د. حسين أبوالحسن حسين - عودة سياسات القوة!

المأزق الراهن أنها لجأت لاحتواء القوة لا تعظيمها، وأخطأت فى قراءة مستجدات عالم القوة العائد، والخلل في موازينها عالميا؛ ولكى تفعّل إمكاناتها الهائلة، يجب أن نحدث تحولا فى ذهنيتنا؛ أن ندرك أن حريتنا لم تعد أمرا مفروغا منه؛ والحفاظ عليها يتطلب عزيمة، وأن نكون مستعدين للتغيير والعمل الشاق، بل للتضحية، بتعبير المستشار الألمانى.
مقالي باهرام الاثنين ٢٢ يونيو.. تحياتي واعتزازي
أوروبا تبحث عن حريتها!
د.محمد حسين أبوالحسن
وبخ وزير الدفاع الأمريكى بيت هيجسيث الزعماء الأوروبيين، حذرهم من أن أوروبا تواجه «غزو أيديولوجيات خطيرة» قادمة عبر البحر، إلى إسبانيا وإيطاليا واليونان وبلغاريا، وتساءل باستنكار: «متى ستتحركون لمواجهة هذا الغزو، أم أنه فات الأوان؟ آمل ألا يكون كذلك».
جاء ذلك فى تصريحات أدلى بها هيجسيث، فى فرنسا، خلال الاحتفال بالذكرى الثانية والثمانين لعمليات إنزال الحلفاء فى نورماندى، حين عبرت قوات الحلفاء القنال الإنجليزى لبدء تحرير أوروبا من النازى، هذه الانتقادات ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؛ دأبت إدارة ترامب على انتقاد القارة العجوز، لضعف دفاعاتها، وعجزها فى التعامل مع ملف الهجرة، وتشديد «الرقابة» على اليمين المتطرف والتيارات القومية لمنعها من الوصول إلى السلطة. فى العام الماضى، حذرت وثيقة «استراتيجية الأمن القومى الأمريكى» من أن أوروبا تواجه «طمسا حضاريا»، داعية لتصحيح مسارها إذا أرادت البقاء حليفا للولايات المتحدة، ما أثار الشكوك بشأن متانة العلاقة بين جانبى الأطلسى، وأخذت عواصم أوروبية تحاول التخفف من الاعتماد على التكنولوجيا والدفاع الأمريكيين، ما يلمح إلى أن القارة العجوز على أعتاب تحوّل استراتيجى، لاسيما مع قرب دخول قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من أوروبا تدريجيا حيز التنفيذ، فى إطار تقليص دعمها العسكرى لحلفاء «الناتو»، وفقا لصحيفة «فيلت أم زونتاغ» الألمانية.
تعتزم واشنطن خفض قواتها بألمانيا 15% من عددها البالغ 36 ألف جندى، ولطالما وجه ترامب انتقادات للناتو وهدد بالانسحاب منه، وبينما يستعد زعماء دول الحلف لعقد قمة بتركيا الشهر المقبل، يعتزم قادة أوروبيون زيادة الإنفاق الدفاعي؛ رضوخا لرغبة الرئيس الأمريكى، لكن بعض هؤلاء القادة- خاصة الرئيس الفرنسى ماكرون والمستشار الألمانى ميرتس- يرون أن العالم يعود إلى سياسات القوة؛ مع تآكل النظام العالمى الحالى القائم على القواعد؛ تحت ضغط صعود الصين والحرب الروسية- الأوكرانية، والحرب على إيران، وتراجع قدرة واشنطن على فرض القيادة؛ وبالتالى لا مفر من أن تنهى أوروبا «عطلتها الطويلة من التاريخ»- بتعبير الفيلسوف الألمانى بيتر سلوتردايك- بمعنى أن تتحول إلى قوة عالمية فاعلة، والطريق إلى ذلك يكون بسد فجوة الطموح والقدرة، تعزيز الردع داخل «الناتو»، وبناء شراكات تحمى المصالح بدل الاكتفاء بالخطاب القيمى، وأوضح المستشار الألمانى أن المهمة الأولى للأوروبيين- خاصة الألمان- هى الاعتراف بالواقع الجديد، دون القبول به كقدر محتوم.
أرجع المستشار الألمانى المأزق الأوروبى الراهن والاحتياج إلى «المظلة الأمريكية»، إلى أسباب منها أن التفكير الأوروبى ما بعد الحرب العالمية الثانية ارتكز إلى احتواء القوة لا تعظيمها؛ قصّرت أوروبا فى حق نفسها، وأخطأت فى قراءة مستجدات عالم القوة العائد؛ مثلا، يبلغ الناتج الإجمالى لروسيا 2.5 تريليون دولار، ويبلغ ناتج الاتحاد الأوروبى 10 أضعاف ذلك، لكن أوروبا حاليا ليست أقوى من روسيا بـ10 أضعاف، ومن ثمّ ينبغى تحديث هذا المنظور. قبل 15 عاما قال رادوسلاف سيكورسكى، وزير خارجية بولندا: «أخشى تقاعس ألمانيا أكثر من قوتها». والاستجابة لهذا النداء اليوم هو جزء من مسئولية برلين وباريس فى قيادة الركب الأوروبى، لا تستطيع ألمانيا الاكتفاء بردّ الفعل على كل خطوة تتخذها قوة عظمى، ولا يمكنها أن تمارس سياسات القوة داخل أوروبا، المعضلة الثانية أن عملية إعادة تشكيل موازين القوى عالميا تتسارع بوتيرة تفوق قدرة أوروبا على مجاراتها؛ ولكى تفعّل إمكاناتها الهائلة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، يجب أن نحدث تحولا فى ذهنيتنا؛ أن ندرك أن حريتنا، فى عصر سياسات القوى الكبرى، لم تعد أمرا مفروغا منه؛ وأن الحفاظ عليها يتطلب عزيمة، وأن نكون مستعدين للتغيير والعمل الشاق، بل حتى للتضحية، بتعبير المستشار الألمانى.
الصورة الكاملة تقول إنه يصعب على أوروبا شطب أمريكا كشريك، البديل هو الاحتفاظ بزخم العلاقة معها، وتعزيز التقارب مع الدول الكبرى والمتوسطة، كالصين والهند واليابان وكندا وتركيا والبرازيل ودول الخليج ومصر وجنوب إفريقيا على أساس الاحترام والمصالح على نحو أكثر نضجا وواقعية؛ يدرك الألمان- على وجه الخصوص- أن عالما لا يُحتكم فيه إلا إلى القوة هو عالم مظلم، وقد سارت ألمانيا فى هذا الطريق خلال القرن الـ20، وانتهت إلى نهاية مريرة وشريرة؛ لهذا يؤمن الأوروبيون بقيمة الشراكات القائمة على الثقة والقيم والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل. بعد عام 1945، كانت الولايات المتحدة مصدر إلهام بهذه الفكرة القوية؛ وأصبح حلف «الناتو» أقوى تحالف فى التاريخ؛ وسيظل الأوروبيون أوفياء لهذه الفكرة، يسعون لترجمتها بما ينسجم مع متطلبات العصر، عبر شبكة متنامية من الشراكات الاستراتيجية، كما أن القارة العجوز نفسها بحاجة إلى قيادة عبر الشراكة، لا أوهام الهيمنة. وأفضل طريق لذلك هو العمل التعاونى الإيجابى مع الجيران والحلفاء والشركاء. وحدد ميرتس ثلاثة أهداف يجب أن تعمل السياسة الخارجية والأمنية لبلاده- وبالتالى الأوروبية- على تحقيقها: الحرية والأمن والقوة؛ حريتنا فى المقام الأول، ويخدم أمننا حمايتها، بينما تساعد قوتنا الاقتصادية فى ازدهارها، ومن موقعها الراسخ فى القارة، يتعين على ألمانيا أن تحدد جدول أعمالها لهذه الحرية؛ فالأوروبيون ليسوا تحت رحمة هذا العالم ولا رهينة له، بل قادرون على حماية مصالحهم وقيمهم؛ إذا ما تصرفوا بحزم، ووحدة على المستوى الأوروبى، وبثقة بقوتهم الذاتية، وبمتانة العلاقة العابرة للأطلسى؛ فهل يكتب لأوروبا النجاح أم أن لإدارة ترامب رأيا آخر؟!.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى