علي سيف الرعيني

ليس الليل في الأدب العربي مجرد زمن يعقب النهار ولا خلفية محايدة للأحداث إنه في كثير من النصوص فضاء للوعي والكشف والقلق تتبدل داخله علاقة الإنسان بذاته والعالم ولذلك ظل حضوره ممتدا من القصيدة الجاهلية إلى الرواية العربية الحديثة متخذا في كل مرحلة دلالات تتجاوز العتمة إلى ما وراءها في الشعر العربي...
عالم يبحث عن الثقة وسط أزمات متشابكة تأتي الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة دولية شديدة التعقيد، لا تشبه كثيرًا اللحظات التي سبقتها. فالعالم الذي يجتمع في نيويورك لا يحمل إلى قاعة الأمم المتحدة ملفات دبلوماسية فحسب، بل يحمل معه حروبًا وأزمات إنسانية، وتوترات جيوسياسية...
إنها المعاني التي تظل حية في وجدان الإنسان والقيم التي تتحول مع الزمن إلى مسؤولية وأمل وعمل ومن هنا يظل سبتمبر اليمني محطة تاريخية ارتبطت في الذاكرة الوطنية بمعاني التحرر والكرامة والطموح إلى بناء وطن يليق بالإنسان اليمني فالثورة في معناها الأعمق لاتنتهي بل تبدأ مسؤوليتها الحقيقية حين يتحول ما...
اليوم حيث لم تعد المشكلة في نقص المعلومات بل في وفرتها الهاتف الذي نضعه إلى جوارنا يمكن أن يحمل في دقائق أخبارا ورسائل ومقاطع ونقاشات ومشكلات الآخرين وبين إشعار وآخر، يجد العقل نفسه أمام مطالب متواصلة بالانتباه وهنا تظهر إحدى مفارقات العصركلما ازدادت قدرتنا على الوصول إلى المعلومات ازدادت...
ليست قيمة الأدب في ضخامة موضوعاته بقدر ما تكمن في قدرته على اكتشاف المعنى الكامن خلف الأشياء التي تبدو عادية فالنص الأدبي لا يصبح عميقا لمجرد أنه يتناول الموت أو الحب أوالحرب أو الوطن وإنما حين يستطيع أن يمنح هذه القضايا الكبرى تجسدها الإنساني من خلال تفصيل صغير في ظاهره لكنه مشحون بالدلالة من...
ثمة اعتقاد شائع بأن الأدب فن الكلام وأن قيمة الكاتب تقاس بقدرته على امتلاك اللغة وتوليد الصور وصياغة الجمل غير أن التجربة الأدبية في مستوياتها الأكثر نضجًا تكشف مفارقة تستحق التأمل ليست الكلمات وحدها هي التي تصنع دلالة النص فقد يكون لما لم يقَل أثر يفوق أحيانا أثر ما قيل من هنا يبرز الصمت...
فجأة قد تجد نفسك غارقا في شعور دافئ لم تعرف من أين جاء شعور يشبه نافذة فُتحت بعد زمن طويل في غرفة أثقلها الاختناق أوضوء خافت تسلل إلى قلب اعتاد العتمة لا شيء محدد حدث بالضرورة، لكن شيئًا في الداخل بدأ يتحرك من جديد وكأن الحياة تهمس لك: ما زال في الطريق متسع لبداية أخرى ومع ذلك لا يكون القلم...
ربما نحن جيل أتعبته الحروب وأثقلته الخيبات حتى أصبح يحمل في داخله بحارا من الدموع والأسى والشكوى والدعوات. جيلٌ لم يختر كثيراً مما عاشه لكنه وجد نفسه فجأة في مواجهة وطن تتنازعه الأوجاع وبيوتٍ غادرتها الطمأنينة وقلوب اعتادت أن تودّع أكثر مما تستقبل سرقوا منا أشياء كثيرة سرقوا من طفولتنا أمنها...
ما يثير شغف المشتغل بالفعل الثقافي أيا كان موقعه واتساع المشهد الذي يتحرك في فضائه هو ذلك الفضول الذي لا يتوقف عند حدود ما هو قائم بل يتجاوز المشهد إلى مساءلة تفاصيله: كيف يتشكل؟ وما مدى تنوعه؟ وكيف يتحرك؟ وماذا ينتج؟ ومن أين يستمد قدرته على البقاء والتجدد؟ فالثقافة ليست فعلاً عابراً يحدث في...
ليست الحياة في الأدب مجرد أحداثٍ تتعاقب ولاالشخصيات مجرد كائنات تتحرك داخل فضاء السرد فالميلاد والحياة والموت والأُنس والبقاء والغياب والذكريات كلها مفردات تتجاوز حضورها المباشر لتتحول إلى علاماتٍ وإيحاءاتٍ تفتح أمام القارئ أبواباً واسعة للتأويل. وكذلك الطبيعة؛ فالنبتة والشجرة والمطر والبحر...
مع كل نغمة حب هفت أرواحنا سفرا ورحيلا وفي كل ترنيمة شجنٍ هامت قلوبنا بين الفرح والحزن كانت تقاسيم اللحن اليمني تحملنا كالمطر، إلى مداراتٍ بعيدة من الذاكرة والحنين. وحين يشدو أيوب طارش بجمال الكلمة وعذوبتها يجيء صوته الآسر ليمنحها مزيدًا من الرقة والانسياب، وتأتي رخامته المميزة فتكسو الحروف...
يا يَمَن يا موطن الأمجادِ والعِز يا قبلة التاريخِ يا شعلة العزمِ يا أرضَ سبأٍ يا نبض أمتنا يا صخرة عصية في وجهِ كلّ هزيمهْ ما هزكِ العصف ولا أطفأْت جذوتَكِ ريحُ المحن ولا استكانَتْ لكِ الغُيومْ إن ضاقَ ليلُك في مآقيكِ الفجرُ وإن تثاقلت الجراح فأنت لا تستسلمينْ نحنُ اليمانيونَ لا نرضى وصاية...
في الليل تبدو الذاكرة أكثر جرأة تستعيد تفاصيل ظننا أننا تجاوزناها وتفتح ادراجا قديمة خبأنا فيها رسائل لم نرسلها وعتاب لم نقله ودموع أخفيناها خلف ابتسامة طالما أقنعنا بها الآخرين أننا بخير لذلك يرتدي الليل أحيانا حداد الماضي لا لأن الإنسان يريد أن يعيش أسيرا له، وإنما لأن بعض الذكريات لا تموت...
كان يأتي إلى المقهى كل يوم في الموعد نفسه تقريبًا ويختار الطاولة القريبة من النافذة. لم يكن أحد يعرف سرّ تعلق الرجل المسن بذلك المكان، حتى في الأيام التي لا يكون فيها ما يغري بالبقاء. كان يطلب كأسًا من الشاي بالنعناع، وطبقًا صغيرًا من المرق، ثم يجلس صامتًا، كأنه جاء ليستمع إلى شيء لا يسمعه...
لم يكن انتقال الشعر العربي من المدارس الملتزمة إلى المدارس الحديثة مجرد تبدّل في شكل القصيدة ولا خروجا فوضويا من نظام القافية والبحر إلى فضاء أكثر اتساعًا بل كان تحوّلًا عميقًا في وعي الشاعر بذاته، وباللغة وبالإنسان، وبالعالم من حوله فقد انتقلت القصيدة العربية خلال مسيرتها الحديثة، من كونها...

هذا الملف

نصوص
419
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى