شريف محي الدين إبراهيم - معلمي الذي لم يقل لي يومًا: أنا معلمك

لم يجلس يومًا على مقعد الأستاذ، ولم يرفع إصبعه واعظًا، ولم يطلب مني أن أتبعه، ولم يوزع النصائح كما يفعل كثيرون.

كان يفعل شيئًا أصعب.

كان يترك الحياة تلقنني درسها، ثم يهمس بجملةٍ واحدة، فإذا بالجراح تهدأ، وإذا بالغضب يتراجع.

لهذا لم أشعر يومًا أنه يعلمني.

لكنني، كلما تقدمت في العمر، أدركت أنني كنت واحدًا من تلاميذه.

كان يرى في الكاتب ما هو أبعد من النص.

كان يرى الإنسان الذي يختبئ خلف السطور.

ولذلك لم يكن همه أن يعلمني كيف أكتب قصةً جيدة، بل كيف أبقى جديرًا بالكتابة.


---

أذكر يوم خرجت من إحدى الندوات منكسرًا، مثقلًا بالمرارة.

لم تكن الهزيمة في اختلاف النقاد معي، بل في إحساسي بأن ثمة مؤامرةً كبرى لإسقاطي، وإسقاط جيلٍ كاملٍ معي، حفاظًا على الحرس القديم، ممن كادوا يتعفنون على مقاعدهم، واستولوا على كل شيء؛ الكتب، والمجلات، والندوات، والمؤتمرات، والمسابقات، والجوائز.

فلا نشر، ولا حركة، ولا همسة إلا لهم، هم فقط، والباقون مجرد رعاع يجلسون لاستكمال المقاعد، وللتصفيق، ولعب دور الجمهور المعجب.

أما أن يأتي واحدٌ من هذا الجيل الجديد، ويضع نفسه في زمرة الكبار... فهذا مستحيل.

لا بد من إقصائه، وقهره، وصلبه.

كنت حزينًا...

مصدومًا...

غاضبًا...

غاضبًا من الجميع.

لكنه لم يشعل النار في صدري كما يفعل المحرضون، ولم يعدد أخطاء الآخرين.

كل ما فعله أنه أعادني إلى نفسي.

خرجت من عنده، وقد تغيرت نظرتي إلى ما حدث، لا لأن الواقع تبدل، بل لأن الرجل كان يعرف كيف ينقذ الإنسان من أسوأ خصومه...

من نفسه.


---

وأذكر يوم أمسكت قلمي، وقد عزمت على أن أكتب نقدًا قاسيًا لأديب كبير.

كنت أملك الحجج.

وكانت اللغة مطواعة.

وكان الغضب حاضرًا.

لكنه أوقفني.

ولم يقل: لا تكتب.

بل علمني أن الكاتب لا يكبر حين يهزم الآخرين، وإنما يكبر حين ينتصر على قسوته.

يومها فهمت أن الحقيقة لا تحتاج إلى صوت مرتفع، وأن الكلمة التي تجرح صاحبها قبل أن تجرح خصمه ليست أدبًا.


---

وفي المسابقات الأدبية، كنت أذهب إليه بقصصي قبل أن أذهب بها إلى لجان التحكيم.

كان يقرأها في هدوء، ثم يختار واحدة، ويقول ببساطة:

هذه... أرسلها.

ولم أكن أفهم سر يقينه.

لكن النتائج كانت تأتي، وكأن الرجل قرأها قبل أن تُعلن.

لم يكن يتنبأ.

كان يرى.

كانت له عين ناقدٍ لا تخطئ بسهولة.

عينٌ تستطيع أن تميز بين النص الذي يعيش، والنص الذي يمر مرورًا عابرًا.

ولذلك كنت أثق في حكمه أكثر من ثقتي في كثير من الجوائز.


---

وكثيرون كتبوا عن قصصي.

أما هو...

فقد كتبني أنا.

كان أول من علمني أن أقرأ عيوبي قبل مزاياي.

وكانت مقالاته عن أعمالي دروسًا في النقد أكثر منها شهادات إعجاب.

كنت أخرج منها وكأنني تعلمت كتابةً جديدة.


---

ولن أنسى ما حييت يوم حاول بعضهم أن يوقع بيننا.

كم هو سهل أن تهدم سنواتٍ من الود بكلمة.

لكن الفخراني لم يترك للظنون فرصة.

قبل أن أصل إلى بيتي كان قد هاتفني.

شرح لي ما جرى، وقال إنه كان يعترض على نص، لا على صاحبه، وإن الخلاف في الرأي لا يجوز أن يتحول إلى خلاف في القلوب.

في دقائق قليلة، أعاد إلى الصداقة صفاءها.

وأدركت أن الرجال الكبار لا ينتصرون لأنفسهم...

بل ينتصرون للعلاقة.


---

أما الموقف الذي لا يغيب عن ذاكرتي أبدًا...

فكان خارج الأدب كله.

كان بيني وبين أبي خلاف.

ولم يكن الفخراني طرفًا فيه.

ومع ذلك حمل الهاتف، واتصل بأبي، ودافع عني بحرارة.

قال له:

"ابنك لا يضيع وقته."

ربما لم يكن يعلم أن هذه الجملة كانت، في ذلك اليوم، أكبر من أي جائزة أدبية.

لأنها لم تدافع عن قصة...

بل دافعت عن صاحبها.

ولم تمنحني وسامًا...

بل منحت أبي طمأنينة.


---

إذا كان محمد محمود الفخراني يترك في كتبه أثرًا، فإن ما يتركه في نفوس من عرفوه أثرٌ أبقى.

ولعل أعظم ما يمكن أن أقوله عنه، بعد كل هذه السنوات:

بعض الناس يتركون لك كتبًا على الرفوف... وبعضهم يتركونك أنت كتابًا آخر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى