عبدالمجيد العيباري (شيخ الملحون) - ذكريات ومذكرات: مع الشيخ محمد الخياطي

حين يكون المنشد خزانةً لذاكرة الملحون
في تاريخ شعر الملحون، كثيرًا ما ينصرف الاهتمام إلى الشاعر والنص المكتوب، بينما يظل المنشد، في أحسن الأحوال، في هامش الحكاية. والحال أن هذا التراث لم يكن ليستمر بالصورة التي وصل بها إلينا لولا أدوار متكاملة اضطلع بها الشاعر، والمنشد، والموسيقي والعازف، كلٌّ من موقعه.
ومن بين الأسماء التي تستحق أن تستعاد في هذا السياق اسم الشيخ محمد الخياطي، أحد كبار شيوخ الإنشاد في الملحون بمدينة مكناس، والذي عايشته شخصيًا منذ سنة 1990، بعدما كانت تجمعه بوالدي، رحمه الله، صداقة قديمة.
هذه الشهادة ليست رثاءً لرجل رحل، ولا مجرد استعادة لذكريات شخصية؛ وإنما هي محاولة لرد الاعتبار إلى وظيفة المنشد باعتباره حاملًا لذاكرة أدائية لا تستطيع الكتب والمخطوطات وحدها أن تحفظها.
الملحون ليس نصًا فقط
لفهم قيمة المنشد في منظومة الملحون، لا بد من التمييز بين مكوناته الأساسية.
فهناك الشاعر الذي ينظم القصيدة ويبني عالمها اللغوي والدلالي والإيقاعي، وهناك الموسيقيون والعازفون الذين ينصب جانب مهم من اهتمامهم على الدائرة الموسيقية، وعلى كيفية أداء الحربة وتقلباتها وانتقالاتها في المقامات الموسيقية.
وهناك، في موقع بالغ الأهمية، المنشد.
فالمنشد لا يكتفي بحفظ كلمات القصيدة؛ وإنما يحمل في ذاكرته النص وطريقة إنشاده، ويعرف كيف يؤديه وفق ما يقتضيه القياس، وكيف يتعامل مع الانتقالات المقامية والموسيقية التي تصاحب الأداء.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى في توثيق الملحون: المخطوط والديوان يحفظان النص، لكنهما لا يحفظان بالضرورة الأداء.
يمكن لكتاب أن ينقل إلينا أبيات قصيدة كاملة، وأن يحفظ أسماء الشاعر والقافية والموضوع، لكنه لا يستطيع، بمجرد الكتابة، أن ينقل لنا بصورة كاملة كيف كانت تلك القصيدة تُنشد، وما قياسها في الأداء، وكيف كانت دائرتها الموسيقية، وكيف يتعامل المنشد مع الحربة والانتقالات المقامية.
لذلك فإن التسجيل الصوتي للمنشد ليس مجرد وثيقة فنية؛ إنه وثيقة تراثية تحفظ طبقة من المعرفة لا تستطيع الكتابة وحدها أن تستبقيها.
محمد الخياطي خزانة متحركة
في هذا السياق تحديدًا تتضح قيمة الشيخ محمد الخياطي.
لقد عرفته عن قرب منذ سنة 1990، وكنت أزوره في داره، بحكم صداقته القديمة بوالدي، وبحكم تقديري الشخصي له ولمكانته. وخلال سنوات هذه المعاشرة، تلقيت عنه عشرات القصائد.
وكان أكثر ما يلفتني فيه غزارة الحفظ.
كنت أعتبره، ولا أزال، خزانة متحركة للملحون. لم يكن الأمر يتعلق بمجرد حفظ عدد من القصائد، وإنما بذاكرة واسعة تختزن نصوصًا وأسماء وروايات وأشكالًا من الأداء تراكمت عبر أجيال.
وكان الخياطي نفسه حلقة ضمن سلسلة أقدم من ذلك؛ فقد أخذ الملحون عن والده، الشيخ أحمد الخياطي، الذي كان بدوره جزءًا من شبكة شيوخ الرواية الشفوية لهذا الفن.
وكان يذكر في سياق حديثه عن شيوخ الملحون أسماء عدد من كبار الرواة والمنشدين، من بينهم العربي البرادعي، وبنعيسى الدراز، والعربي الحلوي، وحمود بن إدريس وغيرهم.
وهذا المعطى مهم؛ لأنه يكشف أن المعرفة الملحونية لم تكن تنتقل في مسار خطي من كتاب إلى كتاب، وإنما كانت تنتقل أيضًا من شيخ إلى شيخ، ومن صدر إلى صدر، ومن جيل إلى جيل. ليس الحفظ وحده
كانت للشيخ محمد الخياطي خصائص أخرى جعلته مميزًا في مجال الإنشاد.
فإلى جانب غزارة حفظه، كان يمتلك قوة صوت لافتة وطريقة خاصة في الإنشاد، وهي طريقة تكشف أن المنشد الحقيقي ليس قارئًا للنص، وإنما مؤدٍّ يمتلك معرفة دقيقة بما يقتضيه القياس واللحن والسياق الموسيقي.
ومن هنا فإن تقييم الخياطي باعتباره مجرد "حافظ للقصائد" يقلل من قيمته الحقيقية.
كان يحفظ النص، لكنه كان يحمل معه أيضًا الطريقة التي يعيش بها النص حين يتحول من كتابة إلى صوت.
وهذه نقطة جوهرية في دراسة الملحون؛ لأن القصيدة حين تنتقل من الورق إلى الإنشاد لا تبقى مجرد كلمات، بل تدخل في منظومة من الوزن والقياس والأداء والحربة والمقام والانتقالات الموسيقية.
ومن أبرز ما تلقيته عن الشيخ محمد الخياطي قصيدة «الضيف» للشيخ محمد بجيوات.
وتكتسب هذه القصيدة أهمية خاصة بالنسبة إلى شهادتي، لأن الخياطي كان يحفظها عن والده الشيخ أحمد الخياطي، ثم أدى بها دورًا كبيرًا في انتشارها والتعريف بها.
وقد أصبحت «الضيف» من أشهر ما عُرف به الخياطي في مجال الإنشاد، كما أن تسجيله لها يعد من أشهر التسجيلات التي بقيت مرتبطة باسمه.
وهنا تظهر بوضوح قيمة سلسلة التلقي:
محمد بجيوات → أحمد الخياطي → محمد الخياطي → أجيال من المتلقين والرواة.
إنها ليست مجرد سلسلة أسماء، وإنما سلسلة لانتقال نص وأداء وذاكرة.
ولولا وجود من يحمل القصيدة في ذاكرته ويؤديها ويسجلها، فقد يبقى النص في مخطوط أو ديوان، بينما تضيع الطريقة التي عاش بها بين المنشدين.
المنشد بوصفه وثيقة
لقد اعتدنا، في التعامل مع التراث، أن نمنح الوثيقة المكتوبة سلطة شبه مطلقة، وأن ننظر إلى الرواية الشفوية بحذر شديد. وهذا الحذر مطلوب علميًا، لكنه لا ينبغي أن يقود إلى إهمال الرواية الشفوية ذاتها.
في الملحون تحديدًا، هناك جانب من المعرفة لا يمكن الوصول إليه من خلال النص المكتوب وحده.
فالقصيدة المكتوبة تخبرنا بما قاله الشاعر، لكنها لا تخبرنا بالضرورة كيف كان المنشد يؤديه.
أما التسجيلات التي تركها المنشدون، فتمنح الباحث مادة مختلفة: الصوت، والأداء، والقياس، والوقف، والحركة، والتعامل مع الحربة، والانتقال بين المقامات، وغيرها من العناصر التي تدخل في البنية الحية للقصيدة.
ولهذا فإن تسجيلات شيوخ الملحون ينبغي ألا تعامل باعتبارها مجرد تسجيلات فنية قديمة، وإنما باعتبارها مصادر أولية لدراسة الأداء الملحوني.
ومن هذه الزاوية، تصبح تسجيلات محمد الخياطي، ومنها تسجيله لقصيدة الضيف جزءًا من الذاكرة السمعية لهذا الفن.
ذاكرة لا ينبغي أن تضيع
كان الشيخ محمد الخياطي ينتمي إلى جيل عاش الملحون باعتباره ممارسة ثقافية يومية، لا مادة أكاديمية موضوعها الدراسة من الخارج.
كان يحفظ، وينشد، ويتلقى عن والده، ويجالس أهل الفن، ويحمل في ذاكرته عشرات القصائد. ولم يكن، حسب ما عايشته شخصيًا، يدخل في جدل حول اختلاف الروايات؛ كان ينقل ما تلقاه، دون أن يحول الاختلاف بين الروايات إلى معركة لإثبات امتلاك الحقيقة الوحيدة.
وهذه سمة مهمة في التعامل مع التراث الشفوي: الرواية ليست دائمًا نصًا جامدًا، وإنما قد تكون لها أوجه ومسارات تداول مختلفة.
ومن هنا فإن مهمة الباحث ليست إلغاء هذه الاختلافات، وإنما توثيقها، وتحديد مصدر كل رواية، والتمييز بين ما هو مكتوب وما هو متداول شفهيًا، وبين النص وبين طريقة أدائه.
من الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الثقافية
حين أستعيد اليوم الصور التي جمعتني بالشيخ محمد الخياطي خلال سنوات معرفتي به، لا أراها مجرد صور شخصية تجمعني برجل عزيز رحل عنا.
أراها وثائق بصرية لمرحلة من تاريخ الملحون في مكناس.
فقد عايشت الرجل، واستمعت إليه، وتلقيت عنه عشرات القصائد، واحتفظت بما تركه من معرفة وتسجيلات. ولذلك فإن مسؤوليتي اليوم ليست فقط أن أقول: كان الشيخ محمد الخياطي منشدًا كبيرًا، وإنما أن أوضح لماذا كان كذلك، وما الذي مثله في منظومة حفظ الملحون.
لقد رحل الرجل، لكن صوته لم يرحل كله.
بقي في التسجيلات، وبقي في القصائد التي نقلها إلى غيره، وبقي في ذاكرة من عاشروه وتلقوا عنه، وبقي في سلسلة الرواية التي بدأت قبله واستمرت بعده.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في التراث الشفوي: قد يموت حامله، لكن المعرفة التي حملها لا تموت بالضرورة، إذا وجد من يصغي إليها ويحفظ مصدرها وينقلها بأمانة.
رحم الله الشيخ محمد الخياطي، ورحم والده الشيخ أحمد الخياطي، ورحم شيوخ الملحون الذين حملوا هذا الفن عبر الأجيال.
لقد كانوا، في كثير من الأحيان، كتبًا تمشي على قدمين؛ وحين رحل بعضهم، رحلت معهم صفحات لم تُكتب قط.
أما ما بقي من أصواتهم وتسجيلاتهم وشهادات من عايشوهم، فهو اليوم ليس مجرد ذكرى، بل مادة تستحق أن تدخل بجدية إلى دائرة البحث والتوثيق العلمي للملحون المغربي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى