عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

في سابقة نادرة وجميلة، دخل إلى المكتبة أب وأم ، لا يبحثان عن كتب مدرسية أو مراجع دراسية، لكن هذه المرة ، يفتشان عن دواوين شعرية لابنتهما التي لم تتجاوز بعد ربيعها الثالث عشر.
قالا لي بابتسامة ممزوجة بالدهشة والفخر: إنها تحب الرواية كثيرا، لكنها تكتب الشعر أيضا ، وتعشق الغَزَل على وجه الخصوص ؛ توقفت قليلا عند العبارة ، طفلة في هذا العمر المبكر، تميل إلى الشعر، وتفتنها اللغة الرقيقة والمشاعر العذبة، كأن روحها سبقت سنواتها بخطوات.
أخذا ينتقيان لها دواوين من شعر محمود درويش، نزار قباني ، فدوى طوقان، حافظ إبراهيم، وإيليا أبو ماضي، وكأنهما يختاران لابنتهما نوافذ تطل منها على جمال اللغة واتساع الإحساس.
في تلك اللحظة شعرت أن الأمر لا يتعلق بطفلة تقرأ الشعر فقط ، لكن نحن أمام قلب صغير يتعلم مبكرا كيف يرى الجمال في الكلمات، وكيف يصغي إلى العاطفة ببراءة الأدب لا بضجيج هذا العصر.
جميل أن تنشأ فتاة وفي داخلها هذا الميل النقي إلى الشعر، لأن من يتعود جمال العبارة، يصعب أن تؤذيه قسوة اللغة لاحقا ، ومن تربّى على القصائد، غالبا ما يحمل قلبا أكثر رهافة ورحمة ، فأحيانا لا تحتاج الطفولة إلى أشياء كثيرة ، يكفي ديوان شعر، وأسرة تؤمن بأن تهذيب الروح لا يقل أهمية عن تعليم العقل.
ما أجمل أن تكبر طفلة وبين يديها ديوان وليس هاتف فقط ، وأن تتعلم منذ الآن أن الكلمات الجميلة قد تنقذ الإنسان من قسوة العالم، وأن القصيدة أحيانا تصنع قلبا أكثر رحمة وعقلا أكثر اتساعا وروحا أقل وحشة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى