عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب - عندما غادرت الرواية عرشها.

عرفتُها منذ ما يزيد عن عشرين عاما، امرأة تعرف الروايات كما يخالط البحّار التيارات البحرية ، تشمّ رائحة النص الجيد من صفحاته الأولى.
كانت ولا تزال قارئة نهمة، تدخل عالم الرواية كما يلج المرء بيتا قديما يبحث فيه عن نفسه ، كم من مرة رأيتها تحمل أكواما من الروايات بشغف المريد، تناقش الكُتّاب، وتفكك الشخصيات، وتلتقط الخيوط الصغيرة التي لا ينتبه إليها إلا القرّاء الحقيقيون.
لكنني، هذا المساء، شعرتُ بشيء مختلف في صوتها ، تناولتُ بعض الإصدارات الروائية الجديدة، وقدّمتها إليها بثقة العارف بذائقتها، فابتسمت تلك الابتسامة التي يسبقها تعب خفيف، ثم قالت بهدوء يشبه اعترافا طويلا: لقد مللت الرواية ، أريد أن أغيّر البوصلة، إلى أين ترشدني؟
للحظة، شعرتُ كأن إحدى الروايات العتيقة أغلقت بابها الأخير خلفها، وأدركتُ أن القارئ الحقيقي لا يبقى أسير جنسٍ أدبي واحد، مهما أحبه؛ لأن القراءة، في جوهرها، ليست إقامة دائمة في مدينة واحدة، لكنها سفر متواصل بين أرواح الكتب في عوالم متعددة .
قلتُ لها: اذهبي نحو التاريخ ، هناك ستجدين الرواية وهي تمشي على قدمين ، واقتربي من السير الذاتية والمذكرات، ففيها بشر حقيقيون نزفوا أحزانهم دون أن يختبئوا خلف الشخصيات ، فأخذت تتأمل الرفوف الجديدة بحذر مكتشف يخطو أولى خطواته في قارة مجهولة، بينما كانت الروايات خلفها تبدو كصديقات قديمات يراقبن الرحيل بصمت نبيل.
في تلك اللحظة، فهمتُ أن القارئ لا يخون الكتب حين يغيّر وجهته، لكنه ينمو فقط ، وأن أجمل ما في القراءة، أنها كلما منحتك طريقا، فتحت لك ألف طريق أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى