عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

وقف الشاب أمام أحد الرفوف، سحب رواية ، قلب صفحاتها برفق كما لو أنه يصافح صديقا قديما، ثم سألني عن ثمنها.
أخبرته بالسعر، فابتسم وقال معتذرا: لن أشتريها ، لقد جئت من مدينة القنيطرة لأزور المكتبة فقط.
استوقفتني عبارته في زمن صار كثير من الناس يقيسون قيمة الزيارة بما يخرجون به من أكياس ومشتريات، كان هذا الشاب قد قطع عشرات الكيلومترات ليخرج بشيء لا يُوضع في حقيبة، ولا يُدفع فيه ثمن.
سألته مستغربا: وما الذي يدفعك إلى كل هذا العناء؟
فأجابني بكلمات ما زالت ترن في أذني إلى الآن: كلما دخلت مكتبة أشعر أنني أستعيد شيئا ضاع مني وسط صخب الحياة ، فيكفيني أن أتجول بين الرفوف، أتأمل العناوين، ألمس الكتب، ثم أقرأ بضعة أسطر هنا وهناك ؛ بعدها أخرج أخف روحا وأكثر طمأنينة ، فأعود إلى أهلي وكأنني رجعت من رحلة جميلة ؛ ثم أضاف أيضا والابتسامة لا تفارق محياه : هناك من يسافر ليبحث عن البحر، و آخرين يهربون إلى الجبال، أما أنا فأجد راحتي بين الرفوف ، يكفيني أن أتجول في حضرتها فأصطاد من السعادة ما لو وُزِّع على كثير من الشباب لكفاهم .
غادر بعد ذلك كما جاء؛ لم يحمل كتابا تحت ذراعه، ولم يقف عند صندوق الأداء، لكنه في تقديري كان من أكثر زوار المكتبة غنى في ذلك اليوم.
لقد أدركت بسببه أن بعض الناس يدخلون المكتبات ليتزودوا بشيء أندر من الكتب نفسها؛ ذلك السلام الخفي الذي يسكن المكان، وتلك السعادة الصامتة التي تتسلل إلى القلب من بين الصفحات ؛ ومنذ رحيله وأنا أفكر ، ما أجمل أن يصل حب الكتب بالإنسان إلى درجة يصبح فيها مجرد الوقوف بينها نعمة، و النظر إليها متعة، والتجول في حضرتها رحلة كاملة لا تحتاج إلى تذكرة عودة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى