في ليلة هادئة، وبعد أن انطفأت أضواء المكتبة، وغفت الرفوف على همس الورق، تناهى إلى سمع كتاب " تهافت الفلاسفة " أن اسما عزيزا عليه لم يعد له وحده ، فهب من مكانه مذعورا، ونفض عن غلافه غبار القرون، وقال في غضب مكتوم : من الذي يجرؤ على حمل اسمي؟
أجابه" حي بن يقظان " هامسا: ثمة كتاب جديد في الرف المقابل يحمل الاسم نفسه للأستاذ كمال القصير .
ارتجف العنوان على غلافه كأنه شيخ كبير رأى شبابه يسير في جسد غيره ؛ وفي الصباح، حين دخل أحد القراء، سأل بائع الكتب : هل عندكم "تهافت الفلاسفة"؟ ، فأجاب البائع ببساطة: أيهما تريد؟ القديم أم الجديد؟ ، فكانت تلك الجملة أشد عليه من ألف نقد وألف رد.
وفي تلك الليلة، قرر أن يرفع شكواه إلى المعلم الأول أرسطو ، علّه يجد عنده إنصافا ؛ فجلس أرسطو في صدر المجلس، تحيط به الصحائف من كل جانب، ثم أذن للطرفين بالكلام.
تقدم الكتاب العتيق، وقد علا صوته بحرقة: يا أيها المعلم ، حملت هذا الاسم ما يقارب منذ قرون ، عرفتني به المدارس، وتداولتني الأيدي، وكتبت عني الشروح والحواشي، حتى صار اسمي علما عليّ ، واليوم يأتي كتاب جديد، فيشاركني الاسم نفسه، حتى صار بائع الكتب يخيّر الناس بيننا، وكأن تاريخا بأكمله مجرد خيارين على رف واحد ، نظر إليه أرسطو طويلا، ثم أشار إلى الكتاب الجديد ، قال له برفق : وما جوابك؟
خفض الكتاب رأسه قليلا، ثم قال:" أدرك التشابه بين عنواني وعنوان كتاب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وإني لأرضى من الدار بعتبة الباب، فذلك حسبي، وأنى لمثلي أن يلج دار أبي حامد أو يناطح اسمه، فضلا عن عقله. لكن العنوان وليد ملاحظات لما استقر عليه وضع الفلسفة الغربية وتطوّرها حتى اللحظة الحالية، وأيضا لضحايا وصرعى ثنائياتها الوهمية، في صفوف كثير من النخب العربية والإسلامية.وليسامحني الغزالي الميت جسدا، والحي فكرا، على هذا الاقتباس، الذي أرجو أن يكون جذوة من نار علمه، فإني إذ اقتربت من ميراث أبي حامد فقد آنست نارا، لعلي آتي القارئ منها بقبس . والله ما اخترت اسمي تباهيا، ولا رغبة في سرقة مجد أحد. أنا ابن زمن آخر، ولي قضية أخرى، وأسئلة أخرى، وإن تشابهت الحروف على الغلاف ، لم أمسح اسمه عن الذاكرة، ولم أطلب من أحد أن ينساه."
قاطعه القديم بانفعال: ولكنك أخذت ما ليس لك.
ابتسم الجديد في هدوء وقال : وهل الأسماء ملك لأصحابها إلى الأبد؟ كم من رسالة ، و مقدمة ، و ديوان ، حملتها القرون على أكتاف مؤلفين مختلفين ، الذي يبقى في النهاية الروح التي تسكنه.
عندها تنحنح أرسطو ، وقال كمن يخاطب الكتب والبشر معا : أخطأ من ظن أن المجد يسكن الغلاف ، إنه لا يقيم إلا في الصفحات ، لو كان الاسم وحده يصنع الخلود، لكانت المكتبات مليئة بالخالدين ، ولكن الذي يبقى هو الفكر الذي يجعل القارئ، بعد مئات السنين، يفتح الكتاب وكأنه كُتب هذا الصباح.
ثم التفت إلى الكتاب القديم وقال: لا تخف على اسم حفظه التاريخ ، والتفت إلى الجديد وقال: ولا تعتمد على اسم لم تصنعه بيدك.
وقبل أن ينفض المجلس، سأل كتاب " نقض المنطق" كان يراقب المشهد من آخر الرف : ومن سيربح القضية إذن؟
ابتسم المعلم أرسطو ، وأجاب: القارئ وحده ، إذا خرج من الكتابين بفكرة جديدة، لا بعنوان جديد ، ومنذ تلك الليلة، كلما دخل أحد الزبائن وسأل بائع الكتب : هل عندكم "تهافت الفلاسفة"؟
كانت الرفوف كلها تبتسم في صمت، لأنها وحدها تعرف أن المعارك الكبرى تدور بين الأفكار لا بين الأغلفة .

#حديث_الكُتَّاب #حديث_الكتب #يوميات_بائع_كتب #كُتَّابٌ_عَرَفتٌهُمْ #للجميع #كتب #tous #الكتاب #القراءة Librairie Alfia مكتبة الألفية
أجابه" حي بن يقظان " هامسا: ثمة كتاب جديد في الرف المقابل يحمل الاسم نفسه للأستاذ كمال القصير .
ارتجف العنوان على غلافه كأنه شيخ كبير رأى شبابه يسير في جسد غيره ؛ وفي الصباح، حين دخل أحد القراء، سأل بائع الكتب : هل عندكم "تهافت الفلاسفة"؟ ، فأجاب البائع ببساطة: أيهما تريد؟ القديم أم الجديد؟ ، فكانت تلك الجملة أشد عليه من ألف نقد وألف رد.
وفي تلك الليلة، قرر أن يرفع شكواه إلى المعلم الأول أرسطو ، علّه يجد عنده إنصافا ؛ فجلس أرسطو في صدر المجلس، تحيط به الصحائف من كل جانب، ثم أذن للطرفين بالكلام.
تقدم الكتاب العتيق، وقد علا صوته بحرقة: يا أيها المعلم ، حملت هذا الاسم ما يقارب منذ قرون ، عرفتني به المدارس، وتداولتني الأيدي، وكتبت عني الشروح والحواشي، حتى صار اسمي علما عليّ ، واليوم يأتي كتاب جديد، فيشاركني الاسم نفسه، حتى صار بائع الكتب يخيّر الناس بيننا، وكأن تاريخا بأكمله مجرد خيارين على رف واحد ، نظر إليه أرسطو طويلا، ثم أشار إلى الكتاب الجديد ، قال له برفق : وما جوابك؟
خفض الكتاب رأسه قليلا، ثم قال:" أدرك التشابه بين عنواني وعنوان كتاب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وإني لأرضى من الدار بعتبة الباب، فذلك حسبي، وأنى لمثلي أن يلج دار أبي حامد أو يناطح اسمه، فضلا عن عقله. لكن العنوان وليد ملاحظات لما استقر عليه وضع الفلسفة الغربية وتطوّرها حتى اللحظة الحالية، وأيضا لضحايا وصرعى ثنائياتها الوهمية، في صفوف كثير من النخب العربية والإسلامية.وليسامحني الغزالي الميت جسدا، والحي فكرا، على هذا الاقتباس، الذي أرجو أن يكون جذوة من نار علمه، فإني إذ اقتربت من ميراث أبي حامد فقد آنست نارا، لعلي آتي القارئ منها بقبس . والله ما اخترت اسمي تباهيا، ولا رغبة في سرقة مجد أحد. أنا ابن زمن آخر، ولي قضية أخرى، وأسئلة أخرى، وإن تشابهت الحروف على الغلاف ، لم أمسح اسمه عن الذاكرة، ولم أطلب من أحد أن ينساه."
قاطعه القديم بانفعال: ولكنك أخذت ما ليس لك.
ابتسم الجديد في هدوء وقال : وهل الأسماء ملك لأصحابها إلى الأبد؟ كم من رسالة ، و مقدمة ، و ديوان ، حملتها القرون على أكتاف مؤلفين مختلفين ، الذي يبقى في النهاية الروح التي تسكنه.
عندها تنحنح أرسطو ، وقال كمن يخاطب الكتب والبشر معا : أخطأ من ظن أن المجد يسكن الغلاف ، إنه لا يقيم إلا في الصفحات ، لو كان الاسم وحده يصنع الخلود، لكانت المكتبات مليئة بالخالدين ، ولكن الذي يبقى هو الفكر الذي يجعل القارئ، بعد مئات السنين، يفتح الكتاب وكأنه كُتب هذا الصباح.
ثم التفت إلى الكتاب القديم وقال: لا تخف على اسم حفظه التاريخ ، والتفت إلى الجديد وقال: ولا تعتمد على اسم لم تصنعه بيدك.
وقبل أن ينفض المجلس، سأل كتاب " نقض المنطق" كان يراقب المشهد من آخر الرف : ومن سيربح القضية إذن؟
ابتسم المعلم أرسطو ، وأجاب: القارئ وحده ، إذا خرج من الكتابين بفكرة جديدة، لا بعنوان جديد ، ومنذ تلك الليلة، كلما دخل أحد الزبائن وسأل بائع الكتب : هل عندكم "تهافت الفلاسفة"؟
كانت الرفوف كلها تبتسم في صمت، لأنها وحدها تعرف أن المعارك الكبرى تدور بين الأفكار لا بين الأغلفة .
#حديث_الكُتَّاب #حديث_الكتب #يوميات_بائع_كتب #كُتَّابٌ_عَرَفتٌهُمْ #للجميع #كتب #tous #الكتاب #القراءة Librairie Alfia مكتبة الألفية