حسام الحداد - "أنطولوجيا الفتنة".. جسد المرأة كساحة صراع بين المدارس السلفية

يحتل مفهوم "الفتنة" موقعاً حيوياً في بنية العقل السلفي المعاصر، حيث يتجاوز كونه مجرد مصطلح فقهي ليتحول إلى "مبدأ تنظيمي" وشامل يحكم علاقة الفرد بالمجتمع، وعلاقة الجماعة بالفضاء العام. وفي قلب هذا المفهوم، تبرز المرأة ليس بوصفها كائناً أخلاقياً مستقلاً فحسب، بل كمركز ثقل أيديولوجي تُعلق عليه آمال الجماعة ومخاوفها؛ فالحضور الأنثوي في الأدبيات السلفية هو الترمومتر الذي يقيس مدى "نقاء" المجتمع أو "انحلاله". ومن هنا، تحولت الفتنة إلى "عدسة" يُبصر من خلالها السلفيون العالم، ويصيغون عبرها حدود المسموح والممنوع في حركة المرأة اليومية.
إن تحليل مفهوم الفتنة يتطلب تجاوز القراءات الوعظية التقليدية نحو مقاربات تعتمد على مناهج البحث الحديثة وعلم الاجتماع السياسي؛ إذ يكشف هذا التفكيك عن كيفية تحويل "جسد المرأة" إلى ساحة صراع كبرى على الهوية والسيادة. فبينما تبحث الدولة الحديثة عن المواطنة والفاعلية الاقتصادية، يبحث العقل السلفي عن "السكينة والقرار" كضمانات للسلم الأخلاقي. هذا الصدام لم ينتج فتاوى دينية فحسب، بل أنتج "أنظمة مراقبة" اجتماعية تجعل من خروج المرأة للدراسة أو العمل فعلاً سياسياً ورمزياً يتجاوز مجرد كسب العيش أو تحصيل العلم.
وعليه، فإن هذا المقال يسعى لاستكشاف الفروق الجوهرية بين التيارات السلفية الثلاثة (العلمية، الحركية، والمدخلية) في مقاربتها لـ "أنطولوجيا الفتنة". فبينما تحصرها السلفية العلمية في إطار "الحتمية البيولوجية"، وتوظفها السلفية الحركية كـ "ترس" في معركة الهوية ضد التغريب، تذهب السلفية المدخلية بعيداً لتربطها بـ "الأمن القومي" واستقرار الدولة. إن فهم هذه التباينات هو المفتاح لفهم كيف تُدار قضية المرأة في الفضاءات المحافظة، وكيف يُعاد إنتاج الوصاية باسم الحماية من الفتنة.

أنطولوجيا "الفتنة" في العقل السلفي
تتجذر أنطولوجيا "الفتنة" في العقل السلفي بوصفها ركيزة معرفية تُحدد طبيعة الوجود الأنثوي في العالم، حيث لا يُنظر للمرأة كذات مستقلة فحسب، بل كمركز ثقل في منظومة "الاختبار الإلهي" للرجل. ينطلق هذا المفهوم من قراءة نصية حذرّة، تجعل من جسد المرأة وحضورها "منطقة خطر" محتملة تتطلب إدارة فقهية صارمة. ويؤكد الشيخ عبد العزيز بن باز أن الفتنة بالنساء هي أعظم الفتن التي واجهت الأمم السابقة وتواجه الأمة الإسلامية، مستنداً إلى نصوص التحذير النبوي التي تجعل من المرأة المصدر الأول للافتتان في الفضاء العام (كتاب: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ج 4، ص 240).
من منظور علم الاجتماع السياسي، يتحول هذا المفهوم من وعظ ديني إلى "بناء اجتماعي للذعر" (Moral Panic)؛ حيث يتم تصوير خروج المرأة أو تبرجها كشرارة قادرة على إحداث انهيار شامل في المنظومة الأخلاقية للمجتمع. في هذا السياق، يصبح "الستر" بمستوياته المختلفة (الحجاب، النقاب، القرار) بمثابة "ضرورة أمنية" لحماية السلم القيمي العام، وليس مجرد خيار تعبدي فردي. ويشير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني إلى أن تبرج النساء ليس معصية شخصية، بل هو "جاهلية" تهدد نقاء المجتمع وتستوجب استنفار الأدوات الفقهية والاجتماعية لمحاصرتها (كتاب: جلباب المرأة المسلمة، ص 120).
وتعمل هذه الأنطولوجيا على صياغة علاقة المرأة بالفضاء العام بناءً على قاعدة "سد الذرائع"؛ فكل حراك أنثوي يُقاس بمقدار ما يجلبه من "فتنة" متوقعة. هذا التصور يجعل من المرأة "كياناً راديكالياً" في تأثيره، حيث يُنظر لصوتها أو صورتها أو حركتها كعناصر قادرة على زعزعة الانضباط الاجتماعي. ويذهب الشيخ صالح الفوزان إلى أن صيانة المجتمع من الفتنة تبدأ من إلزام المرأة ببيتها، معتبراً أن "القرار" هو الأصل الذي يحمي المرأة من أن تكون أداة في يد الشيطان لإغواء العباد (كتاب: تنبيهات على أحكام تخص المؤمنات، ص 15).
ختاماً، يؤدي ترسيخ مفهوم الفتنة إلى ما يمكن تسميته بـ "عسكرة الأخلاق"، حيث تُناط بالمرأة مسؤولية "العفة العامة". فإذا وقعت الفتنة، يُلقى باللوم السوسيولوجي على "حضور المرأة" لا على "نظرة الرجل"، مما يخلق بنية اجتماعية هيراركية تمنح الرجل حق الوصاية بذريعة الحماية من الفتنة. ويذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين أن حماية الرجال من الفتنة بالنساء هي مصلحة شرعية عليا تُقدم على كثير من المصالح الأخرى، مما يشرعن قيوداً صارمة على تعليم المرأة وعملها في بيئات مختلطة (كتاب: فتاوى نور على الدرب، ج 13، ص 45).

السلفية العلمية.. الفتنة كـ "مُعطى بيولوجي"
تتعامل السلفية العلمية مع مفهوم الفتنة بوصفه "حتمية بيولوجية" لا تنفك عن ذات المرأة، حيث يُنظر لجسدها وحضورها كقوة تأثيرية فطرية قادرة على استمالة الرجال وإضعاف الوازع الديني لديهم. ينطلق هذا التحليل من مركزية النص الفقهي الذي يقرر مبدأ "سد الذرائع" كأولوية قصوى. ويؤكد الشيخ عبد العزيز بن باز أن الفتنة بالنساء هي أصل المفاسد إذا لم تضبط بضوابط الشرع، معتبراً أن الطبيعة الأنثوية تحمل في طياتها "فتنة" تستوجب الحيطة الدائمة (كتاب: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ج 3، ص 352).
في تحليل هذا المفهوم، يُستشهد دوماً بالحديث النبوي: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، ليتحول النص من سياق التحذير الأخلاقي إلى قاعدة "أنطولوجية" تلازم كيان المرأة. ويرى هذا التيار أن "التكريم" الحقيقي للمرأة يتحقق بـ "الحجب"، أي بتعطيل مفعول هذه الفتنة عبر إخفائها عن الأعين، منعاً لتحولها إلى أداة إغواء بغير قصد منها. ويذكر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أن الستر الكامل هو الوسيلة الوحيدة لتعطيل أسباب الفتنة وضمان سلامة المجتمع من الانزلاق في الفواحش (كتاب: جلباب المرأة المسلمة، ص 54).
أنتج هذا التصور الفقهي قاعدة "المنع كأصل" في كل ما يتعلق بحراك المرأة خارج المنزل؛ فالأصل هو القرار، وما عداه من عمل أو دراسة يُصنف كـ "استثناء" لا يُباح إلا للضرورة القصوى. ويشدد الشيخ محمد بن صالح العثيمين على أن مصلحة بقاء المرأة في بيتها مقدمة على مصلحة كسبها المالي أو تحصيلها العلمي إذا شابه كدورة من الاختلاط، مؤكداً أن الفتنة تقع بمجرد الحضور في فضاءات الرجال (كتاب: فتاوى نور على الدرب، ج 22، ص 15).
وعند صياغة الفتاوى المتعلقة بالعمل، تضع السلفية العلمية شروطاً "خانقة" للممارسة المهنية، مثل عدم الاختلاط التام، والالتزام بالحجاب الكامل (بما في ذلك الوجه)، والحصول على إذن الولي. ويرى الشيخ صالح الفوزان أن عمل المرأة في بيئة يراها فيها الرجال أو تسمح بمخالطتهم هو تعريض للمرأة والرجال معاً للفتنة، وهو ما يحرمه الشرع من باب حماية "العرض" و"الدين" (كتاب: تنبيهات على أحكام تخص المؤمنات، ص 89).
من الناحية السوسيولوجية، يمارس هذا التيار ما يُعرف بـ "العزل الوقائي" (Protective Segregation). هذا العزل لا ينبع من "كراهية" للمرأة، بل من "خوف" مزدوج: خوف عليها من أطماع الرجال، وخوف منها بوصفها مركزاً للافتتان. ويؤدي هذا العزل إلى تحويل الفضاء العام (الشوارع، المؤسسات، الأسواق) إلى "فضاء ذكوري خالص"، تُصبح فيه المرأة كائناً عابراً أو دخيلاً يجب أن يمر بأسرع وقت وبأقل قدر من الأثر البصري أو السمعي.
كما يشير التحليل السوسيولوجي إلى أن هذا الخطاب يختزل هوية المرأة في "بعدها الجنسي/الفتنوي"، متجاهلاً كينونتها كفاعل معرفي أو منتج اقتصادي. ويُلاحظ الباحث أحمد سالم أن حصر الخطاب الفقهي في "تفتين المرأة للرجل" يجعل من العلاقة بين الجنسين علاقة قائمة على "التوجس" الدائم، مما يمنع تشكل علاقات زمالة أو تعاون مهني سويّ داخل الأطر الشرعية، ويجعل من الانسحاب هو الحل الوحيد المطروح (كتاب: صناعة التفكير الفقهي، ص 186).
ختاماً، تكرس السلفية العلمية مفهوم "الفتنة البيولوجية" لإعادة إنتاج نظام اجتماعي هرمي، تكون فيه "القوامة" هي الأداة الوحيدة لضبط هذا الكيان الفتان. ويذكر الشيخ حمود التويجري أن خروج المرأة ومزاحمتها للرجال هو "تغريب" يؤدي لرفع الحياء الذي هو مادة الستر، معتبراً أن كمال صيانة الجوهرة يكون في استقرارها بصدفتها (البيت) بعيداً عن أيدي العابثين وأنظار المفتونين (كتاب: الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور، ص 142).

السلفية الحركية.. الفتنة كـ "تهديد للهوية"
تنتقل السلفية الحركية بمفهوم الفتنة من حيز "البيولوجيا" إلى حيز "السوسيولوجيا السياسية"، حيث لا تُختزل الفتنة في الغواية الحسية فحسب، بل تمتد لتصبح مرادفاً لـ "التغريب" (Westernization) وفقدان الهوية. يرى هذا التيار أن الفتنة الكبرى تكمن في ذوبان الشخصية المسلمة في النموذج الغربي، مما يجعل من جسد المرأة وسلوكها في المجال العام ساحة للصراع بين "الأصالة" و"التبعية". ويؤكد المفكر محمد قطب أن قضية المرأة هي المدخل الرئيسي الذي يستخدمه الاستعمار الثقافي لضرب تماسك الأمة (كتاب: قضية المرأة، ص 24).
في تحليل هذا المفهوم، يُنظر لخروج المرأة "المتبرجة" أو المتأثرة بالقيم الغربية كفعل "تخريبي" يتجاوز مجرد المعصية الفردية ليصبح تهديداً للمجال العام. الفتنة هنا هي "الاختراق الثقافي" الذي يُفكك الروابط الأسرية ويغير بوصلة المجتمع. ويشير الداعية الحركي جاسم سلطان إلى أن تحول المرأة إلى أداة في يد النمط الاستهلاكي الغربي هو قمة الفتنة التي تستوجب بناء وعي مضاد يستعيد للمرأة دورها الحضاري (كتاب: فلسفة النهضة، ص 156).
على مستوى الفتاوى، يتسم الخطاب الحركي بـ "البراغماتية الرسالية"؛ فهو لا يتبنى "المنع المطلق" كما تفعل السلفية العلمية، بل يسمح بالدراسة والعمل السياسي والاجتماعي بشرط أن يكون هذا الخروج "مؤدلجاً". الالتزام بالزي السلفي (الخمار أو النقاب) يُقدم هنا بوصفه "ترياقاً" للفتنة؛ فالمحجبة حركياً لا تخرج لكي "تُفتن" أو "تفتن"، بل تخرج لتغيير المجتمع وإصلاحه. ويؤكد عبد الرحمن عبد الخالق أن خروج المرأة للدعوة والعمل العام بضوابطه هو ضرورة لمواجهة موجات الإلحاد والانحلال (كتاب: فصول من السياسة الشرعية، ص 88).
تتحول المرأة في هذا التيار إلى "كادر تنظيمي" أو "داعية ميدانية"؛ حيث يُعاد تعريف "الستر" ليكون وسيلة تمكين لا وسيلة حجب. فالحجاب يمنحها "الحصانة" التي تتيح لها الحراك في الجامعات والمؤسسات والنقابات دون أن تُعامل كجسد، بل كصاحبة رسالة. ويذكر الدكتور محمد أبو رمان أن السلفية الحركية استطاعت "تسييس الحجاب" ليصبح علامة على الرفض السياسي والثقافي للمشاريع العلمانية (كتاب: السلفية الحركية، ص 102).
سوسيولوجياً، يستخدم الحركيون ما يُعرف بـ "المقاومة بالرمز"؛ فالحجاب هنا هو "زي قتالي" (Combat Dress) يحمي المرأة من الذوبان الثقافي ويحدد المسافة بينها وبين "الآخر". الحضور العام للمرأة السلفية الحركية هو فعل سياسي بامتياز، إذ يعبر عن وجود "كتلة اجتماعية" صلبة ترفض التنازل عن ثوابتها. ويحلل الباحث ستيفان لاكروا هذا الحضور بوصفه أداة لفرض "القيم الإسلامية" في المجال العام عبر القدوة والممارسة الميدانية (كتاب: زمن الصحوة، ص 215).
علاوة على ذلك، يرى علماء الاجتماع السياسي أن السلفية الحركية مارست نوعاً من "التمكين المشروط"؛ فهي أخرجت المرأة من حيز "القرار في البيت" لتدفع بها في معارك الحشد والانتخابات، مما خلق "فاعلية أنثوية" لكنها تظل محكومة بأولويات الجماعة والقيادة. ويشير تحليل صبا محمود في دراساتها حول حركات الأخلاق إلى أن هذا الالتزام بالستر يُعد نوعاً من "الفاعلية التقوية" التي تعيد تعريف الحرية من منظور ديني نضالي (كتاب: ثقافة التقوى، ص 142).
ختاماً، يظل مفهوم الفتنة في السلفية الحركية "أداة تعبئة" تُستخدم لرسم الحدود بين المجتمع الإسلامي وبين "الجاهلية الحديثة". التكريم هنا ليس في "الحجب" بل في "التوظيف"؛ فالمرأة تُكرم حين تُمنح دوراً في معركة الهوية، بشرط أن يظل سترها هو الضمانة لعدم تحول هذا الدور إلى فتنة. ويذكر محمد قطب أن المعركة الحقيقية هي معركة "الوعي"، وأن المرأة هي الحصن الذي إذا سقط سقطت الأمة خلفه (كتاب: واقعنا المعاصر، ص 180).

السلفية المدخلية.. الفتنة كـ "مهدد للاستقرار السياسي"
تأخذ السلفية المدخلية مفهوم الفتنة إلى أبعاد تتجاوز الغواية الفردية أو التحدي الهوياتي، لتصيغه كقضية "أمن قومي" وضرورة استراتيجية للحفاظ على استقرار الدولة وبقاء جماعة المسلمين خلف ولي الأمر. الفتنة هنا ليست مجرد "معصية"، بل هي "فوضى" (Anarchy) تهدد التراتبية السلطوية التي تقوم عليها الرؤية المدخلية للمجتمع. ويؤكد الشيخ ربيع بن هادي المدخلي أن الفتن تبدأ بصغائر الأمور ومنها التهاون في أحكام النساء، لتنتهي بزعزعة استقرار الأمة والخروج على أئمتها (كتاب: جماعة واحدة لا جماعات، ص 92).
في تحليل هذا المفهوم، يرى المداخلة ارتباطاً شرطياً بين الانحلال الأخلاقي (الناتج عن خروج المرأة وتبرجها) وبين الثورات والاضطرابات السياسية؛ إذ يُنظر للمرأة المتفلتة من قيود "الستر" كمدخل للهدم الفكري والسياسي. الضبط الاجتماعي للمرأة هنا هو جزء لا يتجزأ من "الولاء السياسي" لولي الأمر، حيث يُعتبر انضباط الأسرة انعكاساً لانضباط الرعية. ويشير الشيخ محمد أمان الجامي إلى أن صيانة الأعراض وحفظ النساء في البيوت هو من أعظم أسباب استتباب الأمن ودحر كيد الأعداء المتربصين بالدولة (كتاب: شرح الأصول الثلاثة، ص 58).
أما أثر هذا المفهوم على الفتاوى، فيتجلى في تبني التوجه الأكثر راديكالية في "سد الذرائع"؛ حيث يتم تضييق واسع لمجالات خروج المرأة. خروجها للدراسة في تخصصات تُصنف "غير ضرورية" أو العمل في بيئات قد تفتح باباً يسيراً للاختلاط يُصنف فوراً كـ "فتح لأبواب الشر" على الدولة والمجتمع. ويشدد الشيخ عبيد الجابري على أن لزوم المرأة لبيتها هو الأصل الذي لا يجوز تجاوزه إلا بضرورة شرعية تُقدر بقدرها، محذراً من أن تساهل الأولياء في ذلك هو تفريط في الأمانة السياسية والشرعية (كتاب: تنوير المبتدئ بشرح منظومة القواعد الفقهية، ص 74).
من الناحية السوسيولوجية، يمارس هذا التيار ما يُعرف بـ "الضبط الكلي" (Total Control)؛ حيث تُرسم علاقة طردية بين استقامة الدولة وبين استقامة "خدر" المرأة. الفتنة هنا ليست هماً فردياً يخص المرأة وزوجها فحسب، بل هي قضية سياسية كبرى تستوجب أقصى درجات الانعزال الاجتماعي لضمان عدم حدوث هزات قيمية قد تُستغل سياسياً. ويحلل الباحث أحمد سالم هذا التوجه بوصفه "غلوّاً في التحريم" يهدف إلى خلق مجتمع ساكن تماماً، يُمنع فيه أي حراك نسائي قد يؤدي لتغيير الأنماط التقليدية للسلطة (كتاب: صناعة التفكير الفقهي، ص 188).
إضافة إلى ذلك، ينظر علم الاجتماع السياسي للخطاب المدخلي بوصفه يحول جسد المرأة إلى "مؤشر للانضباط العام". فبقدر ما تنجح السلطة (الأسرية والسياسية) في تغييب المرأة عن الفضاء العام، بقدر ما يطمئن النظام إلى سيطرته على المجتمع. ويذكر الشيخ فالح الحربي أن الفتنة التي تبدأ بنظرة أو كلمة في سوق مختلط، هي ذاتها التي تنتهي بتمرد الأبناء وضياع هيبة الكبير، مما يفتح الباب للفتن الكبرى التي تحرق الأخضر واليابس (كتاب: الفتاوى الأثرية في القضايا العصرية، ص 115).
كما يتسم هذا التيار بـ "تجميد الفعل الاجتماعي" للمرأة؛ فبينما تحركها السلفية الحركية لخدمة التنظيم، تعمل المدخلية على "تحييدها تماماً" لضمان السكينة العامة. الستر هنا يتوسع ليشمل "الستر السمعي والفكري"، بحيث لا يُسمح للمرأة بمناقشة الشأن العام أو المشاركة فيه، صوناً لها من الوقوع في فتن "التحزب" أو "المظاهرات". ويؤكد الشيخ ربيع المدخلي أن وظيفة المرأة هي الطاعة والستر، وأن أي دور يتجاوز ذلك هو تشبه بأهل الفتن والبدع (كتاب: كشف زيف التصوف، ص 140).
تنتهي المقاربة المدخلية إلى جعل المرأة "رهينة" لمفهوم أمني وضيق للفتنة؛ حيث تُعامل كخطر كامن يجب احتواؤه دائماً. هذا العزل، سوسيولوجياً، يؤدي إلى إلغاء أي فاعلية للمرأة في بناء الدولة الحديثة، ويحصر دورها في كونها "تحدياً أمنياً" يتم إدارته بالمنع والتحذير. ويرى نقاد هذا الفكر أن المبالغة في ربط استقرار الدولة بحجب المرأة يؤدي إلى "شلل اجتماعي" يُضعف البنية الكلية للمجتمع أمام التحديات الخارجية (راجع: نقد الخطاب السلفي حول المرأة، دراسات تحليلية، ص 118).
في الختام، يتبين أن مفهوم "الفتنة" في الفكر السلفي قد تحول من نصيحة نبوية للتوقي الأخلاقي إلى "آلية ضبط شاملة" تهدف إلى عسكرة اللباس والجسد في مواجهة تحولات الحداثة. إن النتائج السوسيوسياسية لهذا الحصر جعلت من حقوق المرأة في التعليم والعمل مجرد "منح" مشروطة بقدرة المرأة على إثبات "عدم تفتينها" للمجتمع، وهو عبء أخلاقي ورمزي لا يُطالب به الرجل إطلاقاً. لقد نجح هذا الخطاب في رسم حدود صلبة بين "نحن" الطاهرة و"الآخر" المفتون، لكنه في الوقت ذاته أنتج "عزلاً وظيفياً" نصف طاقات المجتمع باسم سد الذرائع.
إن المراجعة النقدية لهذا المفهوم تقتضي الفصل بين "التقوى الفردية" وبين "الإكراه الاجتماعي"؛ فالاستمرار في اعتبار حضور المرأة "تهديداً أمنياً" أو "اختراقاً ثقافياً" يؤدي بالضرورة إلى شلل اجتماعي يمنع المجتمع من التطور السوي. إن المستقبل يفرض ضرورة الانتقال من "فقه التوجس" الذي يرى في المرأة مشروع فتنة دائم، إلى "فقه الفاعلية" الذي يراها شريكاً في الاستخلاف والنهضة، لضمان ألا يظل ستر المرأة سياجاً يمنعها من المساهمة في بناء الواقع، بل حصناً يمنحها الثقة للمشاركة الكاملة كإنسان كامل الأهلية والمسؤولية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى