١
ما جرى من حديث في التاكسي هذا الصباح :
سائق هذا الصباح من مخيم بلاطة واسمه طايل الطيراوي .
سألني طايل عن صحتي ليبدأ حديثا ما معي .
طايل سجين سابق وهو قاريء للأدبيات الإسلامية وتوجهه توجه إسلامي ، يؤمن بالله والرسول وينطلق في حكمه على الأشياء من منطلق عقيدي ديني إسلامي .
هل أفتح حديثا ما معه؟
أحيانا أجدني أتحدث معه وأحيانا أكون حذرا ، لأنه مثل بقية أفراد شعبنا يبدو فضوليا ، ويريد أن يتدخل ، من خلال الإشارة ، في أمور شخصية ولو بالتلميح .
سأقول له إن الأمور الشخصية لا بأس بها ، ولكن لينج الله سورية من الحرب الأهلية ، فالوضع فيها لا يسر .
طايل سيتحدث عن الزعماء العرب والخيانة والمجازر التي ستقع ، فالرسول قال هذا ، وهو لا ينطق عن الهوى - إن هو الا وحي يوحى .
فجأة يأخذنا الحديث إلى مجمع السيارات في نابلس .
كيف وافق الحاج عدلي على أن المجمع صالح طبيا ولا يؤذي ؟
كيف وافق المحافظ على الأمر نفسه ، هو الذي قال قبل فترة إن المجمع غير صالح ولا بد من بديل - أنا سمعت كلام المحافظ من الإذاعة المحلية - صوت النجاح .
ماذا قال طايل أيضا ؟
أخذ يدعو على المسؤؤلين وطلب من الله أن يصابوا هم بالسرطان ، فالمجمع سيسبب السرطان للسائقين . طبعا دافع طايل عن الحج عدلي يعيش ، فهو يجله ويحترمه ، ولكنه لم يكن معه في قراره هذا .
انا قلت له إنه المال ، فدافع طايل عن نظافة الحج عدلي وبياض يده ، فهو ليس بحاجة إلى المال .
أنا قلت له إنه يريد المال للبلدية لا لجيبه الشخصي ، للبلدية ولأصحاب رؤؤس الأموال ممن يربحون من المجمع .
طلب مني طايل - إن التقيت بالحاج عدلي - أن أبلغه عن سخط السواقين واحتجاجهم وتذمرهم .
هل هذا هو كل ما جرى من حوار بيننا؟ ألم نأت على تغير المواقف وسببه؟
قلت له إنه الضمير ، فقال لي يسلم لسانك وكفى .
في 70 ق 20 قرأت في جريدة القدس قصيدة لشاعر ليبي ظللت أحفظ منها البيت التالي :
" مات الضمير وشيعوا جثمانه
ما عاد في الدنيا ضمير يذكر ".
لماذا غير ؟
صباح الخير يا وطن..صباح الخير يا أيها السواقون المحترمون ، أما أنتم أيها السواقون غير المحترمين ف..ف..
2012
٢
.د.حسن عليان وكتابه الجديد عن القدس في الرواية العربية :
أمس أنجزت مقالا عن كتاب ا.د. حسن عليان المدرس في جامعة فيلادلفيا \الأردن " القدس بين الواقع والتاريخ في الرواية العربية " وأرسلته لينشر .
الأسبوع القادم سيناقش زميلاي د.محمود العطشان\جامعة بير زيت و د.نادر قاسم \جامعة النجاح طالبي محمد الطحل " رواية القدس في القرن الحادي والعشرين " .
ربما يجدر أن تنشر جامعة النجاح رسالة الطالب في العالم العربي ليطلع الباحثون العرب على ما ينجزه طلابنا وملاحظة مستواه العلمي .
2013
٣
مظفر النواب وفلسطين في شعره :
( مقالتي اليوم الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٧ تموز ٢٠٢٢ ) ( جريدة الأيام الفلسطينية ) .
عادل الأسطة
حضر الموضوع الفلسطيني في أشعار مظفر النواب منذ قصيدته الشهيرة " وتريات ليلية " التي كتبها في بداية ٧٠ القرن ٢٠ .
خص مظفر في القصيدة فلسطين بأسطر قليلة عن القدس صارت الأشهر في الكتابة عن المدينة منذ كتب عنها ، وقد كتب عنها الكثير بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، فقبل ذلك العام ما كان لها حضور لافت في الأدب العربي .
جاءت الأسطر الخاصة بالقدس في ضوء هجاء الشاعر للأنظمة العربية قاطبة ، بل وفي ضوء تعببره عن قرفه من سوء الأوضاع العربية بشكل عام ، ويومها عزا مظفر سبب الهزيمة إلى الحكام والجماهير معا ، فلم يستثن أحدا ، وحمل مسؤولية ضياع فلسطين إلى " الثوار الكسبة " :
" من باع فلسطين وأثرى بالله
سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام
ومائدة الدول الكبرى ؟!
من باع فلسطين سوى الثوار الكسبة الكتبة ؟! "
من من قراء الشعر العربي الحديث لم يقرأ قول مظفر :
" فإذا أجن الليل تطق الأكواب بأن القدس عروس عروبتنا "؟ ، ولسوف يحضر وجه فلسطين للشاعر وهو يتعذب على أيدي جلاديه ليزداد صلابة فلا ينهار :
" بين الغيبوبة والصحو
تماوج وجه فلسطين ،
فهذي المتكبرة الثاكل
تحضر حيث يعذب أي غريب " .
غير أن هذا السطر عن القدس والأسطر التي تلته ليست الوحيدة فيما يخص الموضوع الفلسطيني في أشعاره ، ففي العام ١٩٧٦ سقط مخيم تل الزعتر الواقع في بيروت وارتكبت القوات الكتائبية في حينه مجزرة بحق سكانه الباقين ، وقد خص الشاعر الحدث بقصيدته الشهيرة " تل الزعتر " وفيها صور ما جرى وحاكم الحكام العرب وهجاهم بأقذع الشتائم . لقد وقف مظفر إلى جانب الثورة الفلسطينية وأهالي المخيم الضحايا من أطفال ونساء ومقاتلين ، ومجد الفدائي تمجيدا عاليا :
" أتحدى أن يرفع أحد منكم عينيه أمام حذاء فدائي يا قردة " .
هذا التمجيد للفدائي لم يقتصر على السطر السابق ، فللشاعر قصيدة طويلة جدا عن الفدائي الفلسطيني أبو مشهور الذي تسلل عبر النهر ليقاوم المحتل ويدافع عن القدس ، ويبدو أن قرب مظفر من الحركة الفدائية وقياداتها أيضا ترك أثرا كبيرا في الكتابة في هذا الموضوع . كان عنوان القصيدة " صرة الفقراء المملوءة بالمتفجرات " وأما أبو مشهور فهو " مقاتل فلسطيني قاوم في مذابح الأردن ورفض أن ينسحب ثم مات في ظروف غامضة بعد ذلك " ، وفي كلام مظفر ما فيه من تلميحات وإشارات تدين قيادات في المنظمة .
ستظل القضية الفلسطينية حاضرة في أشعاره باستمرار ، وحين يستشهد الفنان ناجي العلي سيخصه الشاعر بقصيدة طويلة عنوانها " مرثية لأنهار من الحبر الجميل " ويبدو أن ثمة تشابها بين الشاعر وفنان الكاريكاتير في صرامة الموقف والانحياز إلى الجماهير وحركة المقاومة في صفائها ونقائها وعدم التصالح مع كل من يحاصرها ويساوم على الحق الفلسطيني والتراب الفلسطيني من النهر إلى البحر ، وقد عبر مظفر عن الحق الفلسطيني الكامل في قصيدته الشهيرة " المسلخ الدولي " وفي تغنيه بمدن الساحل الفلسطيني بخاصة يافا .
وإذا كان ناجي العلي اغتيل في تموز ١٩٨٧ فإن الانتفاضة الفلسطينية اشتعلت في نهاية العام نفسه ، وكان مظفر يتابع أحداثها . في ربيع ١٩٨٨ تمكنت إسرائيل من اغتيال خليل الوزير أبو جهاد في بيته في تونس ، فرثاه مظفر ، وفي الانتفاضة نفسها حاول الإسرائيليون دفن شباب فلسطينيين على مداخل نابلس وهم أحياء . هذا الحدث ترك أثره في نفسية مظفر فكتب فيه قصيدة الانتفاضة الخاصة به .
وقد ظل الهم الفلسطيني يؤرقه ، ففي الانتفاضة الثانية التي استشهد فيها الطفل محمد الدرة وحاصرت القوات الإسرائيلية مخيم جنين وسوت أكثر مبانيه بالأرض كتب الشاعر عن الحدث مشيدا بالمقاومة الباسلة التي أبداها المحاصرون . كانت مقاومة أهل المخيم مقاومة أسطورية في زمن كانت الجيوش العربية لا تصمد فيه في القتال طويلا . هذا ما دفع مظفر ليكتب عن ابن المخيم المقاوم :
" هذا الفتى البهي من جنين
حذاؤه أشرف منهم جملة ومفردا ، هيهات أن يلين "
وصارت قصيدة "جنين " تستحضر باستمرار ، فكلما حوصر المخيم وقاوم ابناؤه وازدادت مقاومتهم ضراوة استحضرت القصيدة ، حتى لكأن كاتبها فلسطيني من مخيم جنين .
وأنا أدرس قصيدة " المسلخ الدولي : باب بوابة الأبجدية " التفت إلى حضور الموضوع الفلسطيني فيها ونعت صاحبها بأنه العربي الفلسطيني .
لقد كان الموضوع الفلسطيني في أشعار مظفر حاضرا حضورا كبيرا حتى ليخيل لقاريء أشعار الشاعر ، قبل أن يلتفت الشاعر إلى العراق والمدن العراقية وحنينه إليها ، أن مظفر شاعر فلسطيني لا شاعر عراقي ، ولقد كان كذلك حقا .
٤
غزة ...... البنت الصرخة :
لمحمود درويش في يوميات " أثر الفراشة " يومية هي " البنت/الصرخة " يكتب فيها عن هدى غالية التي قتل أهلها أمامها اسرائيلية على شاطيء البحر حين كانوا يتنزهون .
يكتب درويش :
وفي البحر بارجة تتسلى
بصيد المشاة على شاطيء البحر :
أربعة خمسة سبعة
يسقطون على الرمل ، والبنت تنجو قليلا
ﻷن يدا من ضباب
يدا ما آلهية أسعفتها ، فنادت : أبي
يا أبي ! قم لنرجع ، فالبحر ليس ﻷمثالنا ......"
يبدو أن أسرائيل تتسلى حقا بصيد اﻷطفال على شاطيء ألبحر
اليوم استشهد أربعة أطفال على شاطيء البحر في غزة وهم يتنزهون.
الحكاية تتكرر وأسرائيل قتلت اﻷطفال ﻷنها تتخيل المشهد بعد عشر سنوات:هؤلاء اﻷطفال هم أبطال الحرب القادمة.ألم يكتب كاتب مسرحي أسرائبلي ساخر :
" أنا ..أنت والحرب القادمة " .
٢٠١٤
٥
غزة ... " وعافت خطونا المدن "
مقال الأحد في الأيام .
في قصة غسان كنفاني " ورقة من غزة " تبتر ساق ناديا جراء العدوان ، وفي قصيدة درويش تسعف يد الهية هدى ، ولكنها تفقد أهلها ، والخميس استشهد سبعة أطفال ، وثمة منا من عاف الحرب أيضا وعاف دولة إسرائيل وعاف العرب و .....
٦
( من مفكرة العام ٢٠١٥ )
ايناس عبد الله والنقد الأدبي في فلسطين :
مرة عقبت الروائية ايناس عبد الله كاتبة رواية " لا ملائكة في رام الله " على كتابة كتبتها قائلة :
- لا يوجد في فلسطين سوى ناقدين هما عبد الرحيم الشيخ وأكرم مسلم .
وسألتها :
- لا أعرف أن أكرم مسلم يكتب نقدا . أعرفه روائيا . هل خلطت بين أكرم مسلم وسامي مسلم ، وكان الأخير ينشر مقالات نقدية في الصحف ، أم أن أكرم مسلم ينشر كتابات نقدية خارج فلسطين ولا نقرؤها هنا ؟
الأمر يحتاج إلى استفسار من ايناس ومن أكرم مسلم ، بخاصة أنني افكر في كتابة مقالة عن أدب العائدين والنقد ، ويحضرني هنا اسم سامي مسلم .
٧
خفة الكائنات غير المحتملة : 4 :
تفكر ، في العيد ، أن تكتب عن الكائنات غير المحتملة ، وما أكثرها ، ثم تتراجع ، فأنت في إجازة ، ولا بد أن الحلوى تحذرك :
- فليكن لسانك في العيد بعض ما تأكله ، وليكن لسانك حلوا غير سليط .
تقول :
- أغلق الفيس ، ولا أرد على الهاتف ، وأجلس في البيت وحيدا .
ومع ذلك لا تنجو من التفكير في الكائنات غير المحتملة ، وقد تضطر لأن تتحمل .
أنت في العيد ، ولا بأس من ارتفاع نسبة السكر في الدم .
كل عام والكائنات المحتملة بخير . أما الكائنات غير المحتملة ، وقد تكون منها ، فأمرها لخالقها .
٢٠١٥
٨
( حزيران الذي لا ينتهي ) 52 :
( بيوت جحا وقصة صديق من بيت جحا )
من بيوت جحا التي أقمت فيها غرفة في جبل النزهة .
كنت أبحث عن سكن ، ولما لم أجد رحب بي الطالب نعيم النقيب الذي كان استأجر غرفة في جبل النزهة بالقرب من مخيم الحسين أخبره عنها أقاربه الذين استقروا في المخيم منذ نشأته ،بعد العام 1948 .
لقد رغب نعيم ، في بداية غربته ودراسته ، أن يظل قريبا من اهله ، لعله يستانس بهم حتى يعتاد أجواء عمان ،وكان هؤلاء يعملون ، إن لم تخني الذاكرة ، خياطين ، وقد تعرفت إليهم .
كانت الغرفة منعزلة عن البيوت والغرف الأخرى ، وهي تطل على المخيم ، فيستأنس المرء ، ليلا ، باضواء بيوت المخيم ، ولا يشعر بالخوف ، إن بقي وحيدا .
لم يكن في الغرفة مطبخ أو مرحاض ، ففيها يستحم المرء ، وفيها يصنع الشاي والقهوة ويتناول الوجبات السريعة العابرة . وأما المرحاض فكان يقع بعيدا عنها مسافة تقدر بعشرة أمتار . وفي فصل الشتاء كان الأمر يتعقد ، بخاصة إذا ما هطل الثلج ، وهو ما كان في العام الذي أقمت فيه في الغرفة . وما خفف من الشعور بالحرج في أثناء الاستحمام أن نعيم كان لا يأتي إلى الغرفة إلا بعد العاشرة ليلا .
في ألمانيا ، في 1987، حين أقمت في شقة مكونة من غرفتين ، لهما مطبخ صغير وحمام لا تنقطع عنه المياه الساخنة ، و لا التدفئة المركزية ، عرفت التربية الاسبرطية التي ربيتها في المخيمات . كما لو أنني ولدت في اسبارطة ، ولذلك تمكنت من العيش في بيت جحا الذي يشبه غرف الجبيهة. والآن غالبا ما أكرر السؤال : كيف كنت أتقبل الإقامة في تلك الغرف ؟
في العام 1972 في بداية دراستي تعرفت إلى أحمد زغب ، وهو طالب من قرية جماعين ، بالقرب من مدينة نابلس ، وكان أحمد حصل على المرتبة الأولى في الضفة الغربية في الفرع الأدبي ، وقد اختار دراسة الأدب الإنجليزي ، وتعرفت إلى صديقه أحمد بن جحا ، ولم يخطر ببالي أن أسأله عن قريبه جحا ، ويبدو أنه ، مع مرور الأيام ، رغب عن أن ينتمي إلى عائلة جحا ، تلافيا للنكت والدعابات والطرائف التي الحقت بشخصية جحا ، فآثر أحمد السلامة وانتمى إلى عائلتها .
كان أحمد طريفا ومحدثا لبقا أيضا . وكان يتكلم ببطء وبثقة ، على الرغم من قصر قامته . لقد كان يفيض كلاما يزيد على قصره ، كما لو أنه يكمل ما نقص منه ، وكان ذا مشاعر وطنية فياضة اوقعت أبناء فتح ، لوقت محدد ، في غرامه ، فوثقوا فيه وعدوه منهم .
ذات مرة استدان مني مبلغا من المال . وكلمة مبلغ قد تبدو اليوم مثيرة للضحك ، ولكنها في حينه ، لطالب مثلي راتبه الشهري عشرون دينارا ، تعد حقا مبلغا . فقد كنت أنفق في اليوم الواحد ما يقارب النصف دينار فقط ، وكان هذا يعد مبلغا . وقد وعدني أحمد أن يعيد الدينار ، خلال أسابيع ، ما زالت مستمرة ، على الرغم من مرور أربعين عاما . وعندما طلبت الدينار منه ، بعد وقت ، أجابني بأنه لن يعيده ، فماذا أنا فاعل؟ وكان هذا هو الدرس الأول من مجموعة دروس اعطيتها في الإقراض ، فقبل سنوات قليلة ، وتحديدا في انتفاضة الأقصى ، جاءني زميل دراسة ، درس معي ومع أحمد ، وطلب مني مبلغ مائتي شيكل ، حتى يكمل قسط ابنته ، ووعد أن يعيدها ، وأخذ يتهرب مني ، ولم يعد يزورني في مكتبي في الجامعة ، وذات نهار التقيت به ، في السوق ، في البلدة القديمة ، وذكرته بها فأجابني بصراحة مطلقة : لا أريد أن أعيدها . والطريف أن اسمه محمد وهو ابن نمر ، ولم أعقب على صراحته ، فقد أخافني اسم عائلته . وهناك كثيرون نصبوا علي أيضا ، ولم أقاضهم ، وكانت إجابتهم واضحة صريحة : لا نريد أن نعيد المبلغ ، فماذا أنت فاعل؟
ليس ما سبق هو المهم في قصة أحمد بن جحا الذي غدا كاتبا يؤلف الكتب في طرائف الملوك والأمراء . فما كان مهما هو المفاجأة التي عرفناها لاحقا .
كان أحمد يدعي أنه ابن فتح ما هتف لغيرها ( أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها ) ، وزعم أنه يقوم بدور مهم في الحرب الأهلية اللبنانية ، وأنه يقدم خدمات مهمة للحركة ، وقد أرانا صورة جواز سفره الأردني مختوما بختم منطقة حدودية سورية لبنانية ، أظنها المصنع . هل صدقناه يومها ؟
سيغدو أحمد صحفيا لامعا في الصحافة الأردنية ، مثل رؤوف علوان في رواية نجيب محفوظ " اللص والكلاب " ، وسينشر باسم آخر ، وسيغدو مستشار الأمير ومقربا منه ، بل وسيؤلف كتابا عن نكت الأمير ودعاباته ، وقد عرفت هذا من خلال مشاهدتي برنامجا تلفازيا بثته القناة الأردنية ذات صباح جمعة .
الله الله يا أحمد . والله حكايتك مثل حكايات جحا ، ومثل حكاياتي مع بيوت جحا ، فمن منا كان جحا ؟ أنا أم أنت أم البيوت ؟
ولم يكن أحمد هو الوحيد الذي يسلك سلوك الفهلويين ، فقد عرفت ، من زملائي ، من يسلك سلوكه ، وإن لم يغد جزءا من النظام ، ولم يكن يتظاهر بأنه فتحاوي ، ليغطي على انتمائه الحقيقي- كان أشيع وخمن أنه انتمى للمخابرات الأردنية حفظها الله لحماية الوطن .
كان لي أصدقاء ريفيون مرحون يحبون دائما أن يشخصوا وأن يأكلوا في مطعم أساتذة الجامعة ، حيث يأتيهم النادل يعرض عليهم قائمة الطعام ، ويحضره لهم ، مقابل خدمات إضافية يدفعها الأساتذة ، ولم أكن أسلك سلوكهم فاتهموني بالبخل - طول عمري متقشف - ، وأرادوا أن يكرموني ذات نهار ، ودعوني لتناول الطعام معهم ، في جناح الأساتذة ، على اعتبار ما سأكون . وعندما انتهينا من تناول الطعام طلبوا مني الخروج أولا ، وأما هم فسيدخلون إلى الحمامات ليغسلوا أيديهم وليحاسبوا ، وقد أنجزوا القسم الأول ، ولم يحاسبوا ، فقد انسلوا واحدا واحدا ، وعرفت أنهم صعاليك ظرفاء .
هل اختلف هؤلاء حقا عن أحمد بن جحا ؟ ربما احتاج المرء أن يمر عشرون عاما ، حتى تعود الثورة إلى الضفة وتستلم السلطة ليعرف ما نحن فيه وما صرنا إليه . كما لو أننا خرجنا من معطف مقامات الهمذاني ، ومن مقامات الكدية تحديدا . وسأتذكر زميلي الذي نصحني بدراسة الأدب العربي ، لأتعلم من نصوصه القيم العربية الأصيلة ، والتقاليد والأعراف والعادات ، ويبدو أننا لم نبتعد عن هذا كثيرا ، ولهذا أحببنا شعر الصعاليك وقصائد المتنبي ومقامات بديع الزمان .
ومع ما سبق أتذكر جحا وبيوت جحا وأحمد بن جحا . وهذا كله كان بفضل حزيران ، فلولاه هل كنت سأسكن في تلك البيوت؟
17 /7 /2016
٩
إن الليل زائل :
في القسم الثاني من قصيدة محمود درويش التي ضمنت قسمها الأول أمس " عن غزة " يقول الشاعر :
" يا دامي العينين والكفين
/
إن الليل زائل
/
لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل
/
نيرون مات ولم تمت روما
/
روما بعينيها تقاتل ".
زلنا وما زال الليل ، الليل الطويل منذ امريء القيس ، الليل يعود إلى ليلته ، كما كتب درويش نفسه في 1991 :
" لكن الليل يعود إلى ليلته
/
وأنا اسقط في حفرة هذا الظل " .
إنه ليل يطول ، ومع ذلك لم يدم حاكم ولم تدم دولة ، ولنا في هذا عزاء ، وربما تدرك غزة هذا وتقرأ بعض مقاطع مديح الظل العالي .
مات نيرون وبقيت روما .
هل حقا مات نيرون ؟ وماذا عن قول أمل دنقل :
" وراء كل قيصر يموت يولد قيصر جديد ".
من أصدق : شباب محمود درويش أم ( سبارتاكوس ) أمل دنقل ؟
إنه صباح الحيرة .
17 / 7 / 2018
١٠
أفكار وموتيفات في الأدب الفلسطيني : موتيف " اللقيط " .
ليلى الأطرش :"أبناء الريح"
عادل الأسطة
تعيد رواية الروائية ليلى الأطرش "أبناء الريح "2012 الذاكرة إلى نصوص أدبية عالمية وعربية سابقة ، فهي تعالج فكرة قديمة قدم النصوص الأدبية التي وصلت إلينا ، وأعني هنا الأساطير.
تذكرنا الرواية بأسطورة ( أوديب) وبقصة سيدنا موسى الذي التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.
وتذكرنا للأسطورة والقصة الدينية لا يعني أن الرواية تتطابق معهما تطابقا كليا، فالتشابه جزئي لا يتعدى فكرة الطفل اللقيط الذي يتربى بعيدا عن والديه.
وتذكرنا أيضا بنصوص أدبية حديثة أتيت عليها بإيجاز وأنا أكتب تحت عنوان "الطفل اللقيط ..وسؤال الهوية في الرواية العربية "( الأيام الفلسطينية 25/9/ 2016وكتابي "أسئلة الرواية العربية " 2018 ).
ولأن قسما من أحداث الرواية يدور في دور رعاية الأيتام/ الأطفال فإنها تذكرنا أيضا بقصيدة حافظ ابراهيم التي مطلعها:
"شبحا أرى أم ذاك طيف خيال/
لا بل فتاة بالعراء حيالي".
وفي قسم من الرواية، ونحن نقرأ قصة الابن المتبنى وعلاقته بأبويه المتبنيين، نستحضر قصصا كثيرة: قصة سيدنا سليمان مع الأم التي أنجبت والأم التي ربت ،ورواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا " وسؤال رابطة الدم فيها. إن سؤال رابطة الدم يشكل حضورا مباشرا في رواية ليلى ، وبقصد متعمد على ما يبدو . وكما يرفض خلدون/ دوف في رواية كنفاني العودة مع والديه البيولوجيين الفلسطينيين ويؤثر البقاء مع والديه اليهوديين اللذين ربياه ، لا يتعرف الطفل عادل،في رواية ليلى، إلى أبيه حين يجمعهما المشرف النفسي في مكان دون أن يخبرهما بصلة الدم بينهما (66-69).وهذا ما حدث في أسطورة (أوديب)،فالدم لم يمنع الابن من قتل أبيه والزواج من أمه حين التقى بهما فلم يدله الدم على أنهما والداه اللذان بذراه .
ولا يعني استحضار النصوص أن الروائية تنسخ أفكار الآخرين، فمصير شخصياتها يتوازى تارة مع شخصيات القصص ويتعارض معها طورا ويتقاطع معها ثالثة.
والرواية التي تتشكل من سبعة أقسام كل قسم حمل رقما وصدر بمقولة مقتبسة(سفر التكوين،من أمثال النبي سليمان،أسطورة عالمية، المسيح بن مريم،من سورة آل عمران، نشيد الإنشاد،من سورة الضحى)؛ مقولة ذات دلالة لها صلة بما أدرج تحتها، الرواية لا يسردها سارد واحد، إذا غضضنا النظر عن الحوار الخارجي الذي شكل معلما من معالمها.
يسرد سفيان أكثر الفصول ،ويسرد تيسير ابن عم أبيه فصلا هو الثالث، ويقرأ سفيان في الفصلين الخامس والسادس بعض كتابات نادرة من عائلته في دار الرعاية، فتغدو هذه مؤلفة ضمنية جزئيا، ويترك لبعض الشخصيات تروي قصتها.
ويبدو الواقع الاجتماعي في الرواية واقعا أسود حتى ليمكن القول إن الرواية تندرج تحت مسمى "الأدب المظلم "، أدب الواقعية النقدية المتشائمة، وهو ما عرفته الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر ومثالها "بؤساء "(فكتور هوجو ) و"مدام بوفاري "(فلوبير ).وعرفته الرواية العربية في بداياتها ومنها روايات نجيب محفوظ التي تنتمي إلى المرحلة الاجتماعية، مثل"القاهرة الجديدة"-هذا إذا غضضنا النظر عن كتابات المنفلوطي.
عالم من البؤس والفقر والتشرد والفساد والانحراف. أطفال كانوا ضحية المجتمع وانحراف أفراده الذين انساقوا وراء شهواتهم ورغباتهم، فخلفوا وراء ذلك مآسي اجتماعية كثيرة.
نعم تنتمي الرواية إلى الواقعية النقدية الغربية المتشائمة على الرغم من أن سفيان الذي يبحث عن إخوته في دار رعاية الأطفال يحاول أن يوفق بين رأسين محطمين من إخوته في الدار هما ماهر ونادرة، وعلى الرغم من أن سفيان نفسه لم ينته الأمر به إلى الانتحار أو الضياع، فقد درس الطب و تزوج وكون عائلة وصار ثريا. ويبقى أن ينظر المرء في مآل شخصيات أخرى في الرواية مثل فراس ومثل والدة سفيان ووالده والثمن الذي دفعه هو شخصيا.
إن بعض ما كتبته نادرة التي عاشت في دار الرعاية ينتهي أيضا نهاية مأساوية. خذ ما كتبته عن ياسمين مثلا "أفتح النافذة كل يوم وأنتظر. لا يأتي "( 155).
وعالم دار الرعاية المفترض أن يكون أرحم من العالم الذي جاء منه الأطفال لا يختلف كثيرا.
في دور الرعاية يستغل بعض المسؤولين والمسؤولات الأطفال جنسيا ويقمعونهم أيضا.وقد تعترض الروائية على ما ذهبت إليه وتقول: لا، فهناك تجربة سفيان نفسه وهناك اقتراحه على ماهر بالتعرف إلى نادرة، وفوق هذا هناك مدلول الآية القرآنية التي صدرت بها المقطع السابع الأخير (ألم يجدك يتيما فآوى ).إن دال الآية يستحضر تجربة النبي محمد (ص)وهي تجربة انتهت بالطفل اليتيم نهاية يشهد المسلمون وبعض غير المسلمين لها بالنجاح. وقد تضيف الكاتبة قائلة: إن تجربة الرسول هي النص الغائب المتمم الذي تركته لذكاء القاريء،وإن تجربة ماهر يمكن أن تنجح فأين هو التشاؤم والواقع الأسود؟
عموما إن أكثر صفحات الرواية يصور العالم فيها عالما كابوسيا مرعبا، ويبقى هذا اجتهادا.
وأنا أقرأ الرواية تساءلت بعض تساؤلات (برونتير) فيما يخص موضوع الرواية وما يخص مكانتها في نتاج ليلى الأطرش نفسها.
ماذا لو قارن القاريء بين لغة ساردي هذه الرواية ولغة ساردي رواية "مرافيء الوهم "2005 ؟ إن ساردي الروايتين مختلفون علما وثقافة ومع ذلك فإن بنية الجملة لديهم واحدة، وأظنها لغة ليلى نفسها التي ربما غاب عن ذهنها أنها تتعامل مع شخصيات مختلفة أو أنها اسلبت لغة شخوصها، وهذا شيء آخر.
وماذا لو تتبع القاريء حركة الزمن في الروايتين؟ وماذا لو تتبع تعدد الساردين فيهما؟وماذا لو نظر في عدد أقسام كل رواية منهما؟
غالبا ما استشهد بما فعله (ميخائيل ريفاتيري ) في أثناء دراسته قصيدة (بودلير)" القطط" وقصيدة ثانية له ليلاحظ أن القصيدتين تعكسان البنية نفسها، وهو ما فعله أيضا كمال أبو ديب حين درس ثلاث قصائد لأبي نواس ولاحظ أنها تعكس البنية نفسها. هل اشتط حين أقول إن رواية "أبناء الريح "تعكس البنية نفسها لرواية"مرافيء الوهم"؟
18/ 7 /2018
١١
مقالي القادم سوف يكون عن رواية الروائية ليلى الأطرش "أبناء الريح "
الصادرة في العام 2012.
أي روايات ليلى السابقة أقرب بناء ولغة إلى هذه الرواية؟
أكاد أجزم أنها رواية "مرافيء الوهم" التي أنجزتها ليلى في فترة قريبة أسبق من رواية "أبناء الريح ".
هل كتب دارس عن روايات ليلى الأطرش واقترابها شكلا من النموذج المحفوظي- نجيب محفوظ. ؟
ليست روايات ليلى مجرد سرد. إنها تعالج في روايتها موضوعا اجتماعيا يعيدنا إلى فكرة اللقيط وإلى قصيدة حافظ ابراهيم:
"شبحا أرى أم ذاك طيف خيال؟
لا بل فتاة في العراء حيالي.
سأرى.
١٢
الست كورونا : عودة إلى الإغلاق الشامل ( ٢٤ )
اليوم الجمعة وغدا السبت إغلاق شامل . هكذا عمم أمس ولا أعرف إن كان سيلتزم به . يعني إن حمودة أصيب بالإمساك ثانية ولا بد هذه المرة من شمام حتى تتيسر أمور مؤخرته ، وفي الإغلاقات السابقة كان الشمام موجودا وأظنه لا ينقطع في بلادنا ، فالشمام متوفر دائما ويتخذ أشكالا عديدة ؛ من كرت غوار إلى التذاكي والكذب والتظاهر بما ليس في الواقع .
كثيرون يبرزون بطاقات السلطة ، وهذه كروت غوار و ( دايتون ) وبقايا فتوة الفصائل وأيام الصداقة في السجون ، وكثيرون يبرزون بطاقات التأمين الصحي ، فالمتمارض يعاني من سكر وضغط وضيق في الشرايين ولديه اليوم موعد لإجراء عملية ، وكثيرون لهم أقارب من طرفي الأب والأم في السلطة الوطنية ، وكثيرون علمونا في المدارس أو الجامعات ولا يعقل أن نحول بينهم وبين التنقل ، والحكايا كثيرة .
أشرطة أمس التي وصلتني غلب على قسم منها الصراخ والشتائم ، فنال رئيس السلطة الفلسطينية من الأخيرة ما ناله ، عدا أن قسما من الأشرطة كان مقتطفات من خطابات سابقة للرئيس يعبر فيها عن حقيقة وضعه في ظل اتفاقات ( أوسلو ) ، وكان سعيد أبو النحس المتشائل في رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " عبر عن تجربة اميل وقسم من الباقين على أرضهم في العام ١٩٤٨ . هل يسير الرئيس أبو مازن على خطى بطل حبيبي وخطى حبيبي نفسه . " لولا بقاؤنا على أرضنا لصارت فلسطين أندلسا ثانية ، فنحن من حافظنا على لغتنا وقرانا ومدننا ... " .
قسم آخر من الأشرطة يسخر من ظاهرة التعليم في زمن " ما بعد كورونا " ، ففي برامج س . ج . تغدو الولايات المتحدة الأميركية أكبر مدينة أوروبية ، وتغدو اللغة الرسمية للبرازيل اللغة العربية .
اليوم وغدا سوف آخذ بنصيحة الصديق Mohammed Daraghmeh ولسوف أفطر زيتا وزعترا وأكتفي بالبطاطا المسلوقة ، وأتمنى ألا يحدث معي ما حدث مع حمودة ومؤخرته : الإمساك .
١٧ تموز ٢٠٢٠
١٣
شيخنا وطار والشاعرة الناشئة :
عادل الاسطة
في سبعينيات القرن ٢٠ عرفتنا منشورات " صلاح الدين " في القدس على الكاتب الجزائري الطاهر وطار ، فقرأنا له رواياته " اللاز " و " عرس بغل " و" الحوات والقصر " ومجموعته القصصية " الشهداء يعودون هذا الأسبوع " ، وفي الفترة نفسها طبعت له منشورات الأسوار في عكا رواية " الزلزال " ، كما طبعت له دار الكاتب مجموعته القصصية " الطعنات " وصار الكاتب نافذتنا إلى الأدب العربي في المغرب العربي ، ولا أعرف إن كان جيل القراء في الألفية الثالثة قرأوا " وطار " كما قرأناه . وأغلب الظن أن الجيل الجديد قرأ أحلام مستغانمي وواسيني الأعرج أكثر مما قرؤوه .
شخصيا لم أكتف بقراءة وطار بل أخذت أدرس بعض أعماله في الجامعة ؛ درست بعض قصصه القصيرة مثل " الشهداء يعودون هذا الأسبوع " ( ١٩٧٤ ) و" اشتراكي حتى الموت " و" الرسام الكبير والشاعرة الناشئة " وروايتيه " اللاز " و " الزلزال " ، وكتبت عن النصوص السابقة غير مرة .
إن قصة " اشتراكي حتى الموت " غالبا ما تستحضر في مقالاتي ، وغالبا ما أذكرها حين أسخر من نفسي وحين أسخر من يساريين تحولوا ، وصارت فكرة القصة ، وقصة نجاتي صدقي " الشيوعي المليونير " ، مدخلا لفكرة تلح على ذهني هي تحولات اليسار في الرواية العربية - آخر عمل قرأته حول هذا هو رواية حيدر حيدر " شموس الغجر " - ، وقصة نجاتي صدقي أسبق من قصة وطار ؛ فقد صدرت في مجموعته " الشيوعي المليونير " في ١٩٦٣ .
قصة " الشاعرة الناشئة والرسام الكبير " لا تغيب عن الذاكرة ، وفي هذه الأيام تلح عليها أكثر وأكثر ، بخاصة أن الشاعرات الناشئات والشعراء الناشئين يتكاثرون بمتوالية هندسية لا حسابية - هل تتذكرون نظرية مالثوس ؟ .
ليس الشعراء والشاعرات هم من يتكاثرون ، فقد أخذ الروائيون والروائيات - وأيضا دور النشر التي صارت تطبع لمن يريد أن يطبع كتابا - يتكاثرون ، بل وصارت دور النشر هذه تسعى وراء الكتاب ، ما دفعني قبل أسابيع إلى كتابة مقالي " ناشرون يبحثون عن كتاب " .
حين تقرأ لعديد من الكتاب الجدد تقرأ أعمالا توحي لك بأن صاحبها يمتلك العربية ويتقنها إلى حد كبير ، ولكنك حين تتراسل معهم تتذكر قصة وطار " الشاعرة الناشئة والرسام الكبير " ، وقد تتورط قبل أن تتراسل معهم في الكتابة عن أعمالهم ، ثم ... .
أحيانا تلحظ أن هناك أدباء كبارا أو نقادا كبارا يتورطون في علاقة مع شاعرة ناشئة أو قاصة ناشئة أو روائية ناشئة ، وقد تتورط شخصيا ، فيطلبون منك أن تكتب عن أعمالهم أو أن تكتب تصديرا لعمل جديد لهم ، وغالبا ما أعتذر لدرجة أن كتابتي مقدمات لأعمال أدبية نادرة جدا ، وإن لم تخني الذاكرة فقد كتبت تصديرا لأعمال مات مؤلفوها منذ عقود ، وأعيدت طباعتها لخدمة الحركة الأدبية ، مثل رواية " الوارث " لخليل بيدس ، ورواية " الحياة بعد الموت " لاسكندر الخوري البيتجالي .
في الأسابيع الأخيرة قرأت فقرة يذم فيها كاتبها الكتاب الكبار و النقاد الكبار الذين يتورطون في مديح كاتبات ناشئات لا يستحققن المديح ، وقرأت عن صدور كتب مشتركة بين كتاب كبار وكاتبات عاديات ، ولا أعرف إن كان الكتاب يعرفون المستوى الحقيقي لهن .
مرة قرأت أعمال كاتبة - أنهت التوجيهي فقط - ألحت علي أن أكتب عن عملها ، ولما تواصلت لاحقا معها أكثر وأكثر ، لاحظت الفارق الكبير بين مستوى لغتها في أعمالها ومستوى لغة رسائلها لي ، فتساءلت عن السبب ، وعرفته . إنه دار النشر . بل ولاحظت أنها لم تقرأ الكثير لكتاب عرب معروفين ولكتاب عالميين وأن قراءاتها قليلة جدا ، بل وشبه معدومة .
غالبا ما كنت أتذكر ، وأنا اتراسل معها ، قصة الطاهر وطار " الرسام الكبير والشاعرة الناشئة " فالكاتبة التي أصدرت أعمالا متواضعة بلغة أسلبتها لها دار النشر تريد أن تتقدم إلى جائزة الرواية العربية ، وكلما كتبت لها عن فكرة في رواية لكاتب كبير ردت علي بأنها كتبت هذا في روايتها ، ولكثرة حديثها عنها أوحت لي بأن روايتها " أم الروايات " وأن روايات الكتاب الكبار تناصت معها وأفادت منها ، وأنها تستحق جائزة الرواية العربية .
دور النشر التي تطبع لكثيرين من الكتاب تعرض مخطوطاتهم على كتاب يعيدون صياغة المخطوطات بأجر ، ويكون هؤلاء الكتاب القلم الخفي الذي يمكن نعته بالكاتب الثاني .
قد يقول قائل إن دور النشر المحترمة غالبا ما تعرض المخطوطات على محررين محترفين ، وبالتالي فأن اعتراضي غير مقنع . قد ! ولكني لا أظن أن الكتاب الذين تنشر لهم دور النشر المحترمة كتاب لا يجيدون الكتابة بلغتهم وأن ثقافتهم ضئيلة وسطحية .
وأنا أتذكر كتابات تلك الكاتبة وكتابات كتاب آخرين مهووسين بإصدار كتاب لا يخطر ببالي سوى قصة وطار المذكورة .
الشاعرة الناشئة في القصة ترشحها الجهات المسؤولة لحضور المؤتمرات وتوقع معها دور النشر عقدا لنشر ديوانها الذي شرعت في كتابته مؤخرا ، و .. و ... و " اللي بدري بدري واللي ما بدري بقول كف عدس . "
الجمعة ١٧ تموز ٢٠٢٠
مقال احتياط :
الوباء في فلسطين في الأدبيات :
عادل الاسطة
لا أعرف إن كان هناك دارس أدبي عكف على دراسة ظاهرة انتشار الأوبئة في فلسطين .
تمر فلسطين في هذه الأيام مثل بقية دول المعمورة بظروف صعبة بسبب انتشار جائحة الكورونا ، ويرصد قسم من كتابنا في يومياتهم معاناة الناس وأحوالهم ، وبلغ الأمر أن تشجعت بعض دور نشر عربية ، وهنا أخص دار النشر الأردنية " خطوط وظلال " ، لنشر ما يكتب في كتب خاصة ضمن سلسلة عنوانها " مرويات الفايروس " وكان لي نصيب فيها ، فأصدرت يومياتي تحت عنوان " الست كورونا " .
وأنا أكتب يومياتي التفت ، كما التفت غيري من الكتاب مثل الياس خوري وعبد الله ابراهيم ، وكما التفتت بعض الفضائيات ، إلى روايات ويوميات عالمية دارت حول الأوبئة ، واتكأت عليها بحيث شكلت مكونا من مكونات كتابتي .
من قصص ( بوكاشيو ) " الديكاميرون " التي ذكرت طاعون فلورنسة في ١٣٤٨ ، إلى يوميات ( دانيال ديفو ) " يوميات سنة الطاعون " التي وثقت للحياة في لندن في ١٦٢٢ . وقرأت مراجعات عديدة لرواية ( ألبير كامو ) " الطاعون " ورواية ( خوزيه ساراماغو ) " العمى " وغيرها وغيرها من نصوص ( شكسبير ) وغيره .
هل غاب ذكر الأدبيات العربية التي أتت على الأوبئة في العصور القديمة والعصور الوسطى والعصور الحديثة ؟
قبل أعوام درست رواية ربيع جابر " أميركا " وفيها أتى على انتشار الانفلونزا الإسبانية في العام ١٩١٨ ، الأنفلونزا التي لم يصدر عنها كتب كثيرة لانشغال الكتاب والدارسين بالكتابة عن الخرب العالمية الأولى ؛ أسبابها ومعاركها وموتاها ونتائجها وأثرها على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، علما بأن الأنفلونزا الإسبانية حصدت ملايين الموتى .
هل خلت النصوص الأدبية الفلسطينية وغير الفلسطينية التي كتبها أجانب زاروا فلسطين وأقاموا فيها لسنوات من رصد حياة الناس في فلسطين في ظل انتشار الأوبئة ؟
بعد نكبة العام ١٩٤٨ ومعاناة اللاجئين في مخيمات الشتات انتشرت ظاهرة شيوع " القمل " وهو ما يقرؤه المرء في رواية لاجيء فلسطيني عاش في المخيمات في تلك الأعوام . إنه الكاتب رسمي أبو علي في روايته " الطريق إلى بيت لحم " وكنت كتبت عنها ذات نهار في زاويتي هنا .
ولكن الكتابات عن الأوبئة في فلسطين تظهر في النصوص الروائية التي استرجع فيها أزمنة أخرى عانت فلسطين فيها من أوبئة . هنا أشير إلى انتشار الطاعون في يافا وعكا إبان الحملة الفرنسية بقيادة ( نابليون بونابرت ) على يافا وعكا .
ثمة روايات عالج فيها أصحابها معاناة أهل هاتين المدينتين في تلك الأيام ، وكان الطاعون فيهما تفشى بين المواطنين وبين جنود نابليون ، وكان سببا من أسباب انتهاء الحصار وزواله . رصد تلك المعاناة في الروايتين يتطلب مقالا منفصلا مفصلا .
ثمة أدبيات كتبها أجانب زاروا فلسطين ومكثوا سنوات فيها وخضعوا يوم وصولهم إليها إلى الحجر الصحي بسبب انتشار وباء الكوليرا . هنا أذكر يوميات ( ماري اليزا روجرز ) التي كتبت عنها هنا مقالين . نشرت ماري يومياتها في العام ١٨٦١ وكانت أقامت في فلسطين بين ١٨٥٥ و ١٨٥٩ ، ويوم وصلت إلى يافا أقامت مع المحجورين صحيا إلى أن حصلت على شهادة تثبت خلوها من الإصابة .
في الفصل الأول من يومياتها وعنوانه " من حيفا إلى لندن " تكتب ماري :
" في اليوم التالي جاء من يبلغنا بأن طبيب مركز الحجر الصحي ، وهو فرنسي ، سيقوم بزيارتنا بغرض الاطمئنان على صحتنا ، ووصل بعد ذلك بوقت قصير إلى الساحة الصغيرة ، بمعية ثلاثة من موظفيه الذين وقفوا مقابل باب غرفتنا وهم يتجنبون أي اتصال جسدي بنا أو بأي من النزلاء الآخرين الموجودين في المركز ، ... "
هل نكتب ، حين نكتب ، جديدا أم ترانا لا نقول إلا معادا مكرورا ؟
الكتابة عن الأوبئة في المرويات المذكورة قد تحتاج إلى تفصيل .
١٤
سنصير شعبا ... إن أعطينا الخبز إلى خبازه
" إن أردنا " هو عنوان إحدى يوميات الشاعر محمود درويش ، وقد ظهرت في كتابه " أثر الفراشة " ٢٠٠٦ ، وغالبا ما يستشهد قراء الشاعر بسطر منها هو " سنصير شعبا " إن فعلنا كذا وكذا أو وصلنا إلى كذا وكذا ، وبعض قراء الشاعر من غير المعجبين بشخصه وسلوكه يسألونني ، حين أقتبس منها سطرا ، إن كان الشاعر نفسه يلتزم بما قال .
قبل بضعة أيام مثلا اقتبست من القصيدة السطر الذي يقول فيه الشاعر إننا سنصير شعبا إن شتمنا السلطان وحاجبه دون محاكمة ، فعلق صديق لي ذاهبا إلى أن درويش نفسه كان يقف إلى جانب السلطان ويتخذ موقفا سلبيا ممن يهجو السلطان وحاجبه ، وذكرني بحكاية ناجي العلي .
لم أكن ، وأنا أفكر في الكتابة ، لم أكن أفكر في الكتابة عن الشاعر أصلا ، فما كنت أفكر في الكتابة عنه هو بؤس الدراسات العليا في الجامعات العربية في جانب الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه وتشكيل لجان المناقشة ، وفي اختيار محكمي الأبحاث ومحكمي رتب الترقية ، وفوق ما سبق التعليم الموازي في برنامجي الماجستير والدكتوراه ، بل وفي عدد الطلبة المقبولين للبرنامجين .
في الأيام الأخيرة اطلعت على رسالة دكتوراه صدرت عن إحدى الجامعات الأردنية ، فرثيت حال القسم الذي منحها وحال مشرفها ، وهو ممن يشهد لهم ، وحال كاتبها ، ومثل هذه الرسالة رسائل كثيرة في جامعاتنا ، وأعتقد أنها ستفرخ شهادات كثيرة لا تقدم للعلم شيئا قدر ما تسيء إليه .
في السنوات الأخيرة من عملي في الجامعة كنت في لجنة قراءة خطط الماجستير وإجازتها ، وغالبا ما كنت اتشدد حتى ضاق بعض الزملاء ذرعا بي فجعلوا عدد أعضاء اللجنة خمسة بدلا من ثلاثة ليضيع صوتي في المهرجان .
وتكمن الكارثة حين أنظر في علاقة المشرف بالموضوع الذي يشرف عليه ، فعدا افتقاد أكثر المشرفين إلى الإحاطة بالمناهج النقدية ، حيث لا يعرفون " كوعهم من بوعهم " ، فإنهم يشرفون على رسائل صلتهم بموضوعها مثل صلتي بالطب . وغالبا ما يستدعي هؤلاء مناقشين صلتهم بالموضوع معدومة ، ولا يستدعون من كتب في الموضوع حتى لا يرفض الرسالة ، فرفض الرسالة يعني ضعف كاتبها والمشرف عليها معا . وربما كنت في الجامعة من المدرسين القليلين الذين رفضوا إجازة رسائل ضعيفة أو طلبوا إجراء تعديلات جوهرية أو لم يواصلوا الإشراف على طالب لا يتقدم في الكتابة ولا ينهي أطروحة تستحق الشهادة .
يقول مثلنا الشعبي " أعط الخبز لخبازه لو حرق نصفه " ، وهذا آخر ما نفعله حقا على الأصعدة كلها ، ولذلك فإننا سنحتاج إلى عقود حتى نصير شعبا ، وآمل أن أكون مخطئا ، ويكون الرئيس أبو مازن والدكتور رامي الحمدلله والفصائل والأمناء العامون على صواب .
هل أكرر مقولة سعد زغلول " ما فيش فايدة " ؟
غطي لي رأسي يا ... وليس يقيم معي أحد لأطلب منه ما طلبه سعد زغلول من زوجته !!
١٧ تموز ٢٠٢١
١٥
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها :
في وداع حسين أبو حاشية أحد فدائيي ستينيات القرن العشرين .
اليوم شيع جثمان حسين أبو حاشية ( أبو الوليد ) أحد فدائيي حركة فتح بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، وقد عرفته قبل التحاقه بالعمل الفدائي من خلال صداقته لأخي درويش حيث عملا معا في كراج تصليح كهرباء السيارات .
التحق أبو الوليد الشاب اليافع بالمقاومة وأسر في أثناء قيامه بعملية فدائية في ٦٠ القرن ٢٠ وأنفق سنوات طويلة في السجن ثم خرج منه في عملية تبادل أسرى ليعيش في المنفى سنوات وليعود إلى الوطن/ مخيم بلاطة ، مع العائدين ، إثر اتفاقات أوسلو .
توفي أخي في العام ١٩٧٣ في حادث سير هو الذي لم يلتحق بالمقاومة مع صديقه فحزن صديقه الأسير عليه حزنا جما ، إذ كانا صديقين وزميلي عمل ، وانتقلت صداقة أبو الوليد لأخي إلى صداقة بقية الإخوة ، فتواصلت العلاقة حتى يومنا ، بل وصار أخوه " الغزال " صديقا لنا . كما لو أن الصداقة انتقلت بالوراثة .
عندما كنت أتردد ، قبل جائحة الكورونا ، على مقهى الهموز في نابلس ، كنت أجلس مع أبو الوليد وأصدقائه نتجاذب أطراف الحديث ، ثم حلت الجائحة ولم أعد أراه إلا نادرا ، إن التقينا بالمصادفة في البلدة القديمة .
لم أكن أعرف مدى صداقة أبو الوليد لأخي وبلوغها أرفع أنواع الصداقة إلا اليوم . لقد عرفت من أخي أنه دفن في قبر مجاور إلى جانب قبر أخي ، وكان أوصى أهله بذلك .
من ١٩٧٣ إلى ٢٠٢٢ حوالي خمسين عاما ، ولا أعرف إن كان أخي قبل ١٩٧٣ زار أبو الوليد وهو في الأسر في تلك السنوات الصعبة .
أبو الوليد الذي حمل روحه على راحته ليستشهد في سبيل الوطن على أمل أن يتحرر ويعود اللاجئون إلى ديارهم ، مخلفين مخيمات اللجوء وراءهم ، توفي دون أن يتحقق حلمه ، تماما كما توفي أبوه وجده وغيرهما ممن حلموا بالعودة إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها .
رحم الله أبو الوليد ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها ، وكلنا نمشي خطا كتبت علينا ، ومن كتبت عليه خطا مشاها .
لآل أبو حاشية خالص العزاء ورحم الله أبو الوليد الخلوق المهذب الصادق الوفي .
مات أبي في ١٥ تموز ٢٠٠٦ وماتت أمي في ١٥ تموز ٢٠١١ ومات أخي درويش في ٢ آب ١٩٧٣ ، وفي ١٦ تموز ٢٠٢٢ توفي أبو الوليد .
١٧ تموز ٢٠٢٢ .
١٦
فتاة نابلس ٢٧ :
التعالي والفهلوة وعدم المواجهة والانتهازية والبحث عن الذات :
فتاة نابلس هي عائشة الدجاني ابنة أسرة ثرية درست في جامعة نابلس فلم ترق لها ولم يرق لها الرجال الذين عرفتهم أو مروا بمخيلتها . كانوا جميعهم لها مخيبين للآمال ، والوحيد الذي راق لها كان أمير الذي تعرفت إليه في مساق الأدب الأمريكي كان خارج السؤال لأنه كتبي ولأنه من أسرة مستواها الاجتماعي لا يناسب أسرتها .
تطمح عائشة إلى الخروج من نابلس للعيش في لندن لتمارس حياتها بعيدا عن ثرثرة من يعرفها فتتصرف بحرية ، وهكذا تتجند للعمل مع الإيرانيين للحصول على المال الذي ما إن تحصل عليه ، بعد قيامها بما طلب منها ، حتى تسافر إلى لندن .
لا تصارح عائشة أهلها ، فهي تكذب عليهم . تدعي أنها تريد أن تدرس العلوم السياسية في القاهرة لتغطي على تدريب ليلى الإيرانية لها للسفر إلى دبي ، لتتعقب بعض الشخصيات الأمريكية التي تتابعها المخابرات الإيرانية في حربها السرية مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وتقدم خدمات للمسؤولين عنها وتحصل في النهاية على المكافأة . وكما ذكرت فإنها كانت تنظر إلى الحرب الإيرانية الأمريكية على أنها حرب صبيان وأولاد .
عندما تعترض عائلتها على إقامتها في القاهرة تعود لتتحدث مع أبيها وتلجأ إلى مخاطبته بما يدغدغ مشاعره وأحاسيسه وتتعجب كيف يعترض وهو وأبوه من قبله يفتخران بالمرأة المتعلمة ويمدحان دورها في الحياة ، وتعلمه أنها ستكون فخرا للعائلة وتذرف قليلا من الدموع ، فيصمت الأب المخدوع ولا يعود يعترض .
وعندما تلتقي في دبي بأمير ويكاد أمرها يفتضح تلجأ لكي ترضيه إلى الإغراء ، فتذهب إلى شقته وتعد له طعام العشاء وتقدم جسدها له لتحصل على المزيد من المعلومات لتقدمها إلى المسؤولة الإيرانية عنها .
تسافر عائشة الدجاني بعد أداء مهمتها إلى لندن لتستقر هناك وتتردد على أحد البارات ، وفي البنك تلتقي بالإنجليزي ( شارلي بريدج ) الذي أنفق سنة تفرغ في جامعة نابلس وعلم أمير ، وعندما يعرف أنها درست في جامعة نابلس يسألها عن أمير الطالب الذي درسه ، فتجيب :
" I don't think I knew him "
ويتابع السارد :
" Yasmine said to Charlie , suppressing a fake yawn .Determined to change the subject , Yasmine adjusted her posture , providing Charlie a brief but inviting glimpse of an exquisite undergarment ."
ويتابع السارد :
" Amir was forgetten " .
عندما طلب مني أن أبدي رأيا فيما كتبه DEAN DILLEY عن نابلس والمرأة النابلسية قلت :
من باب الإنصاف علينا أن نقرأ الرواية في ضوء ما كتبه غسان كنفاني عن الأدب الصهيوني وصورة العربي فيه وفي ضوء الأدبيات الفلسطينية التي كتبت عن نابلس من المقيمين فيها : فدوى طوقان في سيرتها وسحر خليفة في رواياتها ونصوصي ورواية كميل ابو حنيش " الجهة السابعة " . إن نموذج المرأة النابلسية التي كتب عنها كميل مختلف ، بل ويجب أن نتذكر شادية أبو غزالة ومريم الشخشير وكثيرا من النابلسيات اللاتي شكلن نموذجا مختلفا . هل نذكر الكاتبة سحر خليفة ومغادرتها نابلس ؟
وعموما يجب أن ينظر في أثناء قراءة الرواية إلى مرايا الآخرين بمن فيهم مرآة الأمريكي للأمريكي . ولو نظرنا في شخصية الإنجليزية Fiona لراينا فيها من القذارة ما لا يوصف .
١٧ / ٧ / ٢٠٢٣
١٧
الموت في الخزان والموت في الفندق : " رجال في الشمس " و" فتاة نابلس "
.
عادل الأسطة
وأنا أقرأ رواية الأمريكي ( ديان ديللي Dean Dilley ) " فتاة نابلس " ٢٠٢٢ لم يغب غسان كنفاني عن ذهني ، سواء في كتابه " في الأدب الصهيوني " ١٩٦٦ أو في روايته " رجال في الشمس " ١٩٦٣ . الكتاب الأول لأنه توقف فيه أمام العربي في الأدب الصهيوني والثاني لأنه كتب فيه عن الفلسطيني الذي يهرب من المواجهة ويبحث عن حل فردي لمشكلته بعيدا عن فلسطين وتكون النتيجة الموت .
مقابل الصهيوني المتعالي المتفوق والعربي السلبي المتخلف نقرأ عن الأمريكي السوبرمان والمتميز والفلسطيني البائس ؛ في الإنجاز والتعليم وطرق التدريس ، ولهذا فإن الفلسطيني النبيه لا يطمح إلا إلى مغادرة مدينته بحثا عن تحقيق ذاته في الوول ستريت في أمريكا . إن حياته في نابلس ودراسته في جامعتها مضيعة للوقت ليس أكثر . هذا ما يقتنع به أمير الشاب النابلسي ولهذا يغادر مدينته بحثا عن المال والحياة الفضلى غير البائسة ، تماما كما فعل شخوص رواية كنفاني .
لم يحقق الفلسطيني في رواية " رجال في الشمس " ما طمح إلى تحقيقه ومات في الخزان وألقى السائق الفلسطيني أبو الخيزران جثث الثلاثة في مكب النفايات ، ولم يصل أمير إلى نيويورك ومات في الفندق في دبي مقتولا ، وكان لا بد من إغلاق الملف . لقد كان سمكة صغيرة ، كما قال رجل المخابرات الإيراني ، لا يعني للأمريكي شيئا وكذلك للإيراني ، بل إنه لم يعن لفتاة نابلس عائشة الدجاني أي شيء ، فهذه التي حصلت على مكافأتها من الإيرانيين جراء الخدمة التي قدمتها لهم انتهى بها المقام في أحد بارات لندن لتعيش حياتها الشخصية بحرية بعيدا عن مدينتها نابلس المحافظة .
في إمعان النظر في شخصية عائشة في رواية " فتاة نابلس " وشخصية أبو الخيزران في رواية " رجال في الشمس " نجد تشابها كبيرا ، فكلتا الشخصيتين لا ضمير لها ولا أدنى انتماء للوطن ، علما بأن أبا الخيزران توصل إلى ذلك ، فقد كان في شبابه محاربا . تحصل كلتا الشخصيتين على المال لتواصل حياتها ، ولو كان ذلك على جثث الآخرين .
في لندن عندما تلتقي عائشة بالإنجليزي ( شارلي بريدج ) يسألها إن كانت تعرف شابا اسمه أمير كان درسه في جامعة نابلس ، فتنكر معرفتها . لقد صار أمير لها نسيا منسيا .
السؤال الذي أثاره غسان كنفاني على لسان أبو الخيزران :
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لم يغب أيضا عن ذاكرتي ، على الرغم من أن ( ديللي ) لم يثره على لسان الشخصية الفلسطينية ، فهو أصلا لا يعنيه ، فما يعنيه كما أرى هو فتاة نابلس أكثر ؛ الفتاة التي وصفت بالذكاء واختيرت عنوانا للرواية . لقد ربحت المال واستقرت في لندن لتحقق حلمها .
لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ سؤال سأله أبو الخيزران وذهب دارسون كثر لرواية غسان أنه سؤاله هو نفسه يريد أن يحرض الفلسطينيين على الثورة والقتال من أجل العودة إلى فلسطين ، لا الابتعاد عنها والبحث عن جنة في مكان آخر . هذا السؤال يدفعني دائما إلى إثارة سؤال آخر :
- هل ستختلف النتيجة إن دققنا جدران الخزان ؟
مرة أجرت معي فضائية فلسطينية مقابلة لأتحدث فيها عن كتابي " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " وكانت تتبنى خيار المقاومة ، وسئلت عن رأيي : هل أنا مع خيار أوسلو أم مع خيار المقاومة ؟ فأجبت :
لا أعرف حقا ، ولكني حين أمعن النظر فيما وصلت إليه أوسلو وما حققته المقاومة أرى أننا لم ننجز في الحالتين ، فلم تقم الدولة الفلسطينية ولم يتوقف الاستيطان ولم يعد اللاجئون .
ولكن إجابتي عن السؤال تعيدني إلى سؤال آخر هو :
- أيهما أفضل الموت بشرف أم الموت الطبيعي الذي حذرنا منه غسان كنفاني ؟
هل المقارنة بين رواية كنفاني ورواية ( ديللي ) مشروعة ؟
ما يهمني أكثر حقا هو أن النهاية التي آل إليها الفلسطيني في الرواية التي كتبت بعد ستين عاما من كتابة الرواية الأولى هي النهاية نفسها . إن مصير الفلسطيني فيهما هو الموت في المنفى أو العيش على مآسي الآخرين أيضا في المنفى .
هنا أتوقف أمام رواية سامية عيسى " حليب التين " ٢٠١١ ، لتبيان ما آل إليه الفلسطيني الذي دق جدران الخزان في لبنان في فترة صعود الثورة الفلسطينية .
يستشهد الفلسطيني مخلفا وراءه زوجته الشابة وأطفاله منها وأمه ، وبعد خروج المقاومة من بيروت في ١٩٨٢ تسوء ظروف الفلسطينيين هناك ، فتضطر زوجة الشهيد للسفر إلى دبي للعمل في صالون نسائي كان مجرد واجهة ، فيقودها عملها إلى التفريط بجسدها مجبرة حتى ترسل المال إلى والدة زوجها وإلى أطفالها ، ويستقر بهم جميعهم المقام في دولة اسكندنافية ، وهكذا لم يعدهم العمل الفدائي - دق جدران الخزان - إلى فلسطين ، وبدلا من أن يقربهم منها أبعدهم عنها أكثر وأكثر .
في ١٩٧٢ استشهد كنفاني بتفجير سيارته ، وفي ١٩٨١ اغتيل ماجد أبو شرار في فندق في روما ، وفي ١٩٨٤ مات معين بسيسو في فندق في لندن ، واللافت أن الثلاثة واصلوا قرع جدران الخزان منذ بواكير شبابهم . حالة الفلسطيني ، على ما يبدو ، حالة سيزيفية .
في النقد البنيوي غالبا ما يبحث البنيويون وهم يدرسون الأعمال الأدبية عن الصلة بينها ، لا الصلة بين أجزاء العمل الأدبي الواحد وحسب ، بل عن الصلة بين نصوص العصر ، وقد يذهبون إلى أبعد من ذلك .
١٧ و ٢٠ / ٧ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٣ / ٧ / ٢٠٢٣ )
١٨
غزة ( ٢٨٥ ) :
صباحات أهل غزة في الخيام ... صباحات آبائنا وأجدادنا في الخيام
أدرج الشاعر ناصر عطاالله Nasser Atallah أمس ١٦ / ٧ / ٢٠٢٤ على صفحته شريط فيديو لصديقه من غزة حازم أبو حميد يتحدث فيه عن صباحات أهل غزة لاجئين في الخيام يعانون مما منه يعانون وهو ما كثر إيراده في هذه اليوميات منذ ٨ أكتوبر ٢٠٢٣ .
ما عادت صباحاتهم كما كانت قبل ذلك التاريخ ، فلقد انقلبت رأسا على قدم . ما عاد طلابهم يذهبون إلى المدارس وموظفوهم إلى أماكن عملهم ، وما عادوا يمارسون الكسل في أيام الجمع والأعياد والمناسبات . صارت صباحاتهم طوابير طوابير ؛ طوابير أمام المراحيض - إن وجدت - ، وصباحاتهم طوابير أمام المخابز للحصول على ربطة خبز ، وصباحاتهم طوابير أمام خزانات المياه لتعبئة الجالونات ، وصباحات أطفالهم الذهاب إلى البراري لجمع النتش ، وصباحاتهم وصباحاتهم وصباحاتهم والشريط مدرج على صفحتي وصفحة الصديق ناصر ...
ما قاله حازم أبو حميد ذكرني بصباحات أهلنا في خمسينيات ومنتصف ستينيات القرن العشرين .
الاستيقاظ مبكرا والذهاب إلى المراحيض .
الاستيقاظ مبكرا والذهاب إلى عين المياه في المخيم
الاستيقاظ مبكرا لاستلام حليب الوكالة
الاستيقاظ في الصيف مبكرا بسبب حر الخيام ولسع البعوض وتكاثر الذباب
الاستيقاظ مبكرا لإحضار الحمص والفول و ... .
عندنا مثل يقول :
" تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي " .
جئنا لاجئين ويبدو أننا سنغادر هذه الفانية لاجئين ، وكان الله في عون أهل قطاع غزة الذين ينام قسم منهم تحت قصف الطائرات في الشوارع أو في أطراف المشافي قرب جرحاهم .
هل نحن طائر العنقاء أم صخرة سيزيف ؟
١٧ / ٧ / ٢٠٢٤
١٩
غزة 650 :
جنون فقد الأبناء
كما لو أننا نصغي ، كل مساء أو كل صباح ، إلى حالة الطقس من هذه الفضائية أو تلك ، أو من هذه الإذاعة أو تلك ، صرنا نصغي إلى صراخ الآباء وهم يحملون فلذات آكبادهم القتلى إلى مثواهم الأخير . يصرخون بجنون متسائلين عما ارتكبه أطفالهم حتى يلقوا مصيرهم : بغارة أو بقذيفة أو بطائرة مسيرة ؛ في خيمتهم أو في مكان لعبهم على الرمال . وكل طفل له حكاية ، وهناك من قضى جوعا لم يجد الرغيف . تمنى قطعة حلوى أو كأس شاي محلى أو حتى " رغيف هامبورغر " كما الطفل فيصل الخالدي الذي ذكرته مرارا .
" كسرت ظهري يا حسن " و " يوسف أبو شعر كيرلي " و اليوم يحمل الرجل طفله ويسأله :
"- إيش أجيب لك يا قلبي ؟ إيش أجيب لك يا روحي ؟ يلعن ..." ويصمت فلا يكمل . يتطلع إلى السماء ثم : "يا الله ! "
إنها الحرب المجنونة . إنه القتل الجماعي و ... إنها الإبادة للغوييم الفلسطينيين الغزاويين وأطفالهم ؛ فالأطفال غير مبرئين ؛ لأنهم مقاومو المستقبل لكيان بلغت مرحلة البلطجة بما نعنيه مفردة " بلطجة " من مدلول .
شاهدوا هءا الشريط الذي أدرجه الناشط سامي أبو سالم Sami Abu Salem ليل يوم الأربعاء ١٦ / ٧ / ٢٠٢٥
١٧ / ٧ / ٢٠٢٥
٢٠
ما جرى من حديث في التاكسي هذا الصباح :
سائق هذا الصباح من مخيم بلاطة واسمه طايل الطيراوي .
سألني طايل عن صحتي ليبدأ حديثا ما معي .
طايل سجين سابق وهو قاريء للأدبيات الإسلامية وتوجهه توجه إسلامي ، يؤمن بالله والرسول وينطلق في حكمه على الأشياء من منطلق عقيدي ديني إسلامي .
هل أفتح حديثا ما معه؟
أحيانا أجدني أتحدث معه وأحيانا أكون حذرا ، لأنه مثل بقية أفراد شعبنا يبدو فضوليا ، ويريد أن يتدخل ، من خلال الإشارة ، في أمور شخصية ولو بالتلميح .
سأقول له إن الأمور الشخصية لا بأس بها ، ولكن لينج الله سورية من الحرب الأهلية ، فالوضع فيها لا يسر .
طايل سيتحدث عن الزعماء العرب والخيانة والمجازر التي ستقع ، فالرسول قال هذا ، وهو لا ينطق عن الهوى - إن هو الا وحي يوحى .
فجأة يأخذنا الحديث إلى مجمع السيارات في نابلس .
كيف وافق الحاج عدلي على أن المجمع صالح طبيا ولا يؤذي ؟
كيف وافق المحافظ على الأمر نفسه ، هو الذي قال قبل فترة إن المجمع غير صالح ولا بد من بديل - أنا سمعت كلام المحافظ من الإذاعة المحلية - صوت النجاح .
ماذا قال طايل أيضا ؟
أخذ يدعو على المسؤؤلين وطلب من الله أن يصابوا هم بالسرطان ، فالمجمع سيسبب السرطان للسائقين . طبعا دافع طايل عن الحج عدلي يعيش ، فهو يجله ويحترمه ، ولكنه لم يكن معه في قراره هذا .
انا قلت له إنه المال ، فدافع طايل عن نظافة الحج عدلي وبياض يده ، فهو ليس بحاجة إلى المال .
أنا قلت له إنه يريد المال للبلدية لا لجيبه الشخصي ، للبلدية ولأصحاب رؤؤس الأموال ممن يربحون من المجمع .
طلب مني طايل - إن التقيت بالحاج عدلي - أن أبلغه عن سخط السواقين واحتجاجهم وتذمرهم .
هل هذا هو كل ما جرى من حوار بيننا؟ ألم نأت على تغير المواقف وسببه؟
قلت له إنه الضمير ، فقال لي يسلم لسانك وكفى .
في 70 ق 20 قرأت في جريدة القدس قصيدة لشاعر ليبي ظللت أحفظ منها البيت التالي :
" مات الضمير وشيعوا جثمانه
ما عاد في الدنيا ضمير يذكر ".
لماذا غير ؟
صباح الخير يا وطن..صباح الخير يا أيها السواقون المحترمون ، أما أنتم أيها السواقون غير المحترمين ف..ف..
2012
٢
.د.حسن عليان وكتابه الجديد عن القدس في الرواية العربية :
أمس أنجزت مقالا عن كتاب ا.د. حسن عليان المدرس في جامعة فيلادلفيا \الأردن " القدس بين الواقع والتاريخ في الرواية العربية " وأرسلته لينشر .
الأسبوع القادم سيناقش زميلاي د.محمود العطشان\جامعة بير زيت و د.نادر قاسم \جامعة النجاح طالبي محمد الطحل " رواية القدس في القرن الحادي والعشرين " .
ربما يجدر أن تنشر جامعة النجاح رسالة الطالب في العالم العربي ليطلع الباحثون العرب على ما ينجزه طلابنا وملاحظة مستواه العلمي .
2013
٣
مظفر النواب وفلسطين في شعره :
( مقالتي اليوم الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٧ تموز ٢٠٢٢ ) ( جريدة الأيام الفلسطينية ) .
عادل الأسطة
حضر الموضوع الفلسطيني في أشعار مظفر النواب منذ قصيدته الشهيرة " وتريات ليلية " التي كتبها في بداية ٧٠ القرن ٢٠ .
خص مظفر في القصيدة فلسطين بأسطر قليلة عن القدس صارت الأشهر في الكتابة عن المدينة منذ كتب عنها ، وقد كتب عنها الكثير بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، فقبل ذلك العام ما كان لها حضور لافت في الأدب العربي .
جاءت الأسطر الخاصة بالقدس في ضوء هجاء الشاعر للأنظمة العربية قاطبة ، بل وفي ضوء تعببره عن قرفه من سوء الأوضاع العربية بشكل عام ، ويومها عزا مظفر سبب الهزيمة إلى الحكام والجماهير معا ، فلم يستثن أحدا ، وحمل مسؤولية ضياع فلسطين إلى " الثوار الكسبة " :
" من باع فلسطين وأثرى بالله
سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام
ومائدة الدول الكبرى ؟!
من باع فلسطين سوى الثوار الكسبة الكتبة ؟! "
من من قراء الشعر العربي الحديث لم يقرأ قول مظفر :
" فإذا أجن الليل تطق الأكواب بأن القدس عروس عروبتنا "؟ ، ولسوف يحضر وجه فلسطين للشاعر وهو يتعذب على أيدي جلاديه ليزداد صلابة فلا ينهار :
" بين الغيبوبة والصحو
تماوج وجه فلسطين ،
فهذي المتكبرة الثاكل
تحضر حيث يعذب أي غريب " .
غير أن هذا السطر عن القدس والأسطر التي تلته ليست الوحيدة فيما يخص الموضوع الفلسطيني في أشعاره ، ففي العام ١٩٧٦ سقط مخيم تل الزعتر الواقع في بيروت وارتكبت القوات الكتائبية في حينه مجزرة بحق سكانه الباقين ، وقد خص الشاعر الحدث بقصيدته الشهيرة " تل الزعتر " وفيها صور ما جرى وحاكم الحكام العرب وهجاهم بأقذع الشتائم . لقد وقف مظفر إلى جانب الثورة الفلسطينية وأهالي المخيم الضحايا من أطفال ونساء ومقاتلين ، ومجد الفدائي تمجيدا عاليا :
" أتحدى أن يرفع أحد منكم عينيه أمام حذاء فدائي يا قردة " .
هذا التمجيد للفدائي لم يقتصر على السطر السابق ، فللشاعر قصيدة طويلة جدا عن الفدائي الفلسطيني أبو مشهور الذي تسلل عبر النهر ليقاوم المحتل ويدافع عن القدس ، ويبدو أن قرب مظفر من الحركة الفدائية وقياداتها أيضا ترك أثرا كبيرا في الكتابة في هذا الموضوع . كان عنوان القصيدة " صرة الفقراء المملوءة بالمتفجرات " وأما أبو مشهور فهو " مقاتل فلسطيني قاوم في مذابح الأردن ورفض أن ينسحب ثم مات في ظروف غامضة بعد ذلك " ، وفي كلام مظفر ما فيه من تلميحات وإشارات تدين قيادات في المنظمة .
ستظل القضية الفلسطينية حاضرة في أشعاره باستمرار ، وحين يستشهد الفنان ناجي العلي سيخصه الشاعر بقصيدة طويلة عنوانها " مرثية لأنهار من الحبر الجميل " ويبدو أن ثمة تشابها بين الشاعر وفنان الكاريكاتير في صرامة الموقف والانحياز إلى الجماهير وحركة المقاومة في صفائها ونقائها وعدم التصالح مع كل من يحاصرها ويساوم على الحق الفلسطيني والتراب الفلسطيني من النهر إلى البحر ، وقد عبر مظفر عن الحق الفلسطيني الكامل في قصيدته الشهيرة " المسلخ الدولي " وفي تغنيه بمدن الساحل الفلسطيني بخاصة يافا .
وإذا كان ناجي العلي اغتيل في تموز ١٩٨٧ فإن الانتفاضة الفلسطينية اشتعلت في نهاية العام نفسه ، وكان مظفر يتابع أحداثها . في ربيع ١٩٨٨ تمكنت إسرائيل من اغتيال خليل الوزير أبو جهاد في بيته في تونس ، فرثاه مظفر ، وفي الانتفاضة نفسها حاول الإسرائيليون دفن شباب فلسطينيين على مداخل نابلس وهم أحياء . هذا الحدث ترك أثره في نفسية مظفر فكتب فيه قصيدة الانتفاضة الخاصة به .
وقد ظل الهم الفلسطيني يؤرقه ، ففي الانتفاضة الثانية التي استشهد فيها الطفل محمد الدرة وحاصرت القوات الإسرائيلية مخيم جنين وسوت أكثر مبانيه بالأرض كتب الشاعر عن الحدث مشيدا بالمقاومة الباسلة التي أبداها المحاصرون . كانت مقاومة أهل المخيم مقاومة أسطورية في زمن كانت الجيوش العربية لا تصمد فيه في القتال طويلا . هذا ما دفع مظفر ليكتب عن ابن المخيم المقاوم :
" هذا الفتى البهي من جنين
حذاؤه أشرف منهم جملة ومفردا ، هيهات أن يلين "
وصارت قصيدة "جنين " تستحضر باستمرار ، فكلما حوصر المخيم وقاوم ابناؤه وازدادت مقاومتهم ضراوة استحضرت القصيدة ، حتى لكأن كاتبها فلسطيني من مخيم جنين .
وأنا أدرس قصيدة " المسلخ الدولي : باب بوابة الأبجدية " التفت إلى حضور الموضوع الفلسطيني فيها ونعت صاحبها بأنه العربي الفلسطيني .
لقد كان الموضوع الفلسطيني في أشعار مظفر حاضرا حضورا كبيرا حتى ليخيل لقاريء أشعار الشاعر ، قبل أن يلتفت الشاعر إلى العراق والمدن العراقية وحنينه إليها ، أن مظفر شاعر فلسطيني لا شاعر عراقي ، ولقد كان كذلك حقا .
٤
غزة ...... البنت الصرخة :
لمحمود درويش في يوميات " أثر الفراشة " يومية هي " البنت/الصرخة " يكتب فيها عن هدى غالية التي قتل أهلها أمامها اسرائيلية على شاطيء البحر حين كانوا يتنزهون .
يكتب درويش :
وفي البحر بارجة تتسلى
بصيد المشاة على شاطيء البحر :
أربعة خمسة سبعة
يسقطون على الرمل ، والبنت تنجو قليلا
ﻷن يدا من ضباب
يدا ما آلهية أسعفتها ، فنادت : أبي
يا أبي ! قم لنرجع ، فالبحر ليس ﻷمثالنا ......"
يبدو أن أسرائيل تتسلى حقا بصيد اﻷطفال على شاطيء ألبحر
اليوم استشهد أربعة أطفال على شاطيء البحر في غزة وهم يتنزهون.
الحكاية تتكرر وأسرائيل قتلت اﻷطفال ﻷنها تتخيل المشهد بعد عشر سنوات:هؤلاء اﻷطفال هم أبطال الحرب القادمة.ألم يكتب كاتب مسرحي أسرائبلي ساخر :
" أنا ..أنت والحرب القادمة " .
٢٠١٤
٥
غزة ... " وعافت خطونا المدن "
مقال الأحد في الأيام .
في قصة غسان كنفاني " ورقة من غزة " تبتر ساق ناديا جراء العدوان ، وفي قصيدة درويش تسعف يد الهية هدى ، ولكنها تفقد أهلها ، والخميس استشهد سبعة أطفال ، وثمة منا من عاف الحرب أيضا وعاف دولة إسرائيل وعاف العرب و .....
٦
( من مفكرة العام ٢٠١٥ )
ايناس عبد الله والنقد الأدبي في فلسطين :
مرة عقبت الروائية ايناس عبد الله كاتبة رواية " لا ملائكة في رام الله " على كتابة كتبتها قائلة :
- لا يوجد في فلسطين سوى ناقدين هما عبد الرحيم الشيخ وأكرم مسلم .
وسألتها :
- لا أعرف أن أكرم مسلم يكتب نقدا . أعرفه روائيا . هل خلطت بين أكرم مسلم وسامي مسلم ، وكان الأخير ينشر مقالات نقدية في الصحف ، أم أن أكرم مسلم ينشر كتابات نقدية خارج فلسطين ولا نقرؤها هنا ؟
الأمر يحتاج إلى استفسار من ايناس ومن أكرم مسلم ، بخاصة أنني افكر في كتابة مقالة عن أدب العائدين والنقد ، ويحضرني هنا اسم سامي مسلم .
٧
خفة الكائنات غير المحتملة : 4 :
تفكر ، في العيد ، أن تكتب عن الكائنات غير المحتملة ، وما أكثرها ، ثم تتراجع ، فأنت في إجازة ، ولا بد أن الحلوى تحذرك :
- فليكن لسانك في العيد بعض ما تأكله ، وليكن لسانك حلوا غير سليط .
تقول :
- أغلق الفيس ، ولا أرد على الهاتف ، وأجلس في البيت وحيدا .
ومع ذلك لا تنجو من التفكير في الكائنات غير المحتملة ، وقد تضطر لأن تتحمل .
أنت في العيد ، ولا بأس من ارتفاع نسبة السكر في الدم .
كل عام والكائنات المحتملة بخير . أما الكائنات غير المحتملة ، وقد تكون منها ، فأمرها لخالقها .
٢٠١٥
٨
( حزيران الذي لا ينتهي ) 52 :
( بيوت جحا وقصة صديق من بيت جحا )
من بيوت جحا التي أقمت فيها غرفة في جبل النزهة .
كنت أبحث عن سكن ، ولما لم أجد رحب بي الطالب نعيم النقيب الذي كان استأجر غرفة في جبل النزهة بالقرب من مخيم الحسين أخبره عنها أقاربه الذين استقروا في المخيم منذ نشأته ،بعد العام 1948 .
لقد رغب نعيم ، في بداية غربته ودراسته ، أن يظل قريبا من اهله ، لعله يستانس بهم حتى يعتاد أجواء عمان ،وكان هؤلاء يعملون ، إن لم تخني الذاكرة ، خياطين ، وقد تعرفت إليهم .
كانت الغرفة منعزلة عن البيوت والغرف الأخرى ، وهي تطل على المخيم ، فيستأنس المرء ، ليلا ، باضواء بيوت المخيم ، ولا يشعر بالخوف ، إن بقي وحيدا .
لم يكن في الغرفة مطبخ أو مرحاض ، ففيها يستحم المرء ، وفيها يصنع الشاي والقهوة ويتناول الوجبات السريعة العابرة . وأما المرحاض فكان يقع بعيدا عنها مسافة تقدر بعشرة أمتار . وفي فصل الشتاء كان الأمر يتعقد ، بخاصة إذا ما هطل الثلج ، وهو ما كان في العام الذي أقمت فيه في الغرفة . وما خفف من الشعور بالحرج في أثناء الاستحمام أن نعيم كان لا يأتي إلى الغرفة إلا بعد العاشرة ليلا .
في ألمانيا ، في 1987، حين أقمت في شقة مكونة من غرفتين ، لهما مطبخ صغير وحمام لا تنقطع عنه المياه الساخنة ، و لا التدفئة المركزية ، عرفت التربية الاسبرطية التي ربيتها في المخيمات . كما لو أنني ولدت في اسبارطة ، ولذلك تمكنت من العيش في بيت جحا الذي يشبه غرف الجبيهة. والآن غالبا ما أكرر السؤال : كيف كنت أتقبل الإقامة في تلك الغرف ؟
في العام 1972 في بداية دراستي تعرفت إلى أحمد زغب ، وهو طالب من قرية جماعين ، بالقرب من مدينة نابلس ، وكان أحمد حصل على المرتبة الأولى في الضفة الغربية في الفرع الأدبي ، وقد اختار دراسة الأدب الإنجليزي ، وتعرفت إلى صديقه أحمد بن جحا ، ولم يخطر ببالي أن أسأله عن قريبه جحا ، ويبدو أنه ، مع مرور الأيام ، رغب عن أن ينتمي إلى عائلة جحا ، تلافيا للنكت والدعابات والطرائف التي الحقت بشخصية جحا ، فآثر أحمد السلامة وانتمى إلى عائلتها .
كان أحمد طريفا ومحدثا لبقا أيضا . وكان يتكلم ببطء وبثقة ، على الرغم من قصر قامته . لقد كان يفيض كلاما يزيد على قصره ، كما لو أنه يكمل ما نقص منه ، وكان ذا مشاعر وطنية فياضة اوقعت أبناء فتح ، لوقت محدد ، في غرامه ، فوثقوا فيه وعدوه منهم .
ذات مرة استدان مني مبلغا من المال . وكلمة مبلغ قد تبدو اليوم مثيرة للضحك ، ولكنها في حينه ، لطالب مثلي راتبه الشهري عشرون دينارا ، تعد حقا مبلغا . فقد كنت أنفق في اليوم الواحد ما يقارب النصف دينار فقط ، وكان هذا يعد مبلغا . وقد وعدني أحمد أن يعيد الدينار ، خلال أسابيع ، ما زالت مستمرة ، على الرغم من مرور أربعين عاما . وعندما طلبت الدينار منه ، بعد وقت ، أجابني بأنه لن يعيده ، فماذا أنا فاعل؟ وكان هذا هو الدرس الأول من مجموعة دروس اعطيتها في الإقراض ، فقبل سنوات قليلة ، وتحديدا في انتفاضة الأقصى ، جاءني زميل دراسة ، درس معي ومع أحمد ، وطلب مني مبلغ مائتي شيكل ، حتى يكمل قسط ابنته ، ووعد أن يعيدها ، وأخذ يتهرب مني ، ولم يعد يزورني في مكتبي في الجامعة ، وذات نهار التقيت به ، في السوق ، في البلدة القديمة ، وذكرته بها فأجابني بصراحة مطلقة : لا أريد أن أعيدها . والطريف أن اسمه محمد وهو ابن نمر ، ولم أعقب على صراحته ، فقد أخافني اسم عائلته . وهناك كثيرون نصبوا علي أيضا ، ولم أقاضهم ، وكانت إجابتهم واضحة صريحة : لا نريد أن نعيد المبلغ ، فماذا أنت فاعل؟
ليس ما سبق هو المهم في قصة أحمد بن جحا الذي غدا كاتبا يؤلف الكتب في طرائف الملوك والأمراء . فما كان مهما هو المفاجأة التي عرفناها لاحقا .
كان أحمد يدعي أنه ابن فتح ما هتف لغيرها ( أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها ) ، وزعم أنه يقوم بدور مهم في الحرب الأهلية اللبنانية ، وأنه يقدم خدمات مهمة للحركة ، وقد أرانا صورة جواز سفره الأردني مختوما بختم منطقة حدودية سورية لبنانية ، أظنها المصنع . هل صدقناه يومها ؟
سيغدو أحمد صحفيا لامعا في الصحافة الأردنية ، مثل رؤوف علوان في رواية نجيب محفوظ " اللص والكلاب " ، وسينشر باسم آخر ، وسيغدو مستشار الأمير ومقربا منه ، بل وسيؤلف كتابا عن نكت الأمير ودعاباته ، وقد عرفت هذا من خلال مشاهدتي برنامجا تلفازيا بثته القناة الأردنية ذات صباح جمعة .
الله الله يا أحمد . والله حكايتك مثل حكايات جحا ، ومثل حكاياتي مع بيوت جحا ، فمن منا كان جحا ؟ أنا أم أنت أم البيوت ؟
ولم يكن أحمد هو الوحيد الذي يسلك سلوك الفهلويين ، فقد عرفت ، من زملائي ، من يسلك سلوكه ، وإن لم يغد جزءا من النظام ، ولم يكن يتظاهر بأنه فتحاوي ، ليغطي على انتمائه الحقيقي- كان أشيع وخمن أنه انتمى للمخابرات الأردنية حفظها الله لحماية الوطن .
كان لي أصدقاء ريفيون مرحون يحبون دائما أن يشخصوا وأن يأكلوا في مطعم أساتذة الجامعة ، حيث يأتيهم النادل يعرض عليهم قائمة الطعام ، ويحضره لهم ، مقابل خدمات إضافية يدفعها الأساتذة ، ولم أكن أسلك سلوكهم فاتهموني بالبخل - طول عمري متقشف - ، وأرادوا أن يكرموني ذات نهار ، ودعوني لتناول الطعام معهم ، في جناح الأساتذة ، على اعتبار ما سأكون . وعندما انتهينا من تناول الطعام طلبوا مني الخروج أولا ، وأما هم فسيدخلون إلى الحمامات ليغسلوا أيديهم وليحاسبوا ، وقد أنجزوا القسم الأول ، ولم يحاسبوا ، فقد انسلوا واحدا واحدا ، وعرفت أنهم صعاليك ظرفاء .
هل اختلف هؤلاء حقا عن أحمد بن جحا ؟ ربما احتاج المرء أن يمر عشرون عاما ، حتى تعود الثورة إلى الضفة وتستلم السلطة ليعرف ما نحن فيه وما صرنا إليه . كما لو أننا خرجنا من معطف مقامات الهمذاني ، ومن مقامات الكدية تحديدا . وسأتذكر زميلي الذي نصحني بدراسة الأدب العربي ، لأتعلم من نصوصه القيم العربية الأصيلة ، والتقاليد والأعراف والعادات ، ويبدو أننا لم نبتعد عن هذا كثيرا ، ولهذا أحببنا شعر الصعاليك وقصائد المتنبي ومقامات بديع الزمان .
ومع ما سبق أتذكر جحا وبيوت جحا وأحمد بن جحا . وهذا كله كان بفضل حزيران ، فلولاه هل كنت سأسكن في تلك البيوت؟
17 /7 /2016
٩
إن الليل زائل :
في القسم الثاني من قصيدة محمود درويش التي ضمنت قسمها الأول أمس " عن غزة " يقول الشاعر :
" يا دامي العينين والكفين
/
إن الليل زائل
/
لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل
/
نيرون مات ولم تمت روما
/
روما بعينيها تقاتل ".
زلنا وما زال الليل ، الليل الطويل منذ امريء القيس ، الليل يعود إلى ليلته ، كما كتب درويش نفسه في 1991 :
" لكن الليل يعود إلى ليلته
/
وأنا اسقط في حفرة هذا الظل " .
إنه ليل يطول ، ومع ذلك لم يدم حاكم ولم تدم دولة ، ولنا في هذا عزاء ، وربما تدرك غزة هذا وتقرأ بعض مقاطع مديح الظل العالي .
مات نيرون وبقيت روما .
هل حقا مات نيرون ؟ وماذا عن قول أمل دنقل :
" وراء كل قيصر يموت يولد قيصر جديد ".
من أصدق : شباب محمود درويش أم ( سبارتاكوس ) أمل دنقل ؟
إنه صباح الحيرة .
17 / 7 / 2018
١٠
أفكار وموتيفات في الأدب الفلسطيني : موتيف " اللقيط " .
ليلى الأطرش :"أبناء الريح"
عادل الأسطة
تعيد رواية الروائية ليلى الأطرش "أبناء الريح "2012 الذاكرة إلى نصوص أدبية عالمية وعربية سابقة ، فهي تعالج فكرة قديمة قدم النصوص الأدبية التي وصلت إلينا ، وأعني هنا الأساطير.
تذكرنا الرواية بأسطورة ( أوديب) وبقصة سيدنا موسى الذي التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.
وتذكرنا للأسطورة والقصة الدينية لا يعني أن الرواية تتطابق معهما تطابقا كليا، فالتشابه جزئي لا يتعدى فكرة الطفل اللقيط الذي يتربى بعيدا عن والديه.
وتذكرنا أيضا بنصوص أدبية حديثة أتيت عليها بإيجاز وأنا أكتب تحت عنوان "الطفل اللقيط ..وسؤال الهوية في الرواية العربية "( الأيام الفلسطينية 25/9/ 2016وكتابي "أسئلة الرواية العربية " 2018 ).
ولأن قسما من أحداث الرواية يدور في دور رعاية الأيتام/ الأطفال فإنها تذكرنا أيضا بقصيدة حافظ ابراهيم التي مطلعها:
"شبحا أرى أم ذاك طيف خيال/
لا بل فتاة بالعراء حيالي".
وفي قسم من الرواية، ونحن نقرأ قصة الابن المتبنى وعلاقته بأبويه المتبنيين، نستحضر قصصا كثيرة: قصة سيدنا سليمان مع الأم التي أنجبت والأم التي ربت ،ورواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا " وسؤال رابطة الدم فيها. إن سؤال رابطة الدم يشكل حضورا مباشرا في رواية ليلى ، وبقصد متعمد على ما يبدو . وكما يرفض خلدون/ دوف في رواية كنفاني العودة مع والديه البيولوجيين الفلسطينيين ويؤثر البقاء مع والديه اليهوديين اللذين ربياه ، لا يتعرف الطفل عادل،في رواية ليلى، إلى أبيه حين يجمعهما المشرف النفسي في مكان دون أن يخبرهما بصلة الدم بينهما (66-69).وهذا ما حدث في أسطورة (أوديب)،فالدم لم يمنع الابن من قتل أبيه والزواج من أمه حين التقى بهما فلم يدله الدم على أنهما والداه اللذان بذراه .
ولا يعني استحضار النصوص أن الروائية تنسخ أفكار الآخرين، فمصير شخصياتها يتوازى تارة مع شخصيات القصص ويتعارض معها طورا ويتقاطع معها ثالثة.
والرواية التي تتشكل من سبعة أقسام كل قسم حمل رقما وصدر بمقولة مقتبسة(سفر التكوين،من أمثال النبي سليمان،أسطورة عالمية، المسيح بن مريم،من سورة آل عمران، نشيد الإنشاد،من سورة الضحى)؛ مقولة ذات دلالة لها صلة بما أدرج تحتها، الرواية لا يسردها سارد واحد، إذا غضضنا النظر عن الحوار الخارجي الذي شكل معلما من معالمها.
يسرد سفيان أكثر الفصول ،ويسرد تيسير ابن عم أبيه فصلا هو الثالث، ويقرأ سفيان في الفصلين الخامس والسادس بعض كتابات نادرة من عائلته في دار الرعاية، فتغدو هذه مؤلفة ضمنية جزئيا، ويترك لبعض الشخصيات تروي قصتها.
ويبدو الواقع الاجتماعي في الرواية واقعا أسود حتى ليمكن القول إن الرواية تندرج تحت مسمى "الأدب المظلم "، أدب الواقعية النقدية المتشائمة، وهو ما عرفته الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر ومثالها "بؤساء "(فكتور هوجو ) و"مدام بوفاري "(فلوبير ).وعرفته الرواية العربية في بداياتها ومنها روايات نجيب محفوظ التي تنتمي إلى المرحلة الاجتماعية، مثل"القاهرة الجديدة"-هذا إذا غضضنا النظر عن كتابات المنفلوطي.
عالم من البؤس والفقر والتشرد والفساد والانحراف. أطفال كانوا ضحية المجتمع وانحراف أفراده الذين انساقوا وراء شهواتهم ورغباتهم، فخلفوا وراء ذلك مآسي اجتماعية كثيرة.
نعم تنتمي الرواية إلى الواقعية النقدية الغربية المتشائمة على الرغم من أن سفيان الذي يبحث عن إخوته في دار رعاية الأطفال يحاول أن يوفق بين رأسين محطمين من إخوته في الدار هما ماهر ونادرة، وعلى الرغم من أن سفيان نفسه لم ينته الأمر به إلى الانتحار أو الضياع، فقد درس الطب و تزوج وكون عائلة وصار ثريا. ويبقى أن ينظر المرء في مآل شخصيات أخرى في الرواية مثل فراس ومثل والدة سفيان ووالده والثمن الذي دفعه هو شخصيا.
إن بعض ما كتبته نادرة التي عاشت في دار الرعاية ينتهي أيضا نهاية مأساوية. خذ ما كتبته عن ياسمين مثلا "أفتح النافذة كل يوم وأنتظر. لا يأتي "( 155).
وعالم دار الرعاية المفترض أن يكون أرحم من العالم الذي جاء منه الأطفال لا يختلف كثيرا.
في دور الرعاية يستغل بعض المسؤولين والمسؤولات الأطفال جنسيا ويقمعونهم أيضا.وقد تعترض الروائية على ما ذهبت إليه وتقول: لا، فهناك تجربة سفيان نفسه وهناك اقتراحه على ماهر بالتعرف إلى نادرة، وفوق هذا هناك مدلول الآية القرآنية التي صدرت بها المقطع السابع الأخير (ألم يجدك يتيما فآوى ).إن دال الآية يستحضر تجربة النبي محمد (ص)وهي تجربة انتهت بالطفل اليتيم نهاية يشهد المسلمون وبعض غير المسلمين لها بالنجاح. وقد تضيف الكاتبة قائلة: إن تجربة الرسول هي النص الغائب المتمم الذي تركته لذكاء القاريء،وإن تجربة ماهر يمكن أن تنجح فأين هو التشاؤم والواقع الأسود؟
عموما إن أكثر صفحات الرواية يصور العالم فيها عالما كابوسيا مرعبا، ويبقى هذا اجتهادا.
وأنا أقرأ الرواية تساءلت بعض تساؤلات (برونتير) فيما يخص موضوع الرواية وما يخص مكانتها في نتاج ليلى الأطرش نفسها.
ماذا لو قارن القاريء بين لغة ساردي هذه الرواية ولغة ساردي رواية "مرافيء الوهم "2005 ؟ إن ساردي الروايتين مختلفون علما وثقافة ومع ذلك فإن بنية الجملة لديهم واحدة، وأظنها لغة ليلى نفسها التي ربما غاب عن ذهنها أنها تتعامل مع شخصيات مختلفة أو أنها اسلبت لغة شخوصها، وهذا شيء آخر.
وماذا لو تتبع القاريء حركة الزمن في الروايتين؟ وماذا لو تتبع تعدد الساردين فيهما؟وماذا لو نظر في عدد أقسام كل رواية منهما؟
غالبا ما استشهد بما فعله (ميخائيل ريفاتيري ) في أثناء دراسته قصيدة (بودلير)" القطط" وقصيدة ثانية له ليلاحظ أن القصيدتين تعكسان البنية نفسها، وهو ما فعله أيضا كمال أبو ديب حين درس ثلاث قصائد لأبي نواس ولاحظ أنها تعكس البنية نفسها. هل اشتط حين أقول إن رواية "أبناء الريح "تعكس البنية نفسها لرواية"مرافيء الوهم"؟
18/ 7 /2018
١١
مقالي القادم سوف يكون عن رواية الروائية ليلى الأطرش "أبناء الريح "
الصادرة في العام 2012.
أي روايات ليلى السابقة أقرب بناء ولغة إلى هذه الرواية؟
أكاد أجزم أنها رواية "مرافيء الوهم" التي أنجزتها ليلى في فترة قريبة أسبق من رواية "أبناء الريح ".
هل كتب دارس عن روايات ليلى الأطرش واقترابها شكلا من النموذج المحفوظي- نجيب محفوظ. ؟
ليست روايات ليلى مجرد سرد. إنها تعالج في روايتها موضوعا اجتماعيا يعيدنا إلى فكرة اللقيط وإلى قصيدة حافظ ابراهيم:
"شبحا أرى أم ذاك طيف خيال؟
لا بل فتاة في العراء حيالي.
سأرى.
١٢
الست كورونا : عودة إلى الإغلاق الشامل ( ٢٤ )
اليوم الجمعة وغدا السبت إغلاق شامل . هكذا عمم أمس ولا أعرف إن كان سيلتزم به . يعني إن حمودة أصيب بالإمساك ثانية ولا بد هذه المرة من شمام حتى تتيسر أمور مؤخرته ، وفي الإغلاقات السابقة كان الشمام موجودا وأظنه لا ينقطع في بلادنا ، فالشمام متوفر دائما ويتخذ أشكالا عديدة ؛ من كرت غوار إلى التذاكي والكذب والتظاهر بما ليس في الواقع .
كثيرون يبرزون بطاقات السلطة ، وهذه كروت غوار و ( دايتون ) وبقايا فتوة الفصائل وأيام الصداقة في السجون ، وكثيرون يبرزون بطاقات التأمين الصحي ، فالمتمارض يعاني من سكر وضغط وضيق في الشرايين ولديه اليوم موعد لإجراء عملية ، وكثيرون لهم أقارب من طرفي الأب والأم في السلطة الوطنية ، وكثيرون علمونا في المدارس أو الجامعات ولا يعقل أن نحول بينهم وبين التنقل ، والحكايا كثيرة .
أشرطة أمس التي وصلتني غلب على قسم منها الصراخ والشتائم ، فنال رئيس السلطة الفلسطينية من الأخيرة ما ناله ، عدا أن قسما من الأشرطة كان مقتطفات من خطابات سابقة للرئيس يعبر فيها عن حقيقة وضعه في ظل اتفاقات ( أوسلو ) ، وكان سعيد أبو النحس المتشائل في رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " عبر عن تجربة اميل وقسم من الباقين على أرضهم في العام ١٩٤٨ . هل يسير الرئيس أبو مازن على خطى بطل حبيبي وخطى حبيبي نفسه . " لولا بقاؤنا على أرضنا لصارت فلسطين أندلسا ثانية ، فنحن من حافظنا على لغتنا وقرانا ومدننا ... " .
قسم آخر من الأشرطة يسخر من ظاهرة التعليم في زمن " ما بعد كورونا " ، ففي برامج س . ج . تغدو الولايات المتحدة الأميركية أكبر مدينة أوروبية ، وتغدو اللغة الرسمية للبرازيل اللغة العربية .
اليوم وغدا سوف آخذ بنصيحة الصديق Mohammed Daraghmeh ولسوف أفطر زيتا وزعترا وأكتفي بالبطاطا المسلوقة ، وأتمنى ألا يحدث معي ما حدث مع حمودة ومؤخرته : الإمساك .
١٧ تموز ٢٠٢٠
١٣
شيخنا وطار والشاعرة الناشئة :
عادل الاسطة
في سبعينيات القرن ٢٠ عرفتنا منشورات " صلاح الدين " في القدس على الكاتب الجزائري الطاهر وطار ، فقرأنا له رواياته " اللاز " و " عرس بغل " و" الحوات والقصر " ومجموعته القصصية " الشهداء يعودون هذا الأسبوع " ، وفي الفترة نفسها طبعت له منشورات الأسوار في عكا رواية " الزلزال " ، كما طبعت له دار الكاتب مجموعته القصصية " الطعنات " وصار الكاتب نافذتنا إلى الأدب العربي في المغرب العربي ، ولا أعرف إن كان جيل القراء في الألفية الثالثة قرأوا " وطار " كما قرأناه . وأغلب الظن أن الجيل الجديد قرأ أحلام مستغانمي وواسيني الأعرج أكثر مما قرؤوه .
شخصيا لم أكتف بقراءة وطار بل أخذت أدرس بعض أعماله في الجامعة ؛ درست بعض قصصه القصيرة مثل " الشهداء يعودون هذا الأسبوع " ( ١٩٧٤ ) و" اشتراكي حتى الموت " و" الرسام الكبير والشاعرة الناشئة " وروايتيه " اللاز " و " الزلزال " ، وكتبت عن النصوص السابقة غير مرة .
إن قصة " اشتراكي حتى الموت " غالبا ما تستحضر في مقالاتي ، وغالبا ما أذكرها حين أسخر من نفسي وحين أسخر من يساريين تحولوا ، وصارت فكرة القصة ، وقصة نجاتي صدقي " الشيوعي المليونير " ، مدخلا لفكرة تلح على ذهني هي تحولات اليسار في الرواية العربية - آخر عمل قرأته حول هذا هو رواية حيدر حيدر " شموس الغجر " - ، وقصة نجاتي صدقي أسبق من قصة وطار ؛ فقد صدرت في مجموعته " الشيوعي المليونير " في ١٩٦٣ .
قصة " الشاعرة الناشئة والرسام الكبير " لا تغيب عن الذاكرة ، وفي هذه الأيام تلح عليها أكثر وأكثر ، بخاصة أن الشاعرات الناشئات والشعراء الناشئين يتكاثرون بمتوالية هندسية لا حسابية - هل تتذكرون نظرية مالثوس ؟ .
ليس الشعراء والشاعرات هم من يتكاثرون ، فقد أخذ الروائيون والروائيات - وأيضا دور النشر التي صارت تطبع لمن يريد أن يطبع كتابا - يتكاثرون ، بل وصارت دور النشر هذه تسعى وراء الكتاب ، ما دفعني قبل أسابيع إلى كتابة مقالي " ناشرون يبحثون عن كتاب " .
حين تقرأ لعديد من الكتاب الجدد تقرأ أعمالا توحي لك بأن صاحبها يمتلك العربية ويتقنها إلى حد كبير ، ولكنك حين تتراسل معهم تتذكر قصة وطار " الشاعرة الناشئة والرسام الكبير " ، وقد تتورط قبل أن تتراسل معهم في الكتابة عن أعمالهم ، ثم ... .
أحيانا تلحظ أن هناك أدباء كبارا أو نقادا كبارا يتورطون في علاقة مع شاعرة ناشئة أو قاصة ناشئة أو روائية ناشئة ، وقد تتورط شخصيا ، فيطلبون منك أن تكتب عن أعمالهم أو أن تكتب تصديرا لعمل جديد لهم ، وغالبا ما أعتذر لدرجة أن كتابتي مقدمات لأعمال أدبية نادرة جدا ، وإن لم تخني الذاكرة فقد كتبت تصديرا لأعمال مات مؤلفوها منذ عقود ، وأعيدت طباعتها لخدمة الحركة الأدبية ، مثل رواية " الوارث " لخليل بيدس ، ورواية " الحياة بعد الموت " لاسكندر الخوري البيتجالي .
في الأسابيع الأخيرة قرأت فقرة يذم فيها كاتبها الكتاب الكبار و النقاد الكبار الذين يتورطون في مديح كاتبات ناشئات لا يستحققن المديح ، وقرأت عن صدور كتب مشتركة بين كتاب كبار وكاتبات عاديات ، ولا أعرف إن كان الكتاب يعرفون المستوى الحقيقي لهن .
مرة قرأت أعمال كاتبة - أنهت التوجيهي فقط - ألحت علي أن أكتب عن عملها ، ولما تواصلت لاحقا معها أكثر وأكثر ، لاحظت الفارق الكبير بين مستوى لغتها في أعمالها ومستوى لغة رسائلها لي ، فتساءلت عن السبب ، وعرفته . إنه دار النشر . بل ولاحظت أنها لم تقرأ الكثير لكتاب عرب معروفين ولكتاب عالميين وأن قراءاتها قليلة جدا ، بل وشبه معدومة .
غالبا ما كنت أتذكر ، وأنا اتراسل معها ، قصة الطاهر وطار " الرسام الكبير والشاعرة الناشئة " فالكاتبة التي أصدرت أعمالا متواضعة بلغة أسلبتها لها دار النشر تريد أن تتقدم إلى جائزة الرواية العربية ، وكلما كتبت لها عن فكرة في رواية لكاتب كبير ردت علي بأنها كتبت هذا في روايتها ، ولكثرة حديثها عنها أوحت لي بأن روايتها " أم الروايات " وأن روايات الكتاب الكبار تناصت معها وأفادت منها ، وأنها تستحق جائزة الرواية العربية .
دور النشر التي تطبع لكثيرين من الكتاب تعرض مخطوطاتهم على كتاب يعيدون صياغة المخطوطات بأجر ، ويكون هؤلاء الكتاب القلم الخفي الذي يمكن نعته بالكاتب الثاني .
قد يقول قائل إن دور النشر المحترمة غالبا ما تعرض المخطوطات على محررين محترفين ، وبالتالي فأن اعتراضي غير مقنع . قد ! ولكني لا أظن أن الكتاب الذين تنشر لهم دور النشر المحترمة كتاب لا يجيدون الكتابة بلغتهم وأن ثقافتهم ضئيلة وسطحية .
وأنا أتذكر كتابات تلك الكاتبة وكتابات كتاب آخرين مهووسين بإصدار كتاب لا يخطر ببالي سوى قصة وطار المذكورة .
الشاعرة الناشئة في القصة ترشحها الجهات المسؤولة لحضور المؤتمرات وتوقع معها دور النشر عقدا لنشر ديوانها الذي شرعت في كتابته مؤخرا ، و .. و ... و " اللي بدري بدري واللي ما بدري بقول كف عدس . "
الجمعة ١٧ تموز ٢٠٢٠
مقال احتياط :
الوباء في فلسطين في الأدبيات :
عادل الاسطة
لا أعرف إن كان هناك دارس أدبي عكف على دراسة ظاهرة انتشار الأوبئة في فلسطين .
تمر فلسطين في هذه الأيام مثل بقية دول المعمورة بظروف صعبة بسبب انتشار جائحة الكورونا ، ويرصد قسم من كتابنا في يومياتهم معاناة الناس وأحوالهم ، وبلغ الأمر أن تشجعت بعض دور نشر عربية ، وهنا أخص دار النشر الأردنية " خطوط وظلال " ، لنشر ما يكتب في كتب خاصة ضمن سلسلة عنوانها " مرويات الفايروس " وكان لي نصيب فيها ، فأصدرت يومياتي تحت عنوان " الست كورونا " .
وأنا أكتب يومياتي التفت ، كما التفت غيري من الكتاب مثل الياس خوري وعبد الله ابراهيم ، وكما التفتت بعض الفضائيات ، إلى روايات ويوميات عالمية دارت حول الأوبئة ، واتكأت عليها بحيث شكلت مكونا من مكونات كتابتي .
من قصص ( بوكاشيو ) " الديكاميرون " التي ذكرت طاعون فلورنسة في ١٣٤٨ ، إلى يوميات ( دانيال ديفو ) " يوميات سنة الطاعون " التي وثقت للحياة في لندن في ١٦٢٢ . وقرأت مراجعات عديدة لرواية ( ألبير كامو ) " الطاعون " ورواية ( خوزيه ساراماغو ) " العمى " وغيرها وغيرها من نصوص ( شكسبير ) وغيره .
هل غاب ذكر الأدبيات العربية التي أتت على الأوبئة في العصور القديمة والعصور الوسطى والعصور الحديثة ؟
قبل أعوام درست رواية ربيع جابر " أميركا " وفيها أتى على انتشار الانفلونزا الإسبانية في العام ١٩١٨ ، الأنفلونزا التي لم يصدر عنها كتب كثيرة لانشغال الكتاب والدارسين بالكتابة عن الخرب العالمية الأولى ؛ أسبابها ومعاركها وموتاها ونتائجها وأثرها على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، علما بأن الأنفلونزا الإسبانية حصدت ملايين الموتى .
هل خلت النصوص الأدبية الفلسطينية وغير الفلسطينية التي كتبها أجانب زاروا فلسطين وأقاموا فيها لسنوات من رصد حياة الناس في فلسطين في ظل انتشار الأوبئة ؟
بعد نكبة العام ١٩٤٨ ومعاناة اللاجئين في مخيمات الشتات انتشرت ظاهرة شيوع " القمل " وهو ما يقرؤه المرء في رواية لاجيء فلسطيني عاش في المخيمات في تلك الأعوام . إنه الكاتب رسمي أبو علي في روايته " الطريق إلى بيت لحم " وكنت كتبت عنها ذات نهار في زاويتي هنا .
ولكن الكتابات عن الأوبئة في فلسطين تظهر في النصوص الروائية التي استرجع فيها أزمنة أخرى عانت فلسطين فيها من أوبئة . هنا أشير إلى انتشار الطاعون في يافا وعكا إبان الحملة الفرنسية بقيادة ( نابليون بونابرت ) على يافا وعكا .
ثمة روايات عالج فيها أصحابها معاناة أهل هاتين المدينتين في تلك الأيام ، وكان الطاعون فيهما تفشى بين المواطنين وبين جنود نابليون ، وكان سببا من أسباب انتهاء الحصار وزواله . رصد تلك المعاناة في الروايتين يتطلب مقالا منفصلا مفصلا .
ثمة أدبيات كتبها أجانب زاروا فلسطين ومكثوا سنوات فيها وخضعوا يوم وصولهم إليها إلى الحجر الصحي بسبب انتشار وباء الكوليرا . هنا أذكر يوميات ( ماري اليزا روجرز ) التي كتبت عنها هنا مقالين . نشرت ماري يومياتها في العام ١٨٦١ وكانت أقامت في فلسطين بين ١٨٥٥ و ١٨٥٩ ، ويوم وصلت إلى يافا أقامت مع المحجورين صحيا إلى أن حصلت على شهادة تثبت خلوها من الإصابة .
في الفصل الأول من يومياتها وعنوانه " من حيفا إلى لندن " تكتب ماري :
" في اليوم التالي جاء من يبلغنا بأن طبيب مركز الحجر الصحي ، وهو فرنسي ، سيقوم بزيارتنا بغرض الاطمئنان على صحتنا ، ووصل بعد ذلك بوقت قصير إلى الساحة الصغيرة ، بمعية ثلاثة من موظفيه الذين وقفوا مقابل باب غرفتنا وهم يتجنبون أي اتصال جسدي بنا أو بأي من النزلاء الآخرين الموجودين في المركز ، ... "
هل نكتب ، حين نكتب ، جديدا أم ترانا لا نقول إلا معادا مكرورا ؟
الكتابة عن الأوبئة في المرويات المذكورة قد تحتاج إلى تفصيل .
١٤
سنصير شعبا ... إن أعطينا الخبز إلى خبازه
" إن أردنا " هو عنوان إحدى يوميات الشاعر محمود درويش ، وقد ظهرت في كتابه " أثر الفراشة " ٢٠٠٦ ، وغالبا ما يستشهد قراء الشاعر بسطر منها هو " سنصير شعبا " إن فعلنا كذا وكذا أو وصلنا إلى كذا وكذا ، وبعض قراء الشاعر من غير المعجبين بشخصه وسلوكه يسألونني ، حين أقتبس منها سطرا ، إن كان الشاعر نفسه يلتزم بما قال .
قبل بضعة أيام مثلا اقتبست من القصيدة السطر الذي يقول فيه الشاعر إننا سنصير شعبا إن شتمنا السلطان وحاجبه دون محاكمة ، فعلق صديق لي ذاهبا إلى أن درويش نفسه كان يقف إلى جانب السلطان ويتخذ موقفا سلبيا ممن يهجو السلطان وحاجبه ، وذكرني بحكاية ناجي العلي .
لم أكن ، وأنا أفكر في الكتابة ، لم أكن أفكر في الكتابة عن الشاعر أصلا ، فما كنت أفكر في الكتابة عنه هو بؤس الدراسات العليا في الجامعات العربية في جانب الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه وتشكيل لجان المناقشة ، وفي اختيار محكمي الأبحاث ومحكمي رتب الترقية ، وفوق ما سبق التعليم الموازي في برنامجي الماجستير والدكتوراه ، بل وفي عدد الطلبة المقبولين للبرنامجين .
في الأيام الأخيرة اطلعت على رسالة دكتوراه صدرت عن إحدى الجامعات الأردنية ، فرثيت حال القسم الذي منحها وحال مشرفها ، وهو ممن يشهد لهم ، وحال كاتبها ، ومثل هذه الرسالة رسائل كثيرة في جامعاتنا ، وأعتقد أنها ستفرخ شهادات كثيرة لا تقدم للعلم شيئا قدر ما تسيء إليه .
في السنوات الأخيرة من عملي في الجامعة كنت في لجنة قراءة خطط الماجستير وإجازتها ، وغالبا ما كنت اتشدد حتى ضاق بعض الزملاء ذرعا بي فجعلوا عدد أعضاء اللجنة خمسة بدلا من ثلاثة ليضيع صوتي في المهرجان .
وتكمن الكارثة حين أنظر في علاقة المشرف بالموضوع الذي يشرف عليه ، فعدا افتقاد أكثر المشرفين إلى الإحاطة بالمناهج النقدية ، حيث لا يعرفون " كوعهم من بوعهم " ، فإنهم يشرفون على رسائل صلتهم بموضوعها مثل صلتي بالطب . وغالبا ما يستدعي هؤلاء مناقشين صلتهم بالموضوع معدومة ، ولا يستدعون من كتب في الموضوع حتى لا يرفض الرسالة ، فرفض الرسالة يعني ضعف كاتبها والمشرف عليها معا . وربما كنت في الجامعة من المدرسين القليلين الذين رفضوا إجازة رسائل ضعيفة أو طلبوا إجراء تعديلات جوهرية أو لم يواصلوا الإشراف على طالب لا يتقدم في الكتابة ولا ينهي أطروحة تستحق الشهادة .
يقول مثلنا الشعبي " أعط الخبز لخبازه لو حرق نصفه " ، وهذا آخر ما نفعله حقا على الأصعدة كلها ، ولذلك فإننا سنحتاج إلى عقود حتى نصير شعبا ، وآمل أن أكون مخطئا ، ويكون الرئيس أبو مازن والدكتور رامي الحمدلله والفصائل والأمناء العامون على صواب .
هل أكرر مقولة سعد زغلول " ما فيش فايدة " ؟
غطي لي رأسي يا ... وليس يقيم معي أحد لأطلب منه ما طلبه سعد زغلول من زوجته !!
١٧ تموز ٢٠٢١
١٥
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها :
في وداع حسين أبو حاشية أحد فدائيي ستينيات القرن العشرين .
اليوم شيع جثمان حسين أبو حاشية ( أبو الوليد ) أحد فدائيي حركة فتح بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، وقد عرفته قبل التحاقه بالعمل الفدائي من خلال صداقته لأخي درويش حيث عملا معا في كراج تصليح كهرباء السيارات .
التحق أبو الوليد الشاب اليافع بالمقاومة وأسر في أثناء قيامه بعملية فدائية في ٦٠ القرن ٢٠ وأنفق سنوات طويلة في السجن ثم خرج منه في عملية تبادل أسرى ليعيش في المنفى سنوات وليعود إلى الوطن/ مخيم بلاطة ، مع العائدين ، إثر اتفاقات أوسلو .
توفي أخي في العام ١٩٧٣ في حادث سير هو الذي لم يلتحق بالمقاومة مع صديقه فحزن صديقه الأسير عليه حزنا جما ، إذ كانا صديقين وزميلي عمل ، وانتقلت صداقة أبو الوليد لأخي إلى صداقة بقية الإخوة ، فتواصلت العلاقة حتى يومنا ، بل وصار أخوه " الغزال " صديقا لنا . كما لو أن الصداقة انتقلت بالوراثة .
عندما كنت أتردد ، قبل جائحة الكورونا ، على مقهى الهموز في نابلس ، كنت أجلس مع أبو الوليد وأصدقائه نتجاذب أطراف الحديث ، ثم حلت الجائحة ولم أعد أراه إلا نادرا ، إن التقينا بالمصادفة في البلدة القديمة .
لم أكن أعرف مدى صداقة أبو الوليد لأخي وبلوغها أرفع أنواع الصداقة إلا اليوم . لقد عرفت من أخي أنه دفن في قبر مجاور إلى جانب قبر أخي ، وكان أوصى أهله بذلك .
من ١٩٧٣ إلى ٢٠٢٢ حوالي خمسين عاما ، ولا أعرف إن كان أخي قبل ١٩٧٣ زار أبو الوليد وهو في الأسر في تلك السنوات الصعبة .
أبو الوليد الذي حمل روحه على راحته ليستشهد في سبيل الوطن على أمل أن يتحرر ويعود اللاجئون إلى ديارهم ، مخلفين مخيمات اللجوء وراءهم ، توفي دون أن يتحقق حلمه ، تماما كما توفي أبوه وجده وغيرهما ممن حلموا بالعودة إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها .
رحم الله أبو الوليد ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها ، وكلنا نمشي خطا كتبت علينا ، ومن كتبت عليه خطا مشاها .
لآل أبو حاشية خالص العزاء ورحم الله أبو الوليد الخلوق المهذب الصادق الوفي .
مات أبي في ١٥ تموز ٢٠٠٦ وماتت أمي في ١٥ تموز ٢٠١١ ومات أخي درويش في ٢ آب ١٩٧٣ ، وفي ١٦ تموز ٢٠٢٢ توفي أبو الوليد .
١٧ تموز ٢٠٢٢ .
١٦
فتاة نابلس ٢٧ :
التعالي والفهلوة وعدم المواجهة والانتهازية والبحث عن الذات :
فتاة نابلس هي عائشة الدجاني ابنة أسرة ثرية درست في جامعة نابلس فلم ترق لها ولم يرق لها الرجال الذين عرفتهم أو مروا بمخيلتها . كانوا جميعهم لها مخيبين للآمال ، والوحيد الذي راق لها كان أمير الذي تعرفت إليه في مساق الأدب الأمريكي كان خارج السؤال لأنه كتبي ولأنه من أسرة مستواها الاجتماعي لا يناسب أسرتها .
تطمح عائشة إلى الخروج من نابلس للعيش في لندن لتمارس حياتها بعيدا عن ثرثرة من يعرفها فتتصرف بحرية ، وهكذا تتجند للعمل مع الإيرانيين للحصول على المال الذي ما إن تحصل عليه ، بعد قيامها بما طلب منها ، حتى تسافر إلى لندن .
لا تصارح عائشة أهلها ، فهي تكذب عليهم . تدعي أنها تريد أن تدرس العلوم السياسية في القاهرة لتغطي على تدريب ليلى الإيرانية لها للسفر إلى دبي ، لتتعقب بعض الشخصيات الأمريكية التي تتابعها المخابرات الإيرانية في حربها السرية مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وتقدم خدمات للمسؤولين عنها وتحصل في النهاية على المكافأة . وكما ذكرت فإنها كانت تنظر إلى الحرب الإيرانية الأمريكية على أنها حرب صبيان وأولاد .
عندما تعترض عائلتها على إقامتها في القاهرة تعود لتتحدث مع أبيها وتلجأ إلى مخاطبته بما يدغدغ مشاعره وأحاسيسه وتتعجب كيف يعترض وهو وأبوه من قبله يفتخران بالمرأة المتعلمة ويمدحان دورها في الحياة ، وتعلمه أنها ستكون فخرا للعائلة وتذرف قليلا من الدموع ، فيصمت الأب المخدوع ولا يعود يعترض .
وعندما تلتقي في دبي بأمير ويكاد أمرها يفتضح تلجأ لكي ترضيه إلى الإغراء ، فتذهب إلى شقته وتعد له طعام العشاء وتقدم جسدها له لتحصل على المزيد من المعلومات لتقدمها إلى المسؤولة الإيرانية عنها .
تسافر عائشة الدجاني بعد أداء مهمتها إلى لندن لتستقر هناك وتتردد على أحد البارات ، وفي البنك تلتقي بالإنجليزي ( شارلي بريدج ) الذي أنفق سنة تفرغ في جامعة نابلس وعلم أمير ، وعندما يعرف أنها درست في جامعة نابلس يسألها عن أمير الطالب الذي درسه ، فتجيب :
" I don't think I knew him "
ويتابع السارد :
" Yasmine said to Charlie , suppressing a fake yawn .Determined to change the subject , Yasmine adjusted her posture , providing Charlie a brief but inviting glimpse of an exquisite undergarment ."
ويتابع السارد :
" Amir was forgetten " .
عندما طلب مني أن أبدي رأيا فيما كتبه DEAN DILLEY عن نابلس والمرأة النابلسية قلت :
من باب الإنصاف علينا أن نقرأ الرواية في ضوء ما كتبه غسان كنفاني عن الأدب الصهيوني وصورة العربي فيه وفي ضوء الأدبيات الفلسطينية التي كتبت عن نابلس من المقيمين فيها : فدوى طوقان في سيرتها وسحر خليفة في رواياتها ونصوصي ورواية كميل ابو حنيش " الجهة السابعة " . إن نموذج المرأة النابلسية التي كتب عنها كميل مختلف ، بل ويجب أن نتذكر شادية أبو غزالة ومريم الشخشير وكثيرا من النابلسيات اللاتي شكلن نموذجا مختلفا . هل نذكر الكاتبة سحر خليفة ومغادرتها نابلس ؟
وعموما يجب أن ينظر في أثناء قراءة الرواية إلى مرايا الآخرين بمن فيهم مرآة الأمريكي للأمريكي . ولو نظرنا في شخصية الإنجليزية Fiona لراينا فيها من القذارة ما لا يوصف .
١٧ / ٧ / ٢٠٢٣
١٧
الموت في الخزان والموت في الفندق : " رجال في الشمس " و" فتاة نابلس "
.
عادل الأسطة
وأنا أقرأ رواية الأمريكي ( ديان ديللي Dean Dilley ) " فتاة نابلس " ٢٠٢٢ لم يغب غسان كنفاني عن ذهني ، سواء في كتابه " في الأدب الصهيوني " ١٩٦٦ أو في روايته " رجال في الشمس " ١٩٦٣ . الكتاب الأول لأنه توقف فيه أمام العربي في الأدب الصهيوني والثاني لأنه كتب فيه عن الفلسطيني الذي يهرب من المواجهة ويبحث عن حل فردي لمشكلته بعيدا عن فلسطين وتكون النتيجة الموت .
مقابل الصهيوني المتعالي المتفوق والعربي السلبي المتخلف نقرأ عن الأمريكي السوبرمان والمتميز والفلسطيني البائس ؛ في الإنجاز والتعليم وطرق التدريس ، ولهذا فإن الفلسطيني النبيه لا يطمح إلا إلى مغادرة مدينته بحثا عن تحقيق ذاته في الوول ستريت في أمريكا . إن حياته في نابلس ودراسته في جامعتها مضيعة للوقت ليس أكثر . هذا ما يقتنع به أمير الشاب النابلسي ولهذا يغادر مدينته بحثا عن المال والحياة الفضلى غير البائسة ، تماما كما فعل شخوص رواية كنفاني .
لم يحقق الفلسطيني في رواية " رجال في الشمس " ما طمح إلى تحقيقه ومات في الخزان وألقى السائق الفلسطيني أبو الخيزران جثث الثلاثة في مكب النفايات ، ولم يصل أمير إلى نيويورك ومات في الفندق في دبي مقتولا ، وكان لا بد من إغلاق الملف . لقد كان سمكة صغيرة ، كما قال رجل المخابرات الإيراني ، لا يعني للأمريكي شيئا وكذلك للإيراني ، بل إنه لم يعن لفتاة نابلس عائشة الدجاني أي شيء ، فهذه التي حصلت على مكافأتها من الإيرانيين جراء الخدمة التي قدمتها لهم انتهى بها المقام في أحد بارات لندن لتعيش حياتها الشخصية بحرية بعيدا عن مدينتها نابلس المحافظة .
في إمعان النظر في شخصية عائشة في رواية " فتاة نابلس " وشخصية أبو الخيزران في رواية " رجال في الشمس " نجد تشابها كبيرا ، فكلتا الشخصيتين لا ضمير لها ولا أدنى انتماء للوطن ، علما بأن أبا الخيزران توصل إلى ذلك ، فقد كان في شبابه محاربا . تحصل كلتا الشخصيتين على المال لتواصل حياتها ، ولو كان ذلك على جثث الآخرين .
في لندن عندما تلتقي عائشة بالإنجليزي ( شارلي بريدج ) يسألها إن كانت تعرف شابا اسمه أمير كان درسه في جامعة نابلس ، فتنكر معرفتها . لقد صار أمير لها نسيا منسيا .
السؤال الذي أثاره غسان كنفاني على لسان أبو الخيزران :
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لم يغب أيضا عن ذاكرتي ، على الرغم من أن ( ديللي ) لم يثره على لسان الشخصية الفلسطينية ، فهو أصلا لا يعنيه ، فما يعنيه كما أرى هو فتاة نابلس أكثر ؛ الفتاة التي وصفت بالذكاء واختيرت عنوانا للرواية . لقد ربحت المال واستقرت في لندن لتحقق حلمها .
لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ سؤال سأله أبو الخيزران وذهب دارسون كثر لرواية غسان أنه سؤاله هو نفسه يريد أن يحرض الفلسطينيين على الثورة والقتال من أجل العودة إلى فلسطين ، لا الابتعاد عنها والبحث عن جنة في مكان آخر . هذا السؤال يدفعني دائما إلى إثارة سؤال آخر :
- هل ستختلف النتيجة إن دققنا جدران الخزان ؟
مرة أجرت معي فضائية فلسطينية مقابلة لأتحدث فيها عن كتابي " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " وكانت تتبنى خيار المقاومة ، وسئلت عن رأيي : هل أنا مع خيار أوسلو أم مع خيار المقاومة ؟ فأجبت :
لا أعرف حقا ، ولكني حين أمعن النظر فيما وصلت إليه أوسلو وما حققته المقاومة أرى أننا لم ننجز في الحالتين ، فلم تقم الدولة الفلسطينية ولم يتوقف الاستيطان ولم يعد اللاجئون .
ولكن إجابتي عن السؤال تعيدني إلى سؤال آخر هو :
- أيهما أفضل الموت بشرف أم الموت الطبيعي الذي حذرنا منه غسان كنفاني ؟
هل المقارنة بين رواية كنفاني ورواية ( ديللي ) مشروعة ؟
ما يهمني أكثر حقا هو أن النهاية التي آل إليها الفلسطيني في الرواية التي كتبت بعد ستين عاما من كتابة الرواية الأولى هي النهاية نفسها . إن مصير الفلسطيني فيهما هو الموت في المنفى أو العيش على مآسي الآخرين أيضا في المنفى .
هنا أتوقف أمام رواية سامية عيسى " حليب التين " ٢٠١١ ، لتبيان ما آل إليه الفلسطيني الذي دق جدران الخزان في لبنان في فترة صعود الثورة الفلسطينية .
يستشهد الفلسطيني مخلفا وراءه زوجته الشابة وأطفاله منها وأمه ، وبعد خروج المقاومة من بيروت في ١٩٨٢ تسوء ظروف الفلسطينيين هناك ، فتضطر زوجة الشهيد للسفر إلى دبي للعمل في صالون نسائي كان مجرد واجهة ، فيقودها عملها إلى التفريط بجسدها مجبرة حتى ترسل المال إلى والدة زوجها وإلى أطفالها ، ويستقر بهم جميعهم المقام في دولة اسكندنافية ، وهكذا لم يعدهم العمل الفدائي - دق جدران الخزان - إلى فلسطين ، وبدلا من أن يقربهم منها أبعدهم عنها أكثر وأكثر .
في ١٩٧٢ استشهد كنفاني بتفجير سيارته ، وفي ١٩٨١ اغتيل ماجد أبو شرار في فندق في روما ، وفي ١٩٨٤ مات معين بسيسو في فندق في لندن ، واللافت أن الثلاثة واصلوا قرع جدران الخزان منذ بواكير شبابهم . حالة الفلسطيني ، على ما يبدو ، حالة سيزيفية .
في النقد البنيوي غالبا ما يبحث البنيويون وهم يدرسون الأعمال الأدبية عن الصلة بينها ، لا الصلة بين أجزاء العمل الأدبي الواحد وحسب ، بل عن الصلة بين نصوص العصر ، وقد يذهبون إلى أبعد من ذلك .
١٧ و ٢٠ / ٧ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٣ / ٧ / ٢٠٢٣ )
١٨
غزة ( ٢٨٥ ) :
صباحات أهل غزة في الخيام ... صباحات آبائنا وأجدادنا في الخيام
أدرج الشاعر ناصر عطاالله Nasser Atallah أمس ١٦ / ٧ / ٢٠٢٤ على صفحته شريط فيديو لصديقه من غزة حازم أبو حميد يتحدث فيه عن صباحات أهل غزة لاجئين في الخيام يعانون مما منه يعانون وهو ما كثر إيراده في هذه اليوميات منذ ٨ أكتوبر ٢٠٢٣ .
ما عادت صباحاتهم كما كانت قبل ذلك التاريخ ، فلقد انقلبت رأسا على قدم . ما عاد طلابهم يذهبون إلى المدارس وموظفوهم إلى أماكن عملهم ، وما عادوا يمارسون الكسل في أيام الجمع والأعياد والمناسبات . صارت صباحاتهم طوابير طوابير ؛ طوابير أمام المراحيض - إن وجدت - ، وصباحاتهم طوابير أمام المخابز للحصول على ربطة خبز ، وصباحاتهم طوابير أمام خزانات المياه لتعبئة الجالونات ، وصباحات أطفالهم الذهاب إلى البراري لجمع النتش ، وصباحاتهم وصباحاتهم وصباحاتهم والشريط مدرج على صفحتي وصفحة الصديق ناصر ...
ما قاله حازم أبو حميد ذكرني بصباحات أهلنا في خمسينيات ومنتصف ستينيات القرن العشرين .
الاستيقاظ مبكرا والذهاب إلى المراحيض .
الاستيقاظ مبكرا والذهاب إلى عين المياه في المخيم
الاستيقاظ مبكرا لاستلام حليب الوكالة
الاستيقاظ في الصيف مبكرا بسبب حر الخيام ولسع البعوض وتكاثر الذباب
الاستيقاظ مبكرا لإحضار الحمص والفول و ... .
عندنا مثل يقول :
" تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي " .
جئنا لاجئين ويبدو أننا سنغادر هذه الفانية لاجئين ، وكان الله في عون أهل قطاع غزة الذين ينام قسم منهم تحت قصف الطائرات في الشوارع أو في أطراف المشافي قرب جرحاهم .
هل نحن طائر العنقاء أم صخرة سيزيف ؟
١٧ / ٧ / ٢٠٢٤
١٩
غزة 650 :
جنون فقد الأبناء
كما لو أننا نصغي ، كل مساء أو كل صباح ، إلى حالة الطقس من هذه الفضائية أو تلك ، أو من هذه الإذاعة أو تلك ، صرنا نصغي إلى صراخ الآباء وهم يحملون فلذات آكبادهم القتلى إلى مثواهم الأخير . يصرخون بجنون متسائلين عما ارتكبه أطفالهم حتى يلقوا مصيرهم : بغارة أو بقذيفة أو بطائرة مسيرة ؛ في خيمتهم أو في مكان لعبهم على الرمال . وكل طفل له حكاية ، وهناك من قضى جوعا لم يجد الرغيف . تمنى قطعة حلوى أو كأس شاي محلى أو حتى " رغيف هامبورغر " كما الطفل فيصل الخالدي الذي ذكرته مرارا .
" كسرت ظهري يا حسن " و " يوسف أبو شعر كيرلي " و اليوم يحمل الرجل طفله ويسأله :
"- إيش أجيب لك يا قلبي ؟ إيش أجيب لك يا روحي ؟ يلعن ..." ويصمت فلا يكمل . يتطلع إلى السماء ثم : "يا الله ! "
إنها الحرب المجنونة . إنه القتل الجماعي و ... إنها الإبادة للغوييم الفلسطينيين الغزاويين وأطفالهم ؛ فالأطفال غير مبرئين ؛ لأنهم مقاومو المستقبل لكيان بلغت مرحلة البلطجة بما نعنيه مفردة " بلطجة " من مدلول .
شاهدوا هءا الشريط الذي أدرجه الناشط سامي أبو سالم Sami Abu Salem ليل يوم الأربعاء ١٦ / ٧ / ٢٠٢٥
١٧ / ٧ / ٢٠٢٥
٢٠