عبدالمنعم الهراق - عندما مُنعت رواية "القوقعة" من دخول السجن..

ضمن يوميات بائع كتب، تمرّ عليّ حكايات لا تخطر على بال، لكن بعض القصص تترك في النفس أثرا لا يزول.
قبل أيام، دخلت إلى المكتبة سيدة تحمل هما ثقيلا على كتفيها ، كانت تستعد لزيارة أحد أفراد عائلتها في السجن، وطلبت مني أن أختار له رواية قادرة على أن تنتزعه، ولو لساعات، من الجدران التي تحاصره، وأن تنسيه قسوة الأيام ورتابة الزنزانة.
بعد تفكير قصير، ناولتها رواية "القوقعة" لـمصطفى خليفة ؛ قلت في نفسي: إذا كانت الروايات تملك قدرة على اختراق الأسوار، فهذه الرواية تعرف السجن أكثر من كثير من السجناء.
مضى أسبوع، ثم عادت السيدة ، كانت تحمل الرواية نفسها ، وضعتها أمامي بهدوء، ذلك الهدوء الذي يسبق خيبة صغيرة، وقالت: لم تصل إليه.
🥺

استغربتُ من قولها ، لكنها أردفت : حراس السجن رفضوا إدخالها، قالوا إن كل كتاب يتحدث عن السجون أو الاعتقال أو المعاناة خلف القضبان ممنوع من المرور إلى الزنازين ، يسمحون فقط بالكتب التي تبعث على التفاؤل والفرح والأمل.
نظرت إلى الرواية طويلا ، للمرة الأولى بدت لي كأنها سجين آخر، أوقف عند البوابة، وفُتشت صفحاته، ثم صدر القرار بمنعه من الدخول ، يا للمفارقة!
كتاب كُتب عن السجن، لم يُسمح له بدخول السجن ، كأن الجدران تخشى الحكايات التي تعرف أسرارها.
غادرت السيدة بعد أن اخترنا رواية أخرى أكثر إشراقا وأقل قسوة ، وبقيت "القوقعة" على الطاولة أمامي ، كنت أتأمل غلافها وأفكر: كم من الكتب خُلقت لتواسي أصحاب المحن، لكنها تُمنع أحيانا من الوصول إليهم؟
كأن بعض الكتب تشبه الرسائل التي تضل طريقها إلى أصحابها، لأن الكلمات عاجزة عن العبور، لأن الأبواب أُغلقت قبل أن تصل إليها.
أما "القوقعة"، فقد عادت إلى المكتبة كما يرجع مسافر من رحلة قصيرة لم يُكتب لها أن تكتمل، تحمل بين صفحاتها حكاية جديدة لم يخطها مؤلفها: قصة كتاب مُنع من دخول السجن لأنه يعرف السجن أكثر مما ينبغي.
😏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى