الواقعية السياسية... حين يصبح البقاء بديلاً عن الحرية
قراءة في مقال د. مروان طوباسي: «الواقعية السياسية أم إعادة تعريف المشروع الوطني التحرري؟»
قرأت مقال الصديق د. مروان طوباسي أكثر من مرة، ليس لأن الفكرة غامضة، بل لأن السؤال الذي يطرحه أخطر من أن نمر عليه سريعاً، فالمقال يبدو في ظاهره نقاشاً حول "الواقعية السياسية"، لكن الكاميرا إذا اقتربت قليلاً من المشهد سنكتشف أن القضية ليست خلافاً بين الواقعية والمثالية، ولا بين المقاومة والسلام، ولا بين من يريد حماية الناس ومن يريد استمرار النضال، بل القضية أعمق، إنها تتعلق بالسؤال الذي قد يحدد مستقبل القضية الفلسطينية كلها: هل نريد أن نغير أدوات مشروعنا الوطني لكي نواجه واقعاً جديداً، أم أننا بدأنا تحت ضغط هذا الواقع نغير المشروع نفسه؟
لنتخيل المشهد من بعيد، شعب تحت الاحتلال، أرض تُصادر، مستوطنات تتمدد، غزة مدمرة، اقتصاد محاصر، أموال مقاصة محتجزة، عمال فقدوا مصادر رزقهم، سلطة تعاني أزمة مالية وسياسية، مؤسسات تتراجع قدرتها على العمل، ومجتمع يواجه الفقر والبطالة والخوف والجريمة والانقسام، أمام هذه الصورة يصبح الحديث عن الواقعية مفهوماً، فالناس تريد أن تعيش، الموظف يريد راتبه، العامل يريد أن يعود إلى عمله، المريض يريد دواءه، الأب يريد أن يطعم أبناءه، والناس جميعاً تريد أمناً وقانوناً ومدرسة ومستشفى وشارعاً وحياة طبيعية، ولا يستطيع أي مشروع وطني أن يقول للناس إن حياتهم اليومية مسألة ثانوية، فالإنسان ليس وقوداً للمشروع الوطني، بل المشروع الوطني موجود من أجل الإنسان.
لكن مروان يضع إصبعه على اللحظة التي يمكن أن ينقلب فيها المعنى كله، ماذا لو أصبح تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال هو الهدف؟ ماذا لو تحول السؤال من: كيف ننهي الاحتلال؟ إلى: كيف نجعل الحياة تحته أكثر احتمالاً؟ هنا تتغير الحكاية من دون إعلان، ومن دون مؤتمر سياسي، ومن دون وثيقة تقول إن المشروع الوطني انتهى، يحدث التحول ببطء، تدخل الكاميرا إلى غرفة المونتاج وتبدأ بعض المشاهد في الاختفاء، تختفي كلمة التحرر قليلاً، ثم تختفي السيادة، ثم تصبح الدولة مشروعاً بعيداً، ثم يصبح الحديث عن الأرض والحدود والموارد أقل حضوراً، وتبقى أمام الشاشة كلمات أخرى: المقاصة، العمال، التسهيلات، الاستقرار، الأمن، المساعدات، الإصلاح الإداري، بقاء المؤسسات، وكل واحدة من هذه القضايا ضرورية، لكن الخطر يبدأ عندما تُجمع كلها معاً لتصبح هي الفيلم كله، عندها لا يعود السؤال: كيف يتحرر الفلسطيني؟ بل: كيف يعيش الفلسطيني بصورة أفضل تحت الاحتلال؟ وهذه هي اللحظة التي يحذر منها مروان طوباسي.
لكن المقال يفتح أمامنا سؤالاً أكبر، إذا كنا نرفض تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إدارة سكان، فما البديل؟ هل يكفي أن نكرر أن المشروع الفلسطيني مشروع تحرر وطني؟ هل تكفي اللغة القديمة كي تنتج واقعاً جديداً؟ هنا أعتقد أن علينا الذهاب أبعد من الدفاع عن تعريف المشروع، علينا أن نسأل عن قدرته على الحياة، فالمشروع الوطني ليس جملة محفوظة في وثيقة، وليس شعاراً نرفعه فوق المنصة، وليس تاريخاً مجيداً نعود إليه عندما يضيق الحاضر، المشروع الوطني كائن حي، إذا لم يتجدد يشيخ، وإذا لم يحمله الناس يتحول إلى خطاب، وإذا لم ينتج أدوات تناسب زمانه يبقى أسيراً لأدوات زمن مضى، ولهذا فإن الدفاع عن المشروع التحرري لا يعني تجميده، بل يعني تجديده.
وهنا تظهر أمامنا مدارس مختلفة في قراءة الأزمة الفلسطينية، هناك من ينظر إلى المشهد من داخل المؤسسة ويقول إن المشكلة هي ضعف الإدارة والفساد والمحسوبية وتضخم الجهاز العام وضعف القضاء وغياب الكفاءة، ومن هذا المنظور يصبح الحل أن نبني مؤسسات أفضل ونضبط الإنفاق ونختار أصحاب الكفاءة ونقوي القضاء ونعيد الثقة بالسلطة ونجعل الحكومة أكثر قدرة على العمل، وهذه رؤية لها وجاهتها، فالشعب الذي يريد التحرر يحتاج إلى مؤسسات قوية لا مؤسسات مترهلة، لكن التجربة الفلسطينية علمتنا أن المؤسسة الجيدة لا تكفي وحدها، يمكن أن يكون لديك وزير مالية ممتاز ونظام محاسبة ممتاز وإدارة جيدة، لكن إذا بقي الاحتلال يتحكم بالحدود والأرض والموارد والمقاصة والحركة، فإن أفضل إدارة في العالم ستبقى تعمل داخل قفص صنعه طرف آخر، وهنا يصبح السؤال: هل نبني مؤسسة جيدة لإدارة القفص أم نبني مؤسسة جيدة تساعد المجتمع على الخروج منه؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الإدارة والسياسة.
وهناك مدرسة أخرى تبدأ من الديمقراطية وتقول إن الأزمة الأساسية هي أزمة شرعية، لا انتخابات منتظمة، لا تجديد للمؤسسات، ضعف في المشاركة، تآكل في ثقة المجتمع بالنخب والفصائل، ومن هنا يصبح الحل انتخابات ومجلس تشريعي ومجلس وطني وتداول للسلطة وفصل بين السلطات ودستور، وهذا كله ضروري، بل ربما أصبح ضرورة وجودية للنظام السياسي الفلسطيني، لكن الانتخابات أيضاً يمكن أن تتحول إلى مشهد خادع، نضع صناديق الاقتراع ونرفع صور المرشحين ونقيم المهرجانات ويذهب الناس إلى التصويت ثم تعود السياسة بعد الانتخابات إلى الغرف نفسها، إذا تشكلت القوائم في الغرف المغلقة وإذا اختارت النخب المرشحين ثم طلبت من المجتمع الاختيار بينهم وإذا كتب السياسيون البرامج دون الناس وإذا عاد المواطن بعد التصويت إلى مقعد المتفرج، فقد أجرينا انتخابات لكننا لم نبن ديمقراطية، غيّرنا بعض الوجوه ولم نغير علاقة المجتمع بالسياسة.
وهناك قراءة ثالثة تبدأ من الاقتصاد وتقول إن الاقتصاد الفلسطيني أصبح اقتصاد تبعية، نستورد أكثر مما ننتج، نبيع المواد الخام ونشتري المنتج النهائي، نعتمد على العمل داخل إسرائيل، نعتمد على المقاصة، تعتمد السلطة على الأموال التي يستطيع الاحتلال أن يحتجزها متى شاء، وهذا أيضاً صحيح، لكن فك التبعية لا يتم بقرار على الورق، لا يستطيع أحد أن يستيقظ صباحاً ويقول ابتداءً من اليوم أصبح اقتصادنا مستقلاً، التحرر الاقتصادي عملية، أن نزرع أكثر، أن ننتج أكثر، أن نحمي المنتج الوطني، أن نخفف الاعتماد على السوق الإسرائيلية، أن نعيد التفكير في علاقتنا بالأرض والمياه والطاقة والعمل، أن يتحول اقتصاد الصمود من شعار إلى سياسة، هنا تظهر الواقعية بمعناها الحقيقي، فالواقعية ليست أن تقول نحن ضعفاء ولذلك علينا أن نقبل التبعية، الواقعية أن تقول نحن ضعفاء هنا فكيف نقلل نقطة الضعف هذه؟ نحن نعتمد على إسرائيل في هذا المجال فكيف نبني بديلاً؟ الواقعية التي تقبل ميزان القوى باعتباره قدراً ليست واقعية، إنها استسلام للواقع، أما الواقعية السياسية الحقيقية فهي أن تعرف ميزان القوى بدقة لكي تعرف من أين تبدأ تغييره.
لكن المشهد الأهم في رأيي يبقى خارج كل هذه الغرف، خارج الوزارة وخارج مقر الفصيل وخارج قاعة المجلس وخارج مكتب الاقتصادي، الكاميرا يجب أن تخرج إلى الشارع، إلى القرية، إلى المخيم، إلى الجامعة، إلى النقابة، إلى المزارع، إلى العامل، إلى المرأة، إلى الشاب، إلى المجتمع نفسه، لأن السؤال الذي يغيب أحياناً عن كل نقاشاتنا هو: أين الشعب في المشروع الوطني؟ نحن نتحدث باسمه كثيراً، لكن كم مرة نتحدث معه؟ نقول إن الشعب اختار المقاومة أو اختار السلام أو يريد الانتخابات أو يريد الدولة أو يريد الإصلاح، لكن من الذي سأله؟ هنا تبدأ في تقديري الأزمة الأعمق، فالاحتلال لا يريد فقط أرض الفلسطيني، هو يريد أيضاً إخراجه من السياسة، يريد تحويله من شعب إلى سكان، من جماعة سياسية لها إرادة وحقوق ومشروع إلى أفراد يبحث كل واحد منهم عن تصريح وراتب ووظيفة ومعبر وعلاج وتسهيل، والرد على ذلك لا يكون بمجرد تكرار عبارة "نحن حركة تحرر"، بل بأن نعيد الفلسطيني إلى موقع الفاعل، أن يكون شريكاً في كتابة البرنامج، شريكاً في اختيار المرشحين، شريكاً في تحديد الأولويات، شريكاً في صناعة المؤسسات، شريكاً في مراقبة من يحكم، وشريكاً في تقرير شكل المقاومة وأدواتها، عندها فقط يصبح المجتمع حاملاً للمشروع الوطني لا جمهوراً يشاهد المشروع من بعيد.
وهنا يمكن فهم أهمية الانتفاضة الأولى بطريقة مختلفة، قوتها لم تكن فقط في الحجر ولا لأنها كانت أقل تسلحاً ولا لأنها وجدت احتلالاً أكثر أخلاقية، قوتها كانت في شيء آخر، كان المجتمع منظماً، كانت هناك لجان أحياء واتحادات ونقابات وجامعات ولجان إغاثة وشبكات تضامن ومقاطعة وإنتاج منزلي ومبادرات محلية، كان المجتمع نفسه يتحول إلى مؤسسة مقاومة، لم يكن المواطن ينتظر البيان لكي يعرف ماذا يفعل، كان جزءاً من الفعل، وهنا تكمن واحدة من أهم دروس التجربة الفلسطينية، المقاومة الشعبية ليست مسيرة أسبوعية وليست صورة يلتقطها الصحفيون ثم يعود الجميع إلى بيوتهم، المقاومة الشعبية الحقيقية هي عندما يصبح المجتمع قادراً على تنظيم حياته بطريقة تقلل قدرة الاحتلال على التحكم به، أن ينتج، أن يتكافل، أن يقاطع، أن يحمي أرضه، أن يدافع عن حرياته، أن يبني مؤسساته، وأن يجعل السيطرة عليه أكثر كلفة، عندها تصبح المقاومة أسلوب حياة سياسي لا حدثاً عابراً.
وهنا نصل إلى حركة فتح، مروان محق عندما يرفض تحويل فتح إلى حزب للسلطة والسلام، ففتح لم تولد من رحم السلطة ولم تنشأ كي تدير وزارة أو جهازاً أو حكومة، ولدت حركة تحرر وطني، لكن الدفاع عن هذه الحقيقة التاريخية لا يكفي، السؤال الأصعب هو: ماذا يعني أن تكون فتح حركة تحرر وطني في عام 2026؟ ليس في عام 1965 ولا في بيروت ولا في تونس، بل الآن، إذا كانت حركة التحرر لا تستطيع تجديد قيادتها ولا فتح أبوابها للأجيال الجديدة ولا انتخاب مؤسساتها بصورة ديمقراطية ولا استعادة علاقتها بالمجتمع، فلا يكفي أن تقول إن تاريخها يقول إنها حركة تحرر، التاريخ يمنح الشرعية المعنوية، لكن الحاضر هو الذي يمنح القدرة، ولذلك فإن إصلاح فتح ليس قضية تنظيمية داخلية، إنه جزء من إصلاح المشروع الوطني نفسه، والأمر ذاته ينطبق على منظمة التحرير، فالمنظمة ليست متحفاً لذاكرة الثورة الفلسطينية، هي أو ينبغي أن تكون البيت السياسي الذي يجمع الفلسطيني أينما كان، ولذلك فإن تجديدها لا يعني فقط إضافة أسماء أو مقاعد، بل إعادة العلاقة بينها وبين المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات.
أما السلطة الفلسطينية، فهنا تظهر المفارقة الأكبر، لقد أنشئت باعتبارها مرحلة انتقالية، لكن المرحلة الانتقالية امتدت أكثر من ثلاثة عقود، والاحتلال الذي كان يفترض أن تنتهي آثاره أصبح أكثر توسعاً، والاستيطان الذي كان من المفترض التفاوض على مصيره تمدد، وأصبحت السلطة نفسها تعيش داخل شبكة من القيود التي يتحكم بها الاحتلال، هل يعني ذلك أن نهدمها؟ لا، فالسلطة اليوم تحمل مؤسسات وخدمات وتجربة إدارية ومئات آلاف الأسر المرتبطة بعملها، ولا يجوز التعامل معها كما لو أنها مبنى يمكن إغلاق بابه وانتهى الأمر، لكن السؤال الصحيح ليس: هل نبقي السلطة أم نلغيها؟ السؤال هو: ما وظيفتها؟ هل وظيفتها إدارة الفلسطينيين داخل النظام الذي يحدده الاحتلال؟ أم حماية المجتمع وبناء عناصر قدرته إلى أن يتحرر؟ هنا يصبح الفرق حاسماً، فالسلطة ليست المشروع الوطني لكنها يمكن أن تكون أداة فيه، والمؤسسة ليست الحرية لكنها يمكن أن تساعد على الوصول إليها، والبقاء ليس التحرر لكنه شرط ضروري له.
وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأ منه مروان طوباسي: الواقعية السياسية أم المشروع الوطني التحرري؟ في الحقيقة لا أرى أن علينا الاختيار بينهما، المشكلة في تعريف الواقعية، إذا كانت الواقعية تعني أن ننظر إلى الاحتلال ونقول إنه قوي والعالم لا يقف معنا بما يكفي وميزان القوى مختل فلنحاول الحصول على أفضل شروط ممكنة للحياة تحته، فهذه ليست واقعية سياسية، هذه إدارة للهزيمة، لكن إذا كانت الواقعية تعني أن نرى الصورة كما هي بلا أوهام ولا خطابات، أن نعرف حجم قوتنا وحجم ضعفنا وما يستطيع الاحتلال فعله وما لا يستطيع فعله وأين يمكن أن نبني عناصر قوة جديدة، فهذه الواقعية هي أول شروط التحرر.
أرى المشهد كفيلم طويل، في اللقطة الأولى الفلسطيني يقف أمام حاجز، في يده تصريح ينتظر الجندي أن يسمح له بالمرور، في اللقطة الثانية موظف ينتظر راتبه لأن أموال المقاصة محتجزة، في الثالثة مزارع ينظر إلى أرض تهددها مستوطنة، في الرابعة شاب يبحث عن عمل، في الخامسة سياسي يتحدث عن إدارة الأزمة، ثم تتراجع الكاميرا ببطء وتظهر الصورة كاملة، نكتشف أن كل هؤلاء لا يعيشون أزمات منفصلة، إنهم يعيشون نتيجة واحدة: شعب لم يحصل بعد على حريته، هنا يجب ألا نسمح للمونتاج السياسي أن يقطع اللقطة الأخيرة من الفيلم، يمكن أن نعالج الراتب ونحارب الجريمة ونصلح الوزارة ونستعيد المقاصة ونعيد العمال ونجري الانتخابات ونكتب الدستور ونصلح فتح ونجدد منظمة التحرير ونقوي السلطة، كل ذلك مطلوب، لكن يجب أن تبقى هناك لقطة تجمع الفيلم كله: هذه الأدوات موجودة من أجل أن يصبح الفلسطيني أكثر قدرة على تقرير مصيره، لا أكثر قدرة على التكيف مع غياب هذا الحق.
ومن هنا ربما يكون السؤال الفلسطيني اليوم أبسط وأصعب مما نتصور، ليس: هل نريد الواقعية أم التحرر؟ بل: كيف نجعل كل خطوة واقعية نقوم بها اليوم تقربنا من التحرر غداً؟ كيف نجعل الاقتصاد أداة قوة والمؤسسة أداة قوة والانتخابات أداة قوة والديمقراطية أداة قوة والمجتمع أداة قوة وفتح أداة قوة ومنظمة التحرير أداة قوة والسلطة أداة قوة؟ عندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة يتوقف الخلاف بين الواقعي والتحرري، لأن الواقعية حينها لا تعود فن التعايش مع القفص، بل معرفة حجمه ومعرفة من صنعه وأين أقفاله وما الأدوات التي نملكها لكسرها.
وأظن أن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا اليوم ليس أن يفرض الاحتلال تعريفه للقضية الفلسطينية، فالاحتلال فعل ذلك منذ البداية، الخطر الأكبر أن نقبل نحن تعريفه من دون أن نشعر، أن نتحدث عن الفلسطيني باعتباره محتاجاً إلى العمل بدل أن يكون صاحب حق، وباعتباره محتاجاً إلى الأمن بدل أن يكون صاحب سيادة، وباعتباره محتاجاً إلى مساعدات بدل أن يكون صاحب أرض، وباعتباره سكاناً بدل أن يكون شعباً، هنا تقع المعركة الحقيقية على معنى المشروع الوطني، والجواب لا يكون بالشعارات، يكون ببناء مجتمع يعرف ماذا يريد، ومؤسسات تعرف لماذا وجدت، وقيادة تعرف أن شرعيتها لا تأتي من موقعها بل من شعبها، ومشروع وطني لا يخاف من مراجعة أدواته لأنه واثق من غايته، فالتحرر ليس وعداً مؤجلاً إلى نهاية الفيلم، التحرر يبدأ في اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان الفلسطيني حقه في أن يكون صاحب القرار في حياته وقضيته ومستقبله، ومن هذه اللحظة تحديداً يتوقف عن أن يكون مجرد ساكن فوق أرضه ويعود شعباً يصنع تاريخه.
يحيى بركات
8/8/2026
قراءة في مقال د. مروان طوباسي: «الواقعية السياسية أم إعادة تعريف المشروع الوطني التحرري؟»
قرأت مقال الصديق د. مروان طوباسي أكثر من مرة، ليس لأن الفكرة غامضة، بل لأن السؤال الذي يطرحه أخطر من أن نمر عليه سريعاً، فالمقال يبدو في ظاهره نقاشاً حول "الواقعية السياسية"، لكن الكاميرا إذا اقتربت قليلاً من المشهد سنكتشف أن القضية ليست خلافاً بين الواقعية والمثالية، ولا بين المقاومة والسلام، ولا بين من يريد حماية الناس ومن يريد استمرار النضال، بل القضية أعمق، إنها تتعلق بالسؤال الذي قد يحدد مستقبل القضية الفلسطينية كلها: هل نريد أن نغير أدوات مشروعنا الوطني لكي نواجه واقعاً جديداً، أم أننا بدأنا تحت ضغط هذا الواقع نغير المشروع نفسه؟
لنتخيل المشهد من بعيد، شعب تحت الاحتلال، أرض تُصادر، مستوطنات تتمدد، غزة مدمرة، اقتصاد محاصر، أموال مقاصة محتجزة، عمال فقدوا مصادر رزقهم، سلطة تعاني أزمة مالية وسياسية، مؤسسات تتراجع قدرتها على العمل، ومجتمع يواجه الفقر والبطالة والخوف والجريمة والانقسام، أمام هذه الصورة يصبح الحديث عن الواقعية مفهوماً، فالناس تريد أن تعيش، الموظف يريد راتبه، العامل يريد أن يعود إلى عمله، المريض يريد دواءه، الأب يريد أن يطعم أبناءه، والناس جميعاً تريد أمناً وقانوناً ومدرسة ومستشفى وشارعاً وحياة طبيعية، ولا يستطيع أي مشروع وطني أن يقول للناس إن حياتهم اليومية مسألة ثانوية، فالإنسان ليس وقوداً للمشروع الوطني، بل المشروع الوطني موجود من أجل الإنسان.
لكن مروان يضع إصبعه على اللحظة التي يمكن أن ينقلب فيها المعنى كله، ماذا لو أصبح تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال هو الهدف؟ ماذا لو تحول السؤال من: كيف ننهي الاحتلال؟ إلى: كيف نجعل الحياة تحته أكثر احتمالاً؟ هنا تتغير الحكاية من دون إعلان، ومن دون مؤتمر سياسي، ومن دون وثيقة تقول إن المشروع الوطني انتهى، يحدث التحول ببطء، تدخل الكاميرا إلى غرفة المونتاج وتبدأ بعض المشاهد في الاختفاء، تختفي كلمة التحرر قليلاً، ثم تختفي السيادة، ثم تصبح الدولة مشروعاً بعيداً، ثم يصبح الحديث عن الأرض والحدود والموارد أقل حضوراً، وتبقى أمام الشاشة كلمات أخرى: المقاصة، العمال، التسهيلات، الاستقرار، الأمن، المساعدات، الإصلاح الإداري، بقاء المؤسسات، وكل واحدة من هذه القضايا ضرورية، لكن الخطر يبدأ عندما تُجمع كلها معاً لتصبح هي الفيلم كله، عندها لا يعود السؤال: كيف يتحرر الفلسطيني؟ بل: كيف يعيش الفلسطيني بصورة أفضل تحت الاحتلال؟ وهذه هي اللحظة التي يحذر منها مروان طوباسي.
لكن المقال يفتح أمامنا سؤالاً أكبر، إذا كنا نرفض تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إدارة سكان، فما البديل؟ هل يكفي أن نكرر أن المشروع الفلسطيني مشروع تحرر وطني؟ هل تكفي اللغة القديمة كي تنتج واقعاً جديداً؟ هنا أعتقد أن علينا الذهاب أبعد من الدفاع عن تعريف المشروع، علينا أن نسأل عن قدرته على الحياة، فالمشروع الوطني ليس جملة محفوظة في وثيقة، وليس شعاراً نرفعه فوق المنصة، وليس تاريخاً مجيداً نعود إليه عندما يضيق الحاضر، المشروع الوطني كائن حي، إذا لم يتجدد يشيخ، وإذا لم يحمله الناس يتحول إلى خطاب، وإذا لم ينتج أدوات تناسب زمانه يبقى أسيراً لأدوات زمن مضى، ولهذا فإن الدفاع عن المشروع التحرري لا يعني تجميده، بل يعني تجديده.
وهنا تظهر أمامنا مدارس مختلفة في قراءة الأزمة الفلسطينية، هناك من ينظر إلى المشهد من داخل المؤسسة ويقول إن المشكلة هي ضعف الإدارة والفساد والمحسوبية وتضخم الجهاز العام وضعف القضاء وغياب الكفاءة، ومن هذا المنظور يصبح الحل أن نبني مؤسسات أفضل ونضبط الإنفاق ونختار أصحاب الكفاءة ونقوي القضاء ونعيد الثقة بالسلطة ونجعل الحكومة أكثر قدرة على العمل، وهذه رؤية لها وجاهتها، فالشعب الذي يريد التحرر يحتاج إلى مؤسسات قوية لا مؤسسات مترهلة، لكن التجربة الفلسطينية علمتنا أن المؤسسة الجيدة لا تكفي وحدها، يمكن أن يكون لديك وزير مالية ممتاز ونظام محاسبة ممتاز وإدارة جيدة، لكن إذا بقي الاحتلال يتحكم بالحدود والأرض والموارد والمقاصة والحركة، فإن أفضل إدارة في العالم ستبقى تعمل داخل قفص صنعه طرف آخر، وهنا يصبح السؤال: هل نبني مؤسسة جيدة لإدارة القفص أم نبني مؤسسة جيدة تساعد المجتمع على الخروج منه؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الإدارة والسياسة.
وهناك مدرسة أخرى تبدأ من الديمقراطية وتقول إن الأزمة الأساسية هي أزمة شرعية، لا انتخابات منتظمة، لا تجديد للمؤسسات، ضعف في المشاركة، تآكل في ثقة المجتمع بالنخب والفصائل، ومن هنا يصبح الحل انتخابات ومجلس تشريعي ومجلس وطني وتداول للسلطة وفصل بين السلطات ودستور، وهذا كله ضروري، بل ربما أصبح ضرورة وجودية للنظام السياسي الفلسطيني، لكن الانتخابات أيضاً يمكن أن تتحول إلى مشهد خادع، نضع صناديق الاقتراع ونرفع صور المرشحين ونقيم المهرجانات ويذهب الناس إلى التصويت ثم تعود السياسة بعد الانتخابات إلى الغرف نفسها، إذا تشكلت القوائم في الغرف المغلقة وإذا اختارت النخب المرشحين ثم طلبت من المجتمع الاختيار بينهم وإذا كتب السياسيون البرامج دون الناس وإذا عاد المواطن بعد التصويت إلى مقعد المتفرج، فقد أجرينا انتخابات لكننا لم نبن ديمقراطية، غيّرنا بعض الوجوه ولم نغير علاقة المجتمع بالسياسة.
وهناك قراءة ثالثة تبدأ من الاقتصاد وتقول إن الاقتصاد الفلسطيني أصبح اقتصاد تبعية، نستورد أكثر مما ننتج، نبيع المواد الخام ونشتري المنتج النهائي، نعتمد على العمل داخل إسرائيل، نعتمد على المقاصة، تعتمد السلطة على الأموال التي يستطيع الاحتلال أن يحتجزها متى شاء، وهذا أيضاً صحيح، لكن فك التبعية لا يتم بقرار على الورق، لا يستطيع أحد أن يستيقظ صباحاً ويقول ابتداءً من اليوم أصبح اقتصادنا مستقلاً، التحرر الاقتصادي عملية، أن نزرع أكثر، أن ننتج أكثر، أن نحمي المنتج الوطني، أن نخفف الاعتماد على السوق الإسرائيلية، أن نعيد التفكير في علاقتنا بالأرض والمياه والطاقة والعمل، أن يتحول اقتصاد الصمود من شعار إلى سياسة، هنا تظهر الواقعية بمعناها الحقيقي، فالواقعية ليست أن تقول نحن ضعفاء ولذلك علينا أن نقبل التبعية، الواقعية أن تقول نحن ضعفاء هنا فكيف نقلل نقطة الضعف هذه؟ نحن نعتمد على إسرائيل في هذا المجال فكيف نبني بديلاً؟ الواقعية التي تقبل ميزان القوى باعتباره قدراً ليست واقعية، إنها استسلام للواقع، أما الواقعية السياسية الحقيقية فهي أن تعرف ميزان القوى بدقة لكي تعرف من أين تبدأ تغييره.
لكن المشهد الأهم في رأيي يبقى خارج كل هذه الغرف، خارج الوزارة وخارج مقر الفصيل وخارج قاعة المجلس وخارج مكتب الاقتصادي، الكاميرا يجب أن تخرج إلى الشارع، إلى القرية، إلى المخيم، إلى الجامعة، إلى النقابة، إلى المزارع، إلى العامل، إلى المرأة، إلى الشاب، إلى المجتمع نفسه، لأن السؤال الذي يغيب أحياناً عن كل نقاشاتنا هو: أين الشعب في المشروع الوطني؟ نحن نتحدث باسمه كثيراً، لكن كم مرة نتحدث معه؟ نقول إن الشعب اختار المقاومة أو اختار السلام أو يريد الانتخابات أو يريد الدولة أو يريد الإصلاح، لكن من الذي سأله؟ هنا تبدأ في تقديري الأزمة الأعمق، فالاحتلال لا يريد فقط أرض الفلسطيني، هو يريد أيضاً إخراجه من السياسة، يريد تحويله من شعب إلى سكان، من جماعة سياسية لها إرادة وحقوق ومشروع إلى أفراد يبحث كل واحد منهم عن تصريح وراتب ووظيفة ومعبر وعلاج وتسهيل، والرد على ذلك لا يكون بمجرد تكرار عبارة "نحن حركة تحرر"، بل بأن نعيد الفلسطيني إلى موقع الفاعل، أن يكون شريكاً في كتابة البرنامج، شريكاً في اختيار المرشحين، شريكاً في تحديد الأولويات، شريكاً في صناعة المؤسسات، شريكاً في مراقبة من يحكم، وشريكاً في تقرير شكل المقاومة وأدواتها، عندها فقط يصبح المجتمع حاملاً للمشروع الوطني لا جمهوراً يشاهد المشروع من بعيد.
وهنا يمكن فهم أهمية الانتفاضة الأولى بطريقة مختلفة، قوتها لم تكن فقط في الحجر ولا لأنها كانت أقل تسلحاً ولا لأنها وجدت احتلالاً أكثر أخلاقية، قوتها كانت في شيء آخر، كان المجتمع منظماً، كانت هناك لجان أحياء واتحادات ونقابات وجامعات ولجان إغاثة وشبكات تضامن ومقاطعة وإنتاج منزلي ومبادرات محلية، كان المجتمع نفسه يتحول إلى مؤسسة مقاومة، لم يكن المواطن ينتظر البيان لكي يعرف ماذا يفعل، كان جزءاً من الفعل، وهنا تكمن واحدة من أهم دروس التجربة الفلسطينية، المقاومة الشعبية ليست مسيرة أسبوعية وليست صورة يلتقطها الصحفيون ثم يعود الجميع إلى بيوتهم، المقاومة الشعبية الحقيقية هي عندما يصبح المجتمع قادراً على تنظيم حياته بطريقة تقلل قدرة الاحتلال على التحكم به، أن ينتج، أن يتكافل، أن يقاطع، أن يحمي أرضه، أن يدافع عن حرياته، أن يبني مؤسساته، وأن يجعل السيطرة عليه أكثر كلفة، عندها تصبح المقاومة أسلوب حياة سياسي لا حدثاً عابراً.
وهنا نصل إلى حركة فتح، مروان محق عندما يرفض تحويل فتح إلى حزب للسلطة والسلام، ففتح لم تولد من رحم السلطة ولم تنشأ كي تدير وزارة أو جهازاً أو حكومة، ولدت حركة تحرر وطني، لكن الدفاع عن هذه الحقيقة التاريخية لا يكفي، السؤال الأصعب هو: ماذا يعني أن تكون فتح حركة تحرر وطني في عام 2026؟ ليس في عام 1965 ولا في بيروت ولا في تونس، بل الآن، إذا كانت حركة التحرر لا تستطيع تجديد قيادتها ولا فتح أبوابها للأجيال الجديدة ولا انتخاب مؤسساتها بصورة ديمقراطية ولا استعادة علاقتها بالمجتمع، فلا يكفي أن تقول إن تاريخها يقول إنها حركة تحرر، التاريخ يمنح الشرعية المعنوية، لكن الحاضر هو الذي يمنح القدرة، ولذلك فإن إصلاح فتح ليس قضية تنظيمية داخلية، إنه جزء من إصلاح المشروع الوطني نفسه، والأمر ذاته ينطبق على منظمة التحرير، فالمنظمة ليست متحفاً لذاكرة الثورة الفلسطينية، هي أو ينبغي أن تكون البيت السياسي الذي يجمع الفلسطيني أينما كان، ولذلك فإن تجديدها لا يعني فقط إضافة أسماء أو مقاعد، بل إعادة العلاقة بينها وبين المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات.
أما السلطة الفلسطينية، فهنا تظهر المفارقة الأكبر، لقد أنشئت باعتبارها مرحلة انتقالية، لكن المرحلة الانتقالية امتدت أكثر من ثلاثة عقود، والاحتلال الذي كان يفترض أن تنتهي آثاره أصبح أكثر توسعاً، والاستيطان الذي كان من المفترض التفاوض على مصيره تمدد، وأصبحت السلطة نفسها تعيش داخل شبكة من القيود التي يتحكم بها الاحتلال، هل يعني ذلك أن نهدمها؟ لا، فالسلطة اليوم تحمل مؤسسات وخدمات وتجربة إدارية ومئات آلاف الأسر المرتبطة بعملها، ولا يجوز التعامل معها كما لو أنها مبنى يمكن إغلاق بابه وانتهى الأمر، لكن السؤال الصحيح ليس: هل نبقي السلطة أم نلغيها؟ السؤال هو: ما وظيفتها؟ هل وظيفتها إدارة الفلسطينيين داخل النظام الذي يحدده الاحتلال؟ أم حماية المجتمع وبناء عناصر قدرته إلى أن يتحرر؟ هنا يصبح الفرق حاسماً، فالسلطة ليست المشروع الوطني لكنها يمكن أن تكون أداة فيه، والمؤسسة ليست الحرية لكنها يمكن أن تساعد على الوصول إليها، والبقاء ليس التحرر لكنه شرط ضروري له.
وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأ منه مروان طوباسي: الواقعية السياسية أم المشروع الوطني التحرري؟ في الحقيقة لا أرى أن علينا الاختيار بينهما، المشكلة في تعريف الواقعية، إذا كانت الواقعية تعني أن ننظر إلى الاحتلال ونقول إنه قوي والعالم لا يقف معنا بما يكفي وميزان القوى مختل فلنحاول الحصول على أفضل شروط ممكنة للحياة تحته، فهذه ليست واقعية سياسية، هذه إدارة للهزيمة، لكن إذا كانت الواقعية تعني أن نرى الصورة كما هي بلا أوهام ولا خطابات، أن نعرف حجم قوتنا وحجم ضعفنا وما يستطيع الاحتلال فعله وما لا يستطيع فعله وأين يمكن أن نبني عناصر قوة جديدة، فهذه الواقعية هي أول شروط التحرر.
أرى المشهد كفيلم طويل، في اللقطة الأولى الفلسطيني يقف أمام حاجز، في يده تصريح ينتظر الجندي أن يسمح له بالمرور، في اللقطة الثانية موظف ينتظر راتبه لأن أموال المقاصة محتجزة، في الثالثة مزارع ينظر إلى أرض تهددها مستوطنة، في الرابعة شاب يبحث عن عمل، في الخامسة سياسي يتحدث عن إدارة الأزمة، ثم تتراجع الكاميرا ببطء وتظهر الصورة كاملة، نكتشف أن كل هؤلاء لا يعيشون أزمات منفصلة، إنهم يعيشون نتيجة واحدة: شعب لم يحصل بعد على حريته، هنا يجب ألا نسمح للمونتاج السياسي أن يقطع اللقطة الأخيرة من الفيلم، يمكن أن نعالج الراتب ونحارب الجريمة ونصلح الوزارة ونستعيد المقاصة ونعيد العمال ونجري الانتخابات ونكتب الدستور ونصلح فتح ونجدد منظمة التحرير ونقوي السلطة، كل ذلك مطلوب، لكن يجب أن تبقى هناك لقطة تجمع الفيلم كله: هذه الأدوات موجودة من أجل أن يصبح الفلسطيني أكثر قدرة على تقرير مصيره، لا أكثر قدرة على التكيف مع غياب هذا الحق.
ومن هنا ربما يكون السؤال الفلسطيني اليوم أبسط وأصعب مما نتصور، ليس: هل نريد الواقعية أم التحرر؟ بل: كيف نجعل كل خطوة واقعية نقوم بها اليوم تقربنا من التحرر غداً؟ كيف نجعل الاقتصاد أداة قوة والمؤسسة أداة قوة والانتخابات أداة قوة والديمقراطية أداة قوة والمجتمع أداة قوة وفتح أداة قوة ومنظمة التحرير أداة قوة والسلطة أداة قوة؟ عندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة يتوقف الخلاف بين الواقعي والتحرري، لأن الواقعية حينها لا تعود فن التعايش مع القفص، بل معرفة حجمه ومعرفة من صنعه وأين أقفاله وما الأدوات التي نملكها لكسرها.
وأظن أن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا اليوم ليس أن يفرض الاحتلال تعريفه للقضية الفلسطينية، فالاحتلال فعل ذلك منذ البداية، الخطر الأكبر أن نقبل نحن تعريفه من دون أن نشعر، أن نتحدث عن الفلسطيني باعتباره محتاجاً إلى العمل بدل أن يكون صاحب حق، وباعتباره محتاجاً إلى الأمن بدل أن يكون صاحب سيادة، وباعتباره محتاجاً إلى مساعدات بدل أن يكون صاحب أرض، وباعتباره سكاناً بدل أن يكون شعباً، هنا تقع المعركة الحقيقية على معنى المشروع الوطني، والجواب لا يكون بالشعارات، يكون ببناء مجتمع يعرف ماذا يريد، ومؤسسات تعرف لماذا وجدت، وقيادة تعرف أن شرعيتها لا تأتي من موقعها بل من شعبها، ومشروع وطني لا يخاف من مراجعة أدواته لأنه واثق من غايته، فالتحرر ليس وعداً مؤجلاً إلى نهاية الفيلم، التحرر يبدأ في اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان الفلسطيني حقه في أن يكون صاحب القرار في حياته وقضيته ومستقبله، ومن هذه اللحظة تحديداً يتوقف عن أن يكون مجرد ساكن فوق أرضه ويعود شعباً يصنع تاريخه.
يحيى بركات
8/8/2026