث من السؤال.
ومحاميًا يدخل المحكمة وفي يده ملف.
ونقابيًا يسأل أين تستثمر أموال صندوقه.
وفنانًا يقف أمام جمهوره.
ومخرجًا يضع أمام الناس صورة حاولت السياسة طويلًا أن تدفعها خارج الإطار.
قلت:
هؤلاء لا ينبغي أن يكونوا جمهور الجبهة.
هؤلاء هم الجبهة.
وكان السؤال لا يزال على الورق.
مقال كتبه عبد الرحمن.
وقراءة كتبتها في مقاله.
وحوار بدأ بين صديقين حول فكرة.
ثم، قبل أن يبرد حبر الكلمات، حدث شيء في بريطانيا.
في مدينة برايتون، كان أعضاء حزب الخضر في إنجلترا وويلز يدخلون قاعة مؤتمرهم السنوي.
هناك لم يكن على الطاولة مقال عبد الرحمن.
ولم تكن قراءتي لمقاله موجودة.
كان هناك اقتراح سياسي يحمل، من طريق آخر، سؤالًا قريبًا بصورة يصعب تجاهلها:
الصهيونية.
دار النقاش.
ثم جاء التصويت.
1022 صوتًا مع القرار.
813 ضده.
وانتهت اللحظة التي كانت فيها المسألة مجرد اقتراح.
أصبح القرار سياسة رسمية للحزب.
تبنى حزب الخضر في إنجلترا وويلز موقفًا يعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، ويدعم إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية، بحقوق متساوية للجميع وحق العودة.
هنا تغير شيء في الصورة.
فالسؤال الذي كان قبل أيام يتحرك بين مقال عبد الرحمن وقراءتي له ظهر فجأة في قاعة سياسية بريطانية.
ليس بالصورة نفسها.
ولا باللغة نفسها.
ولا أقول إن حزب الخضر تبنى فكرة «الجبهة الإنسانية» التي يقترحها عبد الرحمن.
لكن السؤال خرج من الورق.
وصار له مقعد في قاعة.
وصوت.
وأيدٍ ترتفع.
وأيدٍ أخرى تعارض.
ثم انتهى التصويت وخرج القرار من باب القاعة.
لكنه لم يذهب بعيدًا.
وصل سريعًا إلى إسرائيل.
هاجمت الخارجية الإسرائيلية القرار، وقرأته باعتباره أكثر من موقف ضد الصهيونية. وقالت إنه يضفي الشرعية على الكفاح المسلح، ورأت في الدعوة إلى دولة فلسطينية واحدة إنهاءً لدولة إسرائيل، ودعت الأحزاب البريطانية، وفي مقدمتها حزب العمال، إلى رفضه.
وفي بريطانيا نفسها ارتفعت اعتراضات من منظمات يهودية حذرت من تبعات القرار.
وهنا اكتملت أمامي صورة لم تكن موجودة عندما قرأت مقال عبد الرحمن أول مرة.
على طرف منها فلسطيني يكتب عن «جبهة إنسانية لمناهضة الصهيونية».
وعلى طرف آخر حزب بريطاني يناقش الصهيونية ويصوت على اعتبارها شكلًا من أشكال العنصرية.
وفي الطرف المقابل دولة إسرائيل تقول إن المسألة لا تتوقف عند نقد أيديولوجيا، بل تصل إلى وجود الدولة نفسها.
وبين الأطراف جميعًا يقف الإنسان الذي تحدثنا عنه منذ البداية.
يهوديًا كان أم فلسطينيًا.
مسيحيًا أم مسلمًا.
مؤمنًا أم غير مؤمن.
وهنا تعود الأسئلة، لكنها هذه المرة لا تعود كما خرجت.
ما الصهيونية التي نناهضها؟
هل هي أيديولوجيا يمكن فصلها عن الدولة التي قامت في سياقها التاريخي؟
أم أن المساس بالأولى يقود بالضرورة إلى إعادة السؤال عن شكل الثانية ومستقبلها؟
وأين يقف اليهودي الذي يرفض الصهيونية؟
هل يصبح خصمًا لدولة تقول إنها تتحدث باسمه؟
وأين يقف الفلسطيني الذي يريد أن يقول للعالم إن صراعه ليس مع اليهودي لأنه يهودي، بل مع مشروع اقتلع شعبًا من أرضه وأقام فوقها واقعًا استعماريًا ما زال قائمًا؟
هذه الأسئلة كانت موجودة في قراءتي لمقال عبد الرحمن.
لكن برايتون أعطتها أجسادًا وأصواتًا ومقاعد.
وهذا، في رأيي، هو الجديد.
ليس أن حزبًا بريطانيًا اتخذ قرارًا فحسب.
بل أن نقاشًا ظل لعقود محاصرًا في دوائر محددة بدأ يجد طريقه إلى داخل الحياة السياسية الغربية نفسها.
وذلك يضع على فكرة عبد الرحمن مسؤولية أكبر.
لأن من يريد بناء جبهة «إنسانية» لمناهضة الصهيونية لا يستطيع أن يكتفي بالغضب من الصهيونية.
عليه أن يقول للعالم ماذا يريد بدلًا منها.
كيف يرى فلسطين؟
كيف يرى اليهود الذين يعيشون فيها؟
كيف يرى الفلسطينيين الذين اقتلعوا منها؟
كيف يرى حق العودة؟
والمساواة؟
والحقوق الفردية والجماعية؟
وكيف يضمن ألا تتحول مواجهة أيديولوجيا يراها عنصرية إلى إنتاج عنصرية مضادة؟
هنا يصبح البرنامج أهم من الشعار.
والإنسان أهم من الاسم.
وربما يصبح اليهودي المناهض للصهيونية واحدًا من أهم الاختبارات الأخلاقية للفكرة كلها.
هل نفتح له الباب لأنه يفيد حجتنا؟
أم لأنه إنسان وشريك في المبدأ نفسه؟
الفرق كبير.
فإذا فتحنا الباب له فقط لنقول للعالم: انظروا، معنا يهود أيضًا، نكون قد استخدمناه.
أما إذا وقف إلى جانب الفلسطيني لأنه يرى في حريته جزءًا من حريته هو، ووقف الفلسطيني إلى جانبه إذا تعرض للاضطهاد لأنه يهودي، فهنا فقط تبدأ كلمة «الإنسانية» باكتساب معناها.
وأعود إلى المشهد.
قاعة في برايتون.
أيدٍ ترتفع.
1022 في جهة.
813 في الجهة الأخرى.
ثم يخرج الناس من القاعة.
تُطفأ الأنوار.
تُجمع الأوراق.
لكن السؤال لا يخرج معهم.
يبقى هناك.
ثم يعبر البحر.
يدخل الصحف.
يصل إلى الخارجية الإسرائيلية.
يعود إلى فلسطين.
ويصل، بطريقة ما، إلى الورقة التي وضع عليها عبد الرحمن قبل أيام عنوانه:
«الجبهة الإنسانية لمناهضة الصهيونية».
كأن دائرة بدأت تُرسم.
لا أعرف إلى أين ستصل.
ولا أعتقد أن أحدًا يعرف.
لكنني أعرف أن السؤال لم يعد في المكان نفسه.
لقد تحرك.
وهذا وحده يستحق أن نتوقف أمامه.
فربما لا تبدأ الأفكار الكبيرة يوم نعلن تأسيسها.
ربما تبدأ يوم تغادر أصحابها.
حين يلتقطها آخرون لا يعرفونهم.
حين تدخل قاعة لم يكونوا فيها.
حين تثير اعتراضًا.
وتفتح سؤالًا.
وتجبر الناس على إعادة النظر في كلمات ظنوا طويلًا أن معانيها قد استقرت.
عندها تصبح الفكرة أكبر من المقال الذي حملها.
وأكبر من الكاتب الذي كتبها.
وربما تكون تلك هي اللحظة الأولى في حياة أي فكرة تريد أن تصبح إنسانية:
أن تبدأ في فلسطين...
ثم تجد طريقها إلى الإنسان.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
5/10/2026






1791189563643.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى