عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

افتتحنا المكتبة هذا الصباح على موعد مع وفاء نبيل ، ذلك المعدن النفيس الذي يندر أن تعثر عليه في زمن السرعة والنسيان.
شاب في مقتبل العمر قطع المسافة من مدينة بعيدة ،جاء مدفوعا بشوق قديم وذكرى عزيزة، يبحث بين الرفوف عن آثار أستاذه وشيخه العلامة عبد الله التليدي رحمه الله.
جلس يحدثني عنه، فإذا بالكلمات تتحول في فمه إلى ضرب من البر والاعتراف بالجميل ؛ قال إنه تتلمذ على يديه وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، فتلقى عنه من العلوم ما فتح له أبوابا واسعة من المعرفة، وتلقى من أخلاقه وسَمته ما ظل يرافقه في دروب الحياة كلها ؛ مرت الأعوام، وكبر الغلام، واقترب اليوم من الثلاثين ، لكن صورة الشيخ ما زالت حية في وجدانه، لم تنل منها السنون، ولم تغطها مشاغل الحياة.
وكان مما أخبرني به أنه عاهد نفسه أن يجمع ما استطاع من مؤلفات شيخه، لا طلبا للندرة ولا افتتانا بالاقتناء، وإنما وفاء لرجل ترك بصمته في روحه، وإجلالا لعالم كان سببا في تشكيل جانب من شخصيته وفكره.
ولأجل هذا العهد، تنقل بين مكتبات عدة، وسأل هنا وهناك، حتى قادته رحلته إلى مكتبتنا بحثا عن كتاب "الفوائد الجلائل في تخريج أحاديث السيرة والشمائل". وما إن وقع بصره عليه بين الرفوف حتى تبدلت ملامحه، وأشرق وجهه كأنه عثر على شيء ثمين ظل يفتش عنه طويلا.
تناول الكتاب بكلتا يديه كما لو أنه يصافح شيخه بعد غياب، وأخذ يقلب صفحاته بشغف ظاهر، فيما كانت الفرحة تتسرب من عينيه ، وللحظة، خُيل إليّ أن ذلك الشاب عاد سنوات طويلة إلى الوراء، يجلس من جديد في مجلس العلم، منصتا إلى صوت أستاذه وهو يلقي الدرس.
حين غادر، بقيت أفكر في تلك الصورة الجميلة: قد يرحل العلماء بأجسادهم، لكنهم يواصلون الحياة في تلامذتهم، وفي كتاب يحمله محب، وفي دعاء يترحم به وفيّ، وفي رحلة يقطعها شاب من مدينة إلى أخرى بحثا عن أثر من آثاره .🤗🤗

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى