غانية ملحيس - الفيلم لم يتوقف عند الخيمة… لكنه لم يبدأ منها أيضا

الصديق العزيز يحيى بركات

قرأت ردك بتمعّن، وتوقفت عند عبارتك: «بقيتِ في المقدمة، بينما كان الفيلم قد بدأ». ربما لأنني أعرف تماما لماذا قلتها، وأعرف أيضا لماذا شعرتَ أنني توقفت عند المكان الذي كنتَ أنت قد غادرته.
لكن اسمح لي أن أعود خطوة إلى الوراء، لا لأدافع عن مقالي، وإنما لأضعه في مكانه الصحيح داخل الحوار الذي بدأ قبل أن أكتبه.
أنت قرأت المقال بوصفه قراءة لمقالك ولتعليق مصطفى النبيه، أما أنا فكتبته بوصفه الحلقة الثالثة في حوار بدأ مع «نازا».
في المقال الأول كنت أحاول تفكيك ما سميته «هندسة التطهر»: كيف تستطيع منظومة أن تكشف جانبا من جريمتها، وتنتج نقدها الذاتي، ثم تستوعب هذا النقد داخل مؤسساتها الثقافية والسياسية والقانونية، بما يسمح لها بإعادة إنتاج قدر من الشرعية.
وفي المقال الثاني انتقلت من تحليل الآلية إلى سؤال الفعل: ماذا نفعل بالشهادة؟ كيف تتحول إلى وثيقة، والوثيقة إلى معرفة، والمعرفة إلى مساءلة، والمساءلة إلى ضغط وفعل؟
ثم واصلت مقالاتك دفع الحوار إلى الأمام، خصوصا حين نقلتَ السؤال إلى «حياة الصورة بعد الفيلم»، وإلى الطريق الذي تسلكه الصورة بعد أن تغادر يد صانعها. وجاء تعليق مصطفى النبيه ليضيف إليه سؤالا آخر: من يملك الكاميرا؟ ومن يملك حق رواية الجريمة؟ ومن يُمنح حق أن يكون في مركز الصورة؟
لذلك لم أتعامل مع ما كتبته أنت وما أضافه مصطفى بوصفهما موضوعين منفصلين ينبغي الرد عليهما، بل بوصفهما امتدادا طبيعيا للمسار الذي بدأناه منذ المقال الأول. وحين وصلت إلى المقال الثالث، لم أكن أبدأ من الصفر، ولا أعود إلى الرحلة التي قطعناها، بل كنت أحاول أن أرى ما الذي يأتي بعدها.
أنت كنت تتتبع حياة الصورة بعد أن تغادر صاحبها، ومصطفى كان يعيد السؤال إلى صاحب الكاميرا وموقعه منها. أما أنا فحاولت أن أتتبع حياة الصورة بعد رحلتها الأولى: ماذا يحدث لها حين تدخل الذاكرة؟ ومن يحميها حين يغيب المهرجان والجمهور والصحافة؟ وهنا تحديدا دخل الأرشيف.
حين قرأت عبارتك عن أنك تعرف، من تجربة شخصية، مأساة ضياع الأرشيف الفلسطيني، وأنك تعرف ماذا يعني أن يضيع جزء من ذاكرة شعب لأن الصورة لم تجد من يحميها، شعرت أن هذه الجملة تلتقي مباشرة مع شيء كان حاضرا في ذهني وأنا أكتب المقال الثالث.
فأنا لم أذهب إلى الأرشيف لأنني أردت العودة إلى الماضي، ولا لأنني لم أرَ الطريق الذي تحدثتَ عنه. على العكس، ربما ذهبت إليه لأنني كنت أفكر فيما يأتي بعد هذا الطريق.
قد تصل الصورة إلى فينيسيا أو كان أو تورنتو، وقد تُعرض ويصفق لها الجمهور، وتحصل على جائزة، وتدخل الصحافة والذاكرة العامة. لكن الوصول لا يعني بالضرورة البقاء. فقد يُحفظ الفيلم، بينما تضيع المواد التي صنعته: اللقطات الخام، التسجيلات، النسخ الأولى، الشهادات التي لم تدخل المونتاج، وأسماء الذين ظهروا خلف الكاميرا، وتواريخ التصوير وأماكنه وظروفه. وقد تبقى الصورة، لكن يضيع سياقها.
وهنا تصبح تجربة ضياع الأرشيف الفلسطيني أكثر من ذاكرة مؤلمة للماضي؛ تصبح تحذيرا للمستقبل. فما نريد أن يصل إلى العالم اليوم يجب أن يكون قادرا أيضا على أن يصل إلى من سيأتي بعدنا. فحفظ الصورة لا يعني حفظها بوصفها ملفا، بل حفظ المادة التي صنعتها، والسياق الذي يمنحها معناها، والأشخاص الذين يقفون وراءها.
ومن هنا يصبح سؤال «من يملك الصورة بعد أن تصل؟» أوسع مما يبدو:
من يملكها حين تصل إلى المهرجان؟ ومن يملكها حين تدخل الأرشيف؟ ومن يملك حق ترتيبها وتأويلها بعد عشرين أو ثلاثين عاما؟
وهنا أظن يا يحيى أننا نقترب أكثر مما يبدو في ردك. أنت تسأل: إلى أين تستطيع الصورة أن تذهب؟ وأنا أسأل: ماذا يمكن أن يبقى منها حين تصل إلى آخر الطريق؟ ولا أعتقد أن أحد السؤالين يلغي الآخر؛ ربما لا يكتمل أحدهما إلا بالآخر.
ولهذا أيضا لم أرَ غياب «13 من غزة»، أو «المواطن أسامة»، أو المخرجين الذين خرجت أفلامهم من غزة بينما بقي أصحابها فيها، خروجا عن السؤال الذي كنت أطرحه. فما أثارته هذه الحالات بالنسبة لي لم يكن فقط سؤال: كيف يصل الفيلم؟ بل: ماذا يحدث له حين يصبح صاحبه جزءا من الماضي؟
قد يسافر الفيلم أكثر من صاحبه، وقد يعيش بعده بعقود. لكن هل يبقى السياق معه؟ هل يبقى اسم صاحبه وقصته؟ هل تبقى الأصوات التي لم تدخل الفيلم؟ وهل يبقى الفلسطيني حاضرا بوصفه ذاتا، أم يتحول تدريجيا إلى مادة يتداولها الآخرون؟
هنا تنتقل المسألة من حفظ المادة إلى حفظ السياق، ومن حفظ السياق إلى حفظ صاحب الصورة، ثم إلى سؤال أوسع: كيف نضمن أن يظل للأجيال القادمة حق قراءة ما وصلها، لا أن ترث فقط صورا جرى ترتيب معناها مسبقا؟

وهذا يعيدنا إلى «مركز الصورة». قلت إن الخطر قد يكون أن تبقى الصورة صورتنا، لكن مركزها لم يعد لنا. وأنا أتفق معك، فليس أخطر أشكال فقدان الصورة لملكيتها أن تُسرق، بل أن تبقى الصورة لنا بينما يصبح تفسيرها لغيرنا.
ومع ذلك، لا أريد أن أذهب إلى نتيجة قاتمة تقول إن هذا يحدث دائما. فالصورة، بمجرد أن تخرج إلى العالم، لا تصبح ملكا مطلقا لمن يستقبلها. والمتلقي ليس آلة، والفيلم ليس قدرا مغلقا. وقد ينتج العمل الفني أسئلة لم يتوقعها صانعوه، وقد تفشل المؤسسة أحيانا في احتواء المعنى الذي أرادت احتواءه.
وهذا ينسجم مع ما كنا قد وصلنا إليه في الحوار حول «نازا»: ليس كل نقد ذاتي تطهرا بالضرورة، وليس كل اعتراف قابلا للاحتواء بالضرورة.
ولهذا لا أرى الصورة شيئا ينتقل ببساطة من مالك إلى مالك، بل أراها تدخل في صراع مستمر على المعنى.
والفلسطيني لا يربح هذا الصراع بمجرد أن يصنع الصورة، ولا يخسره بمجرد أن يفسرها الآخر. المعركة أطول من ذلك.
وربما هنا أحتاج إلى أن أكون أكثر وضوحا بشأن نقطة أثارها د. جمال عاشور في قراءته للمقال، وأضاءها بتوقفه عندها: لا أريد أن أمنح السينما قدرة خلاصية لا تملكها. الصورة لا تنقذ الحقيقة وحدها، والأرشيف لا يصبح عادلا لمجرد أنه يحفظ، والفيلم لا يصبح مقاومة لمجرد أنه فلسطيني، والمهرجان لا يصبح مساحة تحرر لمجرد أنه سمح لصورة فلسطينية بالوصول إليه.
يمكن للصورة أن تكشف، لكنها يمكن أيضا أن تنتقي. ويمكن للمونتاج أن يفتح المعنى، لكنه يمكن أيضا أن يعيد ترتيبه. ويمكن للمهرجان أن يمنح الفيلم حياة واسعة، لكنه يستطيع أيضا أن يحول المأساة إلى مادة ثقافية قابلة للاستهلاك.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل يمكن أن يتحول الفلسطيني نفسه إلى «منتج ثقافي» مطلوب في السوق العالمي، لا بوصفه إنسانا كاملا، وإنما بوصفه ضحية جيدة التصوير؟
إذا كان هذا الاحتمال قائما، فإن معركة الصورة لا تكون فقط ضد محوها، وإنما أيضا ضد اختزالها.
وهذا يعيدني إلى الفكرة التي تناولها المقال الثالث: الفلسطيني ليس مطالبا بأن يكون رمزا لمأساته، ولا ينبغي أن تكون الحرب الحد الأعلى لخياله.
فنحن لا نريد فقط أن نحفظ صور الفلسطيني وهو يموت، أو ينزح، أو يبحث عن الماء والطعام والدواء، أو يقف أمام الركام. نريد أن نحفظ أيضا صور الفلسطيني الذي يحب ويغضب ويمزح ويختلف ويتزوج ويرقص ويأكل ويلعب كرة القدم ويختلف على الميراث، ويصنع فيلما عن حمار يعبر الشارع، أو عن طفل لا يعرف شيئا عن السياسة.
ومن هنا أعود إلى ما أثاره مصطفى النبيه عن غزة، وعن الفن بوصفه حياة، وعن تدريب المخرجين بوصفه تأسيسا لهذه الحياة. هذه الفكرة ليست تفصيلا ثقافيا على هامش الحرب. أن يتعلم مخرج في غزة كيف يصنع فيلما، وأن يظل قادرا على تخيل فيلم لا يتحدث عن القصف، ليس ترفا مؤجلا إلى ما بعد الحرب. إنه فعل حياة.
وربما لهذا أعود إلى عنوان المقال: «الفيلم لم يتوقف عند الخيمة، لكنه لم يبدأ منها أيضا». لم يتوقف عندها، لأن الإنسان الذي وجد نفسه في الخيمة لم يتوقف عن أن يكون إنسانا. ولم يبدأ منها، لأن الفلسطيني لم يبدأ وجوده مع الخيمة، ولا مع النزوح، ولا مع الحرب.
هناك شعب متجذر في أرضه، له تاريخ وحياة وذاكرة وثقافة وأحلام سبقت هذه المأساة، وستبقى بعدها. والمأساة، مهما بلغت فداحتها، ليست بداية التاريخ الفلسطيني ولا تعريفه النهائي. وإذا كان توثيقها ضروريا حتى لا يُمحى ما حدث أو يُعاد تزويره، فإن توثيقها وحدها لا يكفي؛ لأن ذلك قد يحفظ لحظة الألم، لكنه لا يحفظ بالضرورة الإنسان الذي عاشها. ولهذا فإن التشبث بالحياة في غزة ليس نقيضا للتوثيق، بل وجه آخر له.
ولهذا لا أريد أن تكون النتيجة أن نستعيد «مركز الصورة» لكي نحتكره.
لا أريد سينما فلسطينية مغلقة على نفسها، ولا سينما تنتظر اعتراف الآخر بها، ولا صورة تطلب من العالم أن يرانا من خلالها بالطريقة الوحيدة التي تفرضها علينا المأساة. فالمشكلة ليست فقط في الصورة التي يصنعها الآخر عنا، بل أيضا في أن تحاصرنا تلك الصورة داخل تعريف واحد لأنفسنا، فلا نعود نرى من الفلسطيني إلا ما تريده المنظومة المهيمنة أن نراه فيه.
ربما لا تملك السينما وحدها إجابة عن ذلك، ولا الأرشيف وحده. لكنها تستطيع أن تضع بعض الشروط الأولى: أن نحفظ المادة، ونحفظ سياقها، ونحفظ أسماء أصحابها، ونحفظ تعدد الأصوات، وأن نترك للأجيال القادمة شيئا أكثر من صور المأساة؛ أن نترك لها مادة تستطيع أن تبني منها رواياتها الخاصة عن نفسها.
فحماية الصورة ليست عملا تقنيا فحسب؛ إنها جزء من حماية السيادة على الذاكرة: ألا يصبح غيابنا من الصورة شرطا لبقائها، وألا تصبح قراءتنا لها ملكا حصريا لمن يملك المنصة الأقوى.
لهذا أظن أنني لم أبقَ في المقدمة يا يحيى. ربما كنت فقط أقف في مشهد وزمن آخر من الرحلة نفسها. أنت كنت تنظر إلى الفيلم وهو يغادر الخيمة، وأنا كنت أحاول أن أنظر إلى ما يبقى بعد أن يغادرها.
لذلك لا أريد فقط أن تصل صورنا؛ أريد أن تبقى. ولا أريد أن تبقى صور الضحايا وحدها، كما قد يريدها الآخرون، بل صورة شعب كامل: بما عاشه، وما فقده، وما قاومه، وما حلم به، وما سيبنيه. أريد أن يبقى للذين صنعوا الصور وعاشوها الحق في أن يكونوا أكثر من الصور التي بقيت عنهم.
وربما هنا يلتقي السؤال الذي بدأنا به مع السؤال الذي وصلنا إليه: ليس فقط من يملك الصورة بعد أن تصل، بل من يملك حق أن يتذكرها، وأن يروي ما لم تُصوّره، وأن يحفظ حياة لم تجد طريقها إلى الشاشة، وأن يتخيل ما لم يحدث بعد.
فإذا كان التوثيق يحفظ الماضي، والأرشيف يحمي الذاكرة، فإن الخيال يحمي المستقبل. وربما لهذا لم تكن المسألة، في النهاية، أين ذهب الفيلم بعد أن غادر الخيمة، بل ماذا حمل معه من حياة الذين كانوا فيها، وهل استطعنا نحن أن نضمن لهم، بعد أن تنتهي الرحلة، حق أن يصنعوا صورا لا تتحدث عن الخيمة أصلًا؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى