د. أحمد الحطاب - ٠ مَن يُعقِّد الطقوسَ الدينيةَ؟

أنا، شخصيا أعتبِر القرآن هو مصدر الدين والتَّديُّن. مصدر الدين، لأنه هو الوحي الذي أنزله اللهُ، سبحانه وتعالى، على آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص). ومصدر التَّدين، لكن حسب ما فهِمه الناس من تفسيرهم للنصوص القرآنية (الآيات القرآنية). وفهمُ النصوص القرآنية يختلف من شخص إلى آخر، أو من جماعةٍ من الأشخاص إلى أخرى، تقتسِم نفس المبادئ والمعتقدات les croyances.

ولهذا، فما أقوم به، هو تحليلُ (وليس تفسير) بعض آيات القرآن الكريم لمُحاولةِ الخروجِ باستنتاجٍ، ومقارنتِه مع ما يجري في الواقع المُعاش. وبعبارة أخرى، هذا التحليل يهدِف إلى التَّعرُّف على ما يجري في الواقع، وبالتالي، هل قام علماء وفقهاء الدين، بما هم مُلزمون به، أي تسهيلُ فهم النصوص القرآنية.

بعد هذه التوضيحات وللمزيد من التَّفاصيل، أعود إلى عنوان هذه المقالة لأقولَ : إن الإسلامُ دينُ يُسرٍ ورحمةٍ وتسامحٍ. واليسرُ والرحمة والتسامح، منصوصٌ عليهم في القرآن الكريم، من خلال آياتٍ قرآنية كثيرة.

فيما يخصُّ اليُسرَ، قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 185 من سورة البقرة : "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ".

واضِحٌ مضمون هذه الآية، وضوحَ الشمس. بمعنى أنه، سبحانه وتعالى، اختار لعباده، في الدنيا، ما يُسهِّل عليهم الحياةَ. وبما أن الطقوسَ الدينيةَ هي جزءٌ من حياة الإنسان المتديِّن، فالله، سبحانه وتعالى، اختار السهولةَ، في هذه الحياة. وإذا كان فيها عُسرٌ، فهو من صُنع الإنسان. وهذا الأخير هو المسؤول عن وجودِ هذا العُسر في الحياة. كما يقول، سبحانه وتعالى، في نفس الموضوع، أي اليُسر، في الآيات الثلاثة رقم 78 من سورة الحج والآية رقم 28 من سورة النساء والآية رقم 286 من سورة البقرة :

-"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ".
-"يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا".
-"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".

وفيما يخصُّ الرحمةَ، إن خيرَ آيةٍ قال ويقول فيها، سبحانه وتعالى، إنه رحيم بعباده، هي الآية رقم 107 من سورة الأنبياء : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ".

في هذه الآية الكريمة، يُخبرنا، سبحانه وتعالى، بأن بعثَ النبي والرسول، محمد (ص)، فيه رحمةٌ للعالمين، أي فيه رحمةٌ للناس أجمعين. وبعبارة أخرى، أراد، سبحانه وتعالى، أن يقولَ للبشرية جمعاء إن بعثَ النبي والرسول محمد (ص)، نابِعٌ من رحمتِه بالناس أجمعين.

وفي الآية رقم 156 من سورة الأعراف، قال ويقول، سبحانه وتعالى : "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ"، أي أن الرحمةَ الإلهية تشمل كل المخلوقات وستشمل المُتَّقين.

أما فيما يخصُّ التَّسامحَ، أبدأ بتعريفِه، أي بتوضيح معناه اللغوي. بصفةٍ مُختصرةٍ، التَّسامح هو قبول الاختلاف في الافكار، والعمل والتصرُّفات. قال ويقول، سبحانه وتعالى، في هذا الشأن، في الآية رقم 134 من سورة آل عمران : "وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

هذه الآية الكريمة مُؤلَّفة من جزئين مُتكاملين، أي "وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ…"، و"…وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

الجزء الأول يُحتِّم علينا طرحَ السؤال التالي : "لماذا ناسٌ يَعفون عن ناسٍ آخرين؟" لأنهم ارتكبوا خطأً من الأخطاء في السلوك والتَّصرُّف. وغالِبا، خطأً يسيء لهم ولغيرهم. وهذا يعني أنهم مختلفون عن باقي الناس. وما أثار انتباهي هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد من هم العافون، أي الناس الذين صدر عنهم العفوُ. ولم يحدِّد، كذلك، مَن هم الناس الذين استفادوا من العفو. وهذا دليلٌ على أن العفوَ يجب أن يُعملَ به في كل زمانٍ ومكانٍ.

أما الجزء الثاني من الآية، أي "…وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". كلمة "الْمُحْسِنِينَ" لا يجب إدراكُها بمعنى الناس الذين يتصدَّقون بالاموال وغيرها، لكن بمعنى الناس الذين يحسنون الفكرَ والعملَ. وهنا، كذلك، الله، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد مَن هم المُحسِنون. هل هم المسلمون أم هم المُؤمِنون أم لهم معتقدات أخرى. بل ترك الأمر مفتوحا ليندرِجَ فيه كل الناس الذين يقومون بالأعمال الصالحة.

بل إنه، سبحانه وتعالى، أوردَ، في قرآنه الكريم، الآية رقم 8 من سورة الممتحِنة التي توحي بأن التَّسامحَ يشمل كذلك، غيرَ المُسلمين : "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"

هذه الآية الكريمة توصي بأن الناسَ، داخلَ المُجتمعات البشرية، من حقِّهم أن يعيشوا في أمنٍ وأمانٍ وأن يسود بينهم البَرُّ والقسط والتَّسامح، بغض النظر عن معتقداتِهم الدينية. بمعنى أن التَّساكن la cohabitation والتَّعايش la coexistence، داخلَ المحتمعات، متاحين لجميع الناس بدون استثناء. وهنا، كذلك، الله، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد مَن هم "الْمُقْسِطِينَ". بل تركها مفتوحة ليندرجَ فيها كل مَن أحسن التعاملَ مع الآخرين داخلَ المجتمعات البشرية.

بعد إلقاء الضوء على مفاهيم "اليُسر" و"الرحمة" و"التَّسامُح"، وتوضيح معانيها، يُطرَح سؤالٌ يفرضه سياق المقالة. وهذا السؤال هو الآتي : "مَن المسؤول عن تعقيد الطقوسَ الدينيةَ؟".

والمقصود من التعقيد la complexité، هنا، هو المرور من السهولة la facilité إلى الصعوبة la difficulté. والسهولة واردة في القرآن الكريم، من خلال الآيتين، المُشار إليهما أعلاه، رقم 185 من سورة البقرة، و286 من نفس السورة. الأولى تبين بأن اللهَ اختار لعباده السهولة في ممارسة الطقوس الدينية : "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ". أما الثانية، فإن ما يُفهَم منها أن اللهَ، سبحانه وتعالى، رفقاً بعبادِه، اختارَ لهم أن لا يكلِّفوا أنفسَهم ما لا تستطيع طاقتُهم الفكرية والجِسمية تَحَمُّلَه.

والآن، سأُجيبُ عن السؤال الذي طرَحتُه، أعلاه، أي "مَن المسؤول عن تعقيد الطقوسَ الدينيةَ؟".

المسؤول عنها هم علماء وفقهاء الدين الذين تبنَّوا الغُلُوَّ أو التطرُّف، في فهم الدين la religion وتحويله إلى تديُّن religiosité، أو إن شئنا، تحويلِه إلى طقوس دينية des rites religieux. وهنا، سأستشهِد بمثالين حيَّين، هما الوضوء وتارك الصلاة.

1.فيما يخص الوضوءَ، قال ويقول، سبحانه وتعالى، في موضوع الوضوء، في الآية رقم 6 من سورة المائدة :

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)".

مايمكن استِخلاصُه من هذه الآية الكريمة، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، اختار السهولةَ في الوضوء. بل إنه، عزَّ وجلّ، في حالة عدم وجود الماء، أوصى بالتَّيمُمِ. وهذا دليلٌ على أن الوضوءَ عبارة عن استِعداد روحي une prédisposition spirituelle للصلاة، قبل أن يكونَ عملاً ملموسا une action concrète. والدليل على ذلك أنه، سبحانه وتعالى، قال ويقول، في نفس الآية "...وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ…". وهنا، تأتي الطهارة الروحية la pureté spirituelle.

غير أن بعضَ علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المُتطرِّفون منهم، الذين فهموا الدينَ، بجُرعة عالية من الغلو والمبالغة، أضافوا لِما ورد في القرآن الكريم، في موضوع الوضوء، حركاتٍ دقيقةً des gestes précis لكل عضوٍ. بل ويدَّعون أن مخالفةَ هذه الحركات، تُبطِل الوضوءَ، علما أن نواقض الوضوء معروفة، رغم اختلاف المذاهب الأربعة (المالكية، الحنبلية، الحنفية والشافعية) في عددِها.

بل إن بعضَ علماء وفقهاء الدين، المشار إليهم أعلاه، خصَّصوا لكل عضو، أثناء الوضوء، دعاءً خاصاً به.

2.فيما يخص تارِكَ الصلاة، علماء وفقهاء الدين يفرِّقون بين تارِك الصلاة جحوداً، وتاركها كسلاً. فمنهم مَن يقول وجوبَ قتل الجاحد، ومنهم مَن يكفِّر الجاحدَ والكسول. ومنهم من يمنح للكسول مهلةً. فإن تاب وصلى، رُفِع عنه القتل. وإن استمر في كسلِه، قُتلَ حدّاً. وحتى المذاهب الأربعة اختلفوا فيما يخص تارِك الصلاة تهاوُناً، لكنهم أجمعوا على كُفر تارِكها جحوداً.

عادةً، كل ما يخص المعتقد الديني الإسلامي، منصوصٌ عليه، بصريح العبارة، في القرآن الكريم. والوضوءُ، استعدادا للصلاة، خير مثالٍ على ذلك. وحتى أركان الإسلام الخمسة يمكن استِنباطها من آيات قرآنية كثيرة. لكن قتل تارِك الصلاة، لا جحودا ولا كسلاً، غير مجودٍ، بصريح العبارة، في القرآن الكريم.

وحتى المرتد عن الإسلام، الذي يُعتَبَر أكثر معصيةً من تارك الصلاة، لم يُوصِ، سبحانه وتعالى بقتله. قال ويقول، سبحانه وتعالى، في هذا الشأن، في الآية رقم 217 من سورة البقرة، وفي الآية رقم 90 من سورة آل عمران، وفي الآية رقم 54 من سورة المائدة :

-"وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"

-"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ"

-"مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبَّونَهُ".

وهكذا، فإن الأضافات لِما هو منصوصٌ عليه في القرآن الكريم، في موضوع الإسلام، فهو اجتهادٌ فكري تُمليه على علماء وفقهاء الدين، المُتطرفين، القدامى والحاليين، الظروفُ والخلفياتُ الثقافية التي كانت سائدةً في عصرهم. بمعنى أن كل الإضافات، وخصوصا، الناتِجة عن التطرُف في فهم الدين، يمكن تصنيفُها، فقط وحصرياً، في نطاق الإنتاج الفكري، وفقط وحصرياً، في نطاق الإنتاج الفكري المُتزامن مع العصر الذي عاشوا فيه.

قد يقول قائلُ إن السُّنةَ النبوية مصدر للتشريع الديني. هذا صحيح! ولكن النبي والرسول، محمد (ص)، كان خُلُقُه القرآن. وفي أقوالٍ أخرى، كان قرآناً يمشي على الأرض. "فهل يُعقَل أن بشرا من هذا النوع، يحمِلُ، في حلِّه وارتِحاله، كلامَ الله، أي القرآن الكريم، سيُخالِفهً؟ علماً إنه، كرسولٍ، معصومٌ من الخطأ!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى